الجمعة، 9 أكتوبر 2026

الوِرد اليومي

 

خاطرة الجمعة /572

الجمعة 9 أكتوبر 2026م

(الوِرد اليومي)

 

يقول أحد الدُعاة: ركبتُ مُنذ فترةٍ ذات صباحٍ مع سائق سيارة أُجرةٍ صامتٍ لا يتكلم، سألتُه قبل الرُكوب عن وِجهتي، وهل يستطيع إيصالي إليها فأومأ برأسه أي نعم، كلَّمْتُه كعادتي مع كُل من أُرافقهم في طريقي؛ فلا أُحب أن أُضيِّع فُرصةً لدعوة مُسلمٍ ولو رافقته ساعةً. كلَّمْتُه في كُل شيءٍ؛ في الدين والدُنيا، في المَعاد والمعاش، والرجل ساكتٌ لا يرد، فقط ينظر إليّ مُبتسماً كأنه يوافقني، حتى وقع في نفسي شيءٌ من الضيق؛ إذ وجدتُ نفسي مُتطفلاً أُكَّلِم أحداً لا يُكلمني، وأُمازح رجلاً لا يُمازحني! غير أني كنتُ أُلاحظ شفتيه بين الحين والآخر تُتمتمان بشيءٍ لا أسمعه، حتى إذا ما وصلتُ إلى وِجهتي وهَممتُ بإعطائه أُجرته تكلم الرجل -ولأول مرةٍ- فقال: "سامحني يا أخي، ولا تحمل في نفسك شيئاً عليّ؛ فقد ركبتَ معي في الصباح الباكر، وهذا وقت وِردي من الذِكر، وقد عاهدتُ الله تعالى ألا أُكَّلِم أحداً قبله؛ لذا لا أبدأ في الكلام مع المخلوقين قبل أن أُكلم الخالق وأُناجيه؛ فلا تؤاخذني بما وجدتَ من صمتي!!"، شكرتُ الرجل ودعوتُ له بالخير، وانصرفتُ آسفاً على نفسي، وأنا الذي أستثقل أذكار الصباح التي رُبما لا تستغرق أكثر من سبع دقائق، وأُحارب نفسي حتى أفتح مُصحفي لأقرأ وِردي. هزَّني سائق سيارة الأُجرة من مجامع قلبي هزَّاً، وعلَّمني وهو في الشارع ما لم أُعلِّمه أنا للناس في محاريب الدرس، وفوق المنابر بنفس بهاء المعنى وروعته، هكذا علَّمني هذا السائق، غفر الله له.

 

أحبتي في الله.. هذه القصة ذكَّرتني بما رواه أحد الأطباء في «القاهرة»، كَتَبَ يقول: رجلٌ من أهل القُرآن كُنا قد قرَّرنا إجراء عمليةٍ جراحيةٍ له، وكان قد تجاوز الستين من عُمره، لِحْيَتُهُ بيضاء، ووجهه مُشرقٌ بالنور، حضر في موعده، ولمّا ارتدى ملابس الجراحة فوجئتُ به يبكي، فسألتُه: “لِمَ تبكي يا شيخنا؟ ما شاء الله، أنت من أهل القُرآن، وجهك مُنيرٌ، وأنت إمامُنا في المسجد”، فقال الرجل: “يا بُنيّ، واللهِ ما أبكي خوفاً من الموت، ولا رهبةً من الجراحة”، قُلتُ مُتعجباً: “فلماذا إذن تبكي؟”، قال الرجل: "عَلِمْتُ أن العملية قد تستغرق أربع ساعاتٍ أو أكثر”، قُلتُ: “نعم، ورُبما تمتد إلى خمس أو ست ساعاتٍ”، فقال الرجل: “أبكي لأنني سأُحرَم اليوم من وِردي اليومي من القُرآن الكريم، لن أستطيع قراءته”؛ فسألتُه: “وكم تقرأ من القُرآن يومياً؟”، قال الرجل: “بفضل الله، أختم المُصحف كل ثلاثة أيامٍ مرةً، فأقرأ في اليوم عشرة أجزاءٍ، وأخشى أن يضيع مني وِردي اليوم”. يقول الطبيب: “شعرتُ حينها بضآلة نفسي، ورأيتُ مدى تقصيري؛ فهذا رجلٌ يدخل غرفة العمليات وهَمُّهُ أن لا يفوته وِرده اليومي من القُرآن، بينما أنا صحيحٌ مُعافىً، رُبما تمر عليّ أسابيع أو شهورٌ دون أن أقرأ آيةً واحدةً من كتاب الله"! أعطيتُ تعليماتي للفريق الطبي بأن يُعطوا للرجل فترة ساعةٍ يُمكنه خلالها أن يقرأ ما استطاع من وِرده اليومي، وعندما أخبرتُه بذلك كاد أن يُقبِّل رأسي!

 

الوِرد من القُرآن هو قراءة المُسلم لصفحةٍ أو أقل أو أكثر من القُرآن الكريم بشكلٍ يوميٍ. أو أن يقرأ القرآن يومياً لزمنٍ مُعينٍ، أو في أوقاتٍ محددةٍ؛ كأن يتلوه قبل الصلوات المفروضة أو بعدها. وفي الأمر سِعةٌ ومرونةٌ حسب ظروف كل مُسلم.

 

يقول العُلماء إن هناك ثلاثة أنواعٍ من الأوراد اليومية الخاصة بالقُرآن الكريم التي يُستحَب للمُسلم المُحافظة عليها مهما كَثُرت شواغله: وِرد القراءة، ووِرد الحِفظ، ووِرد التدبُّر؛ فيقرأ، ويحفظ، ويتدبر؛ فيجعل لنفسه كُل يومٍ آيةً واحدةً على الأقل يعيش معها ويُطبِّقها في حياته.

وتُعَدّ تلاوة القُرآن من سُنَن الإسلام التي يُستحَبّ الإكثار منها؛ لأنّها السبيل إلى فَهم القُرآن وتدبره، وبالتالي العمل بما جاء فيه؛ يقول تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ﴾. وقد جاء بيان فضل تلاوة القُرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ . لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾. وتلاوة القُرآن سببٌ من أسباب شِفاء الصُدور والهِداية والرحمة؛ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال تعالى مُخبراً عن شكوى رسوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، والمعنى: يا ربِّ إن قومي تركوا هذا القُرآن وهجروه، مُتمادين في إعراضهم عنه، وتَرْكِ تَدَبُّره، والعمل به، وتبليغه. وفي الآية تخويفٌ عظيمٌ لِمَن هَجَر القُرآن فلم يعمل به. قال بعض العُلماء إن هجر القُرآن أنواعٌ؛ أحدها: هجر سماعه وقراءته. وثانيها: هجر فهمه وتدبره. وثالثها: هجر العمل به، والتحاكم إليه، والوقوف عند حلاله وحرامه. وإن كان بعض الهجر أهون من بعض. ولضمان عدم الوقوع في خطيئة الهجر ينبغي -لمن لا عذر له- أن يجعل لنفسه وِرداً يومياً، بحيث لا تزيد مُدة ختم المُصحف على أربعين يوماً، ولا يأثم إن تجاوز تلك المدة، وإن استطاع أن يختم في أقل منها فحسنٌ، وكُلما زاد من القراءة؛ فهي زيادةُ خيرٍ يُرجى له ثوابها.

 

ومما ورد عن (الوِرد اليومي) من القُرآن الكريم؛ قال عليه الصلاة والسلام: [إذا أويتَ إلى فِراشِكَ فاقرَأْ آيةَ الكُرسيِّ، لَن يَزالَ عليك مِنَ اللهِ حافِظٌ، ولا يَقرَبُكَ شيطانٌ حتَّى تُصبِحَ]، وقَالَ أيضاً: [الآيَتانِ مِن آخِرِ سورةِ البَقَرةِ، مَن قَرَأهُما في لَيلةٍ كَفَتاه]. وحينما أتَى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ صَحابيٌّ وقال: يا رسولَ اللَّهِ علِّمني شيئًا أقولُهُ إذا أوَيتُ إلى فِراشي، قال: [قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ فإنَّها براءةٌ منَ الشِّركِ].

 

ومن الفضائل التي يتحصّل عليها المُسلم بالتزامه بوِردٍ يوميٍ من القُرآن الكريم أن تلاوته سببٌ لنَيل شفاعته يوم القيامة، وبعض السُور تُحاج عن قارئها؛ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: [اقرَؤوا القُرآنَ؛ فإنَّه يَأتي يَومَ القيامةِ شَفيعًا لأصحابِه، اقرَؤوا الزَّهراوينِ البَقَرةَ، وسورةَ آلِ عِمرانَ؛ فإنَّهما تَأتيانِ يَومَ القيامةِ كَأنَّهما غَمامَتانِ أو كَأنَّهما غَيايَتانِ أو كَأنَّهما فِرقانِ مِن طَيرٍ صَوافَّ، تُحاجَّانِ عن أصحابِهما]. ومن فضائل قراءة القُرآن أنَّ تلاوته خَيرٌ من حُمُر النِّعَم؛ قال عليه الصلاة والسلام: [ثَلاثُ آياتٍ يَقرَأُ بهِنَّ أحَدُكُم في صَلاتِه خَيرٌ له مِن ثَلاثِ خَلِفاتٍ عِظامٍ سِمانٍ]. ومنها أيضاً رَفْع الدرجات في الجنّة يوم القيامة؛ قال صلى الله عليه وسلم: [يُقالُ لصاحِبِ القُرآنِ اقرأ وارتَقِ ورتِّل كما كنتَ ترتِّلُ في الدُّنيا فإنَّ منزلَكَ عندَ آخرِ آيةٍ تقرؤُها]. وصاحب (الوِرد اليومي) من القُرآن لن يضل أبداً؛ قال عليه الصلاة والسلام: [هذا القُرآنُ سبَبٌ طرَفُه بيدِ اللهِ وطرَفُه بأيديكم فتمسَّكوا به فإنَّكم لنْ تضِلُّوا ولن تهلِكوا بعدَه أبدًا].

 

يقول أهل العِلم إن قراءة (الوِرد اليومي) هو سِرُّ البركة في يومك، وهو باب الفتح، وأساس التوفيق، قَلَّ الوِرد أو كثُر؛ فلا عذرَ لك إن تخلَّيتَ عنه أو تركتَه؛ فهو رئتُك الثالثة في ظِل دُخان الحياة الذي يَخنق الأنفاس، ويُضيِّق الصدور، ويُعكِّر الصفو، وما حافَظ أحدٌ على وِرده إلا طابَت أنفاسُه، واتسع صدرُه، وصَفَت حياتُه. والوِرد بمثابة وجبتُك الرابعة، بل هي الأُولى أهميَّةً وترتيباً؛ حيث تبدأ بتناولها، فتجد الصحة والنشاط والسُرور والسعادة، ويجري في دَمِك منها غِذاءُ القلب وقوتُ الرُّوح، وإكسيرُ الحياة. إن (الوِرد اليومي) من كتاب الله هو المنهل الذي تستقي منه رُوحُك، وبدونه تبقى رُوحُك ظامئةً تُفتِّش عن مصدرٍ للارتواء، ومن المُحال أن تجد الرِيَّ في غيره.

ومن بركة (الوِرد اليومي) أنه يُرَّبي صاحبه على الانضباط، والاستمرارية، وعدم العَجَلة، ويُعلِّمه أن الأشياء الكبيرة تُبنى شيئاً فشيئاً، وما الكثير إلا قليلٌ مع قليلٍ، والإنجازات إنما تأتي بحُسن استثمار الأوقات يوماً بعد يومٍ، وساعةً بعد ساعة.

 

ويقول العارفون لمن ليس له وِردٌ يوميٌ من القُرآن الكريم: لا تَظُنَّ الأمر صعباً، فمن ألزَم نفسه بوِردٍ يوميٍ فلا يستصعبه أبداً؛ يقرأه أثناء ذهابه لعمله وعودته منه، وفي أوقات الانتظار، وفي وسائل المُواصلات، وقبل الصلوات المفروضة بين الأذان والإقامة، وفي قيام الليل، وفي صلاة التهجد، وفي وقت ما بعد صلاة الفجر إلى وقت الشُروق، وفي غير ذلك من أوقات؛ فانظُر كيف يُسهِّله الله له، ومع ذلك فإنه يحتاج إلى جهادٍ ومُجاهدةٍ، فلن تنعم به إلا بالصبر وإلزام النفس على المُداومة عليه؛ فانتصر بنفسِك على نفسِك، وجاهِد نفسَك، وكُنْ قويّاً شديداً معها إن هي حاوَلَت التنصل أو الهُروب، اعتبر نفسك في معركةٍ إن انتصرتَ فافرح، وإن انكسرتَ فاحزن وعاوِد مُقاومة الشيطان ونفسك، واستعِن بالله ولا تَعجز، واعلم أنه لا مُوفَقٌ إلا مَن وفقَّه الله، ولا بعيدٌ إلا من أبعده الله؛ فاطلب منه القُرب يُحقِّق لك هذا الكسب. وأفضلُ طريقةٍ للالتزام بوِردك هو أن تعتقد أولاً أنه أساس يومك، ومصدر طاقتك، وأنه ضرورةٌ من الضرورات التي لا يُمكن بأي حالٍ الاستغناء عنها، وتشبَّع بهذا الاعتقاد وتأمَّل ضرورته، ثم حاوِل أن تُلزم نفسك به إلزاماً لا رجعة فيه، وفرضاً إن تركته يوماً ما لسببٍ طارئٍ فعوِّض واقضِ؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إن فاته وِرده قضاه. ستجدُ مُتعةً غامرةً ونشوةً عجيبةً وأنت تنتقل كالماء العذب السلسال، والفيض الدافق الشلال، من سُورةٍ إلى سُورةٍ، ومن جُزءٍ إلى جُزءٍ، ثم تعود مرةً أُخرى؛ تَحِلُ وترتحل مع أعظم كلامٍ وأزكاه، وأبركه وأعظمه نفعاً، وستجد لهذا نشاطاً وحيويةً وقُوةً تسعد بها، وتشعر أنك أغنى الناس بما حقَّقتَ وتُحقِّق من نجاحٍ خلال تلاوتك وِردك.

 

وأوضح بعض الأفاضل -عن تجربةٍ- الطريقة التي تُيسِّر لنا أن نجعل لأنفسنا وِرداً يومياً من القُرآن؛ فقالوا:

احرص على أن يكون معك دائماً في كُل مكانٍ وفي كُل وقتٍ مُصحفٌ للجيب، أو على الهاتف المحمول. اعزم على أن تجعل قراءة وِردك من مهامك اليومية التي يجب أن تؤديها. خصِّص وقتاً ثابتاً في اليوم لقراءة الوِرد، واستغل أوقات الانتظار لذلك. ابدأ بوِردٍ واقعيٍ وبسيطٍ؛ لأن الإثقال على النفس يجعلها تتكاسل. شجِّع نفسك بالاتفاق مع أصحابك على ختم القُرآن سوياً؛ فالصُحبة الصالحة خير مُعينٍ على الطاعة. وذكِّر نفسك والآخرين دائماً بثواب قراءة القُرآن.

 

وعن (الوِرد اليومي) قال الشاعر:

وِرْدٌ إذا داوَمْتَهُ

أحيَا الفؤادَ وأسْعَدَهْ

يُلَمْلِمُ شَتاتَ الرُوحِ

كَي تَلْقَى الإلَهَ وَتَعْبُدَهْ

وقال آخر:

صَفَحَاتُ ما نَقْرَأْهُ اليَوْمَ

تَتَحَولُ مَعَ الأيامِ نُورا

يُمْضي في القَلْبِ سَكينَةً

وَيُزْكي الروحَ سُرورَا

وقال ثالثٌ:

طُوبَى لِمَن كَانت سَعادَةُ قَلْبِهِ

في آيةٍ مِن آي رَبْي تُتْلَى

وَالمُعْرِضُونَ عَن الكِتابِ كَأنّهُم

مِن بُؤسهِم بِيَدِ التَعَاسَةِ قَتْلَى

 

أحبتي.. إن كان للبعض منا وِردُه اليومي فليحمد الله عزَّ وجلَّ على أنه اختصه بهذه المِنَّة، وليُحافظ على وِرده دون كسلٍ أو تهاون. ومن فاته هذا الخير العميم فليعلم أنه يُمكنه أن يتدارك أمره ويُسرِع إلى البدء باسم الله، فيجعل لنفسه وِرداً بسيطاً وسهلاً، حتى إذا اعتاده زاده؛ وقليلٌ دائمٌ خيرٌ من كثيرٍ مُتقطع؛ يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: [أَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدْومُها وإن قَلَّ]؛ فابدأ بقراءة ولو صفحةً واحدةً من كتاب الله، وتذَّكر أن العادات الصغيرة إذا داومنا عليها فإنها تصنع أثراً عظيماً. ولِتَعْلَمْ يقيناً أن اليوم الذي تبدأه بوِردك هو يومٌ مُكلَّلٌ بالنجاح، واليوم الذي تتكاسل فيه عن وِردك يومٌ تعيسٌ ليس له طعمٌ. تَعامَل مع وِردك اليومي على أنه فريضةٌ أنت تفرِضها على نفسك، وتعتزم في قرارة نفسك أن تلتزم بها ولا تتركها مهما يكن الأمر. اعتبره كما لو كان نَذراً نَذرتَه وعليك شَرعاً الوفاء به. وتأكد أن (الوِرد اليومي) الذي تقرأه يتحول مع الأيام إلى نورٍ يُرافقك، وسكينةٍ تملأ قلبك، وعادةٍ جميلةٍ تُهذِّب سلوكك، وتُزكِّي روحك.

اللهم اجعلنا من أهل القُرآن وخاصته، وأصلِح لنا قُلوبَنا، ويسِّر لنا أعمالنا، وتقبَّلها منا؛ إنك أنت سُبحانك على كُل شيءٍ قدير.

 

*لقراءة الخاطرة كاملة*

https://www.facebook.com/share/1FfvfsGKjU/?mibextid=wwXIfr

*للاستماع الصوتي*

https://drive.google.com/file/d/1mdw5Mqhh7hJ7vHhvkzYPqlvCxqcadnY1/view?usp=drivesdk

 

 

 

 

 

الجمعة، 2 أكتوبر 2026

معية الله

 

خاطرة الجمعة /571

الجمعة 2 أكتوبر 2026م

(معية الله)

 

في مَمَّر أحد المُستشفيات الحكومية المُزدحمة، جلس «خالد» مطأطأ الرأس، يفرك يديه بتوترٍ شديدٍ، بجانبه حقيبةٌ بلاستيكيةٌ فيها أوراقٌ طبيةٌ وأشعةٌ، وابنه الصغير «عُمر» ذو السنوات السبع يجلس بجواره بصمتٍ، يُراقب ملامح والده المُنكسرة. كانت «أُم عُمر» في الداخل تحتاج إلى دعامةٍ قلبيةٍ عاجلةٍ، وتكلفة المُستلزمات التي لا يُغطيها التأمين تتجاوز بكثيرٍ قُدرة «خالد» المادية؛ فاضُطر لإجراء مُكالمةٍ هاتفيةٍ بعيداً عن ابنه، لكن صوته كان مسموعاً بوضوحٍ وسط هُدوء المَمَّر: "يا أخي؛ والله لولا الضرورة ما طلبتُ منك.. المبلغ كبيرٌ وأنا سأكتب لك إيصال أمانةٍ.. زوجتي تموت.. نعم.. نعم.. جزاكَ الله خيراً، عُذرك معك".. أغلق الهاتف والدُموع محبوسةٌ في عينيه.. كانت هذه المُكالمة الخامسة، والرد واحدٌ: "اعذرني؛ الظُروف صعبة". عاد «خالد» وجلس بجوار ابنه، ووضع رأسه بين كَفَّيْهِ وتمتم بكلماتٍ خرجت من قلبه بصدقِ المُضطر: "يا رب.. أُغلِقت كُلُ الأبواب، وما عاد لي وجهٌ أطلب من أحدٍ.. دبِّرها من عندك يا رب.. كُن معي.. أنا عاجزٌ وأنت القدير".

كان «عُمر» يسمع ويرى.. لم يفهم تفاصيل المال، لكنه فَهِم أن والده طلب من الناس مالاً لعلاج والدته فخذلوه؛ فطلب من الله وهو يبكي. قام «عُمر» بهدوءٍ، وقال لأبيه: "أبي؛ سأذهب لأشرب الماء"، أومأ الأب برأسه بالموافقة دون أن ينظر إليه. ذهب «عُمر» إلى آخر المَمَّر حيث تُوجد ماكينة القهوة والمشروبات، ووقف هناك حائراً، لم يكن يُريد الماء.. أخرج من جيبه "العيدية" التي كان يَدَّخِرها مُنذ أشهرٍ، وهي مبلغٌ بسيطٌ جداً من عُملاتٍ ورقيةٍ ومعدنيةٍ.. وقف في زاوية المَمَّر، ورفع يده الصغيرة بالنقود نحو سقف المُستشفى، وقال ببراءة طفلٍ ويقين رجلٍ: "يا رب.. اتصَل أبي بأصحابه وطلب منهم مالاً؛ فلم يُعطه أحدٌ منهم.. أنا معي هذه النقود، خُذها كلها واشفِ أُمي، ولا تكسر خاطر أبي؛ إنه معك دائماً؛ يُحبك ويُصلي لك". كان يقف بالقُرب من الماكينة رجلٌ خمسينيٌ، يرتدي بدلةً بسيطةً، بيده كوب قهوةٍ، ينتظر خروج نتائج تحاليل زوجته من الغُرفة المُجاورة. لفت انتباهه منظر الطفل وهو يرفع المال نحو السقف ويُتمتم. اقترب الرجل ببطءٍ وانحنى لمستوى الطفل وقال له بهدوءٍ: "ماذا تفعل يا حبيبي؟"، خاف «عُمر» قليلاً ثم قال: "أنا أتفق مع الله.. أبي ليس معه نقودٌ لعلاج أُمي، وأنا معي.. أُريد أن أُعطيها لله ليُساعدنا". تسمَّر الرجل في مكانه، هزَّته الكلمات، لم تكن مُجرد كلمات طفلٍ، كانت رسالةً مُوجهةً لقلبه مُباشرةً؛ سأل الرجل الطفل: "وأين والدك؟"، أشار «عُمر» بيده: "هناك.. هو الذي يضع يديه على وجهه"، طلب الرجل من الطفل أن ينتظره قليلاً، وذهب تجاه مكتب الحسابات وسأل الموظف بصوتٍ خافتٍ عن حالة المريضة التي يجلس زوجها هناك، عرف المبلغ، وعَلِم أن إجراء العملية لها يتوقف على الدفع الفوري؛ أخرج الرجل بطاقته البنكية دون ترددٍ، وسدَّد المبلغ كاملاً، وطلب من الموظف طلباً صارماً: "لا تذكر اسمي أبداً.. عندما يسألك زوجها قُل له فاعل خيرٍ.. وهذه الفاتورة أَعْطِها له ليصرف الدواء"، ثم عاد الرجل إلى الطفل «عُمر» الذي كان لا يزال واقفاً ينتظر استلام الله للمبلغ! جثا الرجل على رُكبتيه أمام الطفل، والدُموع تلمع في عينيه، وقال له مُبتسماً: "يا بُنيّ.. الله قَبِل عرضَك، واستجاب دعاءك فوراً، وسخَّرني لك.. اِحتفظ بنقودك لتشتري هديةً لأُمك عندما تخرج بالسلامة.. اتفقنا؟". عاد «عُمر» يركض لأبيه والفرحة لا تسعه: "أبي.. أبي.. الله استجاب دُعائي ووافق! الله دفع النقود!"، لم يفهم الأب شيئاً حتى نادى عليه مُوظف الحسابات وسلَّمه إيصال السداد وتصريح دُخول العمليات؛ ذُهل الأب: "مَن دفع؟ وكيف؟"، قال الموظف: "فاعل خيرٍ.. ادعُ له"، التفت الأب حوله يبحث عن هذا الشخص، فلم يجد إلا وجوه الغُرباء، نظر لابنه «عُمر»، فتذكر دعوته الصادقة؛ احتضن ابنه وبكى، ليس بُكاء الحزن، بل بُكاء الفرحة؛ فقد استشعر (معية الله). أدرك الأب حينها أن اتصالاً واحداً بالله سُبحانه وتعالى بقلبٍ صادقٍ، ولو كان قلب طفلٍ، أسرع وأوثق من ألف اتصالٍ بعباد الله في الأرض.

 

أحبتي في الله.. قال راوي القصة مُعَّقِباً عليها: نتأمل القصة لنأخذ العبرة منها فنجد فيها تدبير الله للأسباب الواقعية؛ فالله عزَّ وجلَّ لا يُرسل نقوداً من السماء، بل يُسخِّر عباده لعباده؛ فالرجل الذي دفع المال كان موجوداً في نفس المكان والزمان لسببٍ، والطفل الذي ذهب إلى ذات المكان كان موجوداً هناك وفي نفس اللحظة لسبب. ومن العِبر أيضاً؛ اليقين بالله لا يحتاج لغةً فُصحى، ولا كلماتٍ محفوظةً، ولا سجعاً، ولا تكلُّفاً؛ فقد كانت دعوة الطفل بكلماتٍ بسيطةٍ وصادقةٍ، خرجت من قلبٍ مُوقنٍ بأن الله معه، موجودٌ يسمع ويرى ويُدبِّر الأمر، بينما نحن الكبار قد ندعو وقلوبنا مُعلقةٌ بالأسباب لا برب الأسباب.

وعبرةٌ أُخرى من القصة؛ أن الله حينما يُغلق في وجه عبده أبواب البشر، فما ذلك إلا ليرده إليه، ليسمع صوته، وليكون الفرج في (معية الله) وحده؛ فلا تكون لغيره من البشر مِنَّة.

 

وردت (معية الله) في مواضع عدةٍ من القُرآن الكريم، تُوضح دعم الله سُبحانه وتعالى المؤمنين في مُختلف المواقف، وهي تُظهِر قوة الإيمان وأهمية الاعتماد على الله في كُل الأحوال، والثقة بأنه مع عباده المتقين المحسنين الصابرين؛ يرعاهم ويهديهم ويحفظهم من كل شر؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. كما كانت (معية الله) مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ يقول عزَّ وجلَّ: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. كما كانت مع النبيين والرُسُل؛ يقول تعالى مُخاطباً موسى وهارون عليهما السلام: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، وقال موسى عليه السلام وقت الشدة: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. كما كان الله في معية إبراهيم عليه السلام؛ يقول سُبحانه: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، وقبل ذلك كان في معية نوحٍ عليه السلام وقال له: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. كما أن (معية الله) كانت للملائكة لتثبيت المؤمنين وقت القتال؛ يقول عزَّ وجلَّ: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. والله معنا جميعاً؛ يقول تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾.

 

وفي الحديث القُدسي؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [يقول الله جلَّ جلاله: أنا عِندَ ظَنِّ عَبدي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَني، فإن ذَكَرَني في نَفسِه ذَكَرتُه في نَفسي، وإن ذَكَرَني في مَلَإٍ ذَكَرتُه في مَلَإٍ خَيرٍ منهم، وإن تَقَرَّبَ إليَّ بشِبرٍ تَقَرَّبتُ إليه ذِراعًا، وإن تَقَرَّبَ إليَّ ذِراعًا تَقَرَّبتُ إليه باعًا، وإن أتاني يَمشي أتَيتُه هَرولةً].

 

ووردت إشاراتٌ عن (معية الله) في السُنَّة النبوية؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إِنَّ أَفْضَلَ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُ كُنْتَ]. وقال عليه الصلاة والسلام: [إذا أحَبَّ اللهُ العَبدَ نادى جِبريلَ: إنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحبِبْه، فيُحِبُّه جِبريلُ، فيُنادي جِبريلُ في أهلِ السَّماءِ: إنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحِبُّوه، فيُحِبُّه أهلُ السَّماءِ، ثُمَّ يوضَعُ له القَبولُ في الأرضِ]. كما قال صلى الله عليه وسلم: [احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ، إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ].

 

يقول أهل العِلم إن (معية الله) تجلب السعادة والرضا والفرح والسرور، والسكينة والطُمأنينة، وتجلب العز والنصر، إن سر سعادة قلب المُؤمن بأن يشعر أن الله راضٍ عنه. وإذا كان أكثر الناس يتفاخرون بمعية العُظماء والكُبراء والمشاهير، يلوذون بهم ويحتمون، وقد شغلتهم دُنياهم عن ربهم، وغرَّهم سُلطان البشر بمعية الناس عن (معية الله) رب الناس، فإن أهل الإيمان العُقلاء، يتعلقون بمعية ربهم ومولاهم، فهي عزُهم وفخارُهم،  يعملون لنيلها، ويرجون ثمارها لقُلوبهم ونُفوسهم وحياتهم؛ ليسعدوا بكونه سُبحانه معهم في كُل حالٍ وكُل مكانٍ وزمانٍ؛ فإن شعور المؤمن أنه في كَنَف الله، مصحوباً بمعيته وعنايته، يطرد عنه شبح الوحدة المُخيف، ويجعله في أُنْسٍ دائمٍ بربه، ونعيمٍ موصولٍ بقُربه؛ فمن كان مع الله لا يُبالي بأحدٍ في الدُنيا كُلها.

 

ويقول العارفون: عندما يستشعر المؤمن أنه يعيش في (معية الله) تبارك وتعالى يسير في هذه الحياة وهو يُردد: إذا كان الله معك فمَن عليك؟ وإذا كان عليك فمَن معك؟ وإذا تخلى الله عنك تخلى عنك أقرب الناس إليك، وإذا كان معك سخَّر لك ألد أعدائك، إذا كان الله معك فكُل مَن في الأرض معك؛ ألقى محبتك في قلوب الخَلق، وإذا كان الله عليك، ألقى البُغض في قلوب الخَلق؛ فمن نال (معية الله) ورضوانه نال كُل شيءٍ، فإذا رضي الله عنه أرضى الناس عنه وآمَنه من شرهم، ومَن كان مع الله عزَّ وجلَّ كان الله معه.

 

واتصالاً بالموضوع ذاته كتب أحدهم في مُذكراته فقال: "بعد الوصول إلى «الهند» ذهبتُ إلى القصّاب لشراء بعض اللحم، وكان كُلما أراد أن يزن اللحم لأحدٍ فتح كيساً عنده ونظر فيه، ثم وزن اللحم وباعه للزبون، فلما جاء دوري فعل كما فعل مع مَن قبلي؛ فسألته: "لماذا تنظر في الكيس قبل أن تزن لكل زبون؟"، قال -وهو وثنيٌ يعبد الأصنام-: "إنني أنظر إلى ربي الموجود في الكيس؛ حتى لا أنسى ربي، وأغش في الميزان"! فإذا كان الوثني عنده هذا المعنى في صنمٍ باطلٍ يعبده فأولى بأهل الحق أن يستشعروا دائماً (معية الله) فلا يعصونه، بل يقومون بالحق وبه يعدلون ويشهدون، ويقيمون الشهادة لله تعالى.

 

يقول الشاعر:

مع اللهِ في القلبِ لمّا انكسَرْ

مع اللهِ في الدمعِ لما انهمَرْ

مع اللهِ فجراً.. مع الله ظُهراً

مع اللهِ عَصراً.. وعند السَحَرْ

مع الله سِرّاً.. مع الله جَهراً

وحين نَجِدُّ، وحين السَّمَرْ

مع اللهِ في الكربِ لما انجلى

مع اللهِ في الهمِّ لما اندثرْ

وعند الركوعِ.. وعند الخشوعِ

وعند الصَّفا حين تُتلى السُّوَرْ

مع اللهِ حين نجوزُ الصراطَ

نلوذُ.. نعوذً به مِن سَقَرْ

مع اللهِ في سِدرةِ المُنتهى

مع اللهِ حين يَطيبُ النَظرْ

 

أحبتي.. إن إحساس المُسلم واستشعاره (معية الله) تعالى يجعله يعيش في راحةٍ وطُمأنينةٍ وسكينةٍ؛ فهو لا يخاف إلا الله، ولا يرجو إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يسأل غير الله؛ لأن الله هو القوي؛ فمن كان الله معه فمعه القوي الذي لا يُقهر، والقادر الذي لا يُغلب ولا يُهزم، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل.

إذا أردنا (معية الله) لنا فلنكن نحن في معيته دائماً؛ إذا ضاقت علينا الدُنيا فلنقل: يا الله، إذا تخلي الناس عنا فلنقل: يا الله، إذا نزلت بنا شدةٌ فلنقل: يا الله، إذا سألنا فلنسأل الله، إذا توكلنا فلنتوكل على الله، إذا أُوصدَت الأبواب أمامنا، وأُسدِلت الستور في وجوهنا فلنقل: يا الله، إذا بارت الحيل، وضاقت السُبل، وانتهت الآمال، وتقطعت الحبال، فلننادي: يا الله، وإذا ضاقت علينا الأرض بما رَحُبَت، وضاقت علينا أنفسنا بما حملت، فلنهتف يا الله.

اللهم إنا نسألك أن تكون معنا لا علينا، وأن تنصرنا ولا تنصر علينا، وأن تُعِنّا ولا تُعِن علينا.

 

*لقراءة الخاطرة كاملة*

https://www.facebook.com/share/1b3rpqG9rA/?mibextid=wwXIfr

*للاستماع الصوتي*

https://drive.google.com/file/d/1xmfc0p01eUB0h5Sc0lXjV5-ZgZal-RNR/view?usp=drivesdk

الجمعة، 25 سبتمبر 2026

نقمة المال

 خاطرة الجمعة /570

الجمعة 25 سبتمبر 2026م

(نقمة المال)

 

نُشِرت هذه القصة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، وقد وقعت أحداثها في «المملكة العربية السعودية»، تقول القصة:

حين يأتي الغَدْر من غريبٍ، قد يجد الإنسان في قلبه ما يكفي من القُوة لمواجهته، لكن حين تأتي الطعنةُ من الأب والإخوة والأخوات، يُصبح الألم أعمق من أن يُوصف، لأن المكان الذي يُفترض أن يكون ملاذاً يتحول إلى سجنٍ، والأهل الذين يُفترض أن يكونوا سنداً يُصبحون مصدر الخطر.

بدأت القصة بمأساةِ امرأةٍ في سن الخامسة عشرة، حين تزوجت وأنجبت عدداً من الأبناء، واستمرت حياتها الزوجية حتى بلغت الثلاثين قبل أن تنتهي بالطلاق، لينتقل أطفالها للعيش مع والدهم. بعد ذلك تزوجت من رجلٍ آخر ميسور الحال، تُوفيَّ لاحقاً، فآلت إليها حصتها الشرعية من تَرِكَتِه، والتي قاربت مليون ريال.

كان ذلك المالُ حقاً خالصاً لها، لكن هذا المالَ تحول إلى بداية النهاية، بعدما استولى الطمع والحقد على قلوب أقرب الناس إليها؛ حين بدأ أفراد أُسرتها في التضييق عليها ومُلاحقتها، وكان أحد إخوتها أكثرهم شراسةً، إذ اعتاد التردد عليها ومُطالبتها بالمال، ولم يكتفِ بالطلب، بل هدَّدها صراحةً، وسط تأييدٍ وتمكينٍ من بقية أفراد الأُسرة، بل ومن والدها! وخلف الأبواب المُغلقة، عاشت المرأة الأربعينية أياماً وليالي قاسيةً، تعرضت خلالها للأذى الجسدي، وحُرمت من الطعام والعلاج، وتحولت حياتها إلى عزلةٍ قسريةٍ لا تعرف فيها متى يأتي الخطر ومن أين؟ لكنها، رغم الحصار المفروض عليها، لم تستسلم، وبذكاء امرأةٍ أدركت أن حياتها أصبحت في خطرٍ، تمكنت من إرسال استغاثاتها سِراً إلى أبنائها الذين كانوا يعيشون مع والدهم؛ أرسلت إليهم رسائل وتسجيلاتٍ صوتيةً شرحت فيها ما تتعرض له، وكيف يُمنع عنها الطعام والعلاج، وذكرت أسماء والدها وإخوتها الذين شاركوا في سجنها وتكبيلها وضربها. وكانت تُحذِّر أبناءها في الوقت نفسه من القُدوم إليها من دون توثيق، لأنها كانت تُدرك أن أية مُحاولةٍ لإنقاذها قد تُطمس آثارها وتتحول القضية ضدهم. ثم جاء اليوم الذي انتهت فيه كل مُحاولاتها للبقاء؛ اقتحم شقيقها مكان وجودها، وطالبها مرةً أُخرى بأن تُسلِّمه المال، لكنها تمسكت بحقها ورفضت الخُضوع لابتزازه، عندها تحولت المُطالبة بالمال إلى جريمةٍ؛ إذ أقدم شقيقها على طعنها بسكينٍ في بطنها، لتُفارق الحياة مُتأثرةً بتلك الطعنة. لكن المأساة لم تنتهِ بموتها، بل بدأت مرحلةٌ أُخرى من الجريمة؛ فعندما علم باقي أفراد الأُسرة بما حدث، اتفقوا على التسترِ على أخيهم الجاني، وإخفاءِ حقيقة الوفاة، ونقلِ جُثمانها على أساس أنها تُوفيت وفاةً طبيعيةً. وأثناء تغسيلها، ظهرت الحقيقة التي حاولوا دفنها معها؛ فقد كان جُرح الطعنة في بطنها لا يزال واضحاً، إلى جانب آثار الدم المُتجلط. وحاولت شقيقاتها منع المُغَسِّلة من كشف منطقة البطن، ومارسن عليها ضغوطاً للإسراع في تكفين الجُثمان حتى تختفي آثار الجريمة، ثم جرى

دفنها سريعاً، مع منع أبنائها من رؤيتها أو إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليها، وكأن الهدف لم يكن دفن الأم فقط، بل دفن الحقيقة معها. لكن أحد أبنائها لم يقتنع برواية الوفاة الطبيعية؛ فقد كان يعرف مُسبقاً بالتهديدات التي كانت تتعرض لها والدته، وكان يحتفظ بالرسائل والتسجيلات الصوتية التي أرسلتها إليه وهي تستغيث؛ لذلك حمل ما لديه من أدلةٍ وتوجه إلى الجهات الأمنية، وقدَّم بلاغاً رسمياً اتهم فيه أخواله وجده بالتورط في قتل والدته والتستر على الجريمة وإخفاء جُثمانها.

بدأت السلطات التحقيق في القضية، واستُدعيت المرأة التي قامت بتغسيل الجثمان، وكانت شهادتها نقطةً مُهمةً في كشف ما حدث؛ فقد أكدت للمُحققين أنها شاهدت جُرح الطعن مفتوحاً في البطن، ولاحظت وجود كدماتٍ زرقاء وداكنةً على الظهر والأطراف، إضافةً إلى آثار قيودٍ وحبالٍ على المُعصمين والكاحلين، وشحوباً شديداً في الجُثمان، وهي علاماتٌ أثارت الشكوك حول رواية الوفاة الطبيعية. ومع تصاعد التحقيقات، طُوقِت المقبرة أمنياً، وصدر أمرٌ قضائيٌ بنبش القبر واستخراج الجُثمان لإخضاعه للفحص الشرعي، وجاء تقرير الطب الشرعي ليكشف أن الأنسجة تعرضت للقطع بواسطة أداةٍ حادةٍ، وأن آثار الإصابة تتوافق مع استخدام سكينٍ، كما دعمت نتائج التحقيق ما ورد في رسائل المرأة وتسجيلاتها، وما ذكره ابنها في بلاغه. أُحيلت القضية إلى المحكمة العامة بمدينة «الرياض»، وانتهت بإصدار أحكامٍ بحق المتورطين؛ فصدرت أحكامٌ بالقتل تعزيراً وقصاصاً بحق الشقيق الذي نفذ الجريمة والمتورطين مُباشرةً في احتجازها، بينما صدرت بحق بقية الإخوة المُشاركين أحكامٌ بالسجن تراوحت بين عشر وخمس عشرة سنةً مع الجلد، أما الأب، الذي وُصف في القضية بالمحرّض والمُشارك في التستر على أفعال أبنائه، فصدر بحقه حكمٌ بالسجن خمسِ سنواتٍ، فيما حُكم على الشقيقات اللواتي حاولن التستر على آثار الطعنة داخل المغسلة بالسجن من ثلاث إلى خمس سنواتٍ مع الجلد التعزيري. وهكذا لم تنكشف الجريمة بسبب اعترافٍ من داخل الأُسرة، ولا بسبب ضميرٍ استيقظ بعد فوات الأوان، وإنما بسبب صرخة امرأةٍ رفضت أن تموت بصمتٍ، وابنٍ حمل رسائلها وتسجيلاتها ورفض أن يُصدِّق أن أُمه رحلت بوفاةٍ طبيعيةٍ. وما حاول الأقارب دفنه مع الجُثمان خرج إلى النور من جديدٍ، لتتحول استغاثات الأُم التي أرسلتها في الخفاء إلى الخيط الذي قاد إلى كشف الحقيقة.

 

أحبتي في الله.. المال نعمةٌ من نعم الله العظيمة على عباده؛ يقول تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، جعله الله عرضاً زائلاً ومتاعاً مُفارَقاً؛ يقول سُبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾، وجعل نفوس العباد مجبولةً على حُب المال؛ يقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾، وجعل المال فتنةً يُستخدم في الخير أو الشر؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾؛ فإن لم يَستخدم العبد ماله في طاعة الله ويُنفقه في سبيله، كان وبالاً وحسرةً عليه؛ يقول سُبحانه: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

ويحسَب بعض الناس أن رزق المال الوفير دليلٌ على محبة الله، رغم أنه قد يكون استدراجاً؛ يقول تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ . نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [إذا رأيتَ اللهَ تعالى يُعطي العبدَ من الدُنيا ما يُحبُّ، وهو مُقيمٌ على معاصِيه؛ فإنَّما ذلك منه استدراجٌ]. وعن نعمة المال وفتنته قال النبي عليه الصلاة والسلام: [إنَّ لكلِّ أُمَّةٍ فتنةً، وإنَّ فتنةَ أُمَّتي المالُ]، وقال أيضاً: [لَو كانَ لابنِ آدَمَ واديانِ مِن مالٍ لابتَغى واديًا ثالِثًا، ولا يَملأُ جَوفَ ابنِ آدَمَ إلَّا التُّرابُ]، وقال كذلك: [يَكبَرُ ابنُ آدَمَ ويَكبَرُ معهُ اثنانِ: حُبُّ المالِ، وطولُ العُمُرِ]. وقال: [إنَّ هذا المالَ خَضِرةٌ حُلوةٌ، فمَن أخَذَه بسَخاوةِ نَفسٍ بورِكَ له فيه، ومَن أخَذَه بإشرافِ نَفسٍ لَم يُبارَكْ له فيه، كالذي يَأكُلُ ولا يَشبَعُ] وقال أيضاً: [يَتبَعُ المَيِّتَ ثَلاثةٌ، فيَرجِعُ اثنانِ ويَبقى معهُ واحِدٌ: يَتبَعُه أهلُه ومالُه وعَمَلُه، فيَرجِعُ أهلُه ومالُه، ويَبقى عَمَلُه]، كما قال: [نِعمَ المالُ الصَّالحُ للرَّجلِ الصَّالحِ]. وكأنه -صلى الله عليه وسلم يصف زماننا حين قال: [لَيَأتيَنَّ على النَّاسِ زَمانٌ لا يُبالي المَرءُ بما أخَذَ المالَ: أمِن حَلالٍ أم مِن حَرامٍ]. أما عن الحساب على المال يوم القيامة فقال عليه الصلاة والسلام: [لا تَزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القيامةِ، حتَّى يُسأَلَ عن عُمُرِه؛ فيمَ أفناه؟ وعن عِلْمِه؛ فيم فعَلَ فيه؟ وعن مالِه؛ من أين اكتسَبَه؟ وفيم أنفَقَه؟ وعن جِسمِه؛ فيمَ أبلاه؟]، كما قال: [اثنتان يكرههما ابنُ آدمَ: يكرهُ الموتَ، والموتُ خيرٌ له من الفتنةِ، ويكرهُ قلَّةَ المالِ، وقِلَّةُ المالِ أقلُّ للحسابِ].

 

يقول أصحاب الاختصاص إن نعمة المال التي من المفروض أن تكون زينة الحياة الدُنيا، حوَّلها موت الضمائر وطمس القِيَم إلى نِقمةٍ؛ فأصبح الأشقاء بسبب (نقمة المال) في خصامٍ، ينعزلون ويبتعدون عن بعضٍ، وأحياناً يسوقهم ذلك إلى أروقة المحاكم. والأمر الأصعب هو حين تُسوِّل لهم أنفسهم الاعتداء على أجساد بعضهم حتى وصل الأمر إلى أن يقتل بعضهم بعضاً بسبب المال، مُخلِّفين ندوباً نفسيةً تنزف ألماً، حين استسلموا لهوى المال، مُتناسين قَرابة الدم؛ حتى صار الأخُ عدواً لأخيه؛ فأضاعوا تقوى الله، وضيَّعوا صلة الرحم.

 

يقول أهل العِلم إن المال عصب الحياة، وقوام المعاش، به تُقام مصالح الناس وتُسَد حاجاتهم، وليس المال في ذاته مذموماً، بل هو نعمةٌ إذا وُضع في يدٍ صالحةٍ تُنفقه في سبيل الله، وتستعمله في الطاعة والبِرِّ والإحسان.

إنَّ الفقر والغِنى ما هُما إلا ابتلاءان من الله تعالى، يختبر بهما عباده، ليرى مَن يصبر على الضيق والفقر، ومن يشكر عند المال والسَعة. وتكون (نقمة المال) في حالات الذَّم؛ فإن العبد يُذَّم حينما يكون المال في قلبه؛ لأجلِه يُوالي ويُعادي، وفي سبيله يَرضى ويَغضب، ولربما تمادى حتى صار عبداً للدينار والدرهم فتعِس وانتكس. ويُذَّم العبد حين يجمع المال من أوجهٍ مُحرمةٍ. كما يُذَّم حينما يَشْغَلُهُ جمع المال عن طاعة الله، ويُلهيه عن الصلاة، وعن حق الأهل والأولاد، وعن بِر الوالدين. ويُذَّم أيضاً حينما يشِحّ بالمال عن الواجب والمُستحب؛ فلا يُخرِج منه زكاةً، ولا يُنفق منه في الصدقات. ويُذَّم كذلك يوم أن يُنعِمَ عليه ربه بالمال، ثم تراه يُنفقه فيما حرَّم الله؛ فيستخدمه في معاصي الله، ويتقوى به على مخالفة أوامره. كما يُذَّم حينما يُقتِّر على نفسه وأهله فيكون بخيلاً شحيحاً، أو حين يكون مُسرفاً مُبَّذِراً؛ فيسلكُ درب إخوان الشياطين.

أما أن يكون العبد جامعاً للمال من طريقٍ صحيحٍ، مُنفقاً له في وجهه المُناسب، طائعاً فيه ربَه، مُؤدياً فيه حقه، فعسى أن يُصبح مالُه سبباً لفوزه بالجنة.

إنَّ مأساة بعض الناس اليوم تكمن في عدم المُبالاة بمصدر المال، أو بالحقوق المُتعلقة به؛ فنجدهم يلهثون لجمع المال بلهفةٍ، دون اكتراثٍ بشُكر المُنعم، غافلين عن أنَّ الذي أعطى قادرٌ على أن يأخذ، وأنَّ مُراعاة حق الله، وشكر النعمة هو الذي يحفظها من الزوال، بل ويزيدها ويُنمِّيها؛ يقول تعالى: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)، فلا تتحول نعمة المال لتصير (نقمة المال).

 

قال الشاعر:

النفسُ تجزعُ أن تكونَ فقيرةً

والفقرُ خيرٌ مِن غِنىً يُطغيها

وغِنى النفوسِ هو الكفافُ فإن أبت

فجميعُ ما في الأرضِ لا يَكفيها

 

أحبتي.. قيل بحق إن المؤمن الصادق لا يغتر بزينة الدُنيا، بل يجعل المال وسيلةً للطاعة والبِر، فيزداد تواضعاً وخشيةً لله، ويضع نُصب عينيه دائماً أنَّ يُسكِن ماله في يدِه لا في قلبه؛ فإن افتقر صبر ورضيَ بعزةِ المُكتفي، وإن اغتنى وَجِلَ قلبُه وتواضَعَ تواضُعِ المُنكسر، مُدركاً أن قيمة الإنسان ليست في رصيده المالي، بل في طهارة نفسه وصلاحها.

علينا جميعاً أن نتقي الله في أموالنا، كسباً من حلالٍ، وإنفاقاً في خيرٍ وطاعةٍ، وألاَّ نجعل الدُنيا أكبر همِّنا ولا مبلغ عِلمنا، بل نجعلها مزرعةً للآخرة؛ فالسعيد من خرج من الدُنيا وقد رضيَ الله عنه بما قدَّم من قناعةٍ وصبر، ومن إحسانٍ وشُكر؛ فلنُصلِح ما فسد من أحوالنا، ولنُنفق مما جعلنا الله مُستخلفين فيه من مالٍ، ولنتذكر الوقوف بين يدي الله عزَّ وجلَّ بالاستعداد والعمل والإخلاص.

اللهم باعِد بيننا وبين (نقمة المال)، وارزقنا القناعة، واكفِنا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمَّن سواك.

 

*لقراءة الخاطرة كاملة*

https://tinyurl.com/287xs2o6

*للاستماع الصوتي*

‏https://tinyurl.com/25f75psm

الجمعة، 18 سبتمبر 2026

الدنيا لا تزال بخير

 

خاطرة الجمعة /569

الجمعة 18 سبتمبر 2026م

(الدنيا لا تزال بخير)

 

هذه قصةٌ حدثت بالفعل في «مصر»، يرويها صاحبها فيقول:

أنا رجلٌ بسيط الحال؛ أعمل سائق شاحنةٍ صغيرةٍ في شركةٍ كبيرةٍ، تعوَّدتُ أن أتسلم مساء كل يوم مبالغ التحصيل الخاص بالعمل من فروع الشركة، ثم أقوم كل صباحٍ بتسليمه إلى المركز الرئيسي للشركة. في صباح أحد الأيام اختلط عليّ الأمر؛ إذ وضعتُ مبلغ التحصيل، وهو مئة ألف جنيهٍ، في كيسٍ أسود، وأخذتُ معي كيساً أسود آخر به قِمامة المنزل، ونزلتُ، ركبتُ السيارة، وضعتُ كيس النقود في الخلف بجوار الحبال التي نربط بها البضاعة على أنه كيس القِمامة، ووضعتُ كيس القِمامة خلف مقعد السائق على أنه كيس النقود! وعندما وصلتُ إلى مكب القِمامة قُرب الجسر في منطقة «البراجيل»، ألقيتُ كيس النقود ومضيتُ، لقد ألقيتُ أموال الشركة ومُستحقات الناس على أنه قِمامة! لم أكتشف ذلك إلا عندما وصلتُ إلى المركز الرئيسي للشركة، قلبتُ المقعد لأُخرِج كيس النقود، فإذا بكيس القِمامة أمام وجهي! اسودَّت الدُنيا في عينيّ، ولم تعد قدماي قادرةً على حملي، ولم يبقَ على لساني إلا كلمةٌ واحدةٌ وأنا أنظر إلى السماء وأصرخ: "يا رب، اللهم لا ملجأ منك إلا إليك". اتصلتُ فوراً بزوجتي وأنا أكاد أموت من الرُعب وقُلتُ لها: "أدركيني؛ أسرعي إلى مكب القِمامة قُرب الجسر، لقد ألقيتُ كيس النقود بدلاً من كيس القِمامة"؛ فركضت زوجتي وخرجت إلى الشارع كالمجنونة، ووصلت إلى مكب القِمامة تبحث وسطها وهي تبكي.. هُنا ظهرت إحدى السيدات، سألت زوجتي: "عن ماذا تبحثين يا ابنتي؟"، فقالت لها زوجتي وهي مُنهارةٌ: "أبحث عن كيسٍ به نقودٌ أُلقيَ هُنا بالخطأ"، فقالت لها السيدة بكل هدوءٍ وطُمأنينةٍ وهي تمد يدها بكيسٍ أسود: "هل هذا هو الكيس الذي تبحثين عنه؟ تعالي انظري إليه وتأكدي منه، هل ينقص منه شيءٌ؟"، ثم أردفت قائلةً: "إن كان ينقص من النقود شيءٌ بحثنا عنه معاً"، فقالت لها زوجتي: "الحمد لله، لا أدري كيف أشكرك"، ثم قالت: "لا أعرف كم المبلغ، إنها نقودٌ تخص عمل زوجي"، فاستمرت السيدة في البحث في القِمامة حتى عثرت على رُزمة نقودٍ يبدو أنها كانت قد سقطت من الكيس عند رميه في مكب القِمامة، فجاءت بها وسلمتها لزوجتي!

أما أنا في تلك اللحظات، فكنتُ في طريقي إلى مكب القِمامة، أكاد أطير، أقود الشاحنة بأسرع ما يُمكن، أكاد أموت من القلق، وكان الله وحده هو الحافظ والساتر. ولما وصلتُ تسلمتُ النقود من زوجتي وقمتُ بعدِّها، وتأكدتُ من أنها كاملةٌ لم يكن ينقص منها جنيهٌ واحدٌ؛ كانت المئة ألف جنيه كاملةً! شكرتُ السيدة الطيبة وأخرجتُ مبلغاً من المال من جيبي أُريد أن أُقدمه لها، فرفضت بشدة، وحاولتُ أن أُقبِّل يدها فسحبت يدها، ونظرت إليّ بكل عزة نفسٍ وكبرياءٍ، وقالت لي جُملةً لن أنساها ما حييتُ: "اذهب يا ابني، سَتَرَك الله وأصلح حالك، تكفيني دعواتكم لي".

أنهى صاحب القصة روايته بقوله: "صحيحٌ إن (الدنيا لا تزال بخير)، زملائي في العمل عندما علموا بقصتي لم يكونوا مُصدقين أنه لا يزال في الدنيا أناسٌ بهذه الأمانة! لقد رفضت السيدة أن تحتفظ بمئة ألف جنيهٍ كانت كفيلةً بأن تُغيِّر حياتها، وفضَّلت رضا ربها وفوزها بثواب عمل الخير على احتفاظها بمالٍ لا حق لها فيه، إنها قمة الأمانة. أسأل كل من يقرأ هذا المنشور أن يدعو لهذه السيدة دعوةً خالصةً من قلبه أن يسترها الله، ويُغْنيها من فضله، ويُبارك لها في صحتها، ويرزقها من حيث لا تحتسب، وأن يجعل أمانتها هذه في ميزان حسناتها يوم القيامة".

 

أحبتي في الله.. لا يقتصر عمل الخير على الجانب المادي فقط؛ كإعادة المال لأصحابه، أو إخراج الصدقات، أو الإنفاق في سبيل الله، أو إطعام الفقراء، بل إنه يتعدى ذلك إلى الجانب الأدبي والمعنوي؛ كشكر الناس، والتبسم في وجوههم، وجبر خواطرهم، والدلالة على الخير، وغير ذلك من أعمال خيرٍ لا تُكلف ديناراً ولا درهماً.

ولعلَّ القصة التالية تُقدِّم صورةً من الصور الدالة على أن (الدنيا لا تزال بخير)، حدثت هذه القصة بمدينة «طنطا» بدلتا «مصر»؛ حيث كانت شابةٌ يتيمةٌ وشابٌ يتيمٌ، عاشا في دور الأيتام مُنذ صغرهما، نشأت بينهما قصة حبٍ جميلةٍ، قررا أن يُتوِّجاها بالزواج، لكن كان يُحزنهما أن الحضور في ليلة الفرح سيقتصر على عددٍ محدودٍ جداً من معارفهما والمسؤولين في دار الأيتام. أحد أصدقاء الشاب قرَّر أن ينشر قصتهما عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكتب في منشورٍ قصيرٍ: "شابان يتيمان ليس لهما أهلٌ سيتزوجان، ولا يوجد من يحضر فَرَحْهُما"، وقام بوضع تاريخ الفرح ومكانه، حظيت الرسالة بتفاعلٍ كبيرٍ، ولقيت صدىً إنسانياً واسعاً، وفي ليلة الفرح حدث ما لم يتوقعه أحدٌ؛ فقد تدفق آلافٌ من أهالي المدينة إلى قاعة الحفل، يحملون الورود والهدايا للعروسين، لم تتسع قاعة الحفل لاستقبال الجميع؛ فاحتشد عددٌ كبيرٌ في الساحة الخارجية للمكان، وفي ليلةٍ واحدةٍ أصبح أهل مدينةٍ بأكملها أهلاً لهذين العروسين اليتيمين!

 

يقول العُلماء إن لفظ الخير ومُشتقاته وَرَدَ في القُرآن الكريم نحو 180 مرةً، حاملاً معاني تدل على الطاعة والنفع والفضل؛ فمن الآيات التي تحض على فعل الخير قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾. ومن الآيات التي تأمر بالدعوة للخير قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾. ومن الآيات التي تحث على المُسارعة إلى عمل الخير والمنافسة فيه والسبق إليه يقول تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، ويقول رب العزة: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ومن الآيات ما وَرَدَ عن جزاء عمل الخير؛ يقول تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾.

 

ويقول أهل العِلم إن عمل الخير عندما يكون عطاءً بلا مُقابلٍ ماديٍ فهو تحريرٌ للنفس من قيد الأنانية وحُب التملك، ومن قيد الكِبر واستعلاء النفس على الآخرين. كما أن عمل الخير يترك في النفس الارتياح والطُمأنينة، ويُوفر للمُجتمع الاستقرار والسَكينة، وينشر بين الناس مفهوم أنَّ (الدنيا لا تزال بخير)؛ فيصير المُجتمع مُهيأً لحياةٍ أفضلٍ. ويبدأ عمل الخير بأقل الأفعال؛ كالتبسم في وجه الغير، أو إماطة الأذى عن الطريق، وينتهي بأقصى فعلٍ يُمكن أن يقوم به العبد بأن يجود بمالِه كُلِه في سبيل الله، أو أن يجود بنفسه فينال الشهادة في سبيل إعلاء كلمة الله.

 

يُعزز تلك المعاني ويُوضحها الكثير ممّا وَرَدَ في السُنة النبوية الشريفة من أحاديث كثيرةٍ تحض على فعل الخير؛ فللدلالة على الخير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مَنْ دَلَّ على خَيْرٍ فَلَهُ مِثلُ أَجْرِ فاعِلِهِ]. ولنفع الناس قال عليه الصلاة والسلام: [خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ]، وقال صلى الله عليه وسلم: [إِنَّ مِنَ النَّاسِ نَاسًا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ؛ فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ]. ولقضاء الحوائج وتفريج الكُرَب قال عليه الصلاة والسلام: [مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ]، ولبيان بعض صور عمل الخير قال صلى الله عليه وسلم: [صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ]، وقال عليه الصلاة والسلام: [تَبَسُّمُك فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ]، ولبيان البساطة في الصدقة قال صلى الله عليه وسلم: [اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ]. وعن العِوَض على عمل الخير قال عليه الصلاة والسلام: [مَنْ تَرَكَ شَيْئًا للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيْرًا مِنْه].

 

ويرى أهل الاختصاص أننا حتى نلمس جانب الخير في الناس علينا أن نمنحهم الأمان؛ فهُم يحتاجون إلى الأمان النفسي لتظهر وجوه الخير فيهم. وعلينا أن نُلاحظهم جيداً؛ فكثيرٌ من الخير فيهم لا يُقال، بل يُلاحَظ: كما في نبرة صوتٍ ترتجف، في عينين تتجنّبان النظر، في صمتٍ طويلٍ بعد سؤالٍ بسيطٍ. وعلينا أيضاً أن ننظر إلى أفعال الناس لا أن نكتفي بالاستماع إلى ما يقولون؛ ففاعل الخير لا يُعلن عن نفسه، لكن نراه يُزيح حجراً عن الطريق، يُطعم قِطاً جائعاً، يتصل بوالدته كُل يومٍ، يبتسم لعامل النظافة، يُفسِح المجال لغيره في الحديث؛ فهو يُعرَف بأفعاله الصغيرة المُتكررة لا بخطبه الرنانة. وعلينا أخيراً أن نُبادر نحن بالخير أولاً؛ فمِن أعظم ما يوقِظ الخير في نفوس الناس أن يروْا منا خيراً أمامهم: في ابتسامةٍ صادقةٍ، مُساعدةٍ غير مشروطةٍ، كلمةِ تقديرٍ في وقتٍ لا يتوقعه أحدٌ، هذه الأفعال الصغيرة تكسر الجدران وتفتح الأبواب المُغلقة.

 

أحبتي.. الحقيقة هي أن الأخيار موجودون في كل مكانٍ مهما قلَّ عددهم، و(الدنيا لا تزال بخير)، والمشاعر الإنسانية ما تزال تتدفق في قلوب الناس، رغم الحياة المادية، وأُسلوب المعيشة المُتسارع، والضغوط من حولنا؛ فنحن جميعاً نحتاج إلى الرحمة والطيبة والحنان واللُطف والتسامح والمحبة وجبر الخاطر؛ لأننا بشرٌ نمتلك أحاسيس ومشاعر، فلندعو الله أن يظل الخير في الدُنيا دوماً ولا ينقطع، إن مقولة "الخير في وفي أُمّتي إلى يوم القيامة" وإن لم تكن حديثاً نبوياً شريفاً كما يظن البعض، إلا أنها مقولةٌ صحيحة المعنى؛ إذا أمر كُلٌ منا بالمعروف ونهى عن المُنكر، وآمَن بالله حق الإيمان؛ فنحن ننتمي إلى أُمة الإسلام التي وصفها المولى عزَّ وجلَّ بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وليبدأ كُلٌ منا بنفسه، حتى يعمَّ الخير وينتشر. افعل الخير ولو في أبسط أشكاله، واجعل الناس عندما يَرَوْنَكَ يقولون: (الدنيا لا تزال بخير).

اللهم زدنا إيماناً، ووفقنا لعمل الخير، وأعِنّا عليه، وتقبله منا.

*لقراءة الخاطرة كاملة*

https://tinyurl.com/2yzznxvg

*للاستماع الصوتي*

https://tinyurl.com/2y6n4adz‏

الجمعة، 11 سبتمبر 2026

رضا الناس

 

خاطرة الجمعة /568

الجمعة 11 سبتمبر 2026م

(رضا الناس)

 

كتب أحدهم يقول: لي صديقٌ من أكبر تجار الألماس في «مصر»، ولا أُزَّكيه على الله، لكني أحسبه على خير. كان صديقي مُعتاداً على التواجد بمحله الخاص يومياً، وكان مُعتاداً على أداء الصلاة على وقتها بالمسجد المُجاور للمحل. وفي أحد الأيام، وكان يتأهب للتوجه إلى المسجد بعد سماعه أذان المغرب، تفاجأ بعدة أشخاصٍ يرتدون زياً موحداً يدخلون المحل ويسألون عن المالك، فعرَّفهم بنفسه، فقالوا له: "الهانم قادمةٌ للتفرج على البضائع التي عندك، وتأميناً للمكان سنمنع دخول أي شخصٍ أثناء وجودها"، سألهم: "مَن الهانم؟" قالوا له إنها زوجة أحد كبار رجال الدولة. كُل ما تبادر إلى ذِهنه في هذه اللحظة صلاة المغرب التي خشي أن تفوته؛ هل يتخلى عن صلاة الجماعة حتى لا تغضب الهانم من الانتظار؟ لم يتردد لحظة، حسم أمره فوراً، وبِمُجَّرَدِ دخول الهانم المحل عرَّفها بنفسه، وأخبرها أنه سيتوجه لصلاة المغرب بالمسجد المُجاور، وسيعود بعد الصلاة مُباشرةً، وستكون فرصةً لأن يعرض عليها مُساعدوه ما لديهم، فابتسمت ولم تُبدِ أي انزعاجٍ. توجه للصلاة، وبعد أن أتَّمها، وعندما بدأ يُردد أذكار ما بعد الصلاة وقعت عيناه على الحديث الشريف: [منِ التمسَ رضا اللَّهِ بسَخطِ النَّاسِ كفاهُ اللَّهُ مؤنةَ النَّاسِ، ومنِ التمسَ رضا النَّاسِ بسخطِ اللَّهِ وَكلَهُ اللَّهُ إلى النَّاسِ]، شاهده مكتوباً على لوحةٍ مُعَّلقةٍ على الجدار أمامه. أقسم لي صديقي أنها المرة الأولى التي ينتبه فيها إلى وجود هذه اللوحة رغم أنه يُصلي بذات المسجد يومياً! قال لي: "أحسستُ كأنها رسالةٌ إليَّ من الله عزَّ وجلَّ".

انشرح صدر صديقي وعاد إلى المحل وبدأ يعرض على الهانم أجمل ما عنده، وطبقاً لروايته وتعبيره كانت الهانم في غاية الذوق والأناقة والبشاشة في التعامل معه، بل وباع لها -على حد قوله أيضاً- أجمل بيعةٍ بأفضل سعرٍ، وخَرَجَت من المحل وهي في غاية السعادة، ووعدته أنها لن تتعامل مع غيره. ودَّعها صديقي إلى سيارتها وهو يقول لنفسه: "صدقتَ يا رسول الله".

قَصَّ عليّ صديقي هذه القصة كعبرةٍ وهو يقول: "الحمد لله الذي هداني للحق، وأنني لم أُفكر في إرضاء الهانم بسخط الله لو تخليتُ عن صلاة الجماعة بالمسجد التي لم أمتنع عنها يوماً، ولو فعلتُ لسخط الله عليّ وأسخطها عليّ، وربما لم تكن لتشتري مني، ولا أن تعدني بأن تتردد على محلي ثانيةً".

 

أحبتي في الله.. ما أجمل أن يلتزم المُسلم بنهجٍ واضحٍ في تعامله مع الله سُبحانه وتعالى وتعامله مع الناس، بأن يكون رضا الله مُقدَّماً دائماً على (رضا الناس) أياً كانت منزلتهم ومكانتهم الاجتماعية أو الوظيفية، ومهما بدت الإغراءات ظاهرةً جليةً، ورغم اجتهاد الشيطان في تزيين عكس هذا النهج الواضح.

ذكرَّني هذا الموقف لصاحب المحل بقصةٍ أُخرى، ولو أنها تعرض موقفاً عكسياً، إلا إنها توضح لنا كيف أن تقديم (رضا الناس) على رضا الله عزَّ وجلَّ، مُضِّرٌ وغير مُفيدٍ لصاحبه، وإن بدا في البداية أن فيه نفعاً وفائدةً؛ فهذا نهْجٌ آخر اختاره أحدهم لحياته، وارتضاه سبيلاً لتحقيق أهدافه ومآربه؛ يقول صاحب القصة:

تعرَّفتُ وأنا في «بريطانيا» على شابٍ عربيٍ مُسلمٍ، كان طموحاً يتدفق حيويةً وحركةً، كُل همه أن يحصل على شهادة الدكتوراه ثم يعود إلى بلده ليكون مدير جامعةٍ أو وكيل وزارةٍ أو حتى وزيراً. كان يُحدثنا عن ثقته بنفسه وقُدرته على استمالة الناس إليه. وخلال إقامته في «بريطانيا» نهج طريقه المعروف، فأخذ يتقرب إلى أُستاذه المُشرف على رسالته ويتملقه، ويُحاول إرضاءه بمختلف الوسائل والأساليب، ولم يُقصِّر في إقناعه بأنه ليس رجعياً، ولا مُتديناً! وفضلاً عن هذا وذاك فهو مُعجبٌ أشد الإعجاب بالإنجليز وجامعاتهم وتقدمهم العلمي! وذات يومٍ أراد الأستاذ المُشرف أن يمتحن مصداقية أقوال تلميذه العربي فدعاه إلى وكرٍ من أوكار الخُمور، وسارع الشاب إلى تلبية الدعوة؛ ظنّاً منه أن استجابته لطلب المُشرف سوف تُساعد على اختصار الوقت والانتهاء من دراسته بسرعةٍ. شرب الشاب حتى الثُمالة، وفقد توازنه، ولم يعد قادراً على ضبط أقواله وأفعاله، أما المُشرف فكان يشرب قليلاً ويتمتع برؤية تلميذه وهو يشرب لأول مرةٍ، أما الشاب فقد أخذ يُعبِّر عن مشاعره الحقيقية نحو الإنجليز، وراح يلصق بهم أبشع النُعوت وأحَطَّها، والمُشرف ينظر إليه ويُؤَّمِن على كلامه ويبتسم له ويُخفي في نفسه ما لا يُبديه. مضت الأيام، وكلما قدَّم الشاب فصلاً من رسالة الدكتوراه أخرَّه المُشرف مُدةً طويلةً ومُملةً، ثم يُعيده لتلميذه طالباً حذف بعض الأمور وإضافة أمورٍ أُخرى وإعادة الصياغة بحجة أن اللغة ركيكة. وكان المُشرف يُغلِّف حقده بقوله لتلميذه: "أُريدك أن تكون دكتوراً ناجحاً، وسوف تستفيد كثيراً من هذه الفترة الطويلة التي تمكثها بيننا، ولا يتخرج من جامعاتنا إلا الأفذاذ من الرجال"!

بقي الطالب الطموح ضعفي المُدة المُحددة، وذاق الويلات، وأصبح يشك في مواهبه وقُدراته. وبعد أن نال شهادة الدكتوراه، وقبل سفره جلس مع أُستاذه المُشرف يُحدثه عن إعجابه بالإنجليز وجامعاتهم وتقديره لكل ما رآه عندهم، فأجابه المُشرف بكل خُبثٍ ودهاءٍ: "إن حقيقة رأيك بالإنجليز وأخلاقهم وعاداتهم سمعته منك في الخمارة قبل ثلاث سنواتٍ"؛ فحاول الشاب أن يعتذر، وأخذ يتكلم، لكنه يعرف أن كلامه ليس مُقنعاً؛ فمَن كان عاجزاً عن إقناع نفسه كيف له أن يُقنع غيره؟

أخيراً أدرك الشاب لماذا غيَّر المُشرف أُسلوبه، ولماذا تضاعفت مُدة الدراسة، لكن هل أدرك أن مَن طلب (رضا الناس) بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس؟ يقول راوي القصة: "أشَّك في ذلك"!

 

يقول الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ تُبين الآية أن رضا الله ورسوله هو الأحق والأولى بالطلب والتحصيل، لا (رضا الناس) الذي يُغضب الله. ويقول سُبحانه: ﴿الَّذِينَ يُبْلِغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ تُوضح الآية أن صفة المؤمنين الصادقين هي خشية الله وحده وعدم المُبالاة بسخط الناس أو رضاهم، إذا كان في طاعة الله. ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبَّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ وتدل الآية على عدم الخوف من لوم الناس أو سخطهم عند القيام بأمر الله وإرضائه. ويقول أيضاً: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾، كما يقول: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تأكيداً على أن الخشية تكون لله وحده، وليست للناس.

 

وجاء في الحديث الصحيح؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [مَنْ أرْضَى الناسَ بسخَطِ اللهِ وكَلَهُ اللهُ إلى الناسِ، ومَنْ أسخَطَ الناسَ برضا اللهِ كفاهُ اللهُ مُؤْنَةَ الناسِ]، يقول شُرَّاح الأحاديث إن رضا الله سُبحانه وتعالى مِن أجَّل ما يسعى إليه كُل مؤمنٍ حصيفٍ؛ فمن رَضِيَ الله عنه غفر له ورحمه وأدخله جنته، والفائز حقاً هو من فاز برضا الله. وفي هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [مَنْ أرْضَى الناسَ بسخَطِ اللهِ]، أي: أيما أحدٌ سعى في سبيل الفوز ب(رضا الناس)، ونيل مرضاتهم بمعصية الله، وعدم المُبالاة بما أمَرَ وما نَهَى، وعدم الاحتراز من سخط الله، [وكَلَهُ اللهُ إلى الناسِ]، أي: ترك أمره إلى الناس، وسلَّطهم عليه، فلم يُرضوه ولم يرضوا عنه. [ومَنْ أسخَطَ الناسَ برضا اللهِ كفاهُ اللهُ]، أي: أيما أحدٌ سعى في سبيل الفوز برضا الله عزَّ وجلَّ، ولو كلفه ذلك كُرْه الناس له، وعدم رضاهم عنه وسخطهم عليه، [كفاهُ اللهُ مُؤْنَةَ الناسِ]، أي: حفظه الله من سخط الناس عليه، وأرضى عنه الناس، وكفاه هَم ذلك. وفي الحديث: الحض على تقديم رضا الله على (رضا الناس).

وقال عليه الصلاة والسلام: [لا يَمنَعَنَّ أحَدَكم مَخافةُ النَّاسِ أنْ يَقولَ بالحَقِّ، إذا شَهِدَه أو عَلِمَه]؛ فالناس لا يملكون لك ضرّاً ولا نفعاً إلا بإذن الله، وأعمارهم وأرزاقهم وأقدارهم بيده سبحانه وحده، ومن طلب (رضا الناس) بسخط الله خسر الأمرين، ومن أرضى الله ولو غضب الناس عنه، جعل الله له القبول والمحبة في قلوبهم؛ فلا تجعل خوفك من البشر أكبر من خوفك من رب البشر، ولا تجعل حسابات الناس تمنعك من قول الحق أو فِعل الصواب.

 

يقول العلماء إن عاملتَ الناس بالفضل ألف مرةٍ ثم عاملتهم بالعدل مرةً واحدةً نسوا الألف وأقاموا عليك العداوة بالواحدة! وإن بذلتَ لهم وقتك وجهدك ومالك ما سَلِمتَ من ألسنتهم وأفعالهم؛ فالتمس ما فيه رضا الله أولاً؛ فإنه لا سبيل إلى السلامة من الناس، ولا طريق إلى إرضائهم جميعاً. إذا كان عملك خالصاً لله، فليكن همّك نظر الله إليك لا نظر الناس إليك؛ فالناس يمدحون اليوم ويذمّون غداً، يرضون ساعةً ويغضبون ساعةً، أما الله سبحانه فيعلم السرَّ وأخفى، ويجازي على قدر الإخلاص في القلب. من أرضى الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن طلب (رضا الناس) بسخط الله، خسر الاثنين.

 

قال بعض العارفين: تكمن المُفارقة في أن السعي الدائم إلى (رضا الناس) لا يُحقق الراحة التي ينتظرها الإنسان، بل يجعله في حالةٍ مُستمرةٍ من القلق والترقب، لأن (رضا الناس) غايةٌ لا تُدرك، وآراؤهم لا تجتمع على شيء. وهذا لا يعني أن نتجاهل الناس أو نُسيء إليهم، بل أن نُحسن إليهم دون أن نجعل قبولهم لنا هو هَمُّنا الأول؛ لذلك قبل أن نسأل: "ماذا سيقول الناس؟" نسأل أنفسنا: "هل ما نفعله يُرضي الله؟"؛ فمن عاش عُمره يُطارد (رضا الناس) أتعب نفسه، ومن جعل وجهته رضا الله وجد السَكِينة، حتى لو لم يرضَ عنه الجميع.

 

ومن أمثلة الاهتمام برضا الله سُبحانه وتعالى قبل (رضا الناس):

الداعية الذي يقول كلمة الحق ولا يخشى في الله لومة لائم. التاجر الذي يرفض الغش والربا حتى لو خسر بعض الزبائن. الشاب الذي يلتزم بالصلاة على وقتها مع جماعة المسلمين بالمسجد حتى وإن سخر منه الآخرون. الشابة التي تلتزم بالحجاب أو النقاب رغم تَهَكُم البعض. والمُسلم الذي يرفض المُشاركة في منكرٍ؛ كحفلٍ مُختلطٍ أو شُرب خمرٍ أو ارتكاب فاحشةٍ حتى لو أغضب ذلك أصدقاءه.

 

أحبتي.. إن من أخطر ما يُبتلى به الإنسان أن يخاف من الناس أكثر مما يخاف من الله، فيسكت عن الحق، أو يتنازل عن مبدأٍ، أو يُغيّر موقفه سعياً إلى (رضا الناس). إن الحرص على (رضا الناس) بمعصية الله سُبحانه وتعالى خذلانٌ وضياع، أما إرضاء الله أولاً فهو حمايةٌ وتوفيقٌ وكفايةٌ من شرور الناس؛ فلا نجعل (رضا الناس) هدفنا الذي نُقدِّمه على رضا الله سُبحانه وتعالى؛ فيكفي أن الله هو الذي بيده الأمر كله.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا رضاه، وأن يُجنبنا سَخطه، وأن يُلهمنا رُشدنا لنُعامل الناس بالحُسنى، على الوجه الذي يُحبه ويرضاه.

 

*لقراءة الخاطرة كاملة*

https://tinyurl.com/28k5q556

*للاستماع الصوتي للخاطرة*

https://tinyurl.com/2yxbu97h