الجمعة، 7 أغسطس 2026

لُطف الله

 

خاطرة الجمعة /563

الجمعة 7 أغسطس 2026م

(لُطف الله)

 

استيقظ ملايين المصريين قبل فجر يوم الإثنين الماضي على زلزالٍ لم تكن له أية مُقدمات، ولم يُخبَروا بإمكانية وقوعه. كانت عقارب الساعة تُشير إلى الثالثة صباحاً وقت وقوع الزلزال، مُعظم الناس كانوا نياماً فاستيقظوا على هزةٍ قويةٍ حركت أسِرَّة نومهم، ومن كان مُستيقظاً شاهد ثُريات السقف تتحرك، وسمعوا أصوات أشياء تزحف من أماكنها؛ أبواب خزانات الملابس، مقاعد السُفرة، أطباق في المطبخ، وغير ذلك. في البداية لم يُدرك أحدٌ أنه زلزال؛ أنا عن نفسي ظننتُ أن التهاب الأُذن الوسطى -الذي يُسبب دُواراً واختلالاً بالتوازن- قد عاودني، لكني اكتشفتُ بعد لحظةٍ، عندما شاهدتُ أشياء حولي تتحرك، وسمعتُ أصواتاً ناتجةً عن حركة تلك الأشياء، أدركتُ على الفور أنه زلزال! بعض من أعرفهم ممن يمتلكون أجهزة هاتفٍ حديثةً وصلهم إنذارٍ قبل وقوع الزلزال بثوانٍ معدودة مع رنينٍ عالٍ ومُستمرٍ صادرٍ عن الهاتف. الغريب أن قلةً من الناس لم يُحسوا مُطلقاً بما حدث؛ أخبرني أكثر من شخصٍ أعرفه أنه كان نائماً وأيقظته زوجته التي أحست بالزلزال، وبعض الناس كان لسببٍ أو آخر في الشارع عائداً من عمله لم يشعر بشيءٍ غير عادي. وأخبرني أحد الأصدقاء أنه أحس وكأن السرير الذي ينام عليه يتحرك، فأدار ظهره وأكمل نومه ظانّاً أنه يحلم! وعلى عكس ذلك؛ نزل بعض الناس إلى الشارع هُم وأُسرهم فور شُعورهم بالزلزال -وأغلب هؤلاء كانوا من سُكان الأدوار العُليا الذين يتأثرون بالزلازل أكثر من غيرهم- ومنهم من أخذوا أبناءهم في أحضانهم واحتموا معهم تحت الطاولات، ومنهم من رددوا ما يحفظونه من القُرآن الكريم، ومنهم من كان يقول لأول مرةٍ مُنذ زمنٍ: "يا رب".

من (لُطف الله) ورحمته بخَلْقه، أن الزلزال لم يستمر إلا لثوانٍ معدودةٍ، عاد بعدها بعض من استيقظوا إلى نومهم! بينما ظل مُعظم الناس -ممن استيقظوا من نومهم مفزوعين، وممن كانوا مُستيقظين قبل وقوع الزلزال- في حالاتٍ مُختلفةٍ؛ بعضهم ظلَّ يترقب حدوث زلزالٍ آخر، وبعضهم من ظلَّ يدعو الله سُبحانه وتعالى بأن يحفظه وأُسرته وأهله وأحبابه ويُبعد عنهم الشر والأذى، والبعض ممن كان يُصلي التهجد وقيام الليل استمر في صلاته شاكراً الله عزَّ وجلَّ على لُطفه ورحمته، ومنهم من أمسك بهاتفه واتصل بأقرب الناس إليه يطمئن عليهم، ومنهم من أسرع إلى فتح شبكة الإنترنت ليُطالع تفاصيل ما حدث أو لينشر الدُعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم عند وقوع الزلازل، أو لمجرد أن يُثبت وجوده على الشبكة العنكبوتية بكتابة منشورٍ وتعميمه، أو رفع صورةٍ أو مقطع ڤيديو له علاقةٌ بالزلزال!

 

بعد دقائق من انتهاء الزلزال أكد المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية -في بيانٍ رسميٍ- أن الزلزال لم يُخلِّف خسائر في الأرواح أو المُمتلكات.

وقد أثار الزلزال قلقاً وفزعاً لدى كثيرٍ من المصريين بسبب قُوته؛ ففي كثيرٍ من المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، عبَّر بعض المُتابعين عن شُعورهم بقُوة الزلزال بشكلٍ أكثر من زلازل سابقةٍ، وأرجع الخُبراء ذلك إلى أمرين: الأول هو "عُمق الزلزال"؛ إذ حدث الزلزال على عُمق 10 كم، وهذا عُمقٌ ضحلٌ قريبٌ من سطح الأرض، ولذا يكون الشعور به أكثر قوةً. أما الأمر الثاني الذي ساهم في الشعور بقُوة الزلزال، فهو "قُرب مركزه" من المُحافظات المُتأثرة به.

وكان أكثر ما لفت انتباهي بعد انتهاء الزلزال تصريحٌ أدلى به أحد المسئولين؛ أعتقد أنه من أسخف وأغبى ما يُمكن أن يُقال بعد أن شملنا الله سُبحانه وتعالى برحمته فخفَّف عنا؛ قال ذلك المسئول إن الزلزال الأخير كان قريباً في شدته من الزلزال الشهير الذي ضرب «مصر» عام 1992م لكن تَقَدُّم الدولة في البنية التحتية والقضاء على العشوائيات أنقذ البلد من كارثةٍ حقيقيةٍ! فبدلاً من أن يشكر الله على رحمته بعباده، أرجع الفضل لغير الله سُبحانه وتعالى! صحيحٌ أنّ الدولة تمتلك اليوم استعداداتٍ وبنيةً تحتيةً أسهمت في تقليل الخسائر، لكنّ هذه كُلُّها أسبابٌ، والحقيقة التي يعرفها الجميع أن المُنَجِّي الحقّ هو الله سُبحانه وتعالى؛ فهو وحده مالك الأمر كُلِّه، وهو الذي ستر وحمى الناس من مُصيبةٍ كان يُمكن أن تكون أعظم بكثيرٍ لولا (لُطف الله)، وما حدث مُؤخراً كان رسالةً واضحةً: مهما تقدّمت التكنولوجيا، ومهما تطوّرت البنية التحتية، يجب أن نظلّ مُتذكّرين أنّنا ضعفاء أمام قُدرة الله عزَّ وجلَّ، وأنّ النجاة ليست بالأدوات ولا بالأجهزة، بل بفضل الله ورحمته. وقد يكون تصريح ذلك المسئول قد اجتُزأ من سياقه، أو قد يكون القصد منه على غير ما فهمناه؛ والله تعالى أعلم بالنوايا.

على كل حالٍ قرأتُ رداً منطقياً على نحو ما فهمنا من هذا التصريح قال فيه صاحبه: عدم وقوع خسائر في الأرواح، وقلة الخسائر في المُمتلكات لا تجوز نسبتها سوى لفضل الله سُبحانه وتعالى وستره ورحمته؛ فالزلزال لو استمر دقيقةً أُخرى لما بقي حجرٌ فوق حجرٍ. إنه (لُطف الله)، وإنها نعمةٌ من الله عزَّ وجلَّ لو نسبناها إلى غيره فربما فقدناها إلى الأبد؛ يقول تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، والبَطَر هو كُفران النعمة وجُحودها، وعدم نسبتها إلى الله، ومثل ذلك ما وقع لقارون؛ يقول سُبحانه: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ قال له قومه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ فقال مُتكبراً: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ فكانت النتيجة: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾. وكُل نعمةٍ نحن فيها هي من الله وحده؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، ومع ذلك يجوز أن يُذكَر إحسان البشر وأعمالهم وإنجازاتهم، ولكن بشرط أن يكون ذلك بعد نسبة النعمة إلى الله تعالى، وألا يكون ذلك على سبيل الفخر والكِبر والمنّة أو النفاق والتزلف، وأن تكون تلك الإنجازات موجودةً حقّاً وواقعةً بالفعل.

 

أحبتي في الله.. وردت في القرآن الكريم عدة كلماتٍ للتعبير عن الزلازل؛ منها: الزلزلة، الرجفة، الصيحة، الخسف، والصدع. ومن تلك الآيات؛ يقول تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا . وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، ويقول سُبحانه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾، ويقول أيضاً: ﴿إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾، ويقول كذلك: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾.

 

وعن الزلازل يرى العُلماء أن الله حكيمٌ عليمٌ فيما يقضيه ويُقدِّره، وفيما شرعه وأمر به، وهو يخلق ما يشاء من الآيات، ويُقدِّرها تخويفاً لعباده، وتذكيراً لهم بما يجب عليهم من حقه، وتحذيراً لهم من الشرك به ومُخالفة أمره وارتكاب نهيه؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾، ويقول سُبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. ثوانٍ معدودةٌ كانت كافيةً لتُذكِّرنا بمدى ضعفنا أمام قُدرة الله تعالى، نمشي على الأرض كل يومٍ ونحن نظنّ أنها ثابتةٌ، وأن الغد مضمونٌ، وأن العمر طويلٌ ومُمتدٌّ، غير أنّه -وفي لحظةٍ واحدةٍ- يُقدِّر الله سُبحانه أن يُبدِّل كل ما حولنا، فنشعر بأنّ الدُنيا بأسرها -لولا (لُطف الله)- قد تتغيّر في ثانيةٍ واحدةٍ أم أقل؛ يقول تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. اهتزّت الأرض لثوانٍ معدودةٍ، لكنّ زلزلة يوم القيامة ستكون مُختلفةً تماماً؛ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ . تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. ولا شك أن الزلزال الذي وقع هو من جُملة الآيات التي يُخوِّف الله بها عباده، وكُل ما يحدث في الوجود من الزلازل وغيرها مما يضر العباد ويُسبب لهم أنواعاً من الأذى، كُله بأسباب الشرك والمعاصي؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، كما يقول عن الأُمم الماضية: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾؛ فالواجب على جميع المُسلمين التوبة إلى الله، والاستقامة على دينه، والحذر من كُل ما نهى عنه من الشرك والمعاصي، حتى تحصل لهم النجاة في الدُنيا والآخرة من جميع الشرور، وحتى يدفع الله عنهم كل بلاءٍ، ويمنحهم كل خيرٍ.

إن زلازل الدُنيا بمثابة رسائل تحذيرٍ للعباد من الله العزيز الحكيم، وهي ابتلاءٌ للمؤمنين ونذيرٌ للكافرين؛ إنها من جنود الله؛ يُهلك بها من يشاء ويصرفها عمَّن يشاء. إنها من آيات الله تُذكِّر العباد بقدرته، وتدعوهم إلى التوبة والاستغفار والعودة إلى الطريق المستقيم. إن الزلازل لا تهز الأرض فقط، بل تهز القلوب الغافلة، وتُذكِّر الإنسان بأن الثبات الحقيقي ليس تحت قدميه، بل في إيمانه؛ فحين تهتز الأرض يُدرك الإنسان أن كل ما ظنه ثابتاً قد يزول في لحظةٍ، ولا يبقى إلا العمل الصالح. الزلازل رسالةٌ صامتةٌ تقول: لا تركن إلى الدُنيا، فما دام أساس الأرض يهتز، فكيف بما فوقها؟ قد تهتز الجبال، لكن القلب المُعلَّق بالله يبقى أثبت من كُل شيء. وعلى المُسلم عند حُدوث الزلازل الفزع إلى الدُعاء والاستغفار والتضرع إلى الله وسؤال العافية والإكثار من ذِكر الله، والمُبادرة إلى التوبة والإقلاع عن المعاصي والرجوع إلى طريق الهداية.

 

قال العارفون عن الزلازل إنها من مظاهر قُدرة الخالق عزَّ وجلَّ التي يُوقظ بها ضمائر الغافلين لينتبهوا إلى أن التكالب على الدُنيا لا يفيد؛ إذ هي مُعرضةٌ لأن تضيع في أية لحظةٍ، وأن السلامة فيها تكمن في الإذعان لأوامر الله ونواهيه وفقاً لمنهجه حتى نكون على استعدادٍ للقائه متى يشاء. والمُسلم الواعي هو الذي تكون الدُنيا -بما يُحققه فيها من نجاحٍ وازدهارٍ- بيديه، وتكون الآخرة في قلبه. ولعل في وقوع الزلازل خيراً لمن مات ولمن نجا؛ فالموتى شهداء عند ربهم ينعمون، أما الناجون الأحياء فلعلها لهم عظةً وتنبيهاً للرجوع إلى الله.

 

وهذا أحد الصالحين يقول: الزلزال هزَّ الأرض، فهل هزَّ قلبك؟ أيقظتك رجفته من نومك، فهل أيقظ قلبك من غفلته؟ الزلازل ليست مُجرد ظواهر طبيعيةٍ تنتهي بانقضائها، بل هي رسالةٌ واضحةٌ: عُودوا إلى ربكم قبل أن يفوت الأوان وتأتي ساعةٌ لا رجوع فيها؛ من طال به الهجران عن الصلاة شهوراً أو سنين فليستيقظ؛ ماذا تنتظر؟ احمد الله أن الزلزال أيقظك من غفلتك. ومن أكل حقّ غيره، أو ظلم أحداً، أو أخذ مالاً بغير حقٍ؛ فليُبادر بردّ الحقوق إلى أصحابها قبل أن يقف بين يدي الله، حيث لا مهرب ولا اعتذار. ومن قطع رحمه؛ فليصل رحمه. ومن عقّ والديه؛ فليعُد إليهما، وليُقبِّل أيديهما، ويطلب رضاهما. ومن غرق في المعاصي مُطمئناً أنّ العمر طويلٌ؛ فليتذكر أنّ الغد غير مضمونٍ؛ حين اهتزّت الأرض تحت أقدامنا، نسي كُل واحدٍ منا المال والمنصب والشُهرة، ولم يبقَ في القلب إلا دعاءٌ واحدٌ: "يا رب نجِّنا"، فإذا كان لسانك قد عرف أن يقول “يا رب” في ساعة الخوف، فليقلها أيضاً في ساعة الرخاء، قد يهزّ الزلزال الأرض لثوانٍ، لكن الكارثة الحقيقية أن يبقى القلب ساكناً لا يتحرك إلى الله، لا تجعل الزلزال مُجرد قصةٍ ترويها، أو مقطعاً تنشره على وسائل التواصل الاجتماعي، بل اجعله بدايةً جديدةً؛ ابدأ من اليوم: حافظ على صلاتك، تُب إلى ربك، سامِح الناس، رُد المظالم، أغلِق باب الحرام، وافتح صفحةً جديدةً مع الله.

 

وعن (لُطف الله) بأهل «مصر» في ذلك الزلزال قال الشاعر:

يا مِصْرُ يا زَهْرَةَ الدُنْيا وزِينَتَها

لكِ السَلامُ مِنَ الرَحْمَنِ فابْتَسِمي

حَمَاكِ رَبُّكِ مِنْ زِلْزالٍ قَدَّرَهُ

قَدْ أفْزَعَ الناسَ لَمَّا جاءَ في الظُّلَمِ

فأرسلَ اللهُ من عَليائهِ كَرَماً

لطائفاً قد سَرَتْ من بارئ النَّسَمِ

 

أحبتي.. ما أضعفنا؛ اهتزت الأرض لثوانٍ معدودةٍ؛ فضرب الخوف القلوب، وأصاب النفوسَ هلعٌ وجزعٌ، فكيف باليوم الذي قال عنه الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾؟ اهتزت الأرض تحت الأقدام؛ فكيف سيكون حالنا يوم تهتز القلوب والأبدان بين يدي الله؟ إن أقوى درسٍ يتعلَّمه المؤمن من الزلزال، هو أن موعد الرحيل قد يأتي بلا إنذارٍ. ومن (لُطف الله) أنه أعطانا فرصةً للإنابة والرجوع إليه، وفتح لنا باب أملٍ لإصلاح أخطائنا والتوبة من ذنوبنا والإكثار من عمل الصالحات؛ فلنتعاهد ألا نؤجل توبةً، ولا نؤخر صلاةً، ولا نُهمل زكاةً، ولا نجعل يوماً يمر وإلا ولنا فيه عملٌ صالحٌ؛ فالعُمر غير مضمونٍ، والدُنيا قد تتغير في لحظةٍ، ولا يبقى لنا إلا أعمالنا؛ فليكن شعارنا: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾. اللهم أيقظ قلوبنا قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه ندمٌ، واجعل ما نراه من آياتك سبباً في توبتنا ورجوعنا إليك. اللهم ارفع عنا البلاء والفتن، وابعد عنا الزلازل والمحن، واحفظنا بحفظك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا في ضمانك وأمانك وإحسانك، واحفظنا من كُلّ سوءٍ، واجعلنا دائماً من الشاكرين لنِعَمك، الموقنين بأنّك أنت وحدك المُنَجّي، وآمِنِّا اللهم يوم الفزع الأكبر.

https://tinyurl.com/2xs56qxa