الجمعة 9 يناير
2026م
(مزرعة الآخرة)
تحت عنوان: "من أنتم بحق الله؟!" كتب أحد الأحبة: من بين الدمار
والحرب والفقر.. من بين الجُوع والبرد الشديد والمطر.. من بين البؤس والحُزن.. من
«قطاع غزة» تُطل علينا فتاةٌ فلسطينيةٌ تفوقت بفهمها وعِلمها على كثيرٍ ممن هُم
أكبر منها سناً.. «ندى» عُمرها ١٤ عاماً، يسألها مُراسل إحدى القنوات الفضائية:
"كيف كان عام 2025م معك؟"، تُجيب «ندى»: "رغم كل شيءٍ، رغم الفقد
والجُوع والبؤس والحرمان، فإن عام 2025م كان أفضل عامٍ في حياتي"، يتعجب
المُراسل ويقول: "ماذا تقولين؟!"، فترد بثقةٍ: "نعم؛ في ذلك العام
حفظتُ القرآن الكريم كاملاً، وسردتُه في جلسةٍ واحدةٍ في خيمةٍ مُتهالكةٍ تذروها
الرياح، وينزل عليها المطر، كنتُ أرتجف من البرد لكن كانت نفسي مُطمئنةً، كنتُ قبل
ذلك أحفظ سبعة أجزاءٍ فقط، وكنتُ مُنكسرة النفس أمام صديقاتي اللواتي يحفظن القرآن
الكريم كاملاً، أما اليوم فأنا مثلهم"، وتُضيف: "نحن أهل «غزة» أعمارنا
قليلةٌ، وننظر دائماً إلى السماء لكي تفتح أبوابها وننطلق إلى الجنة زُمراً.. نحن
خُلقنا للجنة، ولم نُخلق لهذه الدُنيا الفانية.. هُم لهم القُصور والملذات
والأموال والذهب ومتاع الدنيا الزائل.. إنهم يبحثون عن الحياة الدُنيا، لكنهم كم
يعيشون ستين سبعين ثمانين سنة؟ ثم يموتون.. نحن نبحث عن الحياة الأبدية التي وعدنا
بها الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد"..
علق ناشر القصة بقوله: يا الله.. هل نحن بشرٌ وأنتم بشر؟ اليوم علمتُ لماذا
اختار الله «غزة» الصابرة الصامدة.. أُسرةٌ تعيش في خيمةٍ مُتهالكةٍ لا تقي من
البرد ويقول أفرادها: "الحمد لله".. إنهم أهل الحمد.. أهل النُفوس
المُطمئنة.. هُم الصابرون العابدون، لا يضرهم من خذلهم.. ولا يهمهم ما حصل ويحصل..
لسان حالهم يقول: "نحن نثق بالله.. وكفى".
أحبتي في الله.. رغم صِغر سنها فهمت «ندى» حقيقة الدُنيا الفانية الزائلة،
وأنها مُجرد معبرٍ للحياة الباقية، وأنها (مزرعة الآخرة).
وعن هذا المعنى تدور أحداث القصة الرمزية التالية:
مُنذ زمنٍ طويلٍ كانت هناك مدينةٌ يحكمها مَلِكٌ، وكان أهل هذه المدينة
يختارون الملِك بحيث يحكم فيهم لمدة سنةٍ واحدةٍ فقط، وبعد ذلك يُرْسَل إلى جزيرةٍ
بعيدةٍ حيث يُكمل فيها بقية عُمره، ويختار الناس مَلِكاً آخر غيره! وكانوا يُلبسون
الملِك الذي تنتهي فترة حُكمه أفخر الثياب، ويودعونه ثم يضعونه في سفينةٍ حيث
تنقله إلى تلك الجزيرة البعيدة، وكانت تلك اللحظة هي من أكثر لحظات الحُزن والألم
بالنسبة لكل ملِكٍ. في إحدى المرات وقع الاختيار على شابٍ من شباب المدينة ليكون
ملِكاً؛ فكان أول شيءٍ فعله أن قام بزيارة الجزيرة التي يُرسلون إليها جميع
المُلوك السابقين، رأى الشاب الجزيرة وقد غطتها الغابات الكثيفة، وسمع أصوات
الحيوانات المُفترسة، ثم وجد جثث المُلوك السابقين وقد أتت عليها الحيوانات
المُتوحشة. عاد الملِك الشاب إلى مملكته، وأرسل على الفور عدداً كبيراً من
العُمال، وأمرهم بإزالة الأشجار الكثيفة، وقتل الحيوانات المُفترسة، وكان يزور
الجزيرة كل شهرٍ يُتابع العمل بنفسه؛ فبعد شهرٍ واحدٍ تم اصطياد جميع الحيوانات
المُفترسة، وأُزيلت أغلب الأشجار الكثيفة. وبعد مُرور الشهر الثاني كانت الجزيرة
قد أصبحت نظيفةً تماماً، ثم أمر الملِك العُمال بزرع الحدائق في جميع أنحاء
الجزيرة، وقام بتربية بعض الحيوانات والطيور المُفيدة.. ومع بداية الشهر الثالث
أمر العُمال ببناء بيتٍ كبيرٍ ومرسى للسفن. وبمرور الوقت تحولت الجزيرة إلى مكانٍ
جميلٍ. وكان الملِك مع ذلك يلبس الملابس البسيطة، ويُنفق القليل على حياته في
المدينة، وكان يُكَرِّس مُعظم أمواله التي وُهِبَت له في إعمار تلك الجزيرة.
اكتملت السنة أخيراً، وجاء دور الملِك لينتقل إلى الجزيرة؛ فألبسه الناس الثياب
الفاخرة، وأرسلوه إلى الجزيرة ليقضي فيها بقية عُمره، قائلين له وداعاً أيها
الملِك! لكنه -على غير عادة المُلوك السابقين- كان يضحك ويبتسم؛ فسأله الناس عن سر
سعادته بعكس من سبقه من المُلوك، فقال: "كانوا يشغلون مُعظم أوقاتهم بالتمتع
بالملذات قبل انقضاء فترة حُكمهم، أما أنا فقد كنتُ مشغولاً بالتفكير في
المُستقبل، وخططتُ لذلك، وأصلحتُ الجزيرة وعمَّرتُها حتى أصبحت جنةً صغيرةً يُمكن
أن أعيش فيها بقية حياتي في سلامٍ وسعادةٍ".
هي الدُنيا إذن، (مزرعة الآخرة)، مَن يتغافل عن حقيقتها، وينغمس في ملذاتها،
وينسى آخرته ولا يستعد لها، يكون من الخاسرين.
عن حقيقة الدُنيا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا
يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا
وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا
أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ
بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ويقول
سُبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ
وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ
غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ
يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ
ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ:
﴿...قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا
تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، ويقول أيضاً: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا .
وَالْآخِرَةُ خَيْر وَأَبْقَى﴾، ويقول كذلك: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ
مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ يقول المُفسرون: مَن كان سعيه
ليحصل على شيءٍ من الدُنيا، وليس له إلى الآخرة هِمَّةٌ، حَرَمه الله الآخرة
والدُنيا، إن شاء أعطاه منها، وإن لم يشأ لم يحصل له لا هذه ولا هذه.
وعن حقيقة الدُنيا، والحث على الحرث والزرع فيها ليكون الحصاد في الآخرة؛
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [يقولُ العَبْدُ: مالِي، مالِي، إنَّما له مِن
مالِهِ ثَلاثٌ: ما أكَلَ فأفْنَى، أوْ لَبِسَ فأبْلَى، أوْ أعْطَى فاقْتَنَى، وما
سِوَى ذلكَ فَهو ذاهِبٌ، وتارِكُهُ لِلنَّاسِ]. ويقول عليه الصلاة والسلام: [ما
لِي وللدُنيا، ما أنا في الدُنيا إلا كراكِبٍ استَظَلَّ تحتَ شجرةٍ، ثم راح
وتَرَكَها]. وقال أيضاً: [كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ
سَبِيلٍ]، ويقول كذلك: [الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ، وجَنَّةُ الكافِرِ]، كما
يقول: [واللَّهِ ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلَّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكُمْ
إصْبَعَهُ هذِه في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بمَ تَرْجِعُ؟]، وقال صلى الله عليه
وسلم: [لو كانتِ الدُّنيا تعدلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربةَ
ماءٍ]. وقال عليه الصلاة والسلام: [ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ،
وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ].
إن هذه الحياة الدُنيا هي (مزرعة الآخرة) طبيعتها أنها لا تستقرُّ على حال،
وإنما هي سريعة الفناء والزوال؛ فيجب على الإنسان أن يعتبر، وألا ينغمس في
شهواتها، بل يأخذ منها لآخرته؛ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ
اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا
يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ
لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ
نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾.
يقول أهل العِلم إن الإنسان المؤمن لا يغفل عن هدفه الأقصى؛ فهو دائماً
يتذكَّر أن أمامه حياةً خالدةً ينعم فيها المُتقون، ويشقى فيها الكافرون، والمؤمن
الحق يعلم أن الدُنيا (مزرعة الآخرة) هي دار ممرٍ والآخرة هي دار المقر، الدُنيا
مركب عبورٍ لا منزل حُبورٍ وسُرور، الدُنيا دار فناءٍ وليست دار بقاءٍ؛ فلابد أن
نستغل وجودنا في هذه الدار، نزرع فيها؛ لنجني ونحصد نعيماً دائماً ومُتعاً لا تنفد
في جنة الخُلد.
قال الشاعر:
كُلُ شَيءٍ مَصيرُهُ لِلْزَوالْ
غَيْرُ رَبي وَصالِحُ الأعْمالْ
أحبتي.. إنها الدُنيا؛ فيها التَقي الذي حياته بين الطاعة والعمل ليوم
الساعة، وفيها الشقي الذي حياته بين الغفلة والتفريط والإضاعة. فلنكن جميعاً ممن
يلتزم بالعبادات ويُكثر من الطاعات، ولا يكون اهتمامه بعمارة الدُنيا طاغياً على
ما يجب عليه أن يُقدمه لنفسه في الحياة الآخرة، ليكون من المُفلحين ويكون من
الفائزين.
دعونا نُلزم أنفسنا بالمُحافظة على العبادات؛ من صلاةٍ وزكاةٍ وصومٍ على
أكمل وجهٍ، والإكثار من النوافل، ودوام ذِكر الله تعالى، والأمر بالمعروف، والنهي
عن المُنكر، والمُسارعة إلى أداء ما استطعنا من أعمال الخير، والبُعد عن مُفسدات
الأعمال؛ لئلا يخيب سعينا فلا نحصل على أجر العاملين؛ فنُفَوِّت على أنفسنا التمتع
بنعيم الآخرة.
اللهم اجعلنا نتواصى فيما بيننا بنصيحة قوم «قارون» حين قالوا له:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ
مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ
الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وليكن دعاؤنا مِن هَدْي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فنقول: اللَّهُمَّ
أَصْلِحْ لنا دِينِنا الذي هو عِصْمَةُ أَمْرِنا، وَأَصْلِحْ لنا دُنْيَانا الَّتي
فِيهَا معاشُنا، وَأَصْلِحْ لنا آخِرَتنا الَّتي فِيهَا معادُنا، وَاجْعَلِ
الحَيَاةَ زِيَادَةً لنا في كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لنا مِن
كُلِّ شَرٍّ.