خاطرة الجمعة /562
الجمعة 31 يوليو 2026م
(قصر في الجنة)
تروي إحدى السيدات قصةً عجيبةً؛ تقول:
كُنتُ في زيارةٍ لصديقةٍ لي في بيتها، وأتت طفلتها إلينا، لم تُكمل الطفلة
عامها الثالث.. تتلعثم بالحروف.. ووقفت خلف أُمها تشد فستانها قائلةً: "أُمي
لم نبنِ اليوم قصراً في الجنة؟"، اعتقدتُ أنني سمعتُ ما قالت بالخطأ، إلا أن
الطفلة كررَّت نفس العبارة، ثم وقف إخوتها إلى جانبها وأخذوا يُرددون ما قالته
أختهم الصغيرة! رأت الأُم الفضول في عينيّ؛ فابتسمت وقالت لي: "أُتحبين أن
تُشاهدي كيف أبني قصراً في الجنة أنا وأبنائي؟"، فأجبتُ باندهاشٍ:
"نعم!" ووقفتُ أُراقب ما سيفعلونه.
جلست الأُم وجلس أولادها حولها.. أعمارهم تتراوح بين الثالثة إلى العاشرة..
جلسوا جميعهم مُستعدين ومُتحمسين، بدأت الأُم وبدأوا معها في قراءة سورة الإخلاص
(قل هو الله أحد.. الله الصمد.. لم يلد ولم يولد.. ولم يكن له كفواً أحد) ثم
كرروها عشر مراتٍ، وعندما انتهوا صرخوا بصوتٍ واحدٍ فرحين: "الحمد لله بنينا
بيتاً في الجنة"، سألتهم الأُم: "وماذا تُريدون أن تضعوا في هذا
البيت؟"، ردَّ الأطفال: "نُريد كُنوزاً يا أُمي"؛ فبدأوا يُرددون
(لا حول ولا قوة إلا بالله.. لا حول ولا قوة إلا بالله)، ثم عادت فسألتهم:
"مَن منكم يُريد أن يرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم السلام ويشرب من يده
شربةً لا يظمأ بعدها أبداً؟"، فشرعوا جميعهم يقولون: "اللهم صلِ على
مُحمدٍ وعلى آل مُحمدٍ.. كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ
مجيدٌ.. وبارِك على مُحمدٍ وعلى آل مُحمدٍ.. كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل
إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ"، تابعوا بعدها التسبيح والتكبير والتهليل.. ثم
انفضوا كُلٌ إلى عمله؛ فمنهم من تابع مُذاكرة دروسه.. ومنهم من عاد إلى مُكعباته
يُعيد بناءها.
قُلتُ لصديقتي: "كيف فعلتِ ذلك؟"، قالت: "أبنائي يُحبون
جُلوسي بينهم، ويفرحون عندما أجمعهم وأجلس وسطهم؛ فأحببتُ استغلال ذلك بأن
أُعوِّدهم على ذِكر الله، بأن أنقل لهم هذه الأحاديث وأُعلِّمها لهم بطريقةٍ يُمكن
لعقولهم الصغيرة أن تفهمها؛ فهُم يرون القصور في برامج الأطفال ويتمنون أن يكون من
ساكنيها.. ويُشاهدون أبطال الكرتون وهُم يتصارعون للحصول على الكنز؛ فأردت أن يكون
حُلمهم (قصر في الجنة)".
أحبتي في الله.. عقَّبت راوية القصة عليها بما يلي: "هذه الأُم ستُثاب
عندما يُردد أحد أبنائها هذه الأذكار، حتى بعد ممات الأُم.. فإنها صدقةٌ جاريةٌ..
وهي أفضل استثمارٍ لها في الدُنيا والآخرة".
وعن (قصر في الجنة) كتبت إحداهن:
مُنذ أيامٍ قليلةٍ كُنتُ أُشاهد صوراً لقصرٍ في مدينة «دبي»، يبلغ ثمنه مئة
مليون دولار، ومع ذلك لم يكن القصر كبيراً جداً؛ فأثار ذلك فضولي لأتعرّف على أعظم
القُصور في العالم؛ فوجدتُ أن أكبر قصرٍ سكنيٍ في العالم هو قصر سُلطان «بروناي»،
قصر «إستانا نور الإيمان»؛ إذ تبلغ مساحته -بما فيه من أجنحةٍ وحدائق- نحو 2100
متراً مُربعاً، ويضم 1,788 غُرفةً، حتى إنك لو أردتَ مُشاهدة كُل غُرفةٍ منها لمدة
دقيقةٍ واحدةٍ فقط لاحتجتَ إلى أكثر من تسعٍ وعشرين ساعةً كاملةً لتتم مُشاهدتك!
ويبقى السؤال: هل يُعَد هذا القصر عظيماً حقاً إذا قارنّاه بقصرٍ من قُصور أقل أهل
الجنة منزلةً؟ الإجابة: إن هذا القصر لا يُساوي حجراً واحداً في شُرفةٍ من شُرفات
قُصور الجنة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم عن أقل أهل الجنة منزلةً: [إنَّ أدنى
أهلِ الجنَّةِ منزلةً الَّذي له ثمانونَ ألفَ خادمٍ، واثنانِ وسبعونَ زوجًا،
ويُنصَبُ له قبَّةٌ مِن لؤلؤٍ وزبرجدٍ وياقوتٍ كما بَيْنَ الجَابِيَةِ إلى صنعاءَ]
أي يُبنى له قصرٌ قُبته من لؤلؤٍ وياقوتٍ وزبرجدٍ -وهي جواهر لم ترها عينك قط،
تمتد -قبته فقط- لمسافةٍ تزيد عن 2000 كيلو متر! العجيب أن هذا قصر أقل أهل الجنة
منزلةً، فما بالك بما أعدّه الله لأحبائه وأوليائه من قُصور؟ إن هذا القصر من
قُصور الجنة يفوق جميع قُصور الدُنيا مُجتمعةً، ولا مجال للمقارنة؛ فقصر الجنة هو
من إبداع الله سُبحانه وتعالى.
يقول أهل العِلم إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن أعمالٍ وأقوالٍ إذا
عملها العبد أو قالها بنى الله له بيتاً أو قصراً في الجنة، ومعلومٌ أن بيوت الجنة
وقُصورها ليست كبيوت الدُنيا، وإنما كما قال صلى الله عليه وسلم: [الجنةُ بناؤها
لَبِنَةٌ من فضةٍ، ولَبِنَةٌ من ذهبٍ، ومِلاطُها المسكُ الأذفرُ، وحصباؤها اللؤلؤُ
والياقوتُ، وتربتُها الزَّعفرانُ، من يدخلُها ينعَمْ لا يبْأَسُ، ويخلدْ لا يموتُ،
لا تَبلى ثيابُهم، ولا يَفنى شبابُهم]. من تلك الأعمال والأقوال: الإيمان بالله
عزَّ وجلَّ وتصديق المُرسلين؛ قال صلى الله عليه وسلم: [إنَّ أهلَ الجَنَّةِ
يَتَراءَونَ أهلَ الغُرَفِ مِن فوقِهم كما يَتَراءَونَ الكَوكَبَ الدُّرِّيَّ
الغابِرَ في الأُفُقِ مِنَ المَشرِقِ أوِ المَغرِبِ؛ لتَفاضُلِ ما بينَهم]. قالوا:
يا رَسولَ اللهِ، تلك مَنازِلُ الأنبياءِ لا يَبلُغُها غَيرُهم؟ قال: [بَلى، والذي
نَفسي بيَدِه، رِجالٌ آمَنوا باللهِ وصَدَّقوا المُرسَلينَ].
ومن ذلك أيضاً تقوى الله؛ يقول تعالى: ﴿لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا
رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾.
ومن ذلك كذلك الصبر، والتوكل على الله؛ يقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَالَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا
تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ
الْعَامِلِينَ . الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. كما أن
من ذلك مُوالاة المؤمنين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقام الصلاة، وإيتاء
الزكاة، وطاعة الله تعالى وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام؛ يقول سُبحانه:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ
ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
ومن ذلك أيضاً سد الفُرَج في الصلاة؛ قال صلى الله عليه وسلم: [مَنْ سَدَّ
فُرْجَةً بَنَى اللهُ لهُ بَيْتًا في الجنةِ، ورفعَهُ بِها درجةً].
ومن ذلك المُحافظة على السُنن الرواتب؛ قال عليه الصلاة والسلام: [من صلَّى
في اليومِ والليلةِ اثنتي عشرةَ ركعةً تطوُّعًا، بنى اللهُ له بيتًا في الجنَّةِ:
أربعًا قبلَ الظُّهرِ، وركعتَين بعدها، وركعتَين بعد المغربِ، وركعتَينِ بعد
العشاءِ، وركعتَينِ قبلَ صلاةِ الغَداةِ].
ومن ذلك أيضاً المُحافظة على أربع ركعاتٍ من الضُحى، وأربعٍ قبل صلاة
الظُهر؛ قال صلى الله عليه وسلم: [مَنْ صَلَّى الضُّحَى أَرْبَعًا، وَقَبْلَ
الْأُولَى أَرْبَعًا بُنِيَ لَهُ بِهَا بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ]، ومعنى [الْأُولَى]
صلاة الظهر.
وكذلك ترك المِراء، وترك الكذب ولو كان المرء مازحاً، والأخلاق الحسنة؛ قال
عليه الصلاة والسلام: [أنا زعيمٌ ببيتٍ في رَبَضِ الجنَّةِ لمَن تَرَكَ المِراءَ
وإن كان مُحِقًّا، وببيتٍ في وسطِ الجنَّةِ لمَن تركَ الكذبَ وإن كان مازحًا،
وببيتٍ في أعلى الجنَّةِ لمَن حَسُنَ خُلُقُه].
ومن ذلك بِناء المساجد؛ قال صلى الله عليه وسلم: [مَنْ بَنَى للهِ
مَسْجِدًا يُذْكَرُ فيهِ؛ بَنَى اللهُ لهُ بَيْتًا في الجنةِ].
ومن ذلك أيضاً إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وقيام الليل؛ قال عليه الصلاة
والسلام: [إنَّ في الجنَّةِ غرفًا يُرى ظاهرُها من باطنِها وباطنُها من ظاهرِها
أعدَّها اللهُ لمَنْ أطعم الطَّعامَ وأفشى السَّلامَ وصلَّى بالليلِ والنَّاسُ
نيامٌ].
كما أن من ذلك قراءة سورة الإخلاص عشر مراتٍ؛ قال صلى الله عليه وسلم: [من
قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى يختِمَها عشرَ مراتٍ بنى اللهُ له قصرًا في
الجنَّةِ].
ومن ذلك الصبر والحمد والاسترجاع عند فقد أحد الأبناء؛ قَالَ عليه الصلاة
والسلام: [إذا ماتَ ولَدُ العبدِ قالَ اللَّهُ لملائِكتِهِ: قبضتم ولدَ عبدي؟
فيقولونَ: نعم، فيقولُ: قبضتُم ثمرةَ فؤادِهِ؟ فيقولونَ: نعم، فيقولُ: ماذا قالَ
عبدي؟ فيقولونَ: حمِدَكَ واسترجعَ، فيقولُ اللَّهُ: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنَّةِ
وسمُّوهُ بيتَ الحَمْدِ].
كما أن من ذلك زيارة المريض، وزيارة الإخوة في الله؛ قَالَ صلى الله عليه
وسلم: [مَن عادَ مريضًا، أو زارَ أخًا لَهُ في اللَّهِ ناداهُ مُنادٍ: أن طِبتَ
وطابَ مَمشاكَ، وتبوَّأتَ مِنَ الجنَّةِ منزلًا].
يقول الشاعر:
اِعْمَلْ لِدَارِ الْبَقَاءِ رِضْوَانُ خَازِنِهَا
الْجَارُ أَحَمْدٌ وَالرَّحْمَنُ بَانِيهَا
أَرَضُّهَا ذَهَبٌ وَالْمِسْكُ طِينَتُهَا
وَالزَّعْفَرَانُ حَشِيشٌ نَابِتٌ فِيهَا
أَنُهَّارُهَا لَبَنٌ مَحْضٌ وَمِنْ عَسَلٍ
وَالْخَمْرُ يَجْرِي رَحِيقَاً فِي مَجَارِيِهَا
وَالطَّيْرُ تَجَرَي عَلَى الْأَغْصَانِ عَاكِفَةً
تُسَبِّحُ اللَّهَ جَهْرًا فِي مَغَانِيِهَا
مَنْ يَشْتَرِي الدَّارَ بِالْفِرْدَوْسِ يُعَمِّرُهَا
بِرَكْعَةٍ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ يُخْفِيهَا
أَوْ سَدِّ جُوْعَةِ مِسْكِينٍ بِشبْعَتِهِ
فِي يَوْمِ مَسْغَبَةٍ عَمَّ الْغَلَا فِيهَا
لَا دَارَ للمَرءِ بَعْدَ الْمَوْتِ يَسْكُّنُهَا
إِلَّا الَّتِي كَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ يَبْنِيهَا
فَمَنْ بَنَاِهَا بِخَيْرٍ طَابَ مَسْكَنُهُ
وَمَنْ بَنَاهَا بِشَرٍّ خَابَ بَانِيهَا
فَاغْرِسْ أُصولَ الْتُقَى مَا دُمّْتَ مُقْتَدِرًا
وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَاقِيهَا
تَجْنِي الثِّمَارَ غَدَاً فِي دَارِ مَكْرَمَةٍ
لَا مَنَّ فِيهَا وَلَا التَّكْديرُ يَأْتِيهَا
الْأُذُنُ وَالْعَيْنُ لَمْ تَسْمَعْ وَلَمْ تَرْهُ
وَلَمْ يَجْرِ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ مَا فِيهَا
فِيَا لَهَا مِنْ كَرَامَاتٍ إِذَا حَصُلَتْ
وَيَا لَهَا مِنْ نُفُوسٍ سَوْفَ تَحْوِيهَا
أحبتي.. الكثير منا يُضيِّع سنواتٍ من عُمره ليُعمِّر بيتاً في الدُنيا،
ويفرح إن أنجز ذلك، رغم أن متاع الدُنيا زائلٌ، وفراق الدُنيا محتومٌ؛ فهلَّا
فكَّرنا في تعمير ما هو دائمٌ ومُقيمٌ لا يزول في الآخرة؟ يقول تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ
لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾.
اللهم حبِّب إلينا الإيمان، وزيِّنه في قلوبنا، ويسِّر لنا أن نعمل من
الصالحات ما ننال به رضاك، وتقبَّل أعمالنا خالصةً لوجهك الكريم، وارزقنا اللهم
الجنة وما قرَّب إليها من قولٍ أو عملٍ، واستجب لدعوتنا: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ
بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾.
https://tinyurl.com/26w73k52