الجمعة، 5 يونيو 2026

أضعافاً مُضاعفة

 

خاطرة الجمعة /554

الجمعة 5 يونيو 2026م

(أضعافاً مُضاعفة)

 

كان هناك مُعلمٌ للقُرآن، بسيطٌ يعيش حياةً مُتواضعةً، يجلس كُل يومٍ بعد صلاة العصر ليُحفِّظ الأطفال، ومن هؤلاء الطُلاب كان هناك طفلٌ فقيرٌ دائم الغياب، ملابسه قديمةٌ، ووجهه شاحبٌ، لكنه شديد الأدب، كلما حضر جلس في آخر الصف صامتاً، وفي يومٍ سأله المُعلم: "لماذا تتغيب كثيراً يا بُنيّ؟"، خفض الطفل رأسه وقال: "أعمل بعد المدرسة في محلٍ حتى أُساعد أُمي، وأحياناً لا أستطيع الحضور"، تأثر المُعلم بكلامه لكنه لم يُظهِر شيئاً، ومن يومها صار يضع لهذا الطفل طعاماً ومالاً بسيطاً في حقيبته دون أن يعرف أحدٌ.

مرَّت السنوات، وكبر الطفل واختفى عن المسجد تماماً، أما المُعلم فقد شاخ ومرض وأصبح بالكاد يستطيع الحركة، وذات يومٍ طرق بابه رجلٌ أنيقٌ يرتدي ثياباً فاخرةً، ويحمل حقيبة يدٍ، فتح المُعلم الباب ولم يعرف الرجل الطارق، احتضنه الرجل وهو يبكي، وقال: "أنا الطفل الذي كُنتَ تضع الطعام في حقيبته"، ثم أخرج ورقةً قديمةً جداً وقال: "كُنتُ أجد معها دائماً هذه الجملة 'لا تخجل من فقرك؛ فالله لا ينسى عباده'، كُنتُ كلما ضعفتُ قرأتُ الورقة وأكملتُ طريقي، واليوم أنا طبيبٌ والحمد لله، وقد اشتريتُ لك بيتاً، وسأتكفل بعلاجك وخدمتك ما حييت"، بكى المُعلم وقال: "كُل هذا بسبب لُقيماتٍ قليلةٍ؟!"، فرَّد الرجل: "لا؛ بل لأن عمل الخير يعود لصاحبه (أضعافاً مُضاعفة)".

 

أحبتي في الله.. تعقيباً على هذه القصة كتب ناشرها يقول: قد تُغيِّر كلمةٌ طيبةٌ أو صدقةٌ خفيةٌ حياةً كاملةً لإنسانٍ؛ فازرع الخير حتى لو لم ترَ ثماره الآن؛ يقول تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، المُهم أن يكون لديك يقينٌ تامٌ بأن عمل الخير لا يضيع أبداً، وإن تأخر موعد رجوعه لك وعودته إليك، وإن رجع وعاد في صورةٍ مُختلفةٍ عما قدمت.

 

وهذه قصةٌ أُخرى توضح أن عمل الخير يعود لصاحبه (أضعافاً مُضاعفة)؛ تقول صاحبة القصة:

قبل عشرين سنةً كنتُ أعمل بإحدى المكتبات المُتخصصة في بيع الكُتب ومُستلزمات الدراسة قُرب كلية الطب، اعتاد الكثير من الطلبة أن يأتوا إلى المكتبة لشراء الكُتب أو طباعة الأبحاث أو تصوير الأوراق. من بين هؤلاء الطلبة شابٌ طموحٌ، تُظهِر ملامحه أنه فقير الحال، وكان كُلما أراد أن يشتري كتاباً يسأل أولاً عن ثمنه، وغالباً ما كان يطلب الكُتب المُستعملة. ظلَّ على هذه الحال مدة خمس سنواتٍ، كُنتُ أتعامل معه طوالها بلُطفٍ، وأُخبره بكل العُروض المُتوفرة لكي يكون سَبَّاقاً لشرائها قبل أن تنفد؛ فهي كُتبٌ علميةٌ طبيةٌ في الأصل باهظة الثمن لا يستطيع شراءها إلا في العُروض الاستثنائية التي تُقدِّمها مكتبتنا كُل فترة. ذات يومٍ -قبل نهاية العام الدراسي- وجدتُ هذا الطالب ينتظر أمام المكتبة، ساعدني في فتح الباب، سألته عن سبب قُدومه للمكتبة في هذا الوقت المُبكر، أجابني وعيناه تدمعان: "إن الامتحانات وشيكةٌ ولم أُراجع دروسي بسبب الكُتب الغالية التي ستُكلّفني الكثير من المال"، وأضاف: "إننا في نهاية العام الدراسي، لم يتبقَ لي من المصروف إلا القليل، لن يكفيني حتى لشراء الخُبز، ولا أريد أن أُفوِّت فُرصة العُمر وأُحقق حلمي أن أكون طبيباً جراحاً، وأطلب منكِ أن تُعيريني هذه الكُتب، وبعد تخرجي سأدفع لكِ ثمنها ضعفين". وقع هذا الكلام على مسامعي كالصاعقة، بعد لحظاتٍ دخل صاحب المكتبة، وصرخ في وجهي لعدم إتمامي لعملي وانشغالي بالحديث مع هذا الطالب، فقلتُ له إنه مسكينٌ ويُريد كُتباً لا يملك ثمنها، ونحن أمله الوحيد، قال صاحب المكتبة: "نحن لسنا جمعيةً خيريةً لنعطي الكُتب مجاناً للطُلاب الفُقراء، لدينا الكثير من المصاريف في انتظارنا، إن كنتِ تُشفقين عليه ادفعي له ثمن الكُتب من مالكِ الخاص"؛ فقُلتُ له: "حسناً؛ سأدفع له ثمنها خصماً من مُرتبي الشهري". وهذا ما تم بالفعل، بل وأعطيتُ الطالب بعضاً من النقود لشراء ما يسد جوعه.

مرَّت الأيام والسنوات، تزوجتُ وانتقلتُ إلى مدينةٍ أُخرى، وانشغلتُ بتربية أطفالي والاهتمام بأُسرتي، تقدمتُ في السن وأُصبتُ بمرضٍ مُزمنٍ، وفي كل مرةٍ أزور الطبيب يُعطيني وصفةً طبيةً تحمل مجموعةً من الأدوية باهظة الثمن. استمرت الأيام على هذا الحال دُون جدوى. بدأ الألم يزداد ولم أعد أتحمل، وقمتُ ببيع الكثير من مُستلزماتي كي أتمكن من دفع ثمن الأدوية والتحاليل والأشعة، وفي آخر زيارة لي للطبيب فاجأني بضرورة سُرعة إجراء عمليةٍ جراحيةٍ، لم أكن أملك تكاليفها رغم احتياجي لها. في طريق عودتي صادفتُ مُستشفىً توجهتُ إليها لأعرف كم هي تكلفة هذه العملية، صعدتُ إلى الطابق العُلوي، فوجدتُ قاعة الانتظار مُكتظةً عن آخرها بالمُراجعين، أخذتُ ورقةً تحمل رقم دُوري في الدخول على الطبيب الجرَّاح، لكني لم أتحمل ألم الوقوف وطول الانتظار فقرَّرتُ المُغادرة، بعد لحظةٍ ناداني المُمرض باسمي! فالتفتُّ إليه، قال: "الطبيب يُريدك في غُرفته" فاستغربتُ وسألته: "كيف عرفني الطبيب؟!"، قال: "القاعة مليئةٌ بكاميرات المُراقبة والطبيب يُلِّح بضرورة حضورك إلى غُرفته"، دخلتُ غُرفة الطبيب وأنا في ذهولٍ، طلب مني الجلوس في مقعده وقبَّل رأسي؛ فزادت حيرتي! سألني: "ما بكِ سيدتي؟"، قُلتُ له: "أنا مريضةٌ وأحتاج لإجراء عمليةٍ جراحيةٍ، أريد فقط أن أعرف كم تُكلِف" وسلمته ملفاً كاملاً عن حالتي، فلمّا اطلَّع عليه قال: "ستدخلين لغُرفة العمليات الآن"، قُلتُ له: "سيدي؛ ليس لديّ ما أدفع به تكلفة العملية، كنتُ فقط أُريد أن أعرف تكلفتها"، قال لي: "لا تحملي هَمَّ تكلفة العملية؛ سأُجريها لكِ مجاناً!"، زادت دهشتي، لكنهم أدخلوني بالفعل لإجراء العملية وأنا لا أُصدق ما يحدث. بعد ساعاتٍ وجدتُ نفسي في غُرفةٍ مليئةٍ بالمُمرضات، وبعد لحظاتٍ طلب الطبيب من الكُل المُغادرة، وبقي معي وقال: "هل تذكرين يوم ساعدتك في فتح المكتبة، ودفعتِ عني ثمن الكُتب وأعطيتيني بعض النُقود في نهاية العام الدراسي حين كنتُ طالباً قبل عشرين عاماً؟"، قُلتُ له: "هل أنتَ الطالب الذي كان يسأل عن موعد التخفيضات والكُتب المُستعملة؟"، أومأ برأسه وقال: "نعم أنا هُو، وبفضل الله ثم بسبب تلك النُقود والكُتب التي دفعتِ ثمنها من مالكِ الخاص استطعتُ التخرج بتفوقٍ، عملتُ بعدها فترةً بالمُستشفى العام ثم قُمتُ بافتتاح هذه المُستشفى الخاص بي، والفضل يعود لله سُبحانه وتعالى ثم لكِ، ومهما فعلتُ لن أُوفيك حقكِ، لقد بحثتُ عنك كثيراً لأرد لكِ دَيْنكِ ولم أُفلح في ذلك، حتى رأيتك اليوم". لم يكتفِ الطبيب بإجراء العملية ومتابعة حالتها الصحية مجاناً، بل قام بتأجير مسكنٍ مُناسبٍ لها ولأُسرتها، وجعل لهم معاشاً شهرياً يعيشون به حياةً كريمةً.

 

يقول العُلماء إنَّ فعل الخير فريضةٌ على كُلّ إنسانٍ مُسلمٍ؛ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ومن صفات الله تعالى العدل الحقّ؛ فهو الحَكَمُ العدلُ، لطيفٌ بعباده، والجزاء عنده من جنس العمل.

وإن كانت أعمال الخير تندرج تحت مُسمّى الإحسان إلى الناس، إلا أنه في الواقع إحسانٌ إلى الشّخص المُحسن نفسه؛ يقول تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾، وأيّ مُساعداتٍ يقوم بها المرء -سواءً ماليّةً أو معنويّةً- ستعود له فإن أعمال الخير تعود لصاحبها (أضعافاً مضاعفة)؛ يقول سُبحانه: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، يقول المفسرون لهذه الآية إن حبة القمح التي ضرب الله المثل بها تُعطي سبعمائة حبةٍ من نفس صنفها، أما الله سُبحانه وتعالى فيُضاعِف أكثر في الكم،

ومعنى قوله: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ أنّ المُضاعفة درجاتٌ كثيرةٌ تترتّب على أحوال المُتصدِّق وأحوال المُتصدَّق عليه؛ فللإخلاص وقصد الامتثال ومحبة الخير للناس والإيثار على النفس وغير ذلك تأثيرٌ في تضعيف الأجر. أما لفظة ﴿وَاسِعٌ﴾ فهي تُفيد تنوع رزق الله أكثر في الكيف؛ فلا يكون الرزق مالاً وحسب، بل يشمل أيضاً الأبناء، الصحة، الاطمئنان وراحة البال، النجاة من المصائب، وغير ذلك.

 

إنّ عمل الخير بغير انتظار مُقابلٍ له، يُفرِح قلب صاحبه؛ لأنَّه يعلم يقيناً أنّ ما يُقدِّمه من خيرٍ يقصد به وجه الله تعالى لن يضيع ثوابه، بل سيأتيه من ﴿عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾. إنّ لعمل الخير طعمٌ مُميّزٌ، لا يعرف مذاقه إلا من يُقدِّمه، فيشعر بحلاوة الإيمان ولذّة القُرب من الله تعالى، لما له من آثارٍ طيّبةٍ على النّفوس، تنعكس نوراً في القُلوب، وضياءً في الوجوه، وسعةً في الرّزق، ومحبّةً من النّاس، رغم أنّ بعض من يُقدَّم لهم الخير لا يُقدِّرون ما يُقدَم لهم من مُساعدةٍ، بل يعدّون ذلك واجباً على الآخرين، فيتسلَّل شعورٌ غريبٌ لمُقدِّم الخير بأنّ جهده ضاع سُدىً، أو بأنّ المُساعدة وُضعت في غير أهلها، لكن هذا الشعور يتلاشى، ليحل محله اليقين بأن الاستمرار في عمل الخير ومُساعدة الناس هو لوجه الله تعالى، وليس لمرضاة أحدٍ من عباده، وأن لا قيمة للحياة من دون عمل الخير، وأن عمل الخير يعود لصاحبه (أضعافاً مُضاعفة) ويكون سبباً في راحةٍ نفسيّةٍ، وسعادةٍ تغمر القلب، مع الثقة الكاملة بأنها سبيلٌ للحصول على رضوان الله تعالى والفوز بالجنّة.

 

لقد صدق الشاعر حين قال:

الناسُ بالناسِ مادامَ الحياءُ بهمُ

والسعدُ لاَ شَكَ تاراتٌ وهباتُ

وأفضلُ الناسِ ما بينَ الوَرى رجلٌ

تُقضى على يدهِ للناسِ حاجاتُ

لا تَمنعنَ يدَ المعرُوفِ عن أحدٍ

ما دُمتَ مٌقتَدِراً فالسعدُ تاراتُ

واشكُر فَضَائِلَ صُنعِ اللهِ إذْ جُعِلَت

إليكَ لاَ لكَ عند الناسِ حاجاتُ

قد ماتَ قومٌ وما ماتَتْ مَكارِمُهم

وعاشَ قومٌ وهُم في الناسِ أمواتُ

وهذا شاعرٌ آخر قال:

خيرُ أيامِ الفتى يومَ نَفَعْ

واصطناعُ الخيرِ أبقى ما صَنَعْ

ونظيرُ المَرءِ في مَعْروفِهِ شافِعٌ

بِتُّ إليه فَشَفَعْ

ما يُنالُ الخَيرُ بالشَرِ

ولا يَحْصِدُ الزارِعُ إلا ما زَرَعْ

 

أحبتي.. على كُلّ مُسلمٍ منا أن يجعل فعل الخير في حياته -كوصف أحدهم- كنهرٍ جارٍ، يرتوي منه المّارّة؛ فيرتدّ هذا الخير على صاحبه، ويُثقِّل ميزان أعماله؛ يقول تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾، فلنكُن دائماً مفاتيح للخير مغاليق للشّر، ولنفعل كل خيرٍ مُمكنٍ ونحن على يقينٍ تامٍ بأن عمل الخير لا يضيع أبداً.

ومن صور وأشكال عمل الخير: إخراج زكاة المال، الإكثار من الصدقات، إطعام الطعام، سُقيا الماء، كُسوة المحتاجين، السعي على الأرامل والمُطلقات، كفالة الأيتام، المُشاركة في الأعمال التطوعية، الدعم النفسي والنُصح والإرشاد، الكلمة الطيبة وحُسن التعامل، الدُعاء لتخفيف الكرب والهُموم عن الغير ورفع البلاء والمصائب عنهم، وغير ذلك.

وفقَّنا الله لكل خيرٍ، وجعلنا سبباً في سعادة الآخرين، وتخفيف غُمومهم وأحزانهم.

 

https://bit.ly/3PIacjN

الجمعة، 29 مايو 2026

الدُعاء بيقين

 

خاطرة الجمعة /553

الجمعة 29 مايو 2026م

(الدُعاء بيقين)

 

تحكي امرأةٌ سوريةٌ قصتها فتقول: "تزوجتُ وأنجبتُ أربع أولادٍ، ولم أتفق في حياتي كُلها مع زوجي؛ صبرتُ وصبرتُ ثم انفصلنا وعُمري خمسين سنة! حزنتُ وأصابني الكدر، وشعرتُ بالوحدة؛ فالأولاد مع طليقي لأني لا أستطيع إعالتهم للفقر وضيق الحال. وجدتُ خلال فترة عِدتي أُنساً بربي، سألتُ الله واستأنستُ به وناجيته كثيراً، طلبتُ منه الحج! "الحج الحج يا رب"، طلبته بصدقٍ ويقينٍ في السر والعلن، استغرب أهلي وقالوا: "أنتِ مُطَّلقةٌ، وحالنا فقيرٌ، وليس لديكِ مَحرمٌ، فكيف ذلك!"، قُلتُ لهم: "دعوني أنا وربي، لا شيء عليه عسيرٌ، أطلب طلبي من الكريم الغني". انقضت مُدة العِدة، وزارتني صديقةٌ تحمل معها صورة رجلٍ من أهل «المدينة المُنورة»، ماتت زوجته ويُريد الاقتران بأُخرى، رفضتُ بشدةٍ؛ لستُ بصغيرةٍ، وأولادي شبابٌ، والأهم أن عُمر ذلك الرجل قد جاوز التسعين! قالت لي صديقتي: "أما تودين الحج؟! اجعليه سبباً لذلك"؛ فوافقت.

تقول: "نزل إلى «الشام» لأيامٍ قليلةٍ، زارانا في يومٍ، وأتممنا عقد الزواج في اليوم التالي، ثم كان سفره عائداً لبلده فجر اليوم الثالث! وقبل سفره بعدة ساعاتٍ أوصلني أهلي لغُرفته بالفُندق لأقضي معه تلك الليلة الوحيدة!".

أطرقَتْ رأسها خجلاً وهي تُكمل رواية قصتها، قالت: "دخلتُ على الرجل الغريب، وكان مُتعباً جداً؛ يُعاني من ربوٍ وضيقٍ في التنفس، وعزا ذلك إلى اختلاف الجو. صلينا العِشاء وقال لي: اسمعي يا بنت الناس أنا مُتعبٌ وصدري يؤلمني، سأرحل غداً وأُسجل الزواج رسمياً في بلدي، وسأستحصل لك على تأشيرة دخولٍ، وخلال أسبوعٍ تكونين عندي بإذن المولى، في بيتنا سنأخذ راحتنا! صدقوني أنه لم يلمس يدي حتى! نمنا، وفي الفجر سافر. بعد خمسة أيامٍ وصلتني التأشيرة مع تذكرة الطائرة، ودَّعتُ أهلي وسافرتُ لزوجي. كان ابنه البكر في انتظاري في المطار، قال لي الجميع في انتظارك في البيت الكبير، وصلتُ لبيت زوجي، استقبلتني وجوهٌ كثيرةٌ وغريبةٌ! أولاده وبناته وأحفاده إلا هو! سألتُ عنه، قالوا: تُوفي بعد عودته بثلاثة أيامٍ! أصابتني الدهشة! ولِمَ لَم تُخبروني؟! أجابوا: سألنا شيوخنا وأفادونا أن الزواج شرعيٌ وكاملٌ، والأفضل أن تأتي وتقضي العِدة في بيت زوجك وبيتك، وتأخذي ميراثك كاملاً! ولكم أن تتخيلوا الدهشة ووَقْع الأمر عليّ! المُهم، كانت العِدة سجناً داخل سجنٍ داخل سجنٍ: فقدٌ وحَبسٌ وغُربةٌ! للأمانة؛ عاملني أبناء زوجي بكل حُبٍ وإنسانيةٍ، ولما انقضت العِدة كُنا على أبواب شهر ذي الحِجة، سألتُ ابنه البكر أن يُرافقني للحج إنْ تكرَّم؛ فأجابني لطلبي، حججتُ ذلك العام، بعدها خيروني بين العيش بينهم أو العودة لبلدي؛ فاخترتُ العودة. كان زوجي -رحمه الله- لا يملك سوى البيت الكبير، قدَّروا ثمنه وأعطوني حقي ومؤخر صداقي وطقم ذهبٍ كان قد اشتراه لي قبل وفاته، وضعتهم في كيسٍ داخل كيسٍ داخل كيسٍ، وحملتهم في حقيبة يدي. في المطار، كيف؟! والله لا أعرف كيف سُرقت تلك الحقيبة! وعُدتُ إلى بلدي كما خرجتُ، ولم أحظَ من تلك التجربة إلا بأداء فريضة الحج! وهذا بالضبط ما كنتُ أسأل الله بصدقٍ ويقينٍ أن يُعطني إياه، كنتُ أطلب عن ضعفٍ، وهو سِبحانه يُعطي من فضلٍ. بعد فترةٍ من عودتي إلى بلادي اتصل بي ابن زوجي وأخبرني أن الوالد كان مُوظفاً، وله راتبٌ تقاعديٌ يؤول بعد وفاته لزوجته؛ فبتُّ أستلم كل شهرٍ راتب زوج الليلة الواحدة! وهو مالٌ حفظني من سؤال الناس، وأعانني على العيش بكرامةٍ. وما زلتُ للآن، وبعد ثلاثين سنةً أُساعد به أهلي وأولادي وأحبابي! صدقوني أني أترحم عليه كل يومٍ، وأذكره كل يومٍ، ولا أكاد أذكر أبا أبنائي الذي عشتُ معه دهراً!".

في نهاية حديثها قالت: "تخيَّروا أوقات استجابة الدُعاء، واطلبوا من الله بصدقٍ ويقينٍ كاملين، وألِّحوا عليه في الدُعاء، وهو سيُعطيكم من كرمه وفضله ما يُدهشكم!".

 

أحبتي في الله.. إنه (الدُعاء بيقين)، لا يُمكن أن يرجع قائله خائباً أبداً؛ فعطاء الله سُبحانه وتعالى -لمن يدعوه بيقينٍ- مُذهلٌ ومُدهشٌ.

وهذه قصةٌ أخرى حدثت مع إحدى الزوجات؛ حيث أخبرها الطبيب أن زوجها يُعاني من العُقم الشديد، وفي حالته هذه يصعب حدوث الحمل حتى مع التدخل الطبي وإجراءات التخصيب المخبري وزراعة الأجنة؛ حتى أنها قالت لصديقتها بكل يأسٍ: "لن أُصبح أماً أبداً!"، ردَّت عليها صديقتها مُستهجنةً: "وهل يأتي الطفل من الطبيب أم من رب الطبيب؟ واللهِ، إنَّ الذي خلق آدم بغير أبٍ وأمٍ، وخلق عيسى بغير أبٍ، لهو قادرٌ على أن يخلق في أحشائك ما يشاء؛ فإنما أمره إذا أراد لشيءٍ أن يكون أن يقول له كُن فيكون". تقول صديقة الزوجة: "أخبرتُها عن اليقين، وسر استجابة الدعاء، وتحري وقت قيام الليل، وأخبرتها بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: [يَنزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى كُلَّ لَيلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا حينَ يَبقى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدعوني، فأستَجيبَ له؟ مَن يَسألُني فأُعطيَه؟ مَن يَستَغفِرُني فأغفِرَ له؟]. تقول الصديقة: "فنقلتُها إلى مرحلة الإيمان التام المليء باليقين، فالتزَمَتْ بالدُعاء والرجاء؛ ليرزقها الله بعد ذلك بفترةٍ بسيطةٍ بطفلٍ من دون أي تدخلٍ طبيٍ رغم عجز الأطباء عن ذلك!".

 

إنه (الدُعاء بيقين) أقوى سببٍ لإجابة الدُعاء بإذن الله؛ كتب أحدهم عنه فقال: إنه الكنز العظيم الذي لم ينتبه إليه كثيرٌ منا، لقد أمضيتُ سنواتٍ أدعو ولا أرى الإجابة! إلا في بعض الدعوات، لكن لما اكتشفتُ (الدُعاء بيقين) تغيَّر كل شيءٍ! أصبحتُ أرى الإجابة تأتي بسرعةٍ خاطفةٍ.. واللهِ واللهِ إنه لفضلٌ من الله أن دلَّني على هذا السر؛ أتدرون ما اليقين؟ ليس الإخلاص، ولا البُكاء، ولا الإلحاح وكثرة الدُعاء فقط، کلا، إنه أن تعتقد بغير أدنى شكٍ أن الله مُجيب دُعائك.. أن تمزج مع الدُعاء التوكل على الله لتأكيد اليقين.. أن تعتقد أن الأمر انتهى بمجرد أن دعوتَ، ليكتمل يقينك بأنه سُبحانه ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

إذا كان [الدُّعاءُ هو العبادةُ] كما أخبرنا الحبيب المصطفى، فإن (الدُعاء بيقين) في استجابة الله عزَّ وجلَّ للدُعاء يكون تسليماً وإيماناً صادقاً بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وبقوله سُبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.

 

وعن هذا المعنى يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [القلوبُ أوعيةٌ، وبعضُها أوْعى مِن بعضٍ؛ فإذا سألتُمُ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أيُّها النَّاسُ فسَلُوه وأنتم مُوقنون بالإجابةِ؛ فإنَّ اللهَ لا يستجيبُ لعبدٍ دعاه عن ظَهْرِ قَلْبٍ غافلٍ]، وفي روايةٍ: [ادْعُوا اللهَ وأنتمْ مُوقِنُونَ بالإجابةِ، واعلمُوا أنَّ اللهَ لا يَستجيبُ دُعاءً من قلْبٍ غافِلٍ لَاهٍ]. يقول شُرَّاح الأحاديث إن معنى مُوقنون بالإجابة أي: يغلب على ظنكم أن الله تعالى يتقبل دُعاءكم، ويُحقق مُرادكم، وهذا من إحسان الظن بالله تعالى؛ وقد جاء في الحديث القُدسي: {أنا عند ظنِّ عبدي بي؛ فليظُنَّ بي ما شاء} وفي روايةٍ: {أنا عند ظنِّ عبدِي بي؛ إنْ ظنَّ خيرًا فلهُ، وإنْ ظنَّ شرًّا فلهُ}. ومعنى ظن عبدي بي هو: ظن الإجابة عند الدُعاء، وظن القُبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار؛ لذلك ينبغي على المرء أن يجتهد في الدُعاء، مُوقناً بأن الله يقبله، ويغفر له، لأنه وَعَدَ بذلك، وهو سُبحانه لا يُخلف الميعاد.

ويُوجهنا النبي إلى (الدُعاء بيقين) بأن نعزم في الدُعاء؛ يقول صلى الله عليه وسلم: [لا يقولُ أحدُكم اللَّهمَّ اغفِر لي إن شِئتَ، اللَّهمَّ ارحَمني إن شِئتَ، ليَعْزِم المسألةَ فإنَّه لا مُكرِهَ لهُ]، وفي روايةٍ: [إذا دَعا أحَدُكُم فليَعزِمِ المَسألةَ، ولا يَقولَنَّ: اللهُمَّ إن شِئتَ فأعطِني؛ فإنَّه لا مُستَكرِهَ له].

 

وفي لطيفةٍ من لطائف الدُعاء قال سيدنا عُمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إني لا أحمل هَمَّ الإجابة، ولكن أحمل هَمَّ الدُعاء"؛ فإذا أراد الله بعبدٍ خيراً ألهمه الدُعاء، ومُجرد أن يفتح الله على عبده باب التضرع فإن في ذلك إشارةٌ إلى محبة الله له.

 

يقول أهل العِلم إننا ما دُمنا ندعو الله، فلنتيقن أنه إما أن يستجيب لنا مسألتنا، أو يدَّخرها لنا في الآخرة، أو يدفع عنا بها سُوءاً. إن الدُعاء هو العبادة، والإلحاح فيه بيقينٍ كاملٍ، والافتقار إلى الله وحده هو جوهر الطريق إليه سُبحانه. والله عزَّ وجلَّ يُعطي باليقين ولا يُعطي بالتجربة؛ فقد يقول قائلٌ: "لقد جربتُ ولم تُفلح تجربتي؛ طلبتُ من الله فلم يُستَجب لي، دعوتُ فلم أجد ثمرةً لدُعائي" فنقول له: "إن الله لا يُجرَّب، إن عطاءه قائمٌ على اليقين لا على التجربة؛ وكم من مرةٍ دُهشنا لاستجابة الله عزَّ وجلَّ لأدعيةٍ ظنناها مُستحيلةً عندما قيلت بيقينٍ تام".

 

وعن (الدُعاء بيقين) قال الشاعر:

لا تَسْأَلَنْ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً

وَسَلِ الَّذِي أَبْوَابُهُ لا تُغْلَقُ

اللَّهُ يَغْضبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ

وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضبُ

يا مَن يَرَى ما في الضَّمِيرِ ويَسْمَعُ

أنتَ المُعَدُّ لكُلِّ ما يُتَوَقَّعُ

يا مَن يُرجَّى في الشَّدائدِ كُلِّها

يا مَن إليهِ المَشْتَكَى والمَفْزَعُ

يا مَن خَزائنُ رِزْقِهِ في قَوْلِهِ امْنُنْ

فإنَّ الخَيْرَ عِنْدَكَ أجْمَعُ

ما لي سِوى فَقْرِي إليكَ وسيلةٌ

فَبِالافْتِقَارِ إليكَ فَقْرِي أدْفَعُ

ما لي سِوى قَرْعِي لِبابِكَ حِيلَةٌ

فلئن رُدِدْتُ فأيَّ بابٍ أقْرَعُ؟

 

أحبتي.. إنَّ مَن رُزق اليقين جمع خيريّ الدُنيا والآخرة، وانهالت عليه البركات بلا توقف؛ فلنكُن مُتيقنين، وليقل الداعي منا: "يا ربِ وكلتك أمري، استودعتك حاجتي"، وسيرى العجب العُجاب بإذن الله؛ فاللهم بجلال وجهك، وعظيم عفوك، ارزقنا الإيمان التام، واليقين في الدُعاء.

 

https://bit.ly/4u3Buza

الجمعة، 22 مايو 2026

العبادة الخفية

 

خاطرة الجمعة /552

الجمعة 22 مايو 2026م

(العبادة الخفية)

 

عاش خياطٌ عجوزٌ في قريةٍ صغيرةٍ، وكان يقوم بتفصيل ملابس في غاية الجمال ويبيعها بسعرٍ جيّد. في يومٍ من الأيام أتاه شخصٌ فقيرٌ من أهل القرية وقال له: "أنت تكسب مالاً كثيراً من أعمالك، لماذا لا تُساعد الفُقراء في القرية؟! اُنظر لجزار القرية الذي لا يملك مالاً كثيراً مثلك ومع ذلك يُوزّع كل يومٍ قطعاً من اللحم مجّاناً علىٰ الفُقراء"، لم يردّ عليه الخياط وابتسم بهدوء. خرج الفقير مُنزعجاً من عند الخياط، وأشاع في القرية بأنّ الخياط ثريٌ ولكنّه بخيلٌ، فنقم أهل القرية عليه. بعد مُدّةٍ من الزمن مرِض الخياط العجوز، فلم يُعِرْهُ أحدٌ من أبناء القرية اهتماماً ومات وحيداً.

مرَّت الأيّام ولاحظ أهل القرية بأنّ الجزار لم يعد يُرسل للفُقراء لحماً مجّانياً كل يومٍ؛ وعندما سألوه عن السبب قال إنّ الخياط العجوز الذي كان يُعطيه كل شهرٍ مبلغاً من المال ليُرسل لحماً للفقراء مات؛ فتوقّف ذلك بموته.

 

أحبتي في الله.. لقد كان بين ذلك الخياط وبين ربه سُبحانه وتعالى خبيئةٌ لم يكن يرغب في إظهارها للناس، حتى وإن كان ثمن ذلك سوء ظن الناس به، لقد آثر ألا يُفسد هذه الخبيئة بينه وبين ربه، وظلَّ الأمر كذلك حتى أتاه اليقين. لم تظهر للناس هذه الخبيئة إلا بعد وفاته، ومثل هذه الخبيئة هي (العبادة الخفية) التي لها ثوابٌ عظيم.

 

وهذه قصةٌ أُخرى لخبيئةٍ بدأت عندما ذهبت امرأةٌ عجوزٌ بثيابٍ رثةٍ إلى إحدى الصيدليات لتشتري دواءها، فشاهدها مُحاسب الصندوق، وكان شاباً بشوشاً لطيفاً خلوقاً، شعر بمدى ما تُعانيه هذه المرأة من فقرٍ ظاهرٍ على ثيابها، وأدرك مدى احتياجها؛ فأحسن تعامله معها، واعتبرها بمثابة أُمه، الأمر الذي جعلها -ولمدة ثلاث سنواتٍ- تتوجه في بداية كُل شهرٍ إلى ذات الصيدلية لتشتري الدواء؛ تستلم الدواء من الصيدلي وتذهب إلى هذا الشاب المُحاسب لدفع عشرين جُنيهاً ثمناً للدواء كما أخبرها. وفي بداية أحد الشهور، توجهت العجوز إلى الصيدلية وطلبت دواءها، وذهبت للصندوق لدفع الحساب كما اعتادت، لم تجد المُحاسب الذي كانت تدفع له ثمن الدواء على مدى السنوات السابقة، وقبل أن تسأل عنه قدَّمت العشرين جُنيهاً للمُحاسب الجديد فسألها: "ما هذا يا خالة؟!"، قالت: "هذا ثمن الدواء!"، ردَّ عليها: "لكن هذا الدواء ثمنه مائتا جُنيه!"، قالت بتعجبٍ: "من أكثرَ من ثلاث سنواتٍ وأنا أشتريه بـعشرين جُنيهاً من الشاب الذي كان مكانك، أين هو؟ هل هو في إجازةٍ؟"، ردَّ عليها الشاب: "لا يا خالة؛ زميلنا تُوفي إلى رحمة الله منذ عدة أيامٍ، انتظري قليلاً يا خالة"، وقفت المرأة ذاهلةً ما بين حُزنها على المُحاسب المُتوفى وتَرَحُمِها عليه، وتعجبها من هذا السعر المُرتفع الذي أخبرها به المُحاسب الجديد، واعتقدت بينها وبين نفسها أن المُحاسب لأنه جديدٌ قد أخطأ في تحديد سعر الدواء. في هذه الأثناء كان المُحاسب الجديد قد قام بمُراجعة الدفاتر؛ فتبين له أن زميله المُحاسب الذي تُوفي كان يُسدد عن المرأة العجوز مائةً وثمانين جُنيهاً شهرياً من راتبه، ويأخذ منها عشرين جُنيهاً فقط، ظنَّ أنها تقدر عليها، ولم يكن يُخبرها بذلك، بل ولم يُخبر صاحب الصيدلية ولا أي زميلٍ له بذلك؛ لتظل هذه خبيئةً بينه وبين ربه سُبحانه وتعالى. أخبر المُحاسب الجديد صاحب الصيدلية بالأمر فقرَّر استمرار البيع لهذه السيدة بنفس السعر الذي تعودت أن تدفعه؛ صدقةً جاريةً عسى أن يكتب الله عزَّ وجلَّ ثوابها له؛ فهو ليس أقل من المُحاسب صاحب الخبيئة -رحمه الله- احتياجاً لرضا الله عزَّ وجلَّ.

 

لقد حثَّ الله عباده على أعمال الخير، ما هو ظاهرٌ منها وما هو خفيٌ، ورغبَّ في (العبادة الخفية)؛ فقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، وقال سُبحانه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾. وقال عزَّ وجلَّ: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.

وعن هذه (العبادة الخفية) قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [مَنِ استطاعَ منكم أنْ يكونَ لَهُ خَبْءٌ مِنْ عمَلٍ صالِحٍ فلْيَفْعَلْ]. وقال عليه الصلاة والسلام: [إنَّ اللهَ يُحِبُّ العَبدَ التَّقيَّ، الغَنيَّ، الخَفيَّ]، المراد بالغني غنيُّ النفس، والعبد الخفيُّ: هو الذي عرف ربه، وحرَص على أن يكون بينه وبين الله أسرارٌ لا يعلمها أحدٌ.

وعن بعض صور هذه العبادة قال عليه الصلاة والسلام: [صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ]. كما قال الحبيب المُصطفى: [عجِب ربُّنا مِن رجُلينِ: رجلٍ ثار عن وِطائِه ولحافِه مِن بينِ حِبِّه وأهلِه إلى صلاتِه فيقولُ اللهُ جلَّ وعلا لملائكتِه: انظُروا إلى عبدي ثار عن فراشِه ووِطائِه مِن بينِ حِبِّه وأهلِه إلى صلاتِه رغبةً فيما عندي وشفقةً ممَّا عندي]. وقال أيضاً: [سَبعةٌ يُظِلُّهمُ اللهُ يَومَ القيامةِ في ظِلِّه يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه] وَذَكَرَ مِنْهُم: [ورَجُلٌ تَصَدَّقَ، أخفى حتَّى لا تَعلَمَ شِمالُه ما تُنفِقُ يَمينُه، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خاليًا ففاضَت عَيناه].

 

يقول أهل العِلم إن الأعمال الصالحة هي ميدانٌ فسيحٌ؛ وذلك لسعة فضل الله تبارك وتعالى على عباده؛ حيث شرع لهم أعمالاً وأقوالاً يتقربون بها إليه عزَّ وجلَّ، وهذه الأعمال فيها ما هو مُشاهَدٌ للآخرين؛ كالصلوات الخمس، وأعمال المناسك من حجٍ وعُمرةٍ، والدعوة إلى الله، ومنها ما هو خفيٌّ بين العبد وربه، لا يعلم به إلا الله، فهو من خفايا الأعمال، وهذا هو ما يُقصد به (العبادة الخفية) أو الخبيئة؛ وهي العمل الصالح الخفي بين العبد وربه، لا يعلم به الناس. وهي أقرب إلى الإخلاص والقبول، وهي مما يُصلِح الله عزَّ وجلَّ بها القلوب، ويُزكي بها النفوس، وهي من أهم الأسباب للثبات على دِين الله تبارك وتعالى؛ بأن يجعل العبد بينه وبين الله تعالى طاعةً أو عبادةً من غير الفريضة، أو عملاً صالحاً لا يطلع عليه أحدٌ حتى أهله، إلى أن يَلْقَى الله ربه. والخبيئة الصالحة هي زينة العبد في خلوته، وزاده لآخرته، بها تُفرَّج الكُربات وتُرفع الدرجات، وتُكفَّر السيئات، دافعها الإخلاص، يُزيِّنها الصدق، ويلفُّها الكتمان، يفعلها العبد بعيداً عن العيون والأنظار، في موقفٍ إيمانيٍ صافٍ لا يشوبه طلب سُمعةٍ ولا شُهرةٍ، ولا يتعلَّق بمدحٍ أو ثناءٍ، ولا يكون بدافع النفاق أو الرياء. هي كنزٌ من كنوز الحسنات، يوفِّق الله لها بعض عباده الصالحين الذين أخلصت قلوبهم له، فلا يستطيعها المنافقون ولا المُراؤون. إن (العبادة الخفية)، والطاعة في السِر زاد العبد من دُنياه لآخرته، ولا تخرج إلا من قلبٍ سليمٍ يُوقن بأن الله وحده يعلم سره ونجواه، وما أعلنه وما أخفاه؛ فأهل الصدق والإخلاص يعملون لوجه الله تعالى، أما المُرائي فيعمل ليراه الناس ويُحْسِن ليمدحوه ويحمدوه.

يقول أحد العُلماء: إن أعمال الخُلوات من أسباب الرفعة والنجاة يوم القيامة؛ تأمل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ يقول المفسرون إنَّ في التعبير عن الأعمال بالسر لطيفةً؛ هي أن الأعمال نتائج السرائر الباطنة، فمن كانت سريرتُه صالحةً كان عملُه صالحاً، فتبدو سريرته على وجهه نوراً وإشراقاً وحياءً.

 

ويُعدِّد العارفون بعض صور (العبادة الخفية) منها:

صلاة الليل؛ حيث يقوم العبد في ظُلمة الليل لا يعلم به إلا الله، يُصلي والناس نيامٌ، يقف أمام الله تبارك وتعالى قائماً وراكعاً، ساجداً داعياً ومُبتهلاً، فهو في عبادة سِرٍّ بينه وبين الله عزَّ وجلَّ، فما أسعده بمعية الله.

وصدقة السرِّ التي لا يطلع عليها الناس؛ فهي من الغني إلى الفقير مُباشرةً، وربما وصلت إلى الفقير من حيث لا يعلم من أين هي.

وذِكرُ الله تبارك وتعالى والإنسان خالٍ وحده، في بيته أو سيارته أو متجره أو طريقه، راجلاً كان أو راكباً؛ فهذا الذِكر على تلك الحال لا يعلم به إلا الله عزَّ وجلَّ، فهو خبيئة عملٍ يرجو بِرها وذُخرها، وما أيسرها وأسهلها على المُوفَقين، وما أعسرها على من حُرِمَها؛ فهي فقط تحريك اللسان بذِكر الله تبارك وتعالى، ولا تحتاج إلى جُهدٍ أو تعبٍ، لكنها تحتاج إلى نوعٍ من المُجاهدة، إذا اعتادها العبد صارت سهلةً له في جميع أحواله.

التأمُّل في خَلْق الله تعالى، فهو ينظر إلى نفسه، وإلى السماء والأرض والجبال والنجوم والشمس والقمر، وغيرها من المخلوقات، نظرة تأملٍ وتفكُّرٍ ليَقوى إيمانه، ويزداد يقينه بعظمة الخالق، يفعل ذلك من غير أن يشعر الناس به؛ فهو عملٌ خفيٌّ عنهم.

تلاوة القُرآن الكريم بعيداً عن الناس، حتى يخشع قلب العبد، وتدمع عيناه خوفاً ورجاءً من الله عزَّ وجلَّ، فلا يرى أحدٌ من الناس تلك الدمعات الساخنة النازلة من عينيه، فهذه خبيئة عملٍ صالحٍ.

صيام بعض أيام النفل؛ كالإثنين والخميس، والأيام البيض، ونحو ذلك من صيام التطوع، لا يتحدث به، فهو صامَ حيث أفطر الناس، يُخالطهم وهو صائمٌ، فلا يعلمون عن حاله، فقد أخفى هذا العمل عن أعينهم وأنظارهم، فما أسعده بتلك الخبيئة الصالحة بينه وبين الله عزَّ وجلَّ.

والنية الصادقة من الخبايا الصالحة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: [مَن هَمَّ بحَسَنةٍ فلَم يَعمَلْها كَتَبَها اللهُ له عِندَه حَسَنةً كامِلةً]، وقال: [ومَن هَمَّ بسَيِّئةٍ فلَم يَعمَلْها كَتَبَها اللهُ له عِندَه حَسَنةً كامِلةً].

وسُقيا الماء ببئرٍ يحفره العبد أو يُساهم في حفره، أو طُلمبة ماءٍ يُثَبِّتها، أو مواسير مياهٍ يُوصِّلها لمن يحتاجها؛ فسقْيُ الماءِ من أعظم الصدقات.

ومسجدٌ يبنيه، أو يُساهم في بنائه، أو يقوم بعمارته، أو يُوفر له تجهيزاته، أو يُتابع صيانته واحتياجاته، يُكتب له أجر ذلك كلما صلى مصلٍ أو قرأ مُسلمٌ في مُصحف من مصاحف المسجد.

 

ومن ذلك أيضاً: أن يجعل له وِرداً من القُرآن لا يدري عنه أحدٌ، أو أن يُناجي الله بالأسحار مُستغفراً ومُسبحاً وداعياً بقلبٍ مُخلصٍ وبدموع الخوف والرجاء، أو أن يدعو للغير بالخير بظهر الغيب.

وكذلك من تلك الأعمال أن يكفل يتيماً، أو يُساعد أرملةً، أو يعود مريضاً لا يعرفه، أو يُسدد ديناً عن غارمٍ أو مدينٍ، أو يقضي حاجةً لمن يحتاج إلى مُساعدةٍ، أو يُسهم في إطعام جائعٍ، أو إيواء مشردٍ، شريطة أن تكون هذه الأعمال في الخفاء دون أن يعلم بها حتى المُستفيد منها.

 

إن هذه العبادات وأمثالها من عبادات السر كان السلف الصالح يعتنون بها أشد العناية؛ لأنها من أهم أسباب الثبات، ولأنها الوقود للأعمال الأُخرى الظاهرة؛ فإذا كان العبد مُكثراً من هذه الأعمال في السر والخفاء، فيُرجى له أن يكون إخلاصه في الأعمال الظاهرة أقوى من غيره؛ لأن لديه من أعمال السر ما يزيده إخلاصاً وقصداً حسناً لوجه الله تعالى.

 

قيل عن (العبادة الخفية): "لئن كانت ذُنوب الخُلوات من أعظم مُفسدات القلب؛ فإن الأعمال الصالحات في الخُلوات من أعظم أسباب صلاحه".

وقيل: "كان الصحابة والتابعون يستحبون أَن يكون للرجل خبيئةٌ من عملٍ صالحٍ لا تعلم به زوجته، ولا غيرها". وقيل كذلك: "عبادة الخفاء أصل الثبات". كما قيل: "لا يُحسِن عبدٌ فيما بينه وبين ربه، إلا أحسن الله ما بينه وبين العباد". وقيل أيضاً: "المُوفَّقُ مَن ادَّخر لنفسه عملاً صالحاً لا يطَّلع عليه أحدٌ حتى أقرب الناس إليه".

 

وعن (العبادة الخفية) قال الشاعر:

وإذا أظهرتَ شيئاً حَسَناً

فَلْيَكُنْ أحْسَنَ مِنْهُ مَا تُسِرُّ

وقال آخر:

إِذا ما خَلَوتَ الدَهرَ يَوماً فَلا تَقُل

خَلَوتُ وَلَكِن قُل عَلَيَّ رَقيبُ

وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفُلُ سَاعَةً

وَلَا أَنَّ مَا تُخْفَي عَلَيْه يَغِيبُ

 

أحبتي.. من كمال الإيمان أن يجعل المؤمن لنفسه خبيئةً؛ تكون له ذُخراً يوم القيامة؛ فمَن استطاع منا أنْ يعمل عملاً خفيّاً خالصاً لله تبارك وتعالى، لا يطَّلع عليه أحدٌ من الناس، خالياً من الرياء، فليفعل تأكيداً لمعنى الإخلاص، وطلباً للأجر من الله وحده.

لنجعل لأنفسنا أعمالاً خفيةً بيننا وبين الله عزَّ وجلَّ، تكون أدعى وأقرب للقبول، وأزكى للنفس، وأبعد عن الرياء والسُمعة والعُجب بالنفس، وأبقى وأنقى.

لنغتنم أعمارنا، ونُعمِّر أوقاتنا بما ينفعنا؛ فنحن في دار العمل، وغداً نُوَفَّى أجورنا عند ربنا، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾.

ولتكن لنا خبايا صالحةٌ ندّخرها ليومٍ يظهر فيه فقرُنا وذُلُّنا، ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾، ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. ولتكن تلك الخبيئة مُغلّفةً بالصدق، مُعطّرةً بالإخلاص، مُحاطةً بالكتمان، حتى لا نفقد أجرَها وثوابَها.

وفقنا الله لما يُحبه ويرضاه.

 

https://bit.ly/4v8eG2e

الجمعة، 15 مايو 2026

جبر الخاطر

 

خاطرة الجمعة /551

الجمعة 15 مايو 2026م

(جبر الخاطر)

 

تبدأ القصة مع «أحمد»؛ وهو شابٌ يمنيٌ سافر إلى «روسيا» سعياً وراء تحصيل رزقه، وفي قريةٍ هادئةٍ وباردةٍ ومُنعزلةٍ افتتح مطعماً صغيراً، وكان كُل هَمّه أن يستر حاله ويُعيل أهله في «اليمن». في صباح يومٍ عاديٍ كان «أحمد» يُفرِّغ بضاعة مطعمه من الخُضروات التي يحتاجها لإعداد الوجبات، حين مرَّت عجوزٌ روسيةٌ ظنَّت أن البضاعة التي كان يقوم بتفريغها هي للبيع؛ فبدأت بجمع بضع حباتٍ من البصل والطماطم، وعندما سألت عن الحساب كان رد «أحمد» بمثابة الزلزال الذي غيَّر حياتها؛ حيث قال لها بابتسامةٍ: "هذه هديةٌ.. ديني علَّمني أنَّ الكرم مع الكبير واجبٌ، وأنَّ الهدية لا تُرد".. صُدمت العجوز؛ فهي في بلادٍ تحكمها المادة، ولا مجال فيها للعواطف أو التعاطف!

بعد يومين فقط عادت العجوز إلى المطعم وطلبت من «أحمد» مُرافقتها إلى أحد المصالح الحكومية، لم يتردد «أحمد» ظناً منه أنه مُشوارٌ عابرٌ يُقدِّم فيه مُساعدةً وإعانةً لها على قضاء شُئونها، واحتسب ذلك من أعمال الخير التي يرجو ثوابها. وجد «أحمد» نفسه في دائرة المواريث؛ وفوجئ بأن السيدة العجوز تقول للموظف بكل ثقةٍ: "سجلوا بيتي، وكُل ما أملك باسم هذا الشاب، هو وريثي الوحيد"! صُعق «أحمد» وقال لها مُتعجباً: "يا خالة أنا لم أفعل شيئاً يستحق ذلك"! وأخذ يُحدِّث نفسه: "شقة ٌكاملةٌ في قلب «روسيا» تُهدى لشابٍ يمنيٍ مُغتربٍ بلا مُقابل، لا قرابةَ، لا مصلحةَ، ولا عقدَ بيعٍ وشراء، بل امرأةٌ روسيةٌ تُقرِّر فجأةً أن يكون هذا الغريب هو وريثها الوحيد! لماذا؟"، وكأن المرأة العجوز كانت تسمع حديثه لنفسه؛ إذ قالت والدموع تملأ عينيها: "لقد عشتُ 85 سنةً لم يبتسم في وجهي أحدٌ أو يُعطيني شيئاً بلا مُقابلٍ، لم يجبر خاطري إلا أنت ودِينك الذي كان دافعاً لك لمُعاملتي بهذا الكرم".

لم تنتهِ الحكاية هُنا؛ فقد سألت المرأة عن هذا الدين الذي يصنع مثل هؤلاء البشر؛ فكانت فرصةً لأن يُحدِّثها «أحمد» عن الإسلام بقدر ما استطاع، ولأن الله سُبحانه وتعالى أراد لها الهداية؛ فقد نطقت المرأة الشهادتين وأصبحت أُختاً لنا في الإسلام.

لم يتوقف جُهد «أحمد» عند هذا الحد، بل سعى حتى أوصل قصتها إلى خادم الحرمين الشريفين، الذي استضافها لأداء فريضة الحج؛ فطارت إلى «مكة» وهي لا تكاد تُصدق ما يحدث، غسلت ذنوبها تحت أستار الكعبة، وبكت طويلاً وهي تشكر الله الذي أرسل لها هذا الشاب اليَمني ليُنقذ روحها في آخر أيام عمرها.. عادت العجوز من الحج، وبعد عشرين يوماً فقط رحلت عن عالمنا. لم يربح «أحمد» شقةً في «روسيا» فحسب، وإنما ربح ثواب إنقاذ روحٍ كانت تائهةً؛ إذ كان سبباً في هدايتها.

 

أحبتي في الله.. عَلَّق ناشر هذه القصة عليها بقوله: هذه القصة ليست عن بيتٍ في الجنة يُبنى لمُسلمٍ لخُلُقٍ حسنٍ وكلمةٍ طيبةٍ فحسب، بل عساه أن يكون قصراً في الجنة بُني له بسبب (جبر الخاطر).

 

وعن (جبر الخاطر) اشتُهرت على وسائل التواصل الاجتماعي في «مصر» قصةٌ رواها طبيبٌ مصريٌ مشهورٌ، قال فيها إن أحد الشيوخ شرح له منزلة (جبر الخاطر) في الإسلام، وتصادف أنه خرج في اليوم التالي -وكان يوم إجازته ـ لشراء بعض أغراضٍ للبيت، وبينما هو عائدٌ، تذَّكر اتصالاً من جاره كان قد طلب منه الاطمئنان على حماته المريضة في المُستشفى؛ فقال في نفسه: "هذه رسالةٌ من الله، لأجبر بخاطر جاري”. توجه الطبيب إلى المُستشفى، واطمأن على حالة المريضة وطمأن جاره، وفجأةً شعر بألمٍ شديدٍ في صدره، فأيقن أنه أُصيب بجلطةٍ في الشُريان التاجي، ولأنه كان في المُستشفى، تمكن من الحصول على العلاج الفوري، فنجا من موتٍ مُحققٍ. وعَلَّق على ذلك بقوله: “لو أنني لم أذهب لجبر خاطر جاري، لأصابتني الجلطة في الطريق ولكُنتُ في عِداد الأموات، لكن الله سُبحانه وتعالى جبر بخاطري وأنقذ حياتي كما جبرتُ بخاطر جاري".

تُذكرني هذه القصة بالقول المشهور: "مَن سار بين الناس جابراً للخواطر أدركه الله في جوف المخاطر"، أيّ أنّ الإنسان الذي يُغيث الملهوف، ويُسارع في جبر خاطر المُنكسرين من حوله، فإنّه وفي يومٍ من الأيام عندما يقع في شدةٍ سوف يُنقذه الله -عزَّ وجلَّ- منها، كما سارع في إنقاذ غيره وجبر بخاطره.

 

إذا وقفنا على معنى “الجَبْر” في اللغة نجد: "جبَر خاطرَه": أجاب طلبَه، عزَّاه وواساه في مصيبةٍ حلَّت به، أزال انكساره وأرضاه. "جبَر الفقيرَ أو جبَر اليتيمَ": كفاه حاجتَه، أصلح حاله، أحسن إليه.

والجَبْر كلمةٌ مأخوذةٌ من اسمٍ من أسماء الله الحُسنى “الْجَبَّارُ “؛ بمعنى: القهَّار، وبمعنى الرؤوف، وهو الذي يجبر الكسير، ويُغني الفقير، ويجبر المريض والمُبتلى، ويجبر جبراً خاصاً قلوب المُنكسرين لجلاله، الخاضعين لكماله، الراجين لفضله.

يقول الشاعر:

أيقنتُ أن اللهَ يجبرُ خاطري

لمّا بكيتُ ولم أجدْ إلّاهُ

ناديتُ والمِحرابُ يَحضنُ أدْمعي

اللهُ يا اللهُ يا اللهُ

إنْ لم تكنْ قُربي وتَرحمْ خافقي

مَنْ لي سِواكَ يُغيثني رباهُ

 

والآيات القُرآنية التي تُشير إلى عبادة (جبر الخاطر) كثيرةٌ منها؛ قوله تعالى: ﴿‌فَأَمَّا ‌الْيَتِيمَ ‌فَلَا ‌تَقْهَرْ . وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿‌وَإِذَا ‌حَضَرَ ‌الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾، وقوله سُبحانه: ﴿‌فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، وقوله أيضاً: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقوله كذلك: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.

 

كما أن السُنة المشرفة تزخر بالكثير من المواقف والأحاديث التي تحث على (جبر الخاطر) ومن ذلك؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ]. وقال عليه الصلاة والسلام: [لا تحْقِرَنَّ من المعرُوفِ شيْئًا، ولوْ أنْ تلْقَى أخاكَ بوجْهٍ طلْقٍ].    

 

يقول أهل العِلم: عندما يطرق آذاننا مُصطلح “عبادة” فإن أول ما يتبادر إلى أذهاننا الصلاة والصيام وبِر الوالدين وصلة الأرحام وغيرها من العبادات التي تتبادر إلى الذهن عادةً، ورغم عِظم شأن هذه العبادات وكبير فضلها إلا أن هناك عباداتٍ أصبحت خَفِيَّةً –ربما لغفلة الناس عنها- وأجرها كبيرٌ؛ ومن هذه العبادات الخفية (جبر الخاطر). إنها عبادةٌ عظيمةٌ تعني مُراعاة مشاعر الآخرين، وطمأنتهم، وإدخال السرور على قُلوبهم، خاصةً في أوقات الكسر أو الحُزن. وهي من العبادات التي تتقرب بها النفوس النبيلة إلى الله، وتُكسب المُسلم محبة الله وجزاءه في الدُنيا والآخرة. وهي عبادةٌ قلبيةٌ، تُعد بمثابة إماطة الأذى عن القُلوب، تماماً كما يُماط الأذى عن الطريق. إنها أسلوب حياةٍ لا يحتاج إلا إلى قلبٍ رحيمٍ وكلمةٍ طيبةٍ. ومن صُورها: الابتسامة، والتعامل بلطفٍ، ومُراعاة مشاعر الناس وانتقاء الكلمات الطيبة والحسنة، والمُواساة والمُساعدة، والعطف على المُحتاج، ومُساعدة المُصاب، والسعي في قضاء حوائج الناس، وتفريج كروبهم، وغير ذلك من أعمالٍ مُماثلة تُعبِّر عن الرحمة والرأفة واللين والمحبة وحُب الخير.

 

أحبتي.. قيل عن (جبر الخاطر): "ما رأيتُ عبادةً يتقرب بها العبد إلى ربه مثل جبر المُسلم خاطر أخيه المُسلم". و"من أعظم أبواب السعادة أن يجعلك الله مُفتاحاً لجبر خواطر الناس". و"يُعد (جبر الخاطر) سبباً في تأليف القُلوب، ونشر المودة والمحبة في المُجتمع، وهو يعكس كرم النفس وسلامة الصدر".

إن (جبر الخاطر) لا يُكلِّف -في كثيرٍ من الأحيان- مالاً ولا جهداً، وإنما يحتاج قلباً حيّاً يشعر بالآخرين، ونيةً صافيةً تتمنى الخير لهم؛ فالكلمة الطيبة قد تكون دواءً، والابتسامة قد ترفع عن النفس ألماً، وموقف مُواساةٍ بسيطٌ قد يُبدِّل يوم شخصٍ مهمومٍ ويجعله سعيداً، ورُبَّ كلمةٍ طيبةٍ حوَّلت عدواً فصار صديقاً؛ يقول تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، ومن يجبر بخاطر غيره لا يخذله الله أبداً، بل يظل سُبحانه قريباً من عباده الرُحماء؛ فلنرحم غيرنا، نجبر كسرهم، ونشد أزرهم، ونكون لهم عوناً وسنداً خاصةً في مواقف الشدة والابتلاء، عسى الله أن يجبر خواطرنا ويُخفف عنا ويهدينا سواء السبيل.

اللهم اهدِنا لأحسَنِ الأخلاقِ، لا يَهدي لأحسَنِها إلَّا أنتَ، واصرِفْ عَنِّا سَيِّئَها، لا يَصرِفُ عَنِّا سَيِّئَها إلَّا أنتَ.

 

https://bit.ly/4dORZJp

الجمعة، 8 مايو 2026

التوكل على الله بصدقٍ

 

خاطرة الجمعة /550

الجمعة 8 مايو 2026م

(التوكل على الله بصدقٍ)

 

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏وَدَّعَ رجلٌ زوجته وأطفاله الأربعة وسافر إلى مدينةٍ أُخرى بحثاً عن عملٍ أملاً في أن يُوفِّر لهم حياةً أفضل، وبعد ساعاتٍ قليلةٍ جاء اتصالٌ هاتفيٌ قلب حياتهم رأساً على عقبٍ، ردَّت الزوجة على الهاتف فإذا بصوت أحد رجال الشُرطة يقول لها: "هل أنتِ زوجة فُلان؟"، أجابت بصوتٍ مُرتجفٍ: "نعم؛ أنا زوجته"، فقال لها: "البقاء لله؛ لقد تعرضت السيارة التي كان يستقلها زوجك لحادثٍ مُروعٍ وسقطت من أعلى مُنحدرٍ جبليٍ وتُوفي جميع من كانوا بداخلها". تلقت الخبر وكأن الأرض قد انشقت تحت قدميها، لكنها لم تصرخ ولم تسقط مُنهارةً، بل رفعت يديها إلى السماء وقالت: "الحمد لله، وإنا لله وإنا إليه راجعون".

كانت تعيش مع أهل زوجها في بيتٍ واحدٍ، وبعد أيامٍ قليلةٍ بدأت المُعاملة تتغير؛ أخبروها أنهم غير مسؤولين عن تربية أطفال أخيهم، وأنهم لا يستطيعون تحمل أعباء إضافيةٍ، ثم طلبوا منها أن تُغادر البيت مع أطفالها!

خرجت الأُم وهي تحمل أطفالها، وقلبها مليءٌ بالحُزن، واتجهت إلى بيت أهلها؛ استقبلها أهلها في البداية بحبٍ واحتضنوها، لكنها مع مرور الأيام بدأت تشعر بأنها أصبحت عبئاً عليهم؛ كانت تسمع أحياناً كلماتٍ عن كثرة مصاريف الأطفال، وضيق الحال، وكانت تلك الكلمات تؤلم قلبها أكثر من الجوع والتعب.

وفي ليلةٍ لم تستطع النوم، قرَّرت أن تُغادر دُون أن تُخبر أحداً؛ انتظرت شروق الشمس وأخذت أطفالها وخرجت تبحث عن مأوىً، وبعد ساعاتٍ من السير وجدت سور مدرسةٍ تُحيط به الأشجار الكثيفة، جمعت بعض الأغصان وصنعت كُوخاً صغيراً يحتمي به أطفالها، جلست تنظر إليهم وهم جائعون؛ فامتلأت عيناها بالدموع، رفعت يديها إلى السماء وقالت: "يا ربِ لقد تخلى عني الناس جميعاً، ولم يبقَ لي سواك، أنت الرحيم، وأنت القادر على أن تحفظني وتحفظ أطفالي؛ فلا تتركني وحدي"، ثم طلبت من أطفالها أن يبقوا داخل الكوخ وذهبت تبحث عن طعامٍ لهم؛ مرَّت على أحد المطاعم وسألت عن بقايا الطعام؛ فأخبرها الحارس أن الطعام يُلقى خلف المطعم، ذهبت مُسرعةً وكُلها أملٌ في أن تجد بقايا طعامٍ تسد به جوع أطفالها، لكنها وجدت الطعام فاسداً تُحيط به الحشرات ويكثر حوله الذباب، خافت على أطفالها من المرض وغادرت المكان. واصلت البحث في الشوارع والأزقة حتى تورمت قدماها من التعب، كانت تنظر إلى السماء وتُردد: "يا ربِ، أنت حسبي ونعم الوكيل"، وبعد ساعاتٍ طويلةٍ قرَّرت العودة إلى أطفالها وهي تحمل قلباً مكسوراً ويدين فارغتين، لكنها عندما اقتربت من الكُوخ الذي تركت أطفالها فيه فوجئت بمنظرٍ لم تكن تتوقعه؛ وجدت أطفالها يأكلون الطعام وبجانبهم رجلٌ تبدو عليه ملامح الوقار، اقتربت منه وسألته: "مَن أنت؟!"، فقال: "أنا رجلٌ أملك مزرعةً خلف هذه المدرسة، وأُدير بعض الأعمال التجارية"، ثم أخبرها أنه رأى في منامه أن مزرعته تحترق فاستيقظ مفزوعاً وذهب ليتأكد مما رآه في منامه، وعندما وصل وجد كل شيءٍ بخيرٍ لكنه لاحظ الكُوخ الصغير، اقترب ليرى مَن بداخله؛ فوجد الأطفال وحدهم، فسألهم عن والدهم فأخبروه أنه تُوفي، وعن أُمهم فقالوا إنها ذهبت تبحث عن الطعام، شعر الرجل بالشفقة عليهم؛ فذهب واشترى لهم الطعام، وانتظر حتى تعود أُمهم. بكت المرأة وقالت: "واللهِ لقد كنتُ أبحث في القمامة عن طعامٍ لأولادي، لكن الله لم يرضَ أن أُطعمهم من ذلك، ولأنه سُبحانه وتعالى يعلم صدق توكلي عليه؛ فقد أرسلك رحمةً بنا بعد أن أيقظك من نومك على منام رؤية احتراق المزرعة، فقط لتأتي وترى أبنائي وتقوم بإطعامهم"، تأثر الرجل كثيراً بقصتها، وقال لها: "إذا كان الله قد ساقني إليكم بهذا التدبير الرباني المُحكم؛ فلن أترككم بعد اليوم"، ثم عرض عليها أن يتزوجها مُتكفِّلاً برعاية أطفالها، فوافقت، وبعد فترةٍ قصيرةٍ انتقلت الأم مع أطفالها إلى بيتٍ جديدٍ وحياةٍ جديدةٍ يملأها الأمان والرحمة.

 

أحبتي في الله.. قال ناشر هذه القصة تعليقاً عليها: قد تُغلَق كُل الأبواب في وجهكِ، لكن باب الله يبقى مفتوحاً، ومَن صَدَقَ في التوكل على الله جعل له مِن ضيقه فرجاً، ومِن حُزنه سَكينةً، ومِن ضَعفه قوةً.

 

وعن (التوكل على الله بصدقٍ)، هذه قصةٌ أخرى يقول كاتبها:

منذ عشر سنواتٍ تقريباً، رزقني الله عُمرةً في شهر رمضان. وكان مُدهشاً بالنسبة لي أنني وجدتُ عقب كل صلاةٍ مفروضةٍ في الحرم، تُقام مُباشرةً صلاة جنازةٍ، فقلتُ في نفسي: "إنَّ مَن يُصلي الجنازة يُكتب له قيراطٌ في الجنة، وهذه غنيمةٌ لا تُفَوَّت"، ثم تذكرتُ أن حديث النبي ﷺ يُوضح أنَّ من يتبع الجنازة حتى تُدفن له قيراطٌ آخر؛ فأكملتُ حديثي لنفسي قائلاً: "وهذه غنيمةٌ أُخرى؛ ففي غُضون وقتٍ قليلٍ يكون لي قيراطان في الجنة، واللهِ إنه لربحٌ عظيمٌ!"؛ فعقدتُ العزم قائلاً: "سُأصلي الجنازة بعد صلاة المغرب وأتبعها حتى الدفن"، لكن لسوء الحظ، خرجت الجنازة من بابٍ بعيدٍ عن موقعي فلم أتمكن من اللحاق بها، قلتُ في نفسي: "يا رب، لقد نويتُ ألا يفوتني الدفن في المرة القادمة عقب صلاة العِشاء؛ فيسِّر لي أمري تحت أي ظرفٍ من الظُروف". وبالفعل، صلينا الجنازة بعد صلاة العِشاء، وتبعتُ الجنازة إلى خارج الحرم، حيث وضعوا المُتوفاة -وكانت سيدةً إندونيسيةً تُوفيت أثناء العُمرة- في سيارةٍ مُخصصةٍ لنقلها إلى المدافن، قلتُ لسائق السيارة: "أود الذهاب معكم، هل ستعود إلى هنا ثانيةً؟"، أجابني: "لا". قلتُ له: "هل يُمكنني العودة سيراً على الأقدام من موقع الدفن؟"، قال: "كلا، المكان بعيدٌ جداً، ستحتاج إلى سيارةٍ، ولن تجد هناك سيارات أُجرة، إذا أردتَ المجيء معي لدفنها، فستُضطر للبقاء هناك حتى الصباح". تساءلتُ بيني وبين نفسي: "أبقى في المقابر ليلاً بعد العِشاء؟ وبمفردي؟ لقد تركتُ النقود وهاتفي المحمول في الفندق، وكُل ما في جيبي لا يتجاوز عشرة ريالات"؛ فكان الرد المنطقي مني أن قُلتُ له: "شُكراً لك، لن أذهب، تفضل أنت". وبينما كنتُ أسير حزيناً للغاية لأن الثواب قد فاتني، تذكرتُ أنني عاهدتُ الله على اتباع الجنازة بعد العِشاء، سأتوكل على الله وفاءً لعهدي، ولن يُضيِّعني برحمته. عدتُ مُسرعاً إلى السائق وقُلتُ له: "أنا آتٍ معك". قال لي: "لقد أخبرتك أنني لن أعود إلى هُنا مُجدداً"، قُلتُ له: "لا توجد مُشكلةٌ، توكلنا على الله، سأنتظر الليلة في المقابر وأعود في الصباح". ركب السائق وبجانبه مُساعده، وركبتُ أنا مع التابوت الذي يضم المُتوفاة في صندوق السيارة الخلفي. استمرت السيارة في السير لما يبدو لي أنه نصف ساعةٍ وبسرعةٍ عاليةٍ، وكنتُ أشعر بقلقٍ شديدٍ في الحقيقة، وأتساءل عما سيحدث، وظللتُ أدعو للمُتوفاة طوال الطريق، وصلنا إلى المقابر، وهي منطقةٌ واسعةٌ جداً يُحيط بها سورٌ ولها بوابةٌ، بدت لي كأنها مُنعزلةٌ عن العُمران. سرنا بالسيارة داخل المقابر قليلاً حتى وصلنا إلى رجلٍ يحمل كشافاً ضوئياً، وكان القبر على شكل غُرفةٍ صغيرةٍ تحت الأرض ولها سُلمٌ للنزول، قال لي الرجل: "اخلع حذاءك وانزل للأسفل وسأُناولك المُتوفاة"، قُلتُ له: "لا، ليس أنا.. انزل أنت أولاً". كنتُ خائفاً جداً لأنني لم أدفن أحداً بيديّ قط، المهم، نزلتُ أنا أولاً، ولم أكن أرى شيئاً إلا قليلاً، فأنزلنا المُتوفاة من جهة رأسها، ودفناها، ثم خرجنا. قال لي السائق: "السلام عليكم". قُلتُ له: "أي سلامٍ؟! أين ستُوقف السيارة؟" قال: "السيارة تابعةٌ لمُستشفىً قريبٍ من هذه المقابر"، قُلتُ له: "حسناً، هل يُمكنك أن تأخذني معك وتتركني أمام المُستشفى؟" قال: "تفضل". بمجرد وصولنا إلى المُستشفى، ورده اتصالٌ هاتفيٌ ونحن لا نزال في السيارة. تحدث قليلاً، ثم ترجل من السيارة وهو لا يزال يتحدث، ودخل إلى المُستشفى. بدأت أنظر حولي لأرى ما سأفعل؛ هل أدخل المُستشفى لأسألهم عن مكانٍ للمبيت؟ ربما لن يوافقوا، أم أنتظر بالخارج وأُحاول إيقاف سيارةٍ توصلني إلى مكانٍ قريبٍ؟ فجأة، وجدتُ السائق يعود إليّ قائلاً: "لقد جاءتني أوامر بإعادة السيارة إلى الحرم مرةً أُخرى، حظك طيب!". لا يُمكنني وصف مدى السعادة التي غمرتني حينها، كُنتُ كالغريق الذي امتدت إليه يدٌ لتنقذه. ليس هذا فحسب، بل في طريق عودتنا إلى الحرم، مرّ السائق بالشارع الذي يقع فيه الفندق الذي أنزل فيه، فبدلاً من السير لمدة نصف ساعةٍ تقريباً للوصول إلى الفندق، مشيتُ ثلاث دقائق فقط وكنتُ قد وصلت. في تلك اللحظة تعلمتُ أنه من المُستحيل أن يكون (التوكل على الله بصدقٍ) ويُضيِّعك أبداً، ومن المُستحيل أن تتخذ خطوةً تُرضي بها الله ويردك خائباً.

 

أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين بالتوكل؛ يقول تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

وورد في السُنة الأمر بالتوكل، وبيان عِظَم منزلته؛ قال صلى الله عليه وسلم: [لو أنَّكم كنتُم توَكلونَ علَى اللهِ حقَّ توَكلِه لرزقتُم كما يرزقُ الطَّيرُ تغدو خِماصًا وتروحُ بِطانًا].

 

يقول أهل العِلم إن التوكل على الحي القيوم عملٌ جليلٌ لا يستغني عنه العبد في سائر أحواله، وقَلَّ من الخَلْق من يفقه أن الدين مبناه على التوكل. و(التوكل على الله بصدقٍ) معناه في الأصل أن يُفوض العبد أمره لله، ويُسلِّم حاله له، وأن يعتمد عليه في قضاء حاجته ويثق به.

والناس في باب التوكل على ثلاثة أصناف:

صِنفٌ اعتمد بقلبه على الله وأقبَّل عليه، وترك العمل بالأسباب ولم يبذل جُهداً في تحصيل المُراد؛ فهذا مسلكٌ مذمومٌ، وهو تواكلٌ وليس توكلاً.

وصِنفٌ تعاطي الأسباب وبالغ فيها، ولم يعتمد على الله ويُفوَّض أمره إليه، فهذا مسلكٌ مذمومٌ مُخالفٌ للشرع؛ لأنه جعل الأسباب الحقيقية مُؤثرةً ومُستقلةً في جلب الخير ودفع الشر، وتناسى خالق الأسباب ومُسببها، وهذا مسلك أرباب الدُنيا وأهل الغفلة والشهوات.

وصِنفٌ جمع بين الاعتماد على الله والأخذ بالأسباب التي أذن الله بها وجعلها نافعةً، وهذا هو مسلك أهل التوحيد والسُنة، وهو المُوافق للشرع وصريح العقل ومُقتضى الفطرة السليمة؛ لأن المُؤثر حقيقةً والمُستقل بالنفع والضُر هو الله، ومن سُنة الله أن جعل لكل شيءٍ سبباً مُوصلاً إليه، فكان تمام الدِين وكمال العقل العمل بهما معاً.

ومن ظَنَّ أن العمل بالأسباب مُخالفٌ للشرع ونقصانٌ للتوكل فقد خالف ما ورد في كتاب الله؛ يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. ويقول سُبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾. ويكون كذلك قد خالف سُنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فحين جاء رجلٌ إليه صلى الله عليه وسلم على ناقةٍ له وقال: "يَا رَسولَ اللهِ أعْقِلُها وأتوكل أو أُطْلِقُها وأتوكل؟ قال: [اعْقِلْها وتَوَكْل]. وقال صلى الله عليه وسلم: [والذي نَفسي بيَدِه لَأن يَأخُذَ أحَدُكُم حَبلَه، فيَحتَطِبَ على ظَهرِه خَيرٌ له مِن أن يَأتيَ رَجُلًا، فيَسألَه، أعطاه أو مَنَعَه].

 

فمِن مُقتضى (التوكل على الله بصدقٍ) الأخذ بالأسباب النافعة المأذون بها شرعاً، ولا تَنافي مُطلقاً بين التوكل والعمل بالأسباب؛ فحقيقة التوكل في المفهوم الشرعي إذن هو اعتماد القلب على الله مع تعاطي الأسباب بالجوارح، فهذان هما رُكنا التوكل لا يصح إلا بهما.

 

قال بعض العُلماء إن من المسلمين من هو مُقصرٌ في حُسن توكله على الله، غافلٌ قلبه عن هذا الأصل العظيم، ذاهلٌ عقله عن خطره وعظيم فائدته؛ فبعض المُسلمين تناسوا في سُلوكهم العملي وحياتهم المعيشية التوكل على الله، واعتمدوا على الوظائف الراتبة والأجور الثابتة، أما المؤمن الحق فهو عظيم التوكل على الرزاق؛ لعِظَم يقينه بقُدرة الله وعِلمه ورحمته ولُطفه وسعة رزقه؛ فالتوكل تابعٌ لليقين؛ كلما زاد اليقين في قلب المُؤمن زاد توكله على الرحمن، وإذا نقص اليقين نقص التوكل. فالانحراف اليوم في باب التوكل من جهة غُلو الناس في الأسباب واعتمادهم عليها، وانصراف قُلوبهم بالكُلية إليها، والتفات القلب عن المُسبِّب والخالق، حتى صار الإنسان يعتقد أن الشفاء حتماً يكون بالطبيب الحاذق، وحصول الرزق يكون بالوظيفة، وحصول الأمن يكون بإجراءات السلامة، وحماية المُمتلكات يكون بالتأمين، وهذا من تأثير الانصباغ بالحياة المادية ومظاهر المدنية والله المستعان.

 

عن (التوكل على الله بصدقٍ) قال الشاعر:

تَوكلْتُ في رِزْقي عَلَى اللَّهِ خَالقي

وأيقنتُ أنَّ اللهَ لا شكَ رازقي

وَمَا يكُ من رِزقي فَلَيْسَ يَفوتني

وَلَو كانَ في قاعِ البحارِ العَوامقِ

ففي أيِّ شيءٍ تذهبُ النَّفْسُ حَسْرةً

وَقَد قَسَمَ الرَّحمنُ رِزقَ الخلائقِ

وعن الأخذ بالأسباب مع التوكل؛ قال الشاعر:

تَوَكَلْ عَلَى الرَحْمَنِ في الأمْرِ كُلِه

وَلا تَرْغَبَنَ بالعَجْزِ يَوْمَاً عَنْ الطَلَبْ

أَلَمْ تَرَ أنَّ اللهَ قَالَ لِمَرْيَمَ

وَهُزِي إلَيْكِ الجِزْعَ يُسَاقِطِ الرُطَبْ

 

أحبتي.. (التوكل على الله بصدقٍ) عبادةٌ عظيمةٌ ينبغي علينا جميعاً ألا نغفل عنها، بل وعلينا أن نحولها من مُجرد كلماتٍ تُنطق إلى منهج حياةٍ لا يُترَك ولا يُهجَر، منهجٍ يستقر في أعماقنا وتهمس به شفاهنا وتُصدقه أعمال جوارحنا حتى يصير (التوكل على الله بصدقٍ) مُرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بحياتنا؛ فلا جلب للنفع ولا دفع للضُر ولا قضاء للحاجات إلا عن طريقه.

وتكفينا بشارة المُصطفى صلوات الله وسلامه عليه أنه [إذا خَرَجَ الرَجلُ مِن بيتِه فقالَ: "بسمِ اللهِ، توكَّلتُ على اللهِ، لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ"، فيقالُ له: "حَسبُكَ، قد هُدِيتَ وكُفيتَ ووُقِيتَ"؛ فيتنحَّى له الشيطانُ، فيقول له شيطانٌ آخرُ: كيف لك برجلٍ قد هُدِيَ وكُفِيَ ووُقِيَ؟]

اللهم اجعل في توكلنا عليك بصدقٍ سعادتنا، وتحقق مطالبنا، وحصول الرضا والاطمئنان في قلوبنا، ودفع الضُر عنا، ووقايتنا من الشُرور والفتن.

https://bit.ly/42Hisn3

الجمعة، 1 مايو 2026

إعانة الأبناء ليكونوا بررة

 

خاطرة الجمعة /549

الجمعة 1 مايو 2026م

(إعانة الأبناء ليكونوا بررة)

 

يقول أحد الآباء والدمعة تترقرق في عينيه: أَحَبَ ابني زميلةً له في العمل، واتفق معها على الزواج، وعندما أخبرنا بهذا الأمر اعترضت أُمه على هذا الارتباط ورفضته رفضاً قاطعاً، وأصبح البيت مسرحاً للمشادات الوسائل لكنها كانت عنيدةً ومُتسلطةً، كانت تقول إنها لا تُحب هذا النوع من النسب؛ ناسٌ بسطاء وعاديين جداً، وأنها كانت تحلم بأن تختار له هي عروسه، وأنه صدمها عندما اختار هذه البنت. وفي لحظةٍ فاصلةٍ، قرَّر ابني المُضي قُدُماً، فتزوج مَن اختارها قلبه. وفي ليلة الزفاف، بدلاً من الزغاريد، خيم صمت القبور على منزلنا؛ فقد منعت الأُم أخواته من الحضور بتهديداتٍ قاسيةٍ، فمضى ابني إلى قدره وحيداً، مطروداً من جنة أُمه، ليسكن في حيٍ شعبيٍ بعيدٍ.

مرَّت ثلاث سنواتٍ، ولم يقطع ابننا صلته بنا؛ كان يزورنا وحده من حينٍ لآخر، يجلس في صمتٍ لبعض دقائق ثم يُغادر بدون أن يُعرِّفنا على زوجته. كان يأتي كطيفٍ عابرٍ؛ يدخل بوقارٍ يحمل بعض الهدايا أو الفواكه أو الحلويات، يُقبِّل يد أُمه التي تُولي وجهها عنه، ويجلس دقائق صامتاً يرقب في عينيها ذرة حنانٍ لا يجدها، ثم ينسحب بقلبٍ مكسور.

في ذات يومٍ، كنتُ مُتوجهاً لزيارة صديقٍ لي من أصدقاء مقهى المُتقاعدين الذي أدمنتُ ارتياده، وكانت مُناسبة الزيارة تهنئته بأداء فريضة الحج، وكان صديقي يسكن حياً شعبياً بعيداً لم أعتد دخوله من قبل، كنتُ ما زلتُ أبحث عن بيته حين شاهدتُ ابني واقفاً أمام باب بيتٍ مُتواضعٍ، يا لها من مفاجأة! تسمرت قدماي ووقفتُ مُندهشاً من هذه الصُدفة العجيبة! حين وقعت عينا ابني عليّ، لم يتجاهلني وإنما ابتسم ابتسامةً تدل على سعادته، واندفع نحوي بلهفة المحروم، وأقسم ألا أُغادر الحي قبل أن أدخل بيته. دخلتُ وأنا في حالة ذُهولٍ، البيت بسيطٌ لكنه نظيفٌ يُشع راحةً وطُمأنينة، نادى زوجته، فأقبلت بوجهٍ يفيض حياءً وأدباً، ثم جاءت المُفاجأة التي هزَّت أركان نفسي: طفلةٌ صغيرةٌ، كأنها قطعةٌ من نورٍ، أدرجتُ فوراً أنها حفيدتي! بمُجرد أن رأتني ركضت نحوي وتعلقت بقميصي وهي تضحك بصفاء، وارتمت في أحضاني بعفويةٍ وكأنها تقول لي: "جدي أنا هُنا، لماذا لم تأتِ من قبل لتراني؟"، صدقوني؛ هذه الطفلة ابنة الثلاث سنواتٍ أذابت كل الجليد بابتسامةٍ واحدةٍ، ما أغباني! كيف حرمتُ نفسي من هذه النعمة، وانسقتُ وراء عجرفة زوجتي وعنادها؟!

خرجتُ من بيت ابني وأنا شخصٌ آخر؛ أصبحتُ جَدَّاً! يا لها من نعمةٍ، يا له من إحساسٍ، أجمل إحساسٍ في الحياة.

عُدتُ إلى البيت وأنا كُلي تصميمٌ على إقناع زوجتي بهذا الواقع مهما كلفني الأمر معها من إرهاقٍ ومشاداتٍ. فكرتُ ملياً في خطةٍ وقمتُ بتنفيذها؛ فبعد عدة أيامٍ قمتُ بزيارةٍ لبيت ابني وطلبت منه أن أصطحب حفيدتي معي إلى البيت؛ فوافق على الفور وهو يستبشر الخير. لم أكن قد أخبرتُ زوجتي، وأردتُ أن يكون الأمر مُفاجئاً لها، وبالفعل بمجرد أن رأت الطفلة راقت لها، واستلطفت ابتسامتها، واحتضنتها، وأُعجبت بفستانها المُلون الجميل، ثم التفتت إليّ لتسألني: "ابنة مَنْ هذه؟!"، نظرتُ ملياً في عينيها بعتابٍ واضحٍ، نظرةً اختصرت ثلاث سنواتٍ من القطيعة والظُلم، ثم قلتُ بصوتٍ مخنوقٍ: "هذه ابنة مَن رفضتِ نسبهم، هذه ثمرة الشجرة التي حاولتِ اقتلاعها"، سقطت كلماتي عليها كالصاعقة، فاهتزت أركان كبريائها، وضمَّت الطفلة إلى صدرها وهي تبكي وتنتحب بشكلٍ مريرٍ، وذاب في تلك اللحظة جليد السنين أمام حرارة غريزة الأُمومة.

مُنذ تلك اللحظة تغيَّر كُل شيءٍ؛ فقد أطاحت ابتسامات هذه الطفلة بالقساوة التي سكنت قلب زُوجتي، وتغلبت على عنادها الذي حرمنا من الاستمتاع بحلاوة اللعب مع الأحفاد والأُنس بهم.

 

أحبتي في الله.. إن موضوع العُقوق غالباً ما يُطرح من زاوية الأبناء تجاه الوالدين، لكن الواقع الإنساني يُبين أن العُقوق قد يكون أيضاً من طرف الوالدين تجاه الأبناء، وذلك حين يُقصِّر الوالد أو الوالدة في أداء حقوق الأبناء، أو يُسيء مُعاملتهم، أو يظلمهم، مما يُضعف دوافع البِرّ لديهم.

إن بعض الآباء والأُمهات لم يُعينوا أبناءهم على البِر بهم؛ أرهقوهم بالتعنت والعجرفة والتسلط المُبالغ فيه. البر بالوالدين شيءٌ مُقدسٌ لكن بعض الوالدين يُبالغون في استغلال هذه السُلطة العاطفية التي أكرمهم الله بها. وتُجسد هذه القصة فريضةً غائبةً عن بعض البيوت، وهي فريضة (إعانة الأبناء ليكونوا بررة)، فالإسلام كما أمر الأبناء بالبِر بالوالدين، أمر الآباء بالرفق والرحمة وعدم التعنت. وكما أن الإسلام يُقرر أن البِرّ بالوالدين واجبٌ مُطلقٌ، فإنه لا يُبرر للوالدين عُقوق أبنائهم، بل ويُحاسبهم الله على ظُلمهم؛ يقول تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ فالأبناء مأمورون بالبِر، والوالدان مأموران بالعدل والرحمة؛ وهذا يعني أن على الوالد ألا يضع ابنه في ضيقٍ يضطره فيه للعِصيان أو النفور.

إن البِر ليس صك ملكيةٍ للوالدين يتصرفون في حياة أبنائهم كعبيدٍ، بل هو علاقةٌ قائمةٌ على المودة؛ يقول تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾، وقُرة العين لا تأتي بالإكراه والتسلط، بل بالتفاهم والاحتواء.

 

يقول أهل العِلم إن الأساس القُرآني لحقوق الأبناء يقوم على دعائم واضحةٍ منها:

• العدل في المُعاملة؛ يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ والآية تؤكد على أن العدل واجبٌ حتى مع الأقربين، ومنهم الأبناء، فلا يجوز للوالد أن يظلم ولده أو يحرمه حقاً من حقوقه.

• الوصية بالرحمة والشفقة؛ يقول تعالى عن دُعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ وهذا يدل على أن الأصل أن يكون الأبناء مصدر سعادةٍ ورحمةٍ، لا محل عُقوقٍ وظُلم.

• النهي عن قتل الأولاد أو إيذائهم؛ يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ﴾ وهذا يشمل كل صور الإيذاء المادي والمعنوي؛ فالتقصير في التربية أو الحرمان العاطفي صورةٌ من صور العُقوق.

 

أما في السُنة المُشرفة فإن دعائم مُعاملة الوالدين لأبنائهم تقوم على:

• العدل بين الأبناء؛ إذ قال النبي ﷺ:

[اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ] وهذا الحديث أصلٌ في تحريم عُقوق الوالدين لأبنائهم بالتمييز أو الظُلم.

• الرحمة بالأبناء؛ فقد ورد أن النبي ﷺ قبَّل الحسن بن علي، فقال الأقرع بن حابس: إنَّ لي عشرةً من الولد ما قبّلتُ منهم أحداً؛ فقال النبي ﷺ: [مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ] فغياب الرحمة من الوالد تجاه أبنائه صُورةٌ من صُور العُقوق.

• وجوب النفقة والرعاية؛ حيث قال النبي ﷺ: [كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ]؛ فالتقصير في النفقة والرعاية عقوقٌ صريح.

 

وعن عُقوق الوالدين لأبنائهما ورد حديثٌ ضعيفٌ نَصه: "رحِمَ اللَّهُ والدًا أعانَ ولدَهُ علَى برِّهِ"، قالوا: كيفَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: "يقبَلُ إحسانَهُ، ويتجاوزُ عن إساءتِهِ"، ورغم ضَعف الحديث إلا أن معناه صحيح؛ فإنه يعني (إعانة الأبناء ليكونوا بررة) فكما أن للوالد حقاً في بِر ابنه به، كذلك فإن للابن حقاً في أن يبره والده، بأن يُحسن الوالد إلى ولده، ولا يُكلفه ما لا يطيق، ويتغافل عن هفواته، ويشكر له إحسانه، ولا يُقصِّر في حقوقه، وأن تكون صُحبته له بالمُداراة، وحُسن الخُلق، وسعة الصدر، وتمام الشفقة، والصفح عن عثراته، والتجاوز عن أخطائه ما لم تكن إثماً أو معصية؛ وذلك حتى لا يدفعه التشدد إلى العُقوق؛ فمتى كان الوالد جافياً جرَّ ولده إلى القطيعة والعُقوق.

 

ويرى العُلماء أن من صُور عُقوق الوالدين لأبنائهم: التمييز بينهم في العطاء أو المُعاملة، الحرمان العاطفي وعدم إظهار الرحمة والحنان، القسوة المُفرطة في التربية واستخدام العُنف، إهمال التربية وترك الأبناء بلا توجيهٍ أو رعايةٍ، والظُلم في حقوقهم مثل حرمانهم من التعليم أو الميراث.

ومن الآثار السلبية للعُقوق من الوالدين: ضَعف دافع البِرّ عند الأبناء، انتشار القطيعة الأُسرية، فقدان الثقة بين الأجيال، وانحراف الأبناء بسبب غياب القُدوة الصالحة.

 

أحبتي.. إن عُقوق الوالدين لأبنائهم في ميزان الشرع ظُلمٌ وإثمٌ، يُنافي مقاصد الرحمة والعدل التي جاء بها الإسلام. والواجب على الوالدين أن يكونوا قُدوةً في البِرّ، ويكون هدفهم (إعانة الأبناء ليكونوا بررة).

إن الرزق بالأبناء هو نعمةٌ كبيرةٌ، محرومٌ منها البعض، وهي منحةٌ من الله سُبحانه وتعالى للوالدين، كما أنها أمانةٌ يُسألون عنها؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استرعاه: أحفِظ أم ضيَّع حتَّى يسأَلَ الرَّجلَ عن أهلِ بيتِه].

فلنتناصح فيما بيننا كآباءٍ وأُمهاتٍ بأن نحرص على مُعاملة أبنائنا بالرحمة والعدل والرفق، وأن نُعينهم على أن يبرونا، بأن نستخدم الحكمة لا القوة، والاحتواء لا الإقصاء.

ولنُذِّكر أنفسنا بأن الأحفاد هُم الجسور التي تُبنى فوق أنهار القطيعة؛ فلا نجعل العناد يحرمنا من ضمهم وتقبيلهم، فالعُمر أقصر من أن نُضيعه في خصام.

اللهم اجعلنا من البارين بأبنائنا، واجعل أبناءنا من البارين بنا، وألهمنا اللهم رشدنا، واهدنا سواء الصراط.

 

https://bit.ly/4cLCzGw