خاطرة
الجمعة /574
الجمعة
23 أكتوبر 2026م
(صلاح
الآباء)
أحد الشباب الأوفياء،
نحسبه من الصالحين، ولا نُزَكّي على الله أحداً، كتب يقول:
أشدُّ ما كان يُثير ضيقي
في ليالي الشتاء -حين كُنتُ شابّاً- صوت سُعال أبي عند الرابعة والنصف فجراً، وصوت
ماء الوضوء البارد وهو يتساقط على أرضية الحمَّام. واليوم، مضت ثلاث سنواتٍ وأنا
أدفع عُمري كُلَّه شوقاً لسماع صوت الصنبور يُفتح في الفجر، فلا أسمع شيئاً. في
عشريناتي، كُنتُ أعشق السهر وأكره أي شيءٍ يُعكِّر نومي في برد الشتاء القارس، ومع
ذلك كان المشهد يتكرَّر كُل يومٍ في نفس الموعد؛ البيت غارقٌ في سُباتٍ عميقٍ،
صرير باب غُرفته الخشبي العتيق وهو يُفتح برفقٍ، وقع شبشبه البلاستيكي وهو يجرُّه
على بلاط الممر خُطوةً خُطوةً كي لا يوقظنا، ثم صوت الماء وهو يتدفق من الصنبور،
وصوت أبي وهو يستنشق الماء البارد ويسعل سُعاله المعهود، ويُتمتم بعد الوضوء:
"أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا
عبدُهُ ورسولُهُ"، "اَللَّهُمَّ اِجْعَلْنِي مِنْ اَلتَّوَّابِينَ,
وَاجْعَلْنِي مِنْ اَلْمُتَطَهِّرِينَ"، "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي
ذَنْبِي، وَوَسِّعِ لي فِي داري، وَبارِكْ لي في رِزْقِي". كُنتُ أتقلّب في
فراشي بضيقٍ، وأشدُّ البطانية على رأسي وأقول في نفسي: "لماذا صلاة الفجر في
هذا البرد؟ ليُصلِّ في البيت حين يطلع النهار". لكنه لم يكن يكتفي بذلك؛ بل
بعد وضوئه، يرتدي عباءته الصوفية الثقيلة، ويلفُّ الكوفية حول عُنقه، وقبل أن يخرج
إلى المسجد، كان يمرُّ على غُرفتي؛ يفتح الباب قليلاً ويدخل، ويدخل معه نور الممر
الأصفر الهادئ، يقف بجانب سريري، ثم يضع كفَّه على رأسي، كانت يَدُه خشنةً من تعب
السنين، لكنها مُبلّلةٌ وباردةٌ من أثر ماء الوضوء. كُنتُ أتأفّف حين يلمس جبيني،
فيميل عليّ بصوته الدافئ الممزوج برائحة المِسك قائلاً: "قُم يا بُنَيّ، صلِّ
ركعتين يُضيئان وجهك قبل أن تذهب إلى كُليتك، فصلاة الفجر تجلب لك الرزق"؛
فأجيبه بصوتٍ مُتهدّجٍ وأنا أُغالِب النوم: "حاضر يا حاج، اذهب أنت وسألحق
بك"؛ فيرفع البطانية عن كتفي ويُغطّيني بها جيداً، ويخرج ويُغلق الباب برفقٍ،
فأكمل نومي كأن شيئاً لم يكن.
ظلّ الحال كذلك سنواتٍ
طويلةٍ، لم يكن أبي يُفوِّت صلاة فجرٍ واحدةٍ في المسجد القريب، مهما اشتدّ المطر،
أو اصطكت ركبتاه من البرد، أو أرهقه وجع ظهره. وكُنتُ أظنّ أن وجوده في البيت
وخروجه للفجر أمراً طبيعياً سيبقى إلى الأبد، حتى جاء اليوم الذي لم يُفتح فيه بابُ
غُرفته عند الفجر؛ مات أبي، رحل فجأةً وهو نائمٌ بعد صلاة العشاء. ومُنذ أول ليلةٍ
بات فيها في قبره، أدركتُ الكارثة التي غفلتُ عنها عُمراً كاملاً: لم تكن البطانية
هي التي تُدفّئني، بل كان نَفَسُ أبي الذي يسري في البيت وقت الفجر. بعد رحيله،
صار البيت مُوحشاً، بارداً، مُظلماً على نحوٍ مُخيف. البركة التي كانت تسري في
تفاصيل يومنا من غير أن نُدرك مصدرها، تبخرَّت فجأة. صِرتُ أعود من عملي فأشعر أن
الجدران تُطبق على صدري، وأُحس أن المالَ بلا بركةٍ، والنومُ الذي كُنتُ أُقاتل
لأجله صار يهرب من عينيّ.
وفي ليلةِ شتاءٍ باردةٍ،
استيقظتُ بلا منبّه عند الرابعة وعشرين دقيقة فجراً. كان البيت ساكناً سكوناً
يُذيب القلب: لا صريرَ بابٍ، ولا سُعالاً في الممر، ولا صوتَ ماءٍ في الحمّام، ولا
يداً باردةً تمسح على رأسي؛ دخلتُ غُرفته، فتحتُ دولابه، وأخرجتُ عباءته الصوفية
الثقيلة وكوفيته، دفنتُ وجهي في العباءة فشممتُ رائحته؛ رائحة المِسك، ولمستُ دفء
حُضنِه. بكيتُ يومها بكاء طفلٍ تائهٍ. جلستُ على طرف سريره الفارغ وقُلتُ بصوتٍ
مسموعٍ كأني أُحادثه: "حقك عليّ يا أبي، كُنتَ توقظني لتأخذ بيدي إلى الجنّة،
وأنا كُنتُ أبخل عليك بخمس دقائق. عُدْ لتملأ البيت ببَرَكة الفجر، عُدْ لتُغرق
الحمّام بالماء، عُدْ لتوقظني بيدك الباردة، وأُقسم لك أنني لن أطلب النوم بعدها
أبداً"، في تلك اللحظة، شقَّ الأذان من المسجد القريب سكون الليل: "الله
أكبر.. الله أكبر"؛ مسحتُ دموعي وقُلتُ: "لن يظلّ مكانك فارغاً يا
أبي"؛ توضأتُ بالماء البارد، ارتديتُ عباءته وكوفيته، ونزلتُ إلى المسجد في
الظُلمة، وقفتُ في نفس المكان الذي كان يُصلّي فيه خلف الإمام. وحين رآني أحد
أصدقاء أبي، ارتجف واغرورقت عيناه بالدموع، ثم احتضنني وقال بصوتٍ مخنوقٍ:
"الذي خَلَّف لم يمت يا ابن الغالي.. نَوَّرتَ صفّ الفجر". صلّينا
الفجر، وفي السجدة الأولى، ولأول مرةٍ مُنذ ثلاث سنواتٍ، شعرتُ أن الحجر الذي كان
يُثقل صدري قد زال، وكأن أبي كان يُصلّي بجانبي ويحنو عليّ.
أحبتي في الله.. أنهى
الشاب الصالح ما كتب بما يلي:
البيوت التي يُضاء فيها
نور الفجر بوضوء الآباء والأُمهات، بيوتٌ محروسةٌ بملائكة السماء، لا يهزمها
شيطانٌ ولا فقرٌ ولا هَمّ. فإن كان أبوك أو أُمك لا يزالان يوقظان البيت لصلاة
الفجر، فلا تتأفّف من أصواتهما، بل قبِّل أيديهما المُبلّلة بالوضوء، وانزل مع
أبيك إلى المسجد. سيأتي يومٌ تقف فيه وحدك في البيت عند الفجر، تتمنّى لو تدفع كُل
ما تملك لتسمع سُعال أبيك وهو يتوضأ، أو لتشعر بيده الباردة وهي تُغطّيك، فلا تجد
إلا صدى ذكرياتك. إن أعظم ميراثٍ يتركه الآباء ليس مالاً ولا عقاراً، بل هو حبه
لهم وتعبه في تربيتهم تربيةً صالحة، تلمسها في قُربٍ من الله سُبحانه وتعالى،
وإيمانٍ يُبدِّل ظُلمة الليالي نوراً؛ فالبيت الذي تربّى على صلاة الفجر لا تجده
مُظلماً أبداً.
ذكَّرتني هذه القصة بما
كتبه أحد الأفاضل؛ حين قال:
كُنتُ مرةً مع صديقٍ
عزيزٍ عليَّ ـ ذو منصبٍ رفيعٍ، كثير المشاغل، يعمل في عدة لجانٍ حكوميةٍ، ومع ذلك
كان يقتطع من وقته يومياً ساعاتٍ للعمل الخيري؛
فقُلتُ له يوماً: "لماذا لا تُركز نشاطك في عملك الحكومي وأنت ذو منصبٍ
رفيعٍ؟!"، فنظر إليَّ وقال: "أُريد أن أبوح لك بسرٍ في نفسي، إن لديَّ
أكثر من ستة أولادٍ وأكثرهم ذُكور، وأخاف عليهم من الانحراف، وأنا مُقصرٌ في
تربيتهم، ولكني رأيتُ من نِعم الله عليّ أني كُلما كُنتُ صالحاً، وكُلما أعطيتُ
ربي من وقتي أكثر كُلما صلح أبنائي، أخبرتك بذلك لأني أُحب لك ما أُحب
لنفسي".
وعن (صلاح الآباء) يقول
تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ
وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ
أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾؛
فالآية تدل على أن صلاح الأب يبقى تأثيره مُستمراً لصالح أبنائه حتى بعد موته؛ فقد
جعل اللهُ صلاحَ الأبِ سبباً لاستحقاق الغُلامين اليتيمين رحمته سُبحانه وتعالى.
ويقول عزَّ وجلَّ:
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا
عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾، وفي ذلك حثٌ
للآباء على تقوى الله، وعلى أن يكونوا صالحين؛ بأن تكون أقوالهم سديدةً موافقةً للعدل
والمعروف؛ فتذهب خشيتهم ويتبدد خوفهم على ذريتهم الضُعفاء.
يرى العُلماء إن كثيراً
من الآباء يبذلون جهوداً كبيرةً في تربية أبنائهم ليكونوا أفراداً نافعين لدينهم
ومجتمعهم، ويُسيطر هذا الهاجس على فكر وعقل أغلب الآباء، لكن المُلاحظ أن كثيراً
منهم يركن إلى الأسباب المادية الظاهرية فقط؛ كتوفير السكن، والطعام والشراب، والملابس،
وغير ذلك، ويغفل عن الأسباب الخفية التي لها أثرٌ عظيمٌ في صلاح الأبناء وتنشئتهم
تنشئةً دينيةً صحيحةً؛ مثل الدُعاء، والحرص على الكسب الحلال، والأمانة، وبِر
الوالدين، وغير ذلك من الأعمال الصالحة؛ فإن أثر (صلاح الآباء) يمتد للأبناء.
يقول أهل العِلم إن
للآباء دوراً هاماً في تنشئة الأجيال، وأثراً عميقاً في نفوسهم؛ لأن الأبناء
يُتابعون آباءهم في حركاتهم وسكناتهم، وصلاح الأبناء يرجع بعد رحمة الله إلى (صلاح
الآباء). ويتأثر الأبناء -خاصةً في سن الطفولة- بالأعمال أكثر من تأثرهم بالأقوال؛
لهذا نجد الطفل الذي اعتاد أن يرى أباه يُصلّي، يقوم بتقليد أبيه فتكون أولى
حركاته هي أفعال الصلاة من ركوعٍ وسجودٍ. ويُخطئ بعض الآباء حين يظنون أن التربية
هي أن يقول لابنه: "افعل هذا ولا تفعل ذاك"، والصواب أن يكون سبّاقاً
إلى فِعل كُل خيرٍ يأمر به ابنه، وترك كُل شرٍ ينهاهُ عنه، فيقتدي الابن بأبيه
وتنصلح أحواله؛ فصلاح الأبناء يبدأ من (صلاح الآباء)، والأبناء لا يتعلمون بكثرة
النصائح، وإنما يتعلمون بما يرونه في بيوتهم كُل يومٍ؛ فإذا استقام الوالدان على
الطاعة وحُسن الخُلق، كان ذلك أعظم درسٍ يترسخ في قُلوب أبنائهم. وكُل أبٍ يُريد
الصلاح لأبنائه عليه أن يُصلح نفسه أولاً، ويجتهد في طاعة الله والاستقامة على
منهجه، ليحفظ الله أبناءه وذريته؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: [احفَظِ اللَّهَ
يحفَظكَ]، وحِفظُ الله للعبد يكون بحفظه وحِفظِ ذريته من بعده.
قال الشاعر:
يَنْشا
الصغيرُ على ما كانَ والدُهُ
إنّ
العُرُوقَ عليها يَنْبُتُ الشَجَرُ
وقال آخر:
وينشأُ
ناشئُ الفِتيانِ مِنّا
على ما
كان عَوَّدَهُ أبوه
أحبتي.. أكثروا من
الدُعاء الصادق المُخلص لأبنائكم؛ كما في الدُعاء القرآني: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا
مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾، وكما في هذا الدعاء أيضاً:
﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ
وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾،
ولا تُطعموا أولادكم إلا من حلالٍ، وعلِّموا أبناءكم، وأحسنوا أدبهم، ولا
تُقصِّروا في تربيتهم.
رحم الله كُل أبٍ كان
منبع النور والبركة في بيته، وبارك في عُمر كُل أبٍ يستيقظ لصلاة الفجر، ويُوقظ
أبناءه ويدعوهم لمُرافقته للصلاة في المسجد، ويهتم بتنشئة أبنائه على تقوى الله؛
بالتزام أوامره والابتعاد عن نواهيه.
وأختم بالتأكيد على أن
كُل ما عرضته في مجال (صلاح الآباء) لا يقتصر على الآباء فقط، بل وينطبق على
الأُمهات أيضاً، وأؤكد على أن توافق الوالدين والتزامهما معاً فيما يتعلق بتربية
أبنائهما هو الأساس في التربية الناجحة.
أمرٌ آخر أود الإشارة
إليه، هو أن إنجاز هدف تربية أبنائنا ليكونوا مُسلمين صالحين لا يكون بالنوايا فقط
مهما حسُنت، وإنما بالدُعاء إلى الله والتوكل عليه، والأخذ بالأسباب وفي مُقدمتها
أن يُصلح كلٌ منا نفسه أولاً حتى ينصلح أبناؤه؛ ففاقد الشيء لا يُعطيه، ولا يستقيم
الظل والعُودُ أعوج.
ولستُ في حاجةٍ إلى القول
إن (صلاح الآباء) لا تعود ثماره على الأبناء فقط؛ فإن أول المستفيدين هُم الآباء
أنفسهم، فضلاً عن صلاح المُجتمع ككُل عندما يتحقق صلاح أفراده.
اللهم احفظنا في أنفسنا
وأهلينا وذرياتنا، وأعِنّا على إصلاح أنفسنا وتربية أبنائنا ليكونوا مُسلمين
صالحين يا رب العالمين.
*لقراءة
الخاطرة كاملة*
https://bit.ly/4yAdBkY
*للاستماع
الصوتي*
https://bit.ly/4hXaezw