الجمعة، 14 أغسطس 2026

والله غالبٌ على أمره

 خاطرة الجمعة /564

الجمعة 14 أغسطس 2026م

(والله غالبٌ على أمره)

 

قصةٌ حقيقيةٌ وعجيبةٌ؛ في سبعينيّات القرن العشرين قامت مجموعة طُلاب من جامعة النجاح في «نابلس» بالبحث عن أكبر مُعمّرٍ في «فلسطين» لإجراء مُقابلةٍ معه، ونشرها بمجلّة الجامعة. وجدوا في «الخليل» رجلاً مُسنَّاً عُمره 120 سنةً، وُلد قبل الحرب العالمية الأولى -التي نشبت سنة 1914م- بحوالي 60 سنةً، ولا يزال يتمتّع بذاكرةٍ قويّةٍ وبِنْيَةٍ سليمةٍ -وقد تُوفي في السّنة نفسها التي أجروا فيها المُقابلة معه- سأله الطُلاب: "يا عم، حدِّثنا عن أغرب قصّةٍ سمعتها في حياتك الطّويلة؟"، قال الرّجل المُسنّ: "بل أُحدثكم عن قصةٍ عشتها أنا شخصياً؛ عندما كُنتُ في السبعين من عُمري توفّيت زوجتي، وكان الله قد رزقني منها بعشرة أولادٍ ذُكوراً وإناثاً.. وكُنتُ أملك في «الخليل» مساحةً كبيرةً من الأراضي، وأموالاً كثيرةً؛ فأردتُ أن أتزوّج من امرأةٍ ترعى شُئوني، وما أن اشتمَّ أولادي خبر نيتي الزواج حتى اجتمعوا عليَّ، وبدأ كُل واحدٍ منهم يعرض خدماته عليّ، ويقولون لي: نحن وأزواجنا وأولادنا بخدمتك، نحن نطبخ لك، نحن نغسل لك، نحن نعتني بك!! طبعاً كُل هذا حتى لا تأتي امرأةٌ تُشاركهم في ميراث أبيهم. المُهم، منعوني بشتّى الطُّرق من الزّواج، خوفاً من أن ترثني زوجتي الجديدة وأولادي منها، فتذهب بعض الأراضي والأموال من حصّتهم في الميراث بعد موتي. وأصبح أولادي ينتظرون موتي ليرثوني في مُمتلكاتي وأموالي، لكن المُفاجأة الغريبة، أنّه ومُنذ كان عُمري 70 سنةً وحتى أصبح عُمري 80 سنةً، خلال تلك السنوات العشر، فقدتُ جميع أولادي العشرة واحداً بعد الآخر، أصبحوا تحت التُراب، ذُكوراً وإناثاً، ماتوا كُلهم موتاً طبيعياً، كُل 12 شهر تقريباً يموت واحدٌ، دفنتهم جميعهم بيديَّ هاتين!!! وعندما صار عُمري 80 سنةً وأصبحتُ بدون أبناءٍ، تزوّجتُ، وهي زوجتي التي معي مُنذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا، والأغرب من هذا كُله أن الله رزقني منها عشرة أولادٍ جُدد! مازالوا معي كُلهم حتى هذه اللحظة ولله الحمد".

يقول ناشر هذه القصة إنه لا تعليق عليها سوى بقوله تعالى: (والله غالبٌ على أمره).

 

أحبتي في الله.. نجد معنى هذه الآية الكريمة في موقفٍ عجيبٍ آخر حدث مع «فاطمة»، وهي امرأةٌ صُوماليةٌ مُسلمةٌ فقيرةٌ كانت تعيش في «إنجلترا»، اتصلت بمحطةٍ إذاعيةٍ تطلب الحُصول على مُساعدةٍ، وتصادف أن شخصاً مُلحداً كان يستمع إلى ذات المحطة في ذلك الوقت؛ فاتصل بالمسئولين بالمحطة وطلب منهم الحصول على رقم هاتف «فاطمة» وعنوانها، زاعماً أنه يُريد مُساعدتها، لكنه في الواقع كان ينوي أن يسخر منها؛ فبعد أن حصل على رقم الهاتف والعُنوان أعطى التعليمات لسكرتيرته الخاصة بأن تُجهِّز مواداً غذائيةً ومُساعداتٍ أُخرى وتوصلها إلى هذه المرأة، وقال للسكرتيرة: "إذا سألتكِ المرأة عن مصدر هذه المُساعدات فقولي لها أنها من الشيطان!"، فلمَّا وصلت السكرتيرة إلى منزل «فاطمة» فرحت بهذه المُساعدات، فسألتها السكرتيرة: "ألا تريدين أن تعرفي مصدر هذه المُساعدات ومَن أرسلها لك؟"، أجابت المرأة الأُمية بجوابٍ رائعٍ جعل المُلحد يعتنق الإسلام، الجواب الرائع كان: “لا أريد أن أعرف، ولا أهتم بذلك؛ لأن الله إذا أراد شيئاً حتى الشياطين تُطيعه"!!

 

وعن معنى (والله غالبٌ على أمره) كتب أحدهم: استمعتُ اليوم إلى حكايةٍ حقيقيةٍ؛ قبل عدة سنواتٍ قام أخٌ أكبر بالاستيلاء على حق أخيه الأصغر منه في ميراث أبيهم المُتوفى، وكانت قيمة ذلك الميراث وقتها تُعادل بسعر اليوم قُرابةٍ خمسمائة مليون جنيه. بعد تلك السنوات تُوفيَّ الأخ الأكبر، ثُم توفيَّ بعده ابنه الوحيد غير المُتزوج بسبب مرضٍ في القلب؛ فمن يرث الآن؟ الأخ الأصغر الذي أُكل إرثه من قبل! عاد الحق إلى صاحبه مُضاعفاً؛ إرثه من أبيه، وإرثه من أخيه الأكبر الذي كان قد حرمه من حقه! (والله غالبٌ على أمره) ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

يقول المفسرون إن الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ التي وردت في سُورة «يوسف»، تعني أن الله سُبحانه وتعالى فعّالٌ لما يشاء، لا يغلبه شيءٌ ولا يَرُدُ حُكمَه رادٍ، وإذا أراد شيئاً فلا يُمَانَع ولا يُخَالَف، بل هو الغالب على ما سواه. والهاء في لفظ "أَمْرِهِ" في قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ راجعةٌ إلى الله تعالى؛ أي أن الله غالبٌ على أمره لا يغلبه فيه أحدٌ؛ ﴿إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. وقيل: بل ترجع الهاء إلى «يوسف» -عليه السلام- بمعنى أن الله غالبٌ على أمر «يوسف» يُدبِّره كيفما شاء بما يؤدي إلى رفعته بعد إصابته بالضراء، ولا يكِله إلى غيره، حتى لا يصل إليه كيْدُ كائد. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ تعني: لا يدرون حكمة الله في خَلْقه، وتلطفه لما يُريد؛ فهُم لا يطِّلعون على غيب الله، وما فيه من الأسرار العظيمة، والحِكَم النافعة العميمة، والتدبيرات الكريمة؛ إذ هُم لا يعلمون ما خبأه الله له في الغيب المستور؛ وهكذا غلب أمر الله على من أرادوا الكيد والمكر بسيدنا «يوسف» عليه السلام؛ فكانت العاقبة الحسنة له.

 

يقول أهل العِلم إننا لو تتبعنا مسار التاريخ ومسيرة الإنسان لوجدنا أن حقيقة (والله غالبٌ على أمره) لا تشذ أبداً، ولا تتخلف مُطلقاً؛ فلا يقع في مُلكه إلا ما يُريد. والعباد -بمن فيهم الطواغيت المُتجبرون- ليسوا بضارين من أحدٍ إلا بإذن الله؛ وليسوا بنافعين أحداً إلا بأمر الله؛ فلن يكون إلا ما يُريده الله سُبحانه؛ فأمره تعالى نافذٌ، لا يُبطله مُبطلٌ، ولا يغلبه مُغالبٌ، وقُدرة الله وراء كل ما يخطر للبشر على أي حال.

 

وكُل الأمور بيد الله سُبحانه وتعالى؛ فلا رادَّ لقضاء الله ولا مُنازع له فيما يُريد ولا مانع له، فهو العزيز سُبحانه، والأمر كُله له؛ يقول تعالى: ﴿بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ فلا رادَّ لمُراده في أرضه وسمائه، ولا دافع لقضائه في ليله ونهاره.

 

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [اعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ، ولو اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ].

 

ويقول المُتخصصون في علم النفس إنه في لحظات الضعف، عندما تضيق الأسباب، وتتشابك الأحداث، ويشعر الإنسان أن كل شيءٍ خرج عن السيطرة، تأتي هذه الآية القصيرة كبلسمٍ عميقٍ للروح: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ فهي ليست مُجرد جملةٍ قُرآنيةٍ بل قانونٌ كونيٌ للطُمأنينة؛ فالمعنى العميق للآية أنه سُبحانه غالبٌ بالفعل على: المرض، الخوف، الظُلم، والكيد. وما نراه شراً هو في حقيقته خيرٌ؛ فهو لا يحدث خارج تدبير الله، حتى لو بدا عكس ما نراه. فقد نزلت هذه الآية في قلب المحنة؛ عندما أُلقيَ «يوسف» عليه السلام في غيابة الجُب، ثم بيع عبداً، ثم ظُلم وسُجن، ومع ذلك كانت كُل خُطوةٍ مُؤلمةٍ جُزءاً من طريق التمكين. إن هذه الآية تُعطي الإنسان طُمأنينةً حقيقيةً؛ (والله غالب على أمره) ليست تكراراً لفظياً بل إعادة برمجةٍ داخليةٍ، بمعنى "أنا لستُ وحدي، أنا في رعاية الله، في رعاية العزيز الحكيم".

 

أحبتي.. وراء كُل محنةٍ منحةٌ، وما يُقدّره الله لنا، وإن بدا مُؤلماً، قد يكون طريقاً إلى عزٍّ وكرامةٍ لا نتصورها؛ فكم هو مُطمئنٌ هذا المعنى: (والله غالبٌ على أمره). هكذا هي أحداث حياتنا لو تأملناها لوجدنا أن اختيارات الله لنا كانت خيراً من حيث لا ندري، وإن ظننا أنها شَرٌّ، ولو اجتمع علينا الماكرون ولو أحاط بنا الكائدون، فإن حفظ الله وعنايته أغلب؛ فالله عزيزٌ إذا أراد الله شيئاً، وأراد كُل الخَلْق شيئاً؛ كان ما أراد الله، ولا مُغالب لما أراد.

إن التسليم الكامل بمعنى (والله غالبٌ على أمره) هو من أصول الإيمان؛ فلنُحسن الظن بالله، ولا نتقاعس أو نتكاسل بل نأخذ بالأسباب، ونتوكل على الله، ونثق في أنه يختار لنا الأصلح حتى لو بدا لنا غير ذلك.

اللهم اجعل غلبة أمرك علينا خيراً، ورضِّنا به، وبارك لنا فيه.

 

https://tinyurl.com/2xsd6s3t

الجمعة، 7 أغسطس 2026

لُطف الله

 

خاطرة الجمعة /563

الجمعة 7 أغسطس 2026م

(لُطف الله)

 

استيقظ ملايين المصريين قبل فجر يوم الإثنين الماضي على زلزالٍ لم تكن له أية مُقدمات، ولم يُخبَروا بإمكانية وقوعه. كانت عقارب الساعة تُشير إلى الثالثة صباحاً وقت وقوع الزلزال، مُعظم الناس كانوا نياماً فاستيقظوا على هزةٍ قويةٍ حركت أسِرَّة نومهم، ومن كان مُستيقظاً شاهد ثُريات السقف تتحرك، وسمعوا أصوات أشياء تزحف من أماكنها؛ أبواب خزانات الملابس، مقاعد السُفرة، أطباق في المطبخ، وغير ذلك. في البداية لم يُدرك أحدٌ أنه زلزال؛ أنا عن نفسي ظننتُ أن التهاب الأُذن الوسطى -الذي يُسبب دُواراً واختلالاً بالتوازن- قد عاودني، لكني اكتشفتُ بعد لحظةٍ، عندما شاهدتُ أشياء حولي تتحرك، وسمعتُ أصواتاً ناتجةً عن حركة تلك الأشياء، أدركتُ على الفور أنه زلزال! بعض من أعرفهم ممن يمتلكون أجهزة هاتفٍ حديثةً وصلهم إنذارٍ قبل وقوع الزلزال بثوانٍ معدودة مع رنينٍ عالٍ ومُستمرٍ صادرٍ عن الهاتف. الغريب أن قلةً من الناس لم يُحسوا مُطلقاً بما حدث؛ أخبرني أكثر من شخصٍ أعرفه أنه كان نائماً وأيقظته زوجته التي أحست بالزلزال، وبعض الناس كان لسببٍ أو آخر في الشارع عائداً من عمله لم يشعر بشيءٍ غير عادي. وأخبرني أحد الأصدقاء أنه أحس وكأن السرير الذي ينام عليه يتحرك، فأدار ظهره وأكمل نومه ظانّاً أنه يحلم! وعلى عكس ذلك؛ نزل بعض الناس إلى الشارع هُم وأُسرهم فور شُعورهم بالزلزال -وأغلب هؤلاء كانوا من سُكان الأدوار العُليا الذين يتأثرون بالزلازل أكثر من غيرهم- ومنهم من أخذوا أبناءهم في أحضانهم واحتموا معهم تحت الطاولات، ومنهم من رددوا ما يحفظونه من القُرآن الكريم، ومنهم من كان يقول لأول مرةٍ مُنذ زمنٍ: "يا رب".

من (لُطف الله) ورحمته بخَلْقه، أن الزلزال لم يستمر إلا لثوانٍ معدودةٍ، عاد بعدها بعض من استيقظوا إلى نومهم! بينما ظل مُعظم الناس -ممن استيقظوا من نومهم مفزوعين، وممن كانوا مُستيقظين قبل وقوع الزلزال- في حالاتٍ مُختلفةٍ؛ بعضهم ظلَّ يترقب حدوث زلزالٍ آخر، وبعضهم من ظلَّ يدعو الله سُبحانه وتعالى بأن يحفظه وأُسرته وأهله وأحبابه ويُبعد عنهم الشر والأذى، والبعض ممن كان يُصلي التهجد وقيام الليل استمر في صلاته شاكراً الله عزَّ وجلَّ على لُطفه ورحمته، ومنهم من أمسك بهاتفه واتصل بأقرب الناس إليه يطمئن عليهم، ومنهم من أسرع إلى فتح شبكة الإنترنت ليُطالع تفاصيل ما حدث أو لينشر الدُعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم عند وقوع الزلازل، أو لمجرد أن يُثبت وجوده على الشبكة العنكبوتية بكتابة منشورٍ وتعميمه، أو رفع صورةٍ أو مقطع ڤيديو له علاقةٌ بالزلزال!

 

بعد دقائق من انتهاء الزلزال أكد المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية -في بيانٍ رسميٍ- أن الزلزال لم يُخلِّف خسائر في الأرواح أو المُمتلكات.

وقد أثار الزلزال قلقاً وفزعاً لدى كثيرٍ من المصريين بسبب قُوته؛ ففي كثيرٍ من المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، عبَّر بعض المُتابعين عن شُعورهم بقُوة الزلزال بشكلٍ أكثر من زلازل سابقةٍ، وأرجع الخُبراء ذلك إلى أمرين: الأول هو "عُمق الزلزال"؛ إذ حدث الزلزال على عُمق 10 كم، وهذا عُمقٌ ضحلٌ قريبٌ من سطح الأرض، ولذا يكون الشعور به أكثر قوةً. أما الأمر الثاني الذي ساهم في الشعور بقُوة الزلزال، فهو "قُرب مركزه" من المُحافظات المُتأثرة به.

وكان أكثر ما لفت انتباهي بعد انتهاء الزلزال تصريحٌ أدلى به أحد المسئولين؛ أعتقد أنه من أسخف وأغبى ما يُمكن أن يُقال بعد أن شملنا الله سُبحانه وتعالى برحمته فخفَّف عنا؛ قال ذلك المسئول إن الزلزال الأخير كان قريباً في شدته من الزلزال الشهير الذي ضرب «مصر» عام 1992م لكن تَقَدُّم الدولة في البنية التحتية والقضاء على العشوائيات أنقذ البلد من كارثةٍ حقيقيةٍ! فبدلاً من أن يشكر الله على رحمته بعباده، أرجع الفضل لغير الله سُبحانه وتعالى! صحيحٌ أنّ الدولة تمتلك اليوم استعداداتٍ وبنيةً تحتيةً أسهمت في تقليل الخسائر، لكنّ هذه كُلُّها أسبابٌ، والحقيقة التي يعرفها الجميع أن المُنَجِّي الحقّ هو الله سُبحانه وتعالى؛ فهو وحده مالك الأمر كُلِّه، وهو الذي ستر وحمى الناس من مُصيبةٍ كان يُمكن أن تكون أعظم بكثيرٍ لولا (لُطف الله)، وما حدث مُؤخراً كان رسالةً واضحةً: مهما تقدّمت التكنولوجيا، ومهما تطوّرت البنية التحتية، يجب أن نظلّ مُتذكّرين أنّنا ضعفاء أمام قُدرة الله عزَّ وجلَّ، وأنّ النجاة ليست بالأدوات ولا بالأجهزة، بل بفضل الله ورحمته. وقد يكون تصريح ذلك المسئول قد اجتُزأ من سياقه، أو قد يكون القصد منه على غير ما فهمناه؛ والله تعالى أعلم بالنوايا.

على كل حالٍ قرأتُ رداً منطقياً على نحو ما فهمنا من هذا التصريح قال فيه صاحبه: عدم وقوع خسائر في الأرواح، وقلة الخسائر في المُمتلكات لا تجوز نسبتها سوى لفضل الله سُبحانه وتعالى وستره ورحمته؛ فالزلزال لو استمر دقيقةً أُخرى لما بقي حجرٌ فوق حجرٍ. إنه (لُطف الله)، وإنها نعمةٌ من الله عزَّ وجلَّ لو نسبناها إلى غيره فربما فقدناها إلى الأبد؛ يقول تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، والبَطَر هو كُفران النعمة وجُحودها، وعدم نسبتها إلى الله، ومثل ذلك ما وقع لقارون؛ يقول سُبحانه: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ قال له قومه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ فقال مُتكبراً: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ فكانت النتيجة: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾. وكُل نعمةٍ نحن فيها هي من الله وحده؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، ومع ذلك يجوز أن يُذكَر إحسان البشر وأعمالهم وإنجازاتهم، ولكن بشرط أن يكون ذلك بعد نسبة النعمة إلى الله تعالى، وألا يكون ذلك على سبيل الفخر والكِبر والمنّة أو النفاق والتزلف، وأن تكون تلك الإنجازات موجودةً حقّاً وواقعةً بالفعل.

 

أحبتي في الله.. وردت في القرآن الكريم عدة كلماتٍ للتعبير عن الزلازل؛ منها: الزلزلة، الرجفة، الصيحة، الخسف، والصدع. ومن تلك الآيات؛ يقول تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا . وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، ويقول سُبحانه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾، ويقول أيضاً: ﴿إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾، ويقول كذلك: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾.

 

وعن الزلازل يرى العُلماء أن الله حكيمٌ عليمٌ فيما يقضيه ويُقدِّره، وفيما شرعه وأمر به، وهو يخلق ما يشاء من الآيات، ويُقدِّرها تخويفاً لعباده، وتذكيراً لهم بما يجب عليهم من حقه، وتحذيراً لهم من الشرك به ومُخالفة أمره وارتكاب نهيه؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾، ويقول سُبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. ثوانٍ معدودةٌ كانت كافيةً لتُذكِّرنا بمدى ضعفنا أمام قُدرة الله تعالى، نمشي على الأرض كل يومٍ ونحن نظنّ أنها ثابتةٌ، وأن الغد مضمونٌ، وأن العمر طويلٌ ومُمتدٌّ، غير أنّه -وفي لحظةٍ واحدةٍ- يُقدِّر الله سُبحانه أن يُبدِّل كل ما حولنا، فنشعر بأنّ الدُنيا بأسرها -لولا (لُطف الله)- قد تتغيّر في ثانيةٍ واحدةٍ أم أقل؛ يقول تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. اهتزّت الأرض لثوانٍ معدودةٍ، لكنّ زلزلة يوم القيامة ستكون مُختلفةً تماماً؛ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ . تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. ولا شك أن الزلزال الذي وقع هو من جُملة الآيات التي يُخوِّف الله بها عباده، وكُل ما يحدث في الوجود من الزلازل وغيرها مما يضر العباد ويُسبب لهم أنواعاً من الأذى، كُله بأسباب الشرك والمعاصي؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، كما يقول عن الأُمم الماضية: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾؛ فالواجب على جميع المُسلمين التوبة إلى الله، والاستقامة على دينه، والحذر من كُل ما نهى عنه من الشرك والمعاصي، حتى تحصل لهم النجاة في الدُنيا والآخرة من جميع الشرور، وحتى يدفع الله عنهم كل بلاءٍ، ويمنحهم كل خيرٍ.

إن زلازل الدُنيا بمثابة رسائل تحذيرٍ للعباد من الله العزيز الحكيم، وهي ابتلاءٌ للمؤمنين ونذيرٌ للكافرين؛ إنها من جنود الله؛ يُهلك بها من يشاء ويصرفها عمَّن يشاء. إنها من آيات الله تُذكِّر العباد بقدرته، وتدعوهم إلى التوبة والاستغفار والعودة إلى الطريق المستقيم. إن الزلازل لا تهز الأرض فقط، بل تهز القلوب الغافلة، وتُذكِّر الإنسان بأن الثبات الحقيقي ليس تحت قدميه، بل في إيمانه؛ فحين تهتز الأرض يُدرك الإنسان أن كل ما ظنه ثابتاً قد يزول في لحظةٍ، ولا يبقى إلا العمل الصالح. الزلازل رسالةٌ صامتةٌ تقول: لا تركن إلى الدُنيا، فما دام أساس الأرض يهتز، فكيف بما فوقها؟ قد تهتز الجبال، لكن القلب المُعلَّق بالله يبقى أثبت من كُل شيء. وعلى المُسلم عند حُدوث الزلازل الفزع إلى الدُعاء والاستغفار والتضرع إلى الله وسؤال العافية والإكثار من ذِكر الله، والمُبادرة إلى التوبة والإقلاع عن المعاصي والرجوع إلى طريق الهداية.

 

قال العارفون عن الزلازل إنها من مظاهر قُدرة الخالق عزَّ وجلَّ التي يُوقظ بها ضمائر الغافلين لينتبهوا إلى أن التكالب على الدُنيا لا يفيد؛ إذ هي مُعرضةٌ لأن تضيع في أية لحظةٍ، وأن السلامة فيها تكمن في الإذعان لأوامر الله ونواهيه وفقاً لمنهجه حتى نكون على استعدادٍ للقائه متى يشاء. والمُسلم الواعي هو الذي تكون الدُنيا -بما يُحققه فيها من نجاحٍ وازدهارٍ- بيديه، وتكون الآخرة في قلبه. ولعل في وقوع الزلازل خيراً لمن مات ولمن نجا؛ فالموتى شهداء عند ربهم ينعمون، أما الناجون الأحياء فلعلها لهم عظةً وتنبيهاً للرجوع إلى الله.

 

وهذا أحد الصالحين يقول: الزلزال هزَّ الأرض، فهل هزَّ قلبك؟ أيقظتك رجفته من نومك، فهل أيقظ قلبك من غفلته؟ الزلازل ليست مُجرد ظواهر طبيعيةٍ تنتهي بانقضائها، بل هي رسالةٌ واضحةٌ: عُودوا إلى ربكم قبل أن يفوت الأوان وتأتي ساعةٌ لا رجوع فيها؛ من طال به الهجران عن الصلاة شهوراً أو سنين فليستيقظ؛ ماذا تنتظر؟ احمد الله أن الزلزال أيقظك من غفلتك. ومن أكل حقّ غيره، أو ظلم أحداً، أو أخذ مالاً بغير حقٍ؛ فليُبادر بردّ الحقوق إلى أصحابها قبل أن يقف بين يدي الله، حيث لا مهرب ولا اعتذار. ومن قطع رحمه؛ فليصل رحمه. ومن عقّ والديه؛ فليعُد إليهما، وليُقبِّل أيديهما، ويطلب رضاهما. ومن غرق في المعاصي مُطمئناً أنّ العمر طويلٌ؛ فليتذكر أنّ الغد غير مضمونٍ؛ حين اهتزّت الأرض تحت أقدامنا، نسي كُل واحدٍ منا المال والمنصب والشُهرة، ولم يبقَ في القلب إلا دعاءٌ واحدٌ: "يا رب نجِّنا"، فإذا كان لسانك قد عرف أن يقول “يا رب” في ساعة الخوف، فليقلها أيضاً في ساعة الرخاء، قد يهزّ الزلزال الأرض لثوانٍ، لكن الكارثة الحقيقية أن يبقى القلب ساكناً لا يتحرك إلى الله، لا تجعل الزلزال مُجرد قصةٍ ترويها، أو مقطعاً تنشره على وسائل التواصل الاجتماعي، بل اجعله بدايةً جديدةً؛ ابدأ من اليوم: حافظ على صلاتك، تُب إلى ربك، سامِح الناس، رُد المظالم، أغلِق باب الحرام، وافتح صفحةً جديدةً مع الله.

 

وعن (لُطف الله) بأهل «مصر» في ذلك الزلزال قال الشاعر:

يا مِصْرُ يا زَهْرَةَ الدُنْيا وزِينَتَها

لكِ السَلامُ مِنَ الرَحْمَنِ فابْتَسِمي

حَمَاكِ رَبُّكِ مِنْ زِلْزالٍ قَدَّرَهُ

قَدْ أفْزَعَ الناسَ لَمَّا جاءَ في الظُّلَمِ

فأرسلَ اللهُ من عَليائهِ كَرَماً

لطائفاً قد سَرَتْ من بارئ النَّسَمِ

 

أحبتي.. ما أضعفنا؛ اهتزت الأرض لثوانٍ معدودةٍ؛ فضرب الخوف القلوب، وأصاب النفوسَ هلعٌ وجزعٌ، فكيف باليوم الذي قال عنه الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾؟ اهتزت الأرض تحت الأقدام؛ فكيف سيكون حالنا يوم تهتز القلوب والأبدان بين يدي الله؟ إن أقوى درسٍ يتعلَّمه المؤمن من الزلزال، هو أن موعد الرحيل قد يأتي بلا إنذارٍ. ومن (لُطف الله) أنه أعطانا فرصةً للإنابة والرجوع إليه، وفتح لنا باب أملٍ لإصلاح أخطائنا والتوبة من ذنوبنا والإكثار من عمل الصالحات؛ فلنتعاهد ألا نؤجل توبةً، ولا نؤخر صلاةً، ولا نُهمل زكاةً، ولا نجعل يوماً يمر وإلا ولنا فيه عملٌ صالحٌ؛ فالعُمر غير مضمونٍ، والدُنيا قد تتغير في لحظةٍ، ولا يبقى لنا إلا أعمالنا؛ فليكن شعارنا: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾. اللهم أيقظ قلوبنا قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه ندمٌ، واجعل ما نراه من آياتك سبباً في توبتنا ورجوعنا إليك. اللهم ارفع عنا البلاء والفتن، وابعد عنا الزلازل والمحن، واحفظنا بحفظك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا في ضمانك وأمانك وإحسانك، واحفظنا من كُلّ سوءٍ، واجعلنا دائماً من الشاكرين لنِعَمك، الموقنين بأنّك أنت وحدك المُنَجّي، وآمِنِّا اللهم يوم الفزع الأكبر.

https://tinyurl.com/2xs56qxa

الجمعة، 31 يوليو 2026

قصر في الجنة

 

خاطرة الجمعة /562

الجمعة 31 يوليو 2026م

(قصر في الجنة)

 

تروي إحدى السيدات قصةً عجيبةً؛ تقول:

كُنتُ في زيارةٍ لصديقةٍ لي في بيتها، وأتت طفلتها إلينا، لم تُكمل الطفلة عامها الثالث.. تتلعثم بالحروف.. ووقفت خلف أُمها تشد فستانها قائلةً: "أُمي لم نبنِ اليوم قصراً في الجنة؟"، اعتقدتُ أنني سمعتُ ما قالت بالخطأ، إلا أن الطفلة كررَّت نفس العبارة، ثم وقف إخوتها إلى جانبها وأخذوا يُرددون ما قالته أختهم الصغيرة! رأت الأُم الفضول في عينيّ؛ فابتسمت وقالت لي: "أُتحبين أن تُشاهدي كيف أبني قصراً في الجنة أنا وأبنائي؟"، فأجبتُ باندهاشٍ: "نعم!" ووقفتُ أُراقب ما سيفعلونه.

جلست الأُم وجلس أولادها حولها.. أعمارهم تتراوح بين الثالثة إلى العاشرة.. جلسوا جميعهم مُستعدين ومُتحمسين، بدأت الأُم وبدأوا معها في قراءة سورة الإخلاص (قل هو الله أحد.. الله الصمد.. لم يلد ولم يولد.. ولم يكن له كفواً أحد) ثم كرروها عشر مراتٍ، وعندما انتهوا صرخوا بصوتٍ واحدٍ فرحين: "الحمد لله بنينا بيتاً في الجنة"، سألتهم الأُم: "وماذا تُريدون أن تضعوا في هذا البيت؟"، ردَّ الأطفال: "نُريد كُنوزاً يا أُمي"؛ فبدأوا يُرددون (لا حول ولا قوة إلا بالله.. لا حول ولا قوة إلا بالله)، ثم عادت فسألتهم: "مَن منكم يُريد أن يرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم السلام ويشرب من يده شربةً لا يظمأ بعدها أبداً؟"، فشرعوا جميعهم يقولون: "اللهم صلِ على مُحمدٍ وعلى آل مُحمدٍ.. كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.. وبارِك على مُحمدٍ وعلى آل مُحمدٍ.. كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ"، تابعوا بعدها التسبيح والتكبير والتهليل.. ثم انفضوا كُلٌ إلى عمله؛ فمنهم من تابع مُذاكرة دروسه.. ومنهم من عاد إلى مُكعباته يُعيد بناءها.

قُلتُ لصديقتي: "كيف فعلتِ ذلك؟"، قالت: "أبنائي يُحبون جُلوسي بينهم، ويفرحون عندما أجمعهم وأجلس وسطهم؛ فأحببتُ استغلال ذلك بأن أُعوِّدهم على ذِكر الله، بأن أنقل لهم هذه الأحاديث وأُعلِّمها لهم بطريقةٍ يُمكن لعقولهم الصغيرة أن تفهمها؛ فهُم يرون القصور في برامج الأطفال ويتمنون أن يكون من ساكنيها.. ويُشاهدون أبطال الكرتون وهُم يتصارعون للحصول على الكنز؛ فأردت أن يكون حُلمهم (قصر في الجنة)".

 

أحبتي في الله.. عقَّبت راوية القصة عليها بما يلي: "هذه الأُم ستُثاب عندما يُردد أحد أبنائها هذه الأذكار، حتى بعد ممات الأُم.. فإنها صدقةٌ جاريةٌ.. وهي أفضل استثمارٍ لها في الدُنيا والآخرة".

 

وعن (قصر في الجنة) كتبت إحداهن:

مُنذ أيامٍ قليلةٍ كُنتُ أُشاهد صوراً لقصرٍ في مدينة «دبي»، يبلغ ثمنه مئة مليون دولار، ومع ذلك لم يكن القصر كبيراً جداً؛ فأثار ذلك فضولي لأتعرّف على أعظم القُصور في العالم؛ فوجدتُ أن أكبر قصرٍ سكنيٍ في العالم هو قصر سُلطان «بروناي»، قصر «إستانا نور الإيمان»؛ إذ تبلغ مساحته -بما فيه من أجنحةٍ وحدائق- نحو 2100 متراً مُربعاً، ويضم 1,788 غُرفةً، حتى إنك لو أردتَ مُشاهدة كُل غُرفةٍ منها لمدة دقيقةٍ واحدةٍ فقط لاحتجتَ إلى أكثر من تسعٍ وعشرين ساعةً كاملةً لتتم مُشاهدتك! ويبقى السؤال: هل يُعَد هذا القصر عظيماً حقاً إذا قارنّاه بقصرٍ من قُصور أقل أهل الجنة منزلةً؟ الإجابة: إن هذا القصر لا يُساوي حجراً واحداً في شُرفةٍ من شُرفات قُصور الجنة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم عن أقل أهل الجنة منزلةً: [إنَّ أدنى أهلِ الجنَّةِ منزلةً الَّذي له ثمانونَ ألفَ خادمٍ، واثنانِ وسبعونَ زوجًا، ويُنصَبُ له قبَّةٌ مِن لؤلؤٍ وزبرجدٍ وياقوتٍ كما بَيْنَ الجَابِيَةِ إلى صنعاءَ] أي يُبنى له قصرٌ قُبته من لؤلؤٍ وياقوتٍ وزبرجدٍ -وهي جواهر لم ترها عينك قط، تمتد -قبته فقط- لمسافةٍ تزيد عن 2000 كيلو متر! العجيب أن هذا قصر أقل أهل الجنة منزلةً، فما بالك بما أعدّه الله لأحبائه وأوليائه من قُصور؟ إن هذا القصر من قُصور الجنة يفوق جميع قُصور الدُنيا مُجتمعةً، ولا مجال للمقارنة؛ فقصر الجنة هو من إبداع الله سُبحانه وتعالى.

 

يقول أهل العِلم إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن أعمالٍ وأقوالٍ إذا عملها العبد أو قالها بنى الله له بيتاً أو قصراً في الجنة، ومعلومٌ أن بيوت الجنة وقُصورها ليست كبيوت الدُنيا، وإنما كما قال صلى الله عليه وسلم: [الجنةُ بناؤها لَبِنَةٌ من فضةٍ، ولَبِنَةٌ من ذهبٍ، ومِلاطُها المسكُ الأذفرُ، وحصباؤها اللؤلؤُ والياقوتُ، وتربتُها الزَّعفرانُ، من يدخلُها ينعَمْ لا يبْأَسُ، ويخلدْ لا يموتُ، لا تَبلى ثيابُهم، ولا يَفنى شبابُهم]. من تلك الأعمال والأقوال: الإيمان بالله عزَّ وجلَّ وتصديق المُرسلين؛ قال صلى الله عليه وسلم: [إنَّ أهلَ الجَنَّةِ يَتَراءَونَ أهلَ الغُرَفِ مِن فوقِهم كما يَتَراءَونَ الكَوكَبَ الدُّرِّيَّ الغابِرَ في الأُفُقِ مِنَ المَشرِقِ أوِ المَغرِبِ؛ لتَفاضُلِ ما بينَهم]. قالوا: يا رَسولَ اللهِ، تلك مَنازِلُ الأنبياءِ لا يَبلُغُها غَيرُهم؟ قال: [بَلى، والذي نَفسي بيَدِه، رِجالٌ آمَنوا باللهِ وصَدَّقوا المُرسَلينَ].

ومن ذلك أيضاً تقوى الله؛ يقول تعالى: ﴿لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾.

ومن ذلك كذلك الصبر، والتوكل على الله؛ يقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ . الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. كما أن من ذلك مُوالاة المؤمنين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله تعالى وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام؛ يقول سُبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.

ومن ذلك أيضاً سد الفُرَج في الصلاة؛ قال صلى الله عليه وسلم: [مَنْ سَدَّ فُرْجَةً بَنَى اللهُ لهُ بَيْتًا في الجنةِ، ورفعَهُ بِها درجةً].

ومن ذلك المُحافظة على السُنن الرواتب؛ قال عليه الصلاة والسلام: [من صلَّى في اليومِ والليلةِ اثنتي عشرةَ ركعةً تطوُّعًا، بنى اللهُ له بيتًا في الجنَّةِ: أربعًا قبلَ الظُّهرِ، وركعتَين بعدها، وركعتَين بعد المغربِ، وركعتَينِ بعد العشاءِ، وركعتَينِ قبلَ صلاةِ الغَداةِ].

ومن ذلك أيضاً المُحافظة على أربع ركعاتٍ من الضُحى، وأربعٍ قبل صلاة الظُهر؛ قال صلى الله عليه وسلم: [مَنْ صَلَّى الضُّحَى أَرْبَعًا، وَقَبْلَ الْأُولَى أَرْبَعًا بُنِيَ لَهُ بِهَا بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ]، ومعنى [الْأُولَى] صلاة الظهر.

وكذلك ترك المِراء، وترك الكذب ولو كان المرء مازحاً، والأخلاق الحسنة؛ قال عليه الصلاة والسلام: [أنا زعيمٌ ببيتٍ في رَبَضِ الجنَّةِ لمَن تَرَكَ المِراءَ وإن كان مُحِقًّا، وببيتٍ في وسطِ الجنَّةِ لمَن تركَ الكذبَ وإن كان مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنَّةِ لمَن حَسُنَ خُلُقُه].

ومن ذلك بِناء المساجد؛ قال صلى الله عليه وسلم: [مَنْ بَنَى للهِ مَسْجِدًا يُذْكَرُ فيهِ؛ بَنَى اللهُ لهُ بَيْتًا في الجنةِ].

ومن ذلك أيضاً إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وقيام الليل؛ قال عليه الصلاة والسلام: [إنَّ في الجنَّةِ غرفًا يُرى ظاهرُها من باطنِها وباطنُها من ظاهرِها أعدَّها اللهُ لمَنْ أطعم الطَّعامَ وأفشى السَّلامَ وصلَّى بالليلِ والنَّاسُ نيامٌ].

كما أن من ذلك قراءة سورة الإخلاص عشر مراتٍ؛ قال صلى الله عليه وسلم: [من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى يختِمَها عشرَ مراتٍ بنى اللهُ له قصرًا في الجنَّةِ].

ومن ذلك الصبر والحمد والاسترجاع عند فقد أحد الأبناء؛ قَالَ عليه الصلاة والسلام: [إذا ماتَ ولَدُ العبدِ قالَ اللَّهُ لملائِكتِهِ: قبضتم ولدَ عبدي؟ فيقولونَ: نعم، فيقولُ: قبضتُم ثمرةَ فؤادِهِ؟ فيقولونَ: نعم، فيقولُ: ماذا قالَ عبدي؟ فيقولونَ: حمِدَكَ واسترجعَ، فيقولُ اللَّهُ: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنَّةِ وسمُّوهُ بيتَ الحَمْدِ].

كما أن من ذلك زيارة المريض، وزيارة الإخوة في الله؛ قَالَ صلى الله عليه وسلم: [مَن عادَ مريضًا، أو زارَ أخًا لَهُ في اللَّهِ ناداهُ مُنادٍ: أن طِبتَ وطابَ مَمشاكَ، وتبوَّأتَ مِنَ الجنَّةِ منزلًا].

 

يقول الشاعر:

اِعْمَلْ لِدَارِ الْبَقَاءِ رِضْوَانُ خَازِنِهَا

الْجَارُ أَحَمْدٌ وَالرَّحْمَنُ بَانِيهَا

أَرَضُّهَا ذَهَبٌ وَالْمِسْكُ طِينَتُهَا

وَالزَّعْفَرَانُ حَشِيشٌ نَابِتٌ فِيهَا

أَنُهَّارُهَا لَبَنٌ مَحْضٌ وَمِنْ عَسَلٍ

وَالْخَمْرُ يَجْرِي رَحِيقَاً فِي مَجَارِيِهَا

وَالطَّيْرُ تَجَرَي عَلَى الْأَغْصَانِ عَاكِفَةً

تُسَبِّحُ اللَّهَ جَهْرًا فِي مَغَانِيِهَا

مَنْ يَشْتَرِي الدَّارَ بِالْفِرْدَوْسِ يُعَمِّرُهَا

بِرَكْعَةٍ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ يُخْفِيهَا

أَوْ سَدِّ جُوْعَةِ مِسْكِينٍ بِشبْعَتِهِ

فِي يَوْمِ مَسْغَبَةٍ عَمَّ الْغَلَا فِيهَا

لَا دَارَ للمَرءِ بَعْدَ الْمَوْتِ يَسْكُّنُهَا

إِلَّا الَّتِي كَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ يَبْنِيهَا

فَمَنْ بَنَاِهَا بِخَيْرٍ طَابَ مَسْكَنُهُ

وَمَنْ بَنَاهَا بِشَرٍّ خَابَ بَانِيهَا

فَاغْرِسْ أُصولَ الْتُقَى مَا دُمّْتَ مُقْتَدِرًا

وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَاقِيهَا

تَجْنِي الثِّمَارَ غَدَاً فِي دَارِ مَكْرَمَةٍ

لَا مَنَّ فِيهَا وَلَا التَّكْديرُ يَأْتِيهَا

الْأُذُنُ وَالْعَيْنُ لَمْ تَسْمَعْ وَلَمْ تَرْهُ

وَلَمْ يَجْرِ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ مَا فِيهَا

فِيَا لَهَا مِنْ كَرَامَاتٍ إِذَا حَصُلَتْ

وَيَا لَهَا مِنْ نُفُوسٍ سَوْفَ تَحْوِيهَا

 

أحبتي.. الكثير منا يُضيِّع سنواتٍ من عُمره ليُعمِّر بيتاً في الدُنيا، ويفرح إن أنجز ذلك، رغم أن متاع الدُنيا زائلٌ، وفراق الدُنيا محتومٌ؛ فهلَّا فكَّرنا في تعمير ما هو دائمٌ ومُقيمٌ لا يزول في الآخرة؟ يقول تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾.

اللهم حبِّب إلينا الإيمان، وزيِّنه في قلوبنا، ويسِّر لنا أن نعمل من الصالحات ما ننال به رضاك، وتقبَّل أعمالنا خالصةً لوجهك الكريم، وارزقنا اللهم الجنة وما قرَّب إليها من قولٍ أو عملٍ، واستجب لدعوتنا: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾.

https://tinyurl.com/26w73k52

الجمعة، 24 يوليو 2026

قُوة العزيمة

 

خاطرة الجمعة /561

الجمعة 24 يوليو 2026م

(قُوة العزيمة)

 

قصة اليوم قصةٌ فريدةٌ من نوعها، شغلت الرأي العام في «مِصر» مطلع الشهر الحالي، وظلت موضوعاً مُستمراً في العديد من مواقع التواصل الاجتماعي؛ فتحت عنوان: "تحدَّت المرض والعُمر.. «آمال إسماعيل» تحصل على الدُكتوراه من جامعة «المنصورة» في سن الـ83 بعد أن هزمت مرض السرطان" نشرت إحدى الصحف المصرية المُتميزة تفاصيل هذا العنوان فقالت:

في مشهدٍ استثنائيٍ امتزجت فيه دموع الفرح بالفخر، نجحت الباحثة «آمال إسماعيل متولي عبده» في الحُصول على درجة الدُكتوراه من كُلية الآداب بجامعة «المنصورة» في عُمر الـ 83 عاماً، لتكتب واحدةً من أكثر قصص الإصرار إلهاماً، وتؤكد أن تحقيق الأحلام لا يرتبط بعُمرٍ، وإنما بإرادةٍ لا تعرف المُستحيل. لم تكن رحلة «آمال» نحو الدكتوراه طريقاً مُمهداً، بل كانت مليئةً بالتحديات التي كان من المُمكن أن تُنهي حُلمها مُبكراً؛ فبعد حُصولها على الشهادة الإعدادية وهي في الثامنة والثلاثين من عُمرها، اضطرتها الإصابة بمرض السرطان إلى التوقف عن استكمال تعليمها لسنواتٍ طويلةٍ، لتُكرِّس وقتها للعلاج ومُواجهة المرض. لكن بعد أن انتصرت على المرض، قررت أن تبدأ من جديدٍ؛ فالتحقت بالمرحلة الثانوية وهي في الثامنة والستين من عُمرها، ثم واصلت طريقها إلى كلية الآداب بجامعة «المنصورة»، حيث درست عِلم الاجتماع، ولم تكتفِ بالحصول على الليسانس، بل واصلت رحلتها الأكاديمية حتى نالت درجتي الماجستير والدُكتوراه.

خلال إعداد رسالة الدُكتوراه، واجهت الباحثة «آمال» تحدياتٍ صحيةً جديدةً، بعدما تعرضت لكسرٍ في الحوض وأزمةٍ صحيةٍ استدعت إجراء تدخلاتٍ علاجيةٍ، الأمر الذي أدى إلى تأجيل مُناقشة الرسالة، إلا أن تلك الظُروف لم تنل من عزيمتها، لتعود مرةً أُخرى وتستكمل أبحاثها. تم إعداد رسالة الدُكتوراه بعنوان: "الشيخوخة النشطة وعلاقتها ببعض المُتغيرات السوسيولوجية - دراسةٌ لبعض الحالات المُختارة بجامعة «المنصورة»"، والتي تناولت العلاقة بين الشيخوخة النشطة وعددٍ من المُتغيرات الأُسرية والاجتماعية والصحية والمهنية والاقتصادية، والعوامل المُؤثرة في استمرار مُشاركة كبار السن واندماجهم في المُجتمع، وهو موضوعٌ يعكس اهتماماً بقضايا كبار السن وجودة حياتهم، ويُجسِّد ارتباط تجربتها الشخصية بالبحث العلمي. وشهدت قاعة المناقشة أجواءً مُؤثرةً، حيث حرص أفراد أُسرتها وأبناؤها وأحفادها على الحضور لمُشاركتها لحظة تتويج سنواتٍ طويلةٍ من الصبر والكفاح، فيما أشادت لجنة المُناقشة بجهدها العلمي وإصرارها على استكمال مسيرتها الأكاديمية رغم ما واجهته من تحديات.

تحولت قصة الدكتورة «آمال» إلى مصدر إلهامٍ داخل الأوساط الأكاديمية والمُجتمعية، باعتبارها نموذجاً يؤكد أن طلب العِلم لا يتأثر بسنوات العُمر، وأن الإرادة قادرةٌ على تجاوز أصعب الظروف، لتُصبح صاحبة الـ83 عاماً مصدر أملٍ لكل من تأخر عن تحقيق حُلمه أو ظنَّ أن الوقت قد فات؛ فلم يكن حصولها على الدُكتوراه مُجرد إنجازٍ أكاديميٍ، بل كان شهادةً جديدةً على أن النجاح يبدأ بالإيمان بالهدف، وأن الإنسان يستطيع أن يكتب فصلاً جديداً في حياته مهما تقدم به العُمر، لتبقى قصة «آمال» نموذجاً إنسانياً مُلهِماً يروي كيف ينتصر الأمل على المرض، وكيف يهزم الإصرار كُل العقبات.

تم تكريم الدكتورة «آمال» من قِبل جامعة «المنصورة» بمنحها درع الجامعة وشهادة تقدير؛ تتويجاً لمسيرتها العلمية والإنسانية المُلهِمة، بعد رحلةٍ حافلةٍ بالإصرار والمثابرة، لتُقدم نموذجاً مُشرفاً، يؤكد على أن الإرادة قادرةٌ على تحقيق الأهداف وتجاوز الصعاب. لم يكن ذلك التكريم احتفاءً بحصولها على درجة الدُكتوراه فحسب، وإنما تقديراً لرحلة كفاحٍ استثنائيةٍ أثبتت خلالها أن الطموح لا يتأثر بسنوات العُمر، وأن الإيمان بالهدف والإرادة الصادقة قادران على تحقيق النجاح. إن ما حققته الدكتورة «آمال» ليس إنجازاً شخصياً فحسب، بل هو رسالةٌ إنسانيةٌ ووطنيةٌ تؤكد أن بناء الإنسان يبدأ بالإيمان بقُدراته، وبقيمة العلم التي تمنح الإنسان القُدرة على تجاوز التحديات وصناعة مُستقبلٍ يليق بطُموحه؛ إذ أصبحت الدكتورة «آمال» نموذجاً مُلهِماً في الإصرار والعزيمة، ورسالةً تؤكد على أن التعلم رحلةٌ لا تتوقف ما دام الإنسان مُتمسكاً بحُلمه. لقد تم تكريمها كنموذجٍ مُشرفٍ يُقدِّم قصة نجاحٍ مُلهمةٍ تُسهم في ترسيخ ثقافة الاجتهاد والمُثابرة.

لم تخمد شُعلة العزيمة والإرادة بعد حصول «آمال» على هذه الدرجة العلمية الرفيعة، بل ما تزال هذه الشُعلة مُتوهجةً؛ حيث قالت «آمال» فى تصريحٍ خاصٍ للجريدة: "أتمنى الالتحاق بكُلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية؛ لأتعلم هذه اللغة حيث يُفيدني ذلك لو سافرتُ إلى حفيدتي فى «أمريكا»، علينا ألا نتوقف أبداً عن التعلم؛ فنحن أُمة إقرأ".

 

أحبتي في الله.. لقد كانت كلمة السر في نجاح الدكتورة «آمال» هي (قُوة العزيمة)، والعزيمة مُشتقةٌ من العزم. وردت لفظة "عَزْم" ومُشتقاتها في القرآن الكريم تسع مراتٍ، في مقام المدح يقول تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، وفي مقام الذم يقول سُبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. وفي جميع الأحوال يكون معنى "العَزْم" هو الإرادة الصلبة الجازمة، وتوطين القلب على إمضاء الأمر، والصبر والثبات في تنفيذه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ أي إذا عزمتَ على أمرٍ من الأمور فأَمْضِه مُعتمداً على الله وحده، ومُتوكلاً عليه. وقوله سُبحانه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وفيه الحث على الصبر على الأذى؛ فإن الحياة مليئةٌ بالشدائد والمحن، و﴿عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أعاليها ومكارمها. وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ أي: لو صدقوا الله بالاستعانة به، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ فالعبد ناقصٌ من كل وجهٍ، لا قُدرة له إلا إن أعانه الله، وبقدر نشاط العبد وعُلو همته بقدر ما يكون التوفيق والتسديد من الله سُبحانه وتعالى.

 

وعن (قُوة العزيمة) قال الرسول صلى الله عليه وسلم: [احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ]، والمُراد بعبارة [مَا يَنْفَعُكَ] ما يعود على الإنسان بخيري الدُنيا والآخرة من العبادات والأعمال الصالحة، ومعنى الحرص هو الأخذ بالأسباب مع الاعتماد على مُسبب الأسباب وهو الله سُبحانه وتعالى؛ ولهذا قال بعد ذلك: [وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ]؛ لأن الإنسان إذا أخذ بالأسباب ولم يحصل له عونٌ وتوفيقٌ من الله تعالى، فلن يُحصِّل ما يُريده؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله. أما [وَلاَ تَعْجِزْ] فمعناها لا تتكاسل ولا تتثاقل عمَّا لا ينبغي التثاقل عنه مع وجود القُدرة عليه؛ ولذلك كان من دُعاء النبي صلى الله عليه وسلم [اللهُمَّ إنِّي أعوذُ بك مِنَ العَجزِ والكَسَلِ].

 

يقول أهل العِلم إن "العزم" لابد وأن تسبقه "الإرادة" التي هي تصميمٌ واعٍ على أداء فعلٍ مُعينٍ لتحقيق هدفٍ ما، يأتي بعد ذلك العزم بالعمل على تجاوز كُل الصُعوبات والتحديات والعوائق للوصول إلى ذلك الهدف. ثم يأتي "الإصرار" مُكملاً ومُثبتاً للإرادة والعزم، ويظهر في الاستمرار في التقدم وعدم الاستسلام حتى يتحقق الهدف.

 

ويرى العُلماء إن من الوسائل المُعينة على (قُوة العزيمة) التوكل على الله وحُسن الظن به؛ فمن آثار عقيدة التوحيد في نفس المؤمن قُوة الإرادة والصبر والثبات؛ لعلمه أن الله معه وأنه مُؤيده وناصره. وكذلك الدُعاء؛ فقد كان من دُعاء النبي صلى الله عليه وسلم [اللَّهمَّ! إنِّي أسألُك الثَّباتَ في الأمرِ، والعزيمةَ على الرُّشدِ]. وكذلك الاقتداء بأقوياء العزيمة وذوي الهمم العالية ومُصاحبتهم؛ فالمرء على دِين خليله.

وأيضاً المُسارعة في التنفيذ، وعدم التردد بعد عقد العزم على العمل.

 

يُقال: إن الإرادة هي ما يدفعك للخُطوة الأولى على طريق الكفاح، و(قُوة العزيمة) هي ما يُبقيك على هذا الطريق حتى النهاية. ويُقال أيضاً: لا تجعل العوائق تُوقف مسيرتك، إذا واجهتَ حائطاً فلا تستدر لتعود خائباً، عليك أن تُحاول تسلقه، أو المرور من خلاله، أو حتى الالتفاف من حوله. ويُقال كذلك لا تتحقق الأعمال بالتمنيات، إنما بالإرادة تُصنَع المُعجزات.

 

ويقول الشاعر:

بِقَدْرِ الكَدِّ تَكْتَسِبُ المَعَالي

ومَن طَلَبَ العُلا سَهَرَ الليالي

ومَن رَامَ العُلا مِن غَيرِ كَدٍ

أضَاعَ العُمْرَ في طَلَبِ المُحَالِ

تَرُومُ العِزَ ثُمَّ تَنَامُ لَيْلاً

يَغُوصُ البَحْرُ مَن طَلَبَ اللآلي

ويقول آخر:

ومَا نَيْلُ المَطالِبِ بِالتَمَني

ولَكِنْ تُؤخَذُ الدُنْيا غِلابَا

ومَا استَعْصَى عَلَى قَوْمٍ مَنالٌ

إذا الإقْدَامُ كَانَ لَهُم رِكَابَا

 

أحبتي.. أنصح نفسي وإياكم بأن نظل دائماً -مهما كانت أعمارنا- في حالة بحثٍ عن عملٍ مُفيدٍ لنا، في دِيننا ودُنيانا، نجعله هدفاً لنا ونضع خطةً لتنفيذه، ونتوكل على الله؛ ليكون لنا مُعيناً وموفِّقاً، لا نتردد ولا نُسوِّف، لا نجعل كِبَر السن عائقاً لنا، ولا نتعلل بمرضٍ، ولتكن لنا عبرةٌ في قصة الدكتورة «آمال» وأمثالها من الذين كانت (قُوة العزيمة) سر نجاحهم، وسبب تفوقهم.

اللهم اجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآتنا ما وعدتنا وبَشَّرتنا به في قولك: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.

https://tinyurl.com/2c9g6umc

الجمعة، 17 يوليو 2026

شر الحسد

 

خاطرة الجمعة /560

الجمعة 17 يوليو 2026م

(شر الحسد)

 

هذه قصةٌ حقيقيةٌ ترويها صاحبتها فتقول:

أنا فتاةٌ أبلغ من العُمر اثنين وعشرين عاماً، طالبةٌ بكلية التجارة، كُنتُ مُتفوقةً حتى أن مجموع درجاتي في الثانوية العامة كان عالياً للغاية؛ وكان يؤهلني لدخول كُلية الطب، لكني اخترتُ كُلية التجارة بسبب سوء أحوالنا المادية؛ فأنا الابنة الكبرى، ولدي أربعة إخوةٍ غيري، يعمل والدي حارس عمارةٍ بإحدى المناطق الراقية بمدينة «القاهرة»، أما عن والدتي فهي تُساعده في تحمل تكاليف المعيشة الباهظة، تُنظف شُقق العمارة، وكثيراً ما كُنتُ أذهب معها لأُساعدها في ذلك، لكني لم أذهب يوماً معها للتخفيف عنها، بل كُنتُ أذهب معها لأشعر -ولو لساعاتٍ محدودةٍ- أنني مثل هؤلاء الأشخاص الذين يعيشون حياة الترف؛ فقد كُنتُ أعيش ذلك في أحلامي، وكُلما ذهبتُ مع والدتي لأُنظف معها تهيأ لي أننا مُلاك الشقة الأصليين، وأننا نُنظف منزلنا ليس إلا. كُنتُ دائماً أُؤرق عيشي بالسؤال: لماذا هُم يعيشون ويرفهون، ونحن لا نمتلك قُوت يومنا؟ نحن لأيامٍ كثيرةٍ لا نمتلك حقاً قُوت يومنا، لماذا أتعب وأُنهك كُل طاقتي وأحصل على مجموعٍ يؤهلني لدخول كُليةٍ من كُليات القمة كالطب ولا أتمكن من تحقيق حُلم عُمري بسبب الظروف المادية؟ دائماً ما كانت تجول بخاطري هذه الأفكار، لدرجة أنني كُنتُ أحقد على الناس جميعاً!

في أحد الأيام تلقى والدي اتصالاً يُفيد بأن أصحاب العمارة سيعودون للبلاد، حيث كانوا مُقيمين بإحدى الدول العربية لمدة طويلةٍ، وقرروا العودة للوطن للاستقرار فيه؛ فذهبنا -أنا ووالدتي- لتنظيف شقتهم، ويا لها من شقةٍ، لقد كان كُل شيءٍ بها يعجز عقلي عن تصديقه، كُل شيءٍ بها تتمناه أي نفسٍ بشريةٍ. وكان لصاحب العمارة وزوجته ابنٌ وابنةٌ، رتبنا غُرف الأبناء أولاً، ثُم رتبنا ونظفنا بقية الغُرف. كان كُل شيءٍ جميلاً وبراقاً، لم أرَ طوال حياتي غرفةً جميلةً مثل غرفة تلك الفتاة. عبأت والدتي الثلاجة الصغيرة الخاصة بالفتاة بأنواعٍ مُتعددةٍ من الفاكهة والشوكولاتة والعصائر، إضافةً إلى الثلاجة الكبيرة الخاصة بالمنزل تنفيذاً للأوامر. كما قامت والدتي بطهو طعامٍ يحرم علينا تناول أي شيءٍ منه، وعندما انتهت من إعداده نادت عليّ فوجدتني نائمةً على سرير الفتاة، أيقظتني بعدما نفضت جسدي كاملاً، وأول ما استيقظتُ وبختني كثيراً وقالت لي: "ارضِ بما قسمه الله لكِ، ولا تُتعبي عينيكِ بالنظر طويلاً للأعلى!”. أعادت والدتي ترتيب السرير وكأن من ستنام عليه أفضل مني. وأول ما انتهينا رجعنا منزلنا، والذي هو حجرةٌ واحدةٌ وصالةٌ ومطبخٌ وحمَّامٌ، لا يوجد لدينا إلا سريرٌ واحدٌ؛ سرير والدايّ، وأريكةٌ واحدةٌ إذا جلستَ عليها تجد عظامكَ تشكو منكَ وتدعو عليكَ في آنٍ واحدٍ! وقبل أن نستريح سمعتُ صوت سيارةٍ، خرج على الفور والدي، بالتأكيد هو مالك العمارة وأُسرته، أحببتُ أن أراه لا حباً فيه، بل بدافع الفُضول، خرجتُ مُسرعةً وجدتُ والدي يُنزِّل الحقائب من السيارة، ووجدتُ رجلاً يُناهز عُمره الستين عاماً وزوجته عُمرها يُقارب الخمسين أو يزيد، ولديه ابنٌ في العشرينات من عُمره، وابنةٌ جميلةٌ للغاية، لا أستطيع أن أصف روعة الملابس التي ترتديها، وعلى الرغم من جمال ملابسها، والمُجوهرات التي ترتديها، إلا أن جمال الفتاة يُغطي على كُل ذلك، فجمالها يُزيِّن ما ترتدي وليس العكس. حقيقةً كانت «حسناء» وأخوها «حسن» اسمين على مُسمىً، وكانا في قمة التواضع، فعلى الرغم من كُل أموال والدهما وحياة الترف التي يتمتعان بها، إلا أنهما يمتلكان طيبة القلب والعفوية والبراءة. كانت «حسناء» كُل يومٍ يمر تُقربني فيه إليها أكثر فأكثر، كانت تُعطيني من ملابسها، وتُطعمني مما تأكل، خاصةً أنها عندما عادت للبلاد التحقت بكُلية التجارة -نفس الكُلية التي ارتادها- لقد كُنا ندرس بنفس القسم أيضاً. كانت كُل يومٍ تُخزي نفسي اللئيمة بطيبة قلبها وحُسن خلقها، ولكني ما زلتُ أشعر بنيران الحقد والحسد بداخلي تجاهها. وفي أحد الأيام جاءت تحمل لي بُشرى سارةً -على حد قولها- أخبرتني بخبرٍ قصم روحي وكان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير؛ لقد أخبرتني بأن المُعيد الذي يُدرِّس لنا صارحها بمشاعره تجاهها، ويُريد أن يعرف رأيها فيه قبل أن يتقدم بطلب الزواج منها، إنه الشخص الذي لطالما أحببتُه أنا ورسمتُ أحلاماً كثيرةً معه، لقد ضاقت بيّ الحياة ذرعاً، واشتعلت نار الحقد والحسد في صدري، لم يعد هناك شيءٌٍ يمنعني من إيذائها، حتى وإن كان لن يتقدم المُعيد الذي أُحبه بطلب الزواج بي؛ فكيف يقبل بالارتباط بابنة حارس عمارة؟ وبدأت نفسي الأمارة بالسوء في تحويل طاقة الحسد المشتعلة في صدري إلى خطةٍ لإيذاء «حسناء»؛ تحججتُ بحجةٍ واهيةٍ وأخذتُ منها هاتفها وأنشأتُ صفحةً على «الفيس بوك» برقم هاتفها وباسمها الحقيقي، بل وبالإشارة إلى الحي الذي تعيش فيه أيضاً، جعلتُ الصفحة تبدو وكأنها خاصةً بفتاة ليلٍ، ألصقتُ بها الكثير من الصور الجريئة والمُخلة أيضاً، وانهالت الرسائل على الصفحة، وكُنتُ أرد أنا على تلك الرسائل بردودٍ جريئةٍ باسم «حسناء»، وهي غافلةٌ لا تعلم شيئاً من كل ذلك. لم أكتفِ بذلك؛ بل قُمتُ بنسخ كُل المُحادثات وأرسلتها للمُعيد الذي يُريد أن يتزوجها، وكانت الفضيحة قويةً، خاصةً أنني قبلتُ -باسم «حسناء»- صداقات شبابٍ من الحي الذي نسكن به؛ فكانت تصل إليها رسائل نصيةٍ فاجرةٌ على هاتفها الذي أنشأتُ به الصفحة، وكانت كُل يومٍ تنهار أكثر من اليوم الذي يسبقه، ونظراً لسوء حالتها النفسية اضطُر والدها لترك العمارة، بل وغادر مع أُسرته الحي كُله، وذهبوا إلى مكانٍ بعيدٍ لا يعرفهم فيه أحدٌ للعيش به، كما أن «حسناء» اضطُرت إلى ترك الدراسة كُلياً، واضطُررتُ أنا للعمل لتحمل مصاريفي الشخصية؛ فعندما كُنتُ معها لم أكن أحمل أي همٍ بالحياة؛ فقد كانت تتحمل جميع مصاريفي. اضطُررتُ للعمل بعد إنهائي جميع مُحاضراتي بالجامعة. وبمرور الأيام نسيتُ «حسناء» تماماً، ونسيتُ كل تفاصيل حياتي معها، وتعايشتُ مع واقعي الجديد، كُنتُ مُجدةً للغاية في دراستي وفي عملي، الأغرب من كُل ذلك أنني لم أشعر بالذنب حيالها بالمرة، لقد كان شعوري بمثابة الانتصار عليها، وتحقيق رغبتي الدفينة في أن أحرم هذه الفتاة من شيءٍ واحدٍ تمنته ولم تحصل عليه!

وفي أحد الأيام تأخرتُ في عملي وأنا عائدةٌ في طريقي للمنزل، لاحظتُ سيارةً بها مجموعةٌ من الشباب تتبعني، وفجأةً توقفت السيارة وخرج منها ثلاثة من الشباب فاقدي الوعي مُغيبين تحت تأثير المُخدرات، اقتربوا مني، شُلَّت حركتي، ولم أتذكر حينها إلا ذنب الفتاة البريئة التي لطختُ شرفها ووصمتُها بالعار، أيقنتُ حينها أن الله سُبحانه وتعالى سينتقم مني ومن كُل أفعالي الشنيعة، وما إن ألقوا بي على الأرض وأشبعوني ضرباً إلا وأجد سيارةً تقترب على صوت صرخاتي العالية، ويخرج منها شابٌ بيده سلاحٌ أطلق منه رصاصةً في الهواء؛ فتركني هؤلاء الشباب ولاذوا بالفرار. عندما اقترب مني الشاب ليطمئن عليّ فوجئتُ أنه «حسن» أخو «حسناء»، اشتد عليّ تعذيب ضميري؛ أنا أُلطخ سمعة أُخته، وهو يُنقذ سُمعتي وشرفي من الضياع! فقدتُ صوابي من هول المُفاجأة، ذهب «حسن» بي إلى أقرب مُستشفى، وهناك قدمت «حسناء» التي تعتبرني أُختها الوحيدة التي لم تُرزق بها من والديها، ظلت بجواري هي وأخوها طوال الليل، وكُلما استيقظتُ وجدتُها بجواري، والتمستُ منها الحنان الحقيقي الخارج من قلبها دون تكلفٍ. ساءت حالتي أكثر من السابق، وقد كان اعتقاد الجميع أن سُوء حالتي مما تعرضتُ له، لكنه كان بسبب ضميري الذي استيقظ مُؤخراً، فقد أعمت قلبي نيران الحسد والغيرة والحقد على فتاةٍ طيبة القلب لا تستحق إلا كُل الخير، بفعلتي جعلتها تخشى أن تُواجه المُجتمع، والآن هي الوحيدة التي تقف بجانبي، ولا أجرؤ على الاعتراف لها بفعلتي القبيحة وإعلان براءتها. عُدتُ إلى دراستي، أما عن العمل فقد منعتني هي من الذهاب إليه مُجدداً خوفاً مما يمكن أن يحدث لي مرةً أُخرى، كانت تبعث لي براتبٍ شهريٍ يكفيني ويزيد عن كُل احتياجاتي. وذات يومٍ اتصلت عليّ والدتها وطلبت مني الحضور إليها على الفور، وعندما وصلتُ إلى منزلهم الجديد وجدتُ «حسناء» تُصلي، وأطالت السجود حتى أنها لم ترفع رأسها منه، قلقنا عليها فذهبتُ مُسرعةً إليها ورفعتها وجدتها فاقدةً للوعي، لقد استدعتني والدتها نظراً لأن ابنتها الوحيدة كانت حزينةً للغاية؛ فظنت أن بإمكاني إخراجها من حالة الحُزن التي استولت عليها. بعدها علمتُ أن الفتاة كانت مُصابةً بمرضٍ خطيرٍ، كان لديها سرطانٌ بالدم، وتعالجت منه في الخارج قبل عودتها إلى البلاد، وشفيت منه تماماً، لكن نظراً للظروف الأخيرة التي مرَّت بها، وما عانته من مآسٍ وأحزانٍ كنتُ أنا السبب فيها عاد إليها المرض من جديدٍ. تقطع قلبي عليها، يا ليتني لم أفعل بها مكروهاً، لقد كانت هذه الفتاة المسكينة تُصارع الحياة، وكُنتُ أحسدها على ما لا تُحسد عليه. تُوفيت «حسناء» وهي في حُضني بعدما اعترفت لي بكمية الحُب الذي كان في قلبها للمُعيد، وأنها تمنت أن تتزوج به وتُنجب طفلاً وتسمع كلمة ماما، ويا لتعاسة قلبي عندما علمتُ أنها أوصت بكُل مُجوهراتها وأموالها بالبنك لي! رغم أنني كُنتُ السبب الأساسي في موتها!

 

أحبتي في الله.. أنهت صاحبة القصة روايتها بالقول: "الحقيقة أن الحاسد يأكل نفسه أولاً قبل أن يأكل من يحسده، إن الحسد أعظم آفةٍ يُمكن أن تأكل قلب الإنسان. وأنا أكتب لكم الآن قصتي لتأخذوا منها العبرة؛ فأنا في أشد حالات الندم، وأدعو الله في كل لحظةٍ أن يتقبل توبتي ويغفر لي ويرحمني، وأن يُخفف عني عذاب الضمير الذي يلازمني ويُفسد عليّ حياتي".

 

يقول العُلماء إن الحسد هو أن يتمنى الحاسد زوال نعمة المحسود، وهو حرامٌ بإجماع الأُمة، لأن فيه اعتراضاً على الله سُبحانه وتعالى، ومُعاندةً له، ومُحاولةً لنقض ما فعله وإزالة فضل الله عمن أهلَّه له. والحسد من أسوأ الطباع؛ يقول تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ . مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ . وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ . وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ . وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ قال المُفسرون إن الله سُبحانه وتعالى أمرَّ نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالتعوذ من شر الحاسد ومن (شر الحسد)؛ فقد جَمَعَ الشُرور في هذه الآيات، وختمها بالحسد لِيُعْلَمَ أنَّه أخسُّ الطباع؛ فما أضعف الحاسد؛ يُذيب الغِل قلبه كما تُذيب النار الحديد وتصهره، يتمنى زوال النعمة عن أخيه، وينسى أن الأرزاق مقسومةٌ، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء؛ يقول سُبحانَه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وهذا هو الحَسَدُ الذي ذمَّه اللَّهُ؛ بقوله عَزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ فهو نهيٌ عن أن يتمَنَّى الإنسانُ ما فضَّل اللَّهُ به غيرَه من النَّاسِ عليه؛ فإنَّ في ذلك نوعاً من عَدَمِ الرِّضا بالقِسمةِ التي قسَمَها اللَّهُ بَيْنَ عبادِه على مُقتضى إرادتِه وحِكمتِه البالغةِ، وفيه أيضاً نوعٌ من الحَسَدِ المنهيِّ عنه إذا صَحِبته إرادةُ زوالِ تلك النِّعمةِ عن الغيرِ.

 

قيل إن الحَسَدُ أوَّلُ ذَنبٍ عُصِيَ اللَّهُ به في السَّماءِ، وأوَّلُ ذَنبٍ عُصِيَ به في الأرضِ؛ فأمَّا في السَّماءِ فحَسَدُ إبليسَ لآدَمَ، وأمَّا في الأرضِ فحَسَدُ قابيلَ لهابيلَ. وإن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب، فيه ضررٌ على الحاسد في الدُنيا والدِين؛ فالحاسد سخط بحسده على قضاء الله تعالى، وكَرِهَ نعمته التي قسمها بين عباده، وعدله الذي أقامه في مُلكه بخَفيّ حكمته، فاستنكر ذلك وكفى بهذا جنايةً على الدِين. والحاسد يتضرر في الدُنيا؛ فهو يتألم بحسده، ولا يزال في كمدٍ وغمٍ، ولا يزال يتعذب بكل نعمةٍ يراها عند مَن حسدهم.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تَحاسَدوا، ولا تَناجَشوا، ولا تَباغَضوا، ولا تَدابَروا، ..]، وعندما سُئل: يا رَسولَ اللهِ! أيُّ النَّاسِ أفضَلُ؟ قال عليه الصلاة والسلام: [كلُّ مخمومِ القلبِ صدوقِ اللسانِ]، قالوا: صَدوقُ اللِّسانِ نَعرِفُه، فما مخمومُ القَلبِ؟ قال: [هو التقيُّ النقيُّ، لا إثمَ فيه، ولا بغيَ، ولا غِلَّ، ولا حسدَ].

 

ويقول أهل العِلم إن كان الحسد مجازياً، بمعنى الغِبْطَة، فإنه محمودٌ في الطاعة، ويبدو ذلك واضحاً في قوله صلى الله عليه وسلم: [لا حَسَدَ إلَّا في اثنَتَينِ: رَجُلٌ عَلَّمَه اللهُ القُرآنَ، فهو يَتلوه آناءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ، فسَمِعَه جارٌ له، فقال: لَيتَني أوتيتُ مِثلَ ما أوتيَ فُلانٌ، فعَمِلتُ مِثلَ ما يَعمَلُ، ورَجُلٌ آتاه اللهُ مالًا فهو يُهلِكُه في الحَقِّ، فقال رَجُلٌ: لَيتَني أوتيتُ مِثلَ ما أوتيَ فُلانٌ، فعَمِلتُ مِثلَ ما يَعمَلُ].

ويقول أحد العارفين: إن الحسد لا يضر المحسود، بقدر ما يفتك بصاحبه؛ يملأ صدره ضِيقاً، ويغمر قلبه ظُلمةً، حتى يُطفئ فيه نور الرضا والإيمان؛ فكيف يهنأ الحاسد بعيشٍ، وقد جعل قلبه سجناً للنقمة على غيره وسُوء الظن بربه جلَّ في عُلاه؟!

 

وعن (شر الحسد) يقول الشاعر:

ألَا قُلْ لمَن كان لي حاسِدًا

أتدري على مَن أسأتَ الأدَبْ

أسأتَ على اللَّهِ في فِعْلِهِ

لأنَّك لم تَرْضَ لي ما وَهَبْ

فأخزاكَ عنه بأنْ زادني

وسَدَّ عليكَ وجوهَ الطَّلَبْ

وقال آخر:

اصبِرْ على حَسَدِ الحَسودِ

فإنَّ صَبْرَك قاتِلُه

النَّارُ تأكُلُ بَعضَها

إنْ لم تجِدْ ما تأكُلُه

 

أحبتي.. يقالُ إن الحسد داءٌ عُضالٌ يفتك بالصدور، ويُدمِّر العلاقات، ويُميت القلوب، ويشحن النفوس بالبغضاء، وهو صفةٌ مذمومةٌ شرعاً وعقلاً. والحاسد شخصٌ بغيضٌ مكروهٌ ينفر منه الجميع، حتى أقرب الناس إليه لا يُجالسونه ولا يقعدون معه، ويجتنبونه إذا تكلموا ولا يُسرِّون إليه بحديثٍ من أحاديثهم أبداً، ولا يتقرب منه أحدٌ خشيةً على نفسه من أن يحسده؛ فعلى الحاسد أن يتوقف عن الحسد فوراً، ويتوب إلى الله توبةً نصوحاً، ويتقي الله في نفسه وفي غيره، عسى أن يقبل الله توبته، ويبدِّل سيئاته حسنات؛ يقول تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾.

أما المحسود، ومن يخاف على نفسه وأهله من (شر الحسد)، فعليه الإكثار من التعوذ، بقراءة المُعوذتين، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وقراءة القرآن بصفةٍ عامةٍ، والإكثار من الدُعاء والأذكار والتعوذات النبوية من نحو: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.

نسأل الله تعالى أن يُطهِّر قلوبنا جميعاً من الحسد، وأن يُبعد عنا شر الحاسدين، و(شر الحسد).

 

https://www.facebook.com/share/198t8X9fdH/?mibextid=wwXIfr

 

الجمعة، 10 يوليو 2026

سُنة الابتلاء

 

خاطرة الجمعة /559

الجمعة 10 يوليو 2026م

(سُنة الابتلاء)

 

هذه الخاطرة أهديها إلى كُل مَن قهرته الظُروف، وأحس أن البلاء قد أحاط به من كُل جانبٍ. إلى كُل مَن صارت أحواله تسير من سيءٍ إلى أسوأ. إلى مَن يظن أنه لا يوجد على وجه الأرض مَن يُعاني مثله، ومَن يُظلَم مثله، ومَن يقف وحيداً يُواجه القسوة والظُلم والإهانة والذُل بلا حدودٍ مثله.

طفلةٌ يتيمةٌ مرَّت بحياةٍ أليمةٍ تُخبرنا بقصتها من البداية فتقول:

عشتُ يتيمة الأُم مُنذ كنتُ في الرابعة من عُمري، فعرفتُ طعم الفقد ووجع الحرمان وانكسار الروح، حين أرى كُل طفلةٍ تُمسك بيد والدتها في المُناسبات الاجتماعية والأعياد، أو حين تمسح أُمٌ فوق رأس ابنتها بحنانٍ بالغٍ، أو حين تُزيد البنت الدلال على والدتها فتحضنها بكُل حُبٍ. لم يؤثر رحيل والدتي كثيراً على والدي؛ فقد تزوج بعد وفاتها بشهرٍ واحدٍ بامرأةٍ، لو كان لي الخيار لما صنفتها من عالم البشر، ذُقتُ على يديها كُل ألوان العذاب في ظل صمتٍ مُطبقٍ من والدي! من فرط قسوتها كُنتُ أتمنى الموت كُل ساعةٍ حتى صار من أجمل أحلامي. كُنتُ آخر فردٍ ينام ليلاً، وأول من ينهض من فراشه صباحاً، حتى الشاي والفطور كُنتُ أقوم بإعدادهما قبل ذهابي إلى المدرسة.

لم تكن عقارب الساعة تمر سريعاً؛ بل كُنتُ في أحيانٍ كثيرةٍ أشك أن نفس اليوم يتكرر ثلاث مراتٍ من طول ساعاته التي لم تكن تمضي أبداً. كُنتُ أشعر كأن أضلعي يجثم فوقها ألف جبلٍ وجبلٍ، وأن صدى صرخاتي التي تتلوى وجعاً ترتد نحو حلقي فلا يسمعها سواي. كُنتُ حقاً أختنق. لكن ورغم كُل ما كُنتُ أُعانيه من ظلمٍ وقسوةٍ ويُتْمٍ، كان عزائي الوحيد الدراسة؛ حيث تفوقتُ فيها إلى الدرجة التي أثارت غيرة أخواتي من أبي؛ مما دفع زوجته لإخراجي من المدرسة وأنا في الصف الأول ثانوي. انكسرت روحي كما ينكسر فنجان قهوةٍ إلى أشلاء صغيرةٍ! انسلختُ عن نفسي حتى لم أعد أدري من أنا، أحسستُ أن جزَّاراً سلخ جلدي مثلما يسلخ جلد الذبيحة ورمى به بعيداً فأصبحتُ لا أعرفني! انكسار روحٍ، انسلاخ نفسٍ! ماذا تبَّقى لي حتى أتمسك بحياتي البائسة؟ فكرتُ بالانتحار لكني خفتُ من غضب الله.

لم تتوقف مُحاولات زوجة أبي في إذلالي، وزرع الإحساس في داخلي بأني لستُ إنسانةً، كأنما وظيفتها في الحياة مُحاولة وأْدي. وكان لها شقيقٌ يُعاني من تخلفٍ عقليٍ وعاهةٍ بدنيةٍ ولا يستطيع النُطق، لا أدري كيف أقنعتْ والدي والمأذون والناس جميعاً بمُوافقتي على الارتباط به؟! حاولتُ بشتى السُبل الاعتراض، ولكن لا حياة لمن تُنادي. هددتُها بالهرب فهددتني بالقتل، ولأني كُنتُ مُجرد فتاةٍ يتيمةٍ خائفةٍ مُستضعفةٍ لا يُنصتُ إليها أحدٌ، ولا يستمع لصدى صُراخها أحدٌ؛ فقد استسلمتُ، لأنه الخيار الوحيد المُتاح لي في ذلك الوقت. وتم زفافي إليه في ملحمةٍ إنسانيةٍ بائسةٍ كان فيها الزوج لا يعلم حتى عما يدور حوله، عُش الزوجية مُجرد غُرفةٍ في سطح منزلنا كان في الأصل عُشة حمامٍ! لم تكن مُعاملتها لشقيقها تتصف بالإنسانية إطلاقاً؛ فقد كانت تضربه بشدةٍ وبلا أدني رحمةٍ، حين يُبعثر الطعام أو يصرخ بقوةٍ أو يُضايق إحدى بناتها المُدللات. لم يكن اهتمامها به بعد وفاة والديها ناتجاً من محبتها له، بل حتى لا يتكلم الناس عنها بسوءٍ، هذا ما ظننته في البداية قبل أن أكتشف الحقيقة التي صعقتني فيما بعد. سوء مُعاملتها له دفعني للإشفاق عليه، شعرتُ أنني وإياه نتقاسم قسوة الحياة وظُلم البشر وسوداوية الظُروف وبؤس الأيام وعدم وجود السند والحضن الدافئ والمشاعر الإنسانية. بدأتُ في تقبله، لا كزوجٍ بل كطفلٍ كبيرٍ يحتاجني ويشعر بالأمان بقُربي؛ فقمتُ بمحاولاتٍ لتهذيب عاداته وطبائعه، وشعرتُ بمشاعر الأمومة نحوه! ومرَّت خمس سنواتٍ من عُمري وشبابي الضائع ومشاعري المُستنزفة قبل أن يحدث التغيير الأول في حياتي؛ فذات مساءٍ أُصيب زوجي بتشنجٍ حادٍ لم تنفع معه كل مُحاولات الأطباء، فتُوفي خلال أُسبوعٍ، واختلطتْ مشاعري؛ فلم أعد أعرف هل أحزن على رحيله؟ أم أفرح لنهاية قصتي معه؟ وعرفتُ فيما بعد سر تمسك زوجة والدي ببقاء أخيها عندها؛ فقد علمتُ أن زوجي المُتخلف عقلياً قد ورث عن والديه مبلغاً كبيراً، وقد استماتت لإخفاء هذه المعلومة عني وعن الجميع، ثم استماتت من أجل حرماني من الميراث، ونجحت في ذلك؛ فأصبحتُ أنا مثل الفاشل الذي عاد بخفيّ حُنين، فقدتُ كُل شيءٍ! أُصبتُ بالاكتئاب الشديد وأنا أرى حياتي مثل مسبحةٍ بيد أحدهم يهزها يميناً وشِمالاً فتتأرجح في كل اتجاهٍ! أصبحتْ أسوار السوداوية والفشل والحُزن والإحباط ترتفع من حولي يوماً بعد يومٍ حتى تكاد تخنقني، مرَّت سنةٌ بائسةٌ أُخرى بعد وفاة زوجي، كانت فيها كل أحلامي بإكمال دراستي تتهاوى أمام ناظري، أصبحتُ مُجرد خادمةٍ لزوجة أبي وبناتها، إلى أن حدث التغيير الرئيسي في حياتي؛ إذ تقدم لخطبتي أرملٌ في الستين من عُمره يفصل بيني وبينه 39 عاماً، وسبعةٌ من الأبناء أصغرهم في مثل عُمري! رفضتُ وصرختُ ولكن كما ذهب صدى صوتي أدراج الرياح المرة السابقة هكذا حدث في المرة الثانية. أمواله وعقاراته كانت الطُعم الذي أسال لُعاب أبي وزوجته، وتم زفافي إليه وكُنتُ أشعر أني مثل نعجةٍ تُساق إلى المذبح. وفي ليلة الزفاف ذهبتُ معه إلى منزله ودخلته لأول مرةٍ. لم يلفت نظري فخامة منزله وأثاثه، وجمال اللوحات والإضاءات المُذهبة، ولا السجاد الثمين، والتحف الغريبة! كُنتُ أُنصتُ لحظتها لضجيج الألم في داخلي، للأفكار السوداوية التي تعتصر عقلي، للغُبن الذي يضج بين أضلعي، لشريط حياتي البائس وهو يمر بالحركة البطيئة أمام ناظري. وحين أصبحتُ معه وحدنا في الغُرفة تحدث معي بحنانٍ بالغٍ ومشاعر دافئةٍ افتقدتها، حتى أصبحتُ أشك في كوني كائناً بشرياً، فشعرتُ بدموعي تتدافع سراعاً، وجسدي يرتجف بخوفٍ، ولأول مرةٍ في حياتي يحتضني أحدٌ بمثل هذا الحُب والرفق والصدق، عرفتُ منه أنه ظل وفياً لزوجته طوال فترة مرضها التي امتدت لعشر سنواتٍ، أخبرته بكل حكايتي، كانت دموعه تختلط بلحيته البيضاء القصيرة، ونظرات الذُهول ترتسم بعينيه وهو يقول: "كيف صبرتِ على كُل هذا الأذى؟!". مرَّت الأيام، وفي كل يومٍ كانت العلاقة تزداد متانةً بيني وبينه، حتى أحببته من كُل قلبي، وشكرتُ الله تعالى الذي أرسله لي بعد كُل العناء والألم الذي مررتُ به في حياتي. وكان من دروس الحياة التي تعلمتها في تلك اللحظة التي تشعر فيها أن الجميع تخلى عنك، وأنك تقبع في دهليزٍ مُظلمٍ وحيداً تلعق جراحك بكثيرٍ من المرارة؛ سيمسح الله على قلبك برفقٍ، وسينير لك طريقاً مُظلماً ما ظننتَ يوماً أنه سينير. أحببتُ أبناءه وأحبوني وكأني أختٌ لهم، ولأول مرةٍ أيضاً أشعر بروح العائلة وجمال الدفء فيها؛ تَشاركنا مع بعضنا جمال الأيام ولحظات السعادة وساعات الإنصات والاهتمام. عرفتُ مع زوجي وأبنائه معنى ليالي رمضان الجميلة ولذة الإفطار مع بعضنا، وبهجة الأعياد، ولمة العائلة، واجتماع الأهل، وروعة السفر مع أُناسٍ أُحبهم ويحبوني. ومرَّت السنوات مع زوجي الحبيب مثل حلمٍ جميلٍ لم أرغب أبداً في أن أصحو منه. كُنتُ أحياناً أضع يدي أمام أنفه لأرى إن كان يتنفس أم لا؟ خشيتُ أن أفقده، وأن أعود إلى تلك النُقطة السوداء التي لا تُشعرني بإنسانيتي، لم يكن مُجرد زوجٍ؛ بل كان مُلهمي ومُعلمي وأبي وحبيبي وكل شيءٍ لي في هذه الحياة، أنجبتُ منه ثلاثة أبناء، وبمُساندته أكملتُ تعليمي الثانوي والجامعي، ثم حصلتُ على الماجستير والدكتوراه! لكن من قال إن تلك السنوات التي نرتشف منها السعادة تدوم؟ وأن تلك اللحظات التي نقضيها بجوار من نُحب يُمكن أن تستمر إلى الأبد؟ إنها حكمة الله، وسُنته في الحياة؛ لا يجعلها تسير على وتيرةٍ واحدةٍ، وأقداره التي يجب أن نكون راضين بها تمام الرضى، سيُرسل الله لكَ لحظاتٍ صعبةٍ يختبر فيها قُدرتكَ على الصُمود، وحُسن ظنكَ به، وثقتكَ فيه، وجاءت تلك اللحظة التي كُنتُ أخاف فيها أن أفقده. مرِضَ زوجي مرضاً لم يُمهله سوى شهرٍ واحدٍ، وقبل أن يرحل عن عالمنا بعد 17 عاماً من زواجنا طلب مني أن أقطع له وعداً بأن أكون قويةً ولا تكسرني الظُروف والأيام، وأن أكون تلك المرأة التي عرفها، التي تحدَّت نفسها بفضل الله ونهضت من جديدٍ، تلك المرأة التي كانت مُجرد حُطامٍ حين اقترن بها، وها هي اليوم بعد كُل ما حصلتْ عليه وحققته تقف على قدميها من جديدٍ. وعدتُه بكُل صدقٍ. ورحل زوجي، ووفيتُ بوعدي له، وطاردتُ أحلامي، لم أعد تلك اليتيمة المُستضعفة؛ افتتحتُ مشروعي التعليمي الخاص، ونجحتُ نجاحاً باهراً، والآن أبناء زوجي وأبنائي هُم الثروة الحقيقية لي، لقد عوضني الله خيراً. وحين أستعرض أحياناً حياتي السابقة البائسة، أعود من جديدٍ لأتذكر جيداً أني طوال فترة وجودي في منزلنا القديم لم أفقد أبداً حُسن ظني بالله سُبحانه وتعالى، نعم كُنتُ أحياناً أضعف لكني كُنتُ دوماً -وبلا قنوطٍ أو توقفٍ- أدعو، وأدعو، وأدعو. وكُلما احتدمتْ الغيوم السوداء في سماء حياتي كُنتُ أشعر أن الله عزَّ وجلَّ يُدبِّر لي خيراً في قادم أيامي، كُنتُ أثق بعدالة ربي، وأن كُل الظُلم الذي وقع عليّ من زوجة والدي وبناتها، وحياة اليُتم المريرة التي عشتُها، سيُبدِّلها الله حياةً خيراً منها، وسيمسح على روحي برحمته، وسيرسل فرحاً يغشى قلبي حتى يُنسيه ما كان.

 

أحبتي في الله.. عقَّبت صاحبة القصة على حكايتها بقولها:

مهما كُنتَ تعيش أحداثاً سيئةً الآن، سواءً انكساراً داخلياً، أو فقداناً لعزيزٍ، أو شُحاً بالمال، أو تعثراً نفسياً، أو فشلاً لمشروعٍ، أو انهياراً لعلاقةٍ ما، أو تشعر أن زمام الأُمور يُفلتُ من بين يديك؛ فلا تيأس من رحمة ربك، ادعُ دُعاء المُضطر من قلبك، وأحسِن الظن به، وحدِّثه عن مشاعرك، أحاسيسك، خيبات أملك، عن الضيق الذي تمر به، عن أحلامك المكسورة، عن أُمنياتك الضائعة، عن الوجع الذي بداخلك، فضفض له بكُل ما تشعر به، وحين تنتهي توَّسل إليه أن يُرمِّم روحك، أن يُعوضك خيراً، أن يفتح لك خزائن رزقه ورحمته، وستشعر بعدها بالراحة التامة، والهدوء والسكينة يتسللان إلى قلبك المُتعَب، ولا تيأس إن تأخرتْ الإجابة؛ فأشد أوقات الليل ظُلمةً هي قبل انبلاج الفجر وانتشار ضيائه.

 

يقول العُلماء إن لفظ "الابتلاء" بمُشتقاته ورد في القُرآن الكريم في ثمانيةٍ وثلاثين موضعاً؛ جاء في ثلاثين منها بصيغة الفعل؛ من ذلك قوله عزَّ وجلَّ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وورد في ثمانية مواضع بصيغة الاسم؛ من ذلك قوله سُبحانه: ﴿وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾، وإن أكثر ما ورد في القُرآن الكريم منها كان بمعنى الاختبار والامتحان، وورد بدرجةٍ أقل بمعنى النعمة والمنحة، وجاء في بعض المواضع بما يحتمل المعنيين.

والدُنيا دار بلاءٍ واختبارٍ وامتحانٍ؛ يقول تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ﴾. ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.

 

يرى أهل العِلم أن (سُنة الابتلاء) يُجريها الله في خَلقه؛ يقول تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ فيبتلي العباد بالخير والشر، وبالشدة والرخاء، وبالصحة والسِقم، وبالغنى والفقر، وبالحلال والحرام، وبالطاعة والمعصية، وبالهدى والضلال، فالعباد يتقلبون بين فتنتين: فتنة الخير، وفتنة الشر؛ لينظر سُبحانه وتعالى إلى صبر عباده وشُكرهم، وليعلم الصادق من الكاذب؛ يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾؛ فالبلاء فيه تمحيصٌ واختبارٌ لمن لزم طريق الحق، وأراد الوصول إلى الجنة، فهي سُنَّةٌ إلهيةٌ مُقدرةٌ على العباد إلى يوم الميعاد، والعبد المؤمن في هذه الحياة الدُنيا، حياته كُلها مليئةٌ بالابتلاءات؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم مُبشرِّاً المؤمن بما يُصيبه: [ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه]. ويقول عليه الصلاة والسلام: [ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسِهِ وولدِهِ ومالِهِ حتَّى يَلقى اللَّهَ وما عليْهِ خطيئةٌ]. وورد في الأثر: "يَودُّ أهلُ العافِيةِ يومَ القيامةِ، حينَ يُعطى أهلُ البلاءِ الثَّوابَ، لو أنَّ جلودَهم كانت قُرِضَت في الدُّنيا بالمَقاريضِ"، كما ورد كذلك: "إنَّ اللهَ إذا أحبَّ عبدًا وأراد أنْ يُصافِيَهُ؛ صبَّ عليهِ البلاءَ صبًّا، وثَجَّهُ عليهِ ثَجًّا؛ فإذا دعا العبدُ قال: يا ربَّاُه! قال اللهُ: لبَّيكَ عبدي! لا تسألُني شيئًا إلا أعطيتُكَ؛ إمَّا أنْ أُعَجِّلَهُ لكَ، وإمَّا أنْ أدَّخرَهُ لكَ".

 

يقول عُلماؤنا إن رب العالمين، له الأمر والتدبير والحكمة والتبديل، يبلوا العباد بما شاء من أمره؛ ليعلم الصادق من الكاذب، والمؤمن من المُنافق، وإن الله تعالى جعل الدُنيا دار ممرٍ وامتحانٍ، وجعل فيها (سُنة الابتلاء) من سُننه الربانية الجارية؛ ذلك أن طبيعة الحياة الدُنيا، وطبيعة البشر فيها تقتضي ألا يخلو المرء فيها من كوارث تُصيبه، وشدائد تحل بساحته؛ فكم منا لم يُخفِق في عملٍ، أو يخيب له أملٌ، أو يُبتلى بموت حبيبٍ، أو يَمرض له بدنٌ، أو يُفقَد منه مالٌ أو ولدٌ، أو يُبتلىَ في قوة تمسكه بدينه، أو غير ذلك مما تفيض به الحياة الدنيا من ابتلاءاتٍ وشدائد وتمحيصات؟

وإذا كان هذا البلاءُ سُنةَ اللهِ تعالى في حياة الناس كافةً، فإن أصحاب الرسالات خاصةً أشدُّ تعرضاً لنكبات الحياة الدُنيا ومحنها؛ فإن رسالة الدعوة التي يحملونها ويدعون إليها تُحارَب من كل اتجاهٍ، فهم يُنادون بالحق فيُقاومهم أنصار الباطل، ويهْدون إلى الخير فيُعاديهم أنصار الشر، ويأمرون بالمعروف فيُخاصمهم أهل المُنكر، وبذلك فهُم يحيون في دوامة الابتلاءات والمحن؛ يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ﴾. وعندما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشد الناس بلاءً؛ قال: [الأنبياءُ ثمَّ الأمثلُ فالأمثَلُ، فيُبتلىَ الرَّجلُ على حسْبِ دينِه، فإن كانَ في دينهِ صلبًا اشتدَّ بلاؤُهُ، وإن كانَ في دينِهِ رقَّةٌ ابتُليَ على حسْبِ دينِه، فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ حتَّى يترُكَهُ يمشي على الأرضِ ما عليْهِ خطيئةٌ]؛ فهذا إبراهيم عليه السلام ابتُليَ من قومه بالمشقة والعنت، وأرادوا قتله بحرقه بالنار، لكن الله تعالى حفظه وأخرجه سليماً؛ لصبره، وثباته على الحق. وقد ابتلاه ربه في ذبح ابنه إسماعيل عليه السلام، فصدق وعده، ووفى مع ربه؛ فنال أعلى الدرجات. وهذا يوسف عليه السلام ابتُليَ بحسد إخوته له، وإبعادهم إياه عن أبيه، وإلقائهم له في الجُب، وبيعه بثمنٍ بخسٍ، واتهامهم له بالسرقة، واستعباده بمصر، وابتلائه بمحنة تَعَلُق قلب امرأة العزيز به واتهامها إياه، وبقائه في السجن بضع سنين. وهذا أيوب عليه السلام يُبتلىَ بالمرض ويُصيبه الضُر ثم يكشف الله بلواه ويشفيه من مرضه. وهذا يونس عليه السلام يلتقمه الحوت، وييقى في بطنه مُدةً حتى أنجاه الله. وهذا مُوسى عليه السلام مرَّ بأصنافٍ من الأذى مُنذ مولده، وإلقائه في اليَم، ثم تربيته في بيت عدو الله وعدوه فرعون، ثم هُروبه من مصر خوفاً من فرعون وملئه، ثم صار أجيراً عند الرجل الصالح لمدة عشر سنين، ثم عاد إلى فرعون يدعوه، وما لاقى أثناء ذلك من الخوف فثبت؛ فأراه الله تعالى من آياته ومُعجزاته، وأغرق أعداءه أمام عينيه، وأنجاه بفضله ورحمته. وهذا عيسى عليه السلام ابتلاه الله بطعن اليهود في أُمه الشريفة العفيفة، وسعي اليهود في صلبه وقتله، لولا أن شُبِّه لهم، وأنجاه الله سُبحانه. ولو كانت الدُنيا تصفو لأحدٍ لصفاها الله لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإنما كانت حياته مليئةً بالمشقة والشدة والبلاء، لكنه صبر على ما ابتُليَ به من الجوع والإخراج من بلده وغير ذلك؛ رغبةً فيما عند الله، لأنه يعلم أن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وأن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم.

 

أحبتي.. يقول العارفون إن الله تعالى هو الذي قدَّر (سُنة الابتلاء) على عباده؛ ليرى منهم التسليم بقضائه، وصِدق التوجه إليه في رد بلائه، وهذا يحتاج إلى إيمانٍ وصبرٍ؛ فبدون الإيمان لا يُمكن أن يصبر العبد على ما يعتريه من محنٍ وابتلاءاتٍ؛ لذا وجب على المُسلم الذي يُبتلىَ في دِينه، أو نفْسه، أو ولده، أو ماله، أو غير ذلك من أنواع الابتلاءات أن يرضى بقضاء الله وقدَره، وأن يصبر، وأن يحمد الله تعالى على تدبيره. وحين يُدرك المرء أن الابتلاء بابٌ للرفعة، وأن الدُنيا ليست دار إقامةٍ بل محطة عبور ، يهدأ قلبه، وتطمئن نفسه، ويعلم أن لكل ضيقٍ نهايةً، ولكل صبرٍ أجراً، ومن يصبر ويحتسب يُعينه الله ويُثبته، ويجعل له بعد العُسر يُسراً، فعلينا جميعاً أن نتواصى بالتقوى، وبالصبر على ما ابتلانا الله به من أمور الدُنيا والآخرة، ولنعلم أن التقوى والصبر مفتاحان لكل خيرٍ؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ فليحرص كلٌ منا على أن يكون من الأتقياء ويكون من الصابرين؛ عسى أن ننال أجر المُحسنين، وعسى أن يُختَم لنا بعاقبة المُتقين؛ يقول عزَّ وجلَّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

اللهم اجعلنا من الشاكرين وقت النِعم، الصابرين وقت المحن، الحامدين لك على كُل حال.

https://bit.ly/4yfJUGG)

 

https://bit.ly/4yfJUGG