الجمعة، 8 مايو 2026

التوكل على الله بصدقٍ

 

خاطرة الجمعة /550

الجمعة 8 مايو 2026م

(التوكل على الله بصدقٍ)

 

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏وَدَّعَ رجلٌ زوجته وأطفاله الأربعة وسافر إلى مدينةٍ أُخرى بحثاً عن عملٍ أملاً في أن يُوفِّر لهم حياةً أفضل، وبعد ساعاتٍ قليلةٍ جاء اتصالٌ هاتفيٌ قلب حياتهم رأساً على عقبٍ، ردَّت الزوجة على الهاتف فإذا بصوت أحد رجال الشُرطة يقول لها: "هل أنتِ زوجة فُلان؟"، أجابت بصوتٍ مُرتجفٍ: "نعم؛ أنا زوجته"، فقال لها: "البقاء لله؛ لقد تعرضت السيارة التي كان يستقلها زوجك لحادثٍ مُروعٍ وسقطت من أعلى مُنحدرٍ جبليٍ وتُوفي جميع من كانوا بداخلها". تلقت الخبر وكأن الأرض قد انشقت تحت قدميها، لكنها لم تصرخ ولم تسقط مُنهارةً، بل رفعت يديها إلى السماء وقالت: "الحمد لله، وإنا لله وإنا إليه راجعون".

كانت تعيش مع أهل زوجها في بيتٍ واحدٍ، وبعد أيامٍ قليلةٍ بدأت المُعاملة تتغير؛ أخبروها أنهم غير مسؤولين عن تربية أطفال أخيهم، وأنهم لا يستطيعون تحمل أعباء إضافيةٍ، ثم طلبوا منها أن تُغادر البيت مع أطفالها!

خرجت الأُم وهي تحمل أطفالها، وقلبها مليءٌ بالحُزن، واتجهت إلى بيت أهلها؛ استقبلها أهلها في البداية بحبٍ واحتضنوها، لكنها مع مرور الأيام بدأت تشعر بأنها أصبحت عبئاً عليهم؛ كانت تسمع أحياناً كلماتٍ عن كثرة مصاريف الأطفال، وضيق الحال، وكانت تلك الكلمات تؤلم قلبها أكثر من الجوع والتعب.

وفي ليلةٍ لم تستطع النوم، قرَّرت أن تُغادر دُون أن تُخبر أحداً؛ انتظرت شروق الشمس وأخذت أطفالها وخرجت تبحث عن مأوىً، وبعد ساعاتٍ من السير وجدت سور مدرسةٍ تُحيط به الأشجار الكثيفة، جمعت بعض الأغصان وصنعت كُوخاً صغيراً يحتمي به أطفالها، جلست تنظر إليهم وهم جائعون؛ فامتلأت عيناها بالدموع، رفعت يديها إلى السماء وقالت: "يا ربِ لقد تخلى عني الناس جميعاً، ولم يبقَ لي سواك، أنت الرحيم، وأنت القادر على أن تحفظني وتحفظ أطفالي؛ فلا تتركني وحدي"، ثم طلبت من أطفالها أن يبقوا داخل الكوخ وذهبت تبحث عن طعامٍ لهم؛ مرَّت على أحد المطاعم وسألت عن بقايا الطعام؛ فأخبرها الحارس أن الطعام يُلقى خلف المطعم، ذهبت مُسرعةً وكُلها أملٌ في أن تجد بقايا طعامٍ تسد به جوع أطفالها، لكنها وجدت الطعام فاسداً تُحيط به الحشرات ويكثر حوله الذباب، خافت على أطفالها من المرض وغادرت المكان. واصلت البحث في الشوارع والأزقة حتى تورمت قدماها من التعب، كانت تنظر إلى السماء وتُردد: "يا ربِ، أنت حسبي ونعم الوكيل"، وبعد ساعاتٍ طويلةٍ قرَّرت العودة إلى أطفالها وهي تحمل قلباً مكسوراً ويدين فارغتين، لكنها عندما اقتربت من الكُوخ الذي تركت أطفالها فيه فوجئت بمنظرٍ لم تكن تتوقعه؛ وجدت أطفالها يأكلون الطعام وبجانبهم رجلٌ تبدو عليه ملامح الوقار، اقتربت منه وسألته: "مَن أنت؟!"، فقال: "أنا رجلٌ أملك مزرعةً خلف هذه المدرسة، وأُدير بعض الأعمال التجارية"، ثم أخبرها أنه رأى في منامه أن مزرعته تحترق فاستيقظ مفزوعاً وذهب ليتأكد مما رآه في منامه، وعندما وصل وجد كل شيءٍ بخيرٍ لكنه لاحظ الكُوخ الصغير، اقترب ليرى مَن بداخله؛ فوجد الأطفال وحدهم، فسألهم عن والدهم فأخبروه أنه تُوفي، وعن أُمهم فقالوا إنها ذهبت تبحث عن الطعام، شعر الرجل بالشفقة عليهم؛ فذهب واشترى لهم الطعام، وانتظر حتى تعود أُمهم. بكت المرأة وقالت: "واللهِ لقد كنتُ أبحث في القمامة عن طعامٍ لأولادي، لكن الله لم يرضَ أن أُطعمهم من ذلك، ولأنه سُبحانه وتعالى يعلم صدق توكلي عليه؛ فقد أرسلك رحمةً بنا بعد أن أيقظك من نومك على منام رؤية احتراق المزرعة، فقط لتأتي وترى أبنائي وتقوم بإطعامهم"، تأثر الرجل كثيراً بقصتها، وقال لها: "إذا كان الله قد ساقني إليكم بهذا التدبير الرباني المُحكم؛ فلن أترككم بعد اليوم"، ثم عرض عليها أن يتزوجها مُتكفِّلاً برعاية أطفالها، فوافقت، وبعد فترةٍ قصيرةٍ انتقلت الأم مع أطفالها إلى بيتٍ جديدٍ وحياةٍ جديدةٍ يملأها الأمان والرحمة.

 

أحبتي في الله.. قال ناشر هذه القصة تعليقاً عليها: قد تُغلَق كُل الأبواب في وجهكِ، لكن باب الله يبقى مفتوحاً، ومَن صَدَقَ في التوكل على الله جعل له مِن ضيقه فرجاً، ومِن حُزنه سَكينةً، ومِن ضَعفه قوةً.

 

وعن (التوكل على الله بصدقٍ)، هذه قصةٌ أخرى يقول كاتبها:

منذ عشر سنواتٍ تقريباً، رزقني الله عُمرةً في شهر رمضان. وكان مُدهشاً بالنسبة لي أنني وجدتُ عقب كل صلاةٍ مفروضةٍ في الحرم، تُقام مُباشرةً صلاة جنازةٍ، فقلتُ في نفسي: "إنَّ مَن يُصلي الجنازة يُكتب له قيراطٌ في الجنة، وهذه غنيمةٌ لا تُفَوَّت"، ثم تذكرتُ أن حديث النبي ﷺ يُوضح أنَّ من يتبع الجنازة حتى تُدفن له قيراطٌ آخر؛ فأكملتُ حديثي لنفسي قائلاً: "وهذه غنيمةٌ أُخرى؛ ففي غُضون وقتٍ قليلٍ يكون لي قيراطان في الجنة، واللهِ إنه لربحٌ عظيمٌ!"؛ فعقدتُ العزم قائلاً: "سُأصلي الجنازة بعد صلاة المغرب وأتبعها حتى الدفن"، لكن لسوء الحظ، خرجت الجنازة من بابٍ بعيدٍ عن موقعي فلم أتمكن من اللحاق بها، قلتُ في نفسي: "يا رب، لقد نويتُ ألا يفوتني الدفن في المرة القادمة عقب صلاة العِشاء؛ فيسِّر لي أمري تحت أي ظرفٍ من الظُروف". وبالفعل، صلينا الجنازة بعد صلاة العِشاء، وتبعتُ الجنازة إلى خارج الحرم، حيث وضعوا المُتوفاة -وكانت سيدةً إندونيسيةً تُوفيت أثناء العُمرة- في سيارةٍ مُخصصةٍ لنقلها إلى المدافن، قلتُ لسائق السيارة: "أود الذهاب معكم، هل ستعود إلى هنا ثانيةً؟"، أجابني: "لا". قلتُ له: "هل يُمكنني العودة سيراً على الأقدام من موقع الدفن؟"، قال: "كلا، المكان بعيدٌ جداً، ستحتاج إلى سيارةٍ، ولن تجد هناك سيارات أُجرة، إذا أردتَ المجيء معي لدفنها، فستُضطر للبقاء هناك حتى الصباح". تساءلتُ بيني وبين نفسي: "أبقى في المقابر ليلاً بعد العِشاء؟ وبمفردي؟ لقد تركتُ النقود وهاتفي المحمول في الفندق، وكُل ما في جيبي لا يتجاوز عشرة ريالات"؛ فكان الرد المنطقي مني أن قُلتُ له: "شُكراً لك، لن أذهب، تفضل أنت". وبينما كنتُ أسير حزيناً للغاية لأن الثواب قد فاتني، تذكرتُ أنني عاهدتُ الله على اتباع الجنازة بعد العِشاء، سأتوكل على الله وفاءً لعهدي، ولن يُضيِّعني برحمته. عدتُ مُسرعاً إلى السائق وقُلتُ له: "أنا آتٍ معك". قال لي: "لقد أخبرتك أنني لن أعود إلى هُنا مُجدداً"، قُلتُ له: "لا توجد مُشكلةٌ، توكلنا على الله، سأنتظر الليلة في المقابر وأعود في الصباح". ركب السائق وبجانبه مُساعده، وركبتُ أنا مع التابوت الذي يضم المُتوفاة في صندوق السيارة الخلفي. استمرت السيارة في السير لما يبدو لي أنه نصف ساعةٍ وبسرعةٍ عاليةٍ، وكنتُ أشعر بقلقٍ شديدٍ في الحقيقة، وأتساءل عما سيحدث، وظللتُ أدعو للمُتوفاة طوال الطريق، وصلنا إلى المقابر، وهي منطقةٌ واسعةٌ جداً يُحيط بها سورٌ ولها بوابةٌ، بدت لي كأنها مُنعزلةٌ عن العُمران. سرنا بالسيارة داخل المقابر قليلاً حتى وصلنا إلى رجلٍ يحمل كشافاً ضوئياً، وكان القبر على شكل غُرفةٍ صغيرةٍ تحت الأرض ولها سُلمٌ للنزول، قال لي الرجل: "اخلع حذاءك وانزل للأسفل وسأُناولك المُتوفاة"، قُلتُ له: "لا، ليس أنا.. انزل أنت أولاً". كنتُ خائفاً جداً لأنني لم أدفن أحداً بيديّ قط، المهم، نزلتُ أنا أولاً، ولم أكن أرى شيئاً إلا قليلاً، فأنزلنا المُتوفاة من جهة رأسها، ودفناها، ثم خرجنا. قال لي السائق: "السلام عليكم". قُلتُ له: "أي سلامٍ؟! أين ستُوقف السيارة؟" قال: "السيارة تابعةٌ لمُستشفىً قريبٍ من هذه المقابر"، قُلتُ له: "حسناً، هل يُمكنك أن تأخذني معك وتتركني أمام المُستشفى؟" قال: "تفضل". بمجرد وصولنا إلى المُستشفى، ورده اتصالٌ هاتفيٌ ونحن لا نزال في السيارة. تحدث قليلاً، ثم ترجل من السيارة وهو لا يزال يتحدث، ودخل إلى المُستشفى. بدأت أنظر حولي لأرى ما سأفعل؛ هل أدخل المُستشفى لأسألهم عن مكانٍ للمبيت؟ ربما لن يوافقوا، أم أنتظر بالخارج وأُحاول إيقاف سيارةٍ توصلني إلى مكانٍ قريبٍ؟ فجأة، وجدتُ السائق يعود إليّ قائلاً: "لقد جاءتني أوامر بإعادة السيارة إلى الحرم مرةً أُخرى، حظك طيب!". لا يُمكنني وصف مدى السعادة التي غمرتني حينها، كُنتُ كالغريق الذي امتدت إليه يدٌ لتنقذه. ليس هذا فحسب، بل في طريق عودتنا إلى الحرم، مرّ السائق بالشارع الذي يقع فيه الفندق الذي أنزل فيه، فبدلاً من السير لمدة نصف ساعةٍ تقريباً للوصول إلى الفندق، مشيتُ ثلاث دقائق فقط وكنتُ قد وصلت. في تلك اللحظة تعلمتُ أنه من المُستحيل أن يكون (التوكل على الله بصدقٍ) ويُضيِّعك أبداً، ومن المُستحيل أن تتخذ خطوةً تُرضي بها الله ويردك خائباً.

 

أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين بالتوكل؛ يقول تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

وورد في السُنة الأمر بالتوكل، وبيان عِظَم منزلته؛ قال صلى الله عليه وسلم: [لو أنَّكم كنتُم توَكلونَ علَى اللهِ حقَّ توَكلِه لرزقتُم كما يرزقُ الطَّيرُ تغدو خِماصًا وتروحُ بِطانًا].

 

يقول أهل العِلم إن التوكل على الحي القيوم عملٌ جليلٌ لا يستغني عنه العبد في سائر أحواله، وقَلَّ من الخَلْق من يفقه أن الدين مبناه على التوكل. و(التوكل على الله بصدقٍ) معناه في الأصل أن يُفوض العبد أمره لله، ويُسلِّم حاله له، وأن يعتمد عليه في قضاء حاجته ويثق به.

والناس في باب التوكل على ثلاثة أصناف:

صِنفٌ اعتمد بقلبه على الله وأقبَّل عليه، وترك العمل بالأسباب ولم يبذل جُهداً في تحصيل المُراد؛ فهذا مسلكٌ مذمومٌ، وهو تواكلٌ وليس توكلاً.

وصِنفٌ تعاطي الأسباب وبالغ فيها، ولم يعتمد على الله ويُفوَّض أمره إليه، فهذا مسلكٌ مذمومٌ مُخالفٌ للشرع؛ لأنه جعل الأسباب الحقيقية مُؤثرةً ومُستقلةً في جلب الخير ودفع الشر، وتناسى خالق الأسباب ومُسببها، وهذا مسلك أرباب الدُنيا وأهل الغفلة والشهوات.

وصِنفٌ جمع بين الاعتماد على الله والأخذ بالأسباب التي أذن الله بها وجعلها نافعةً، وهذا هو مسلك أهل التوحيد والسُنة، وهو المُوافق للشرع وصريح العقل ومُقتضى الفطرة السليمة؛ لأن المُؤثر حقيقةً والمُستقل بالنفع والضُر هو الله، ومن سُنة الله أن جعل لكل شيءٍ سبباً مُوصلاً إليه، فكان تمام الدِين وكمال العقل العمل بهما معاً.

ومن ظَنَّ أن العمل بالأسباب مُخالفٌ للشرع ونقصانٌ للتوكل فقد خالف ما ورد في كتاب الله؛ يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. ويقول سُبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾. ويكون كذلك قد خالف سُنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فحين جاء رجلٌ إليه صلى الله عليه وسلم على ناقةٍ له وقال: "يَا رَسولَ اللهِ أعْقِلُها وأتوكل أو أُطْلِقُها وأتوكل؟ قال: [اعْقِلْها وتَوَكْل]. وقال صلى الله عليه وسلم: [والذي نَفسي بيَدِه لَأن يَأخُذَ أحَدُكُم حَبلَه، فيَحتَطِبَ على ظَهرِه خَيرٌ له مِن أن يَأتيَ رَجُلًا، فيَسألَه، أعطاه أو مَنَعَه].

 

فمِن مُقتضى (التوكل على الله بصدقٍ) الأخذ بالأسباب النافعة المأذون بها شرعاً، ولا تَنافي مُطلقاً بين التوكل والعمل بالأسباب؛ فحقيقة التوكل في المفهوم الشرعي إذن هو اعتماد القلب على الله مع تعاطي الأسباب بالجوارح، فهذان هما رُكنا التوكل لا يصح إلا بهما.

 

قال بعض العُلماء إن من المسلمين من هو مُقصرٌ في حُسن توكله على الله، غافلٌ قلبه عن هذا الأصل العظيم، ذاهلٌ عقله عن خطره وعظيم فائدته؛ فبعض المُسلمين تناسوا في سُلوكهم العملي وحياتهم المعيشية التوكل على الله، واعتمدوا على الوظائف الراتبة والأجور الثابتة، أما المؤمن الحق فهو عظيم التوكل على الرزاق؛ لعِظَم يقينه بقُدرة الله وعِلمه ورحمته ولُطفه وسعة رزقه؛ فالتوكل تابعٌ لليقين؛ كلما زاد اليقين في قلب المُؤمن زاد توكله على الرحمن، وإذا نقص اليقين نقص التوكل. فالانحراف اليوم في باب التوكل من جهة غُلو الناس في الأسباب واعتمادهم عليها، وانصراف قُلوبهم بالكُلية إليها، والتفات القلب عن المُسبِّب والخالق، حتى صار الإنسان يعتقد أن الشفاء حتماً يكون بالطبيب الحاذق، وحصول الرزق يكون بالوظيفة، وحصول الأمن يكون بإجراءات السلامة، وحماية المُمتلكات يكون بالتأمين، وهذا من تأثير الانصباغ بالحياة المادية ومظاهر المدنية والله المستعان.

 

عن (التوكل على الله بصدقٍ) قال الشاعر:

تَوكلْتُ في رِزْقي عَلَى اللَّهِ خَالقي

وأيقنتُ أنَّ اللهَ لا شكَ رازقي

وَمَا يكُ من رِزقي فَلَيْسَ يَفوتني

وَلَو كانَ في قاعِ البحارِ العَوامقِ

ففي أيِّ شيءٍ تذهبُ النَّفْسُ حَسْرةً

وَقَد قَسَمَ الرَّحمنُ رِزقَ الخلائقِ

وعن الأخذ بالأسباب مع التوكل؛ قال الشاعر:

تَوَكَلْ عَلَى الرَحْمَنِ في الأمْرِ كُلِه

وَلا تَرْغَبَنَ بالعَجْزِ يَوْمَاً عَنْ الطَلَبْ

أَلَمْ تَرَ أنَّ اللهَ قَالَ لِمَرْيَمَ

وَهُزِي إلَيْكِ الجِزْعَ يُسَاقِطِ الرُطَبْ

 

أحبتي.. (التوكل على الله بصدقٍ) عبادةٌ عظيمةٌ ينبغي علينا جميعاً ألا نغفل عنها، بل وعلينا أن نحولها من مُجرد كلماتٍ تُنطق إلى منهج حياةٍ لا يُترَك ولا يُهجَر، منهجٍ يستقر في أعماقنا وتهمس به شفاهنا وتُصدقه أعمال جوارحنا حتى يصير (التوكل على الله بصدقٍ) مُرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بحياتنا؛ فلا جلب للنفع ولا دفع للضُر ولا قضاء للحاجات إلا عن طريقه.

وتكفينا بشارة المُصطفى صلوات الله وسلامه عليه أنه [إذا خَرَجَ الرَجلُ مِن بيتِه فقالَ: "بسمِ اللهِ، توكَّلتُ على اللهِ، لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ"، فيقالُ له: "حَسبُكَ، قد هُدِيتَ وكُفيتَ ووُقِيتَ"؛ فيتنحَّى له الشيطانُ، فيقول له شيطانٌ آخرُ: كيف لك برجلٍ قد هُدِيَ وكُفِيَ ووُقِيَ؟]

اللهم اجعل في توكلنا عليك بصدقٍ سعادتنا، وتحقق مطالبنا، وحصول الرضا والاطمئنان في قلوبنا، ودفع الضُر عنا، ووقايتنا من الشُرور والفتن.

https://bit.ly/42Hisn3

الجمعة، 1 مايو 2026

إعانة الأبناء ليكونوا بررة

 

خاطرة الجمعة /549

الجمعة 1 مايو 2026م

(إعانة الأبناء ليكونوا بررة)

 

يقول أحد الآباء والدمعة تترقرق في عينيه: أَحَبَ ابني زميلةً له في العمل، واتفق معها على الزواج، وعندما أخبرنا بهذا الأمر اعترضت أُمه على هذا الارتباط ورفضته رفضاً قاطعاً، وأصبح البيت مسرحاً للمشادات الوسائل لكنها كانت عنيدةً ومُتسلطةً، كانت تقول إنها لا تُحب هذا النوع من النسب؛ ناسٌ بسطاء وعاديين جداً، وأنها كانت تحلم بأن تختار له هي عروسه، وأنه صدمها عندما اختار هذه البنت. وفي لحظةٍ فاصلةٍ، قرَّر ابني المُضي قُدُماً، فتزوج مَن اختارها قلبه. وفي ليلة الزفاف، بدلاً من الزغاريد، خيم صمت القبور على منزلنا؛ فقد منعت الأُم أخواته من الحضور بتهديداتٍ قاسيةٍ، فمضى ابني إلى قدره وحيداً، مطروداً من جنة أُمه، ليسكن في حيٍ شعبيٍ بعيدٍ.

مرَّت ثلاث سنواتٍ، ولم يقطع ابننا صلته بنا؛ كان يزورنا وحده من حينٍ لآخر، يجلس في صمتٍ لبعض دقائق ثم يُغادر بدون أن يُعرِّفنا على زوجته. كان يأتي كطيفٍ عابرٍ؛ يدخل بوقارٍ يحمل بعض الهدايا أو الفواكه أو الحلويات، يُقبِّل يد أُمه التي تُولي وجهها عنه، ويجلس دقائق صامتاً يرقب في عينيها ذرة حنانٍ لا يجدها، ثم ينسحب بقلبٍ مكسور.

في ذات يومٍ، كنتُ مُتوجهاً لزيارة صديقٍ لي من أصدقاء مقهى المُتقاعدين الذي أدمنتُ ارتياده، وكانت مُناسبة الزيارة تهنئته بأداء فريضة الحج، وكان صديقي يسكن حياً شعبياً بعيداً لم أعتد دخوله من قبل، كنتُ ما زلتُ أبحث عن بيته حين شاهدتُ ابني واقفاً أمام باب بيتٍ مُتواضعٍ، يا لها من مفاجأة! تسمرت قدماي ووقفتُ مُندهشاً من هذه الصُدفة العجيبة! حين وقعت عينا ابني عليّ، لم يتجاهلني وإنما ابتسم ابتسامةً تدل على سعادته، واندفع نحوي بلهفة المحروم، وأقسم ألا أُغادر الحي قبل أن أدخل بيته. دخلتُ وأنا في حالة ذُهولٍ، البيت بسيطٌ لكنه نظيفٌ يُشع راحةً وطُمأنينة، نادى زوجته، فأقبلت بوجهٍ يفيض حياءً وأدباً، ثم جاءت المُفاجأة التي هزَّت أركان نفسي: طفلةٌ صغيرةٌ، كأنها قطعةٌ من نورٍ، أدرجتُ فوراً أنها حفيدتي! بمُجرد أن رأتني ركضت نحوي وتعلقت بقميصي وهي تضحك بصفاء، وارتمت في أحضاني بعفويةٍ وكأنها تقول لي: "جدي أنا هُنا، لماذا لم تأتِ من قبل لتراني؟"، صدقوني؛ هذه الطفلة ابنة الثلاث سنواتٍ أذابت كل الجليد بابتسامةٍ واحدةٍ، ما أغباني! كيف حرمتُ نفسي من هذه النعمة، وانسقتُ وراء عجرفة زوجتي وعنادها؟!

خرجتُ من بيت ابني وأنا شخصٌ آخر؛ أصبحتُ جَدَّاً! يا لها من نعمةٍ، يا له من إحساسٍ، أجمل إحساسٍ في الحياة.

عُدتُ إلى البيت وأنا كُلي تصميمٌ على إقناع زوجتي بهذا الواقع مهما كلفني الأمر معها من إرهاقٍ ومشاداتٍ. فكرتُ ملياً في خطةٍ وقمتُ بتنفيذها؛ فبعد عدة أيامٍ قمتُ بزيارةٍ لبيت ابني وطلبت منه أن أصطحب حفيدتي معي إلى البيت؛ فوافق على الفور وهو يستبشر الخير. لم أكن قد أخبرتُ زوجتي، وأردتُ أن يكون الأمر مُفاجئاً لها، وبالفعل بمجرد أن رأت الطفلة راقت لها، واستلطفت ابتسامتها، واحتضنتها، وأُعجبت بفستانها المُلون الجميل، ثم التفتت إليّ لتسألني: "ابنة مَنْ هذه؟!"، نظرتُ ملياً في عينيها بعتابٍ واضحٍ، نظرةً اختصرت ثلاث سنواتٍ من القطيعة والظُلم، ثم قلتُ بصوتٍ مخنوقٍ: "هذه ابنة مَن رفضتِ نسبهم، هذه ثمرة الشجرة التي حاولتِ اقتلاعها"، سقطت كلماتي عليها كالصاعقة، فاهتزت أركان كبريائها، وضمَّت الطفلة إلى صدرها وهي تبكي وتنتحب بشكلٍ مريرٍ، وذاب في تلك اللحظة جليد السنين أمام حرارة غريزة الأُمومة.

مُنذ تلك اللحظة تغيَّر كُل شيءٍ؛ فقد أطاحت ابتسامات هذه الطفلة بالقساوة التي سكنت قلب زُوجتي، وتغلبت على عنادها الذي حرمنا من الاستمتاع بحلاوة اللعب مع الأحفاد والأُنس بهم.

 

أحبتي في الله.. إن موضوع العُقوق غالباً ما يُطرح من زاوية الأبناء تجاه الوالدين، لكن الواقع الإنساني يُبين أن العُقوق قد يكون أيضاً من طرف الوالدين تجاه الأبناء، وذلك حين يُقصِّر الوالد أو الوالدة في أداء حقوق الأبناء، أو يُسيء مُعاملتهم، أو يظلمهم، مما يُضعف دوافع البِرّ لديهم.

إن بعض الآباء والأُمهات لم يُعينوا أبناءهم على البِر بهم؛ أرهقوهم بالتعنت والعجرفة والتسلط المُبالغ فيه. البر بالوالدين شيءٌ مُقدسٌ لكن بعض الوالدين يُبالغون في استغلال هذه السُلطة العاطفية التي أكرمهم الله بها. وتُجسد هذه القصة فريضةً غائبةً عن بعض البيوت، وهي فريضة (إعانة الأبناء ليكونوا بررة)، فالإسلام كما أمر الأبناء بالبِر بالوالدين، أمر الآباء بالرفق والرحمة وعدم التعنت. وكما أن الإسلام يُقرر أن البِرّ بالوالدين واجبٌ مُطلقٌ، فإنه لا يُبرر للوالدين عُقوق أبنائهم، بل ويُحاسبهم الله على ظُلمهم؛ يقول تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ فالأبناء مأمورون بالبِر، والوالدان مأموران بالعدل والرحمة؛ وهذا يعني أن على الوالد ألا يضع ابنه في ضيقٍ يضطره فيه للعِصيان أو النفور.

إن البِر ليس صك ملكيةٍ للوالدين يتصرفون في حياة أبنائهم كعبيدٍ، بل هو علاقةٌ قائمةٌ على المودة؛ يقول تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾، وقُرة العين لا تأتي بالإكراه والتسلط، بل بالتفاهم والاحتواء.

 

يقول أهل العِلم إن الأساس القُرآني لحقوق الأبناء يقوم على دعائم واضحةٍ منها:

• العدل في المُعاملة؛ يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ والآية تؤكد على أن العدل واجبٌ حتى مع الأقربين، ومنهم الأبناء، فلا يجوز للوالد أن يظلم ولده أو يحرمه حقاً من حقوقه.

• الوصية بالرحمة والشفقة؛ يقول تعالى عن دُعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ وهذا يدل على أن الأصل أن يكون الأبناء مصدر سعادةٍ ورحمةٍ، لا محل عُقوقٍ وظُلم.

• النهي عن قتل الأولاد أو إيذائهم؛ يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ﴾ وهذا يشمل كل صور الإيذاء المادي والمعنوي؛ فالتقصير في التربية أو الحرمان العاطفي صورةٌ من صور العُقوق.

 

أما في السُنة المُشرفة فإن دعائم مُعاملة الوالدين لأبنائهم تقوم على:

• العدل بين الأبناء؛ إذ قال النبي ﷺ:

[اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ] وهذا الحديث أصلٌ في تحريم عُقوق الوالدين لأبنائهم بالتمييز أو الظُلم.

• الرحمة بالأبناء؛ فقد ورد أن النبي ﷺ قبَّل الحسن بن علي، فقال الأقرع بن حابس: إنَّ لي عشرةً من الولد ما قبّلتُ منهم أحداً؛ فقال النبي ﷺ: [مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ] فغياب الرحمة من الوالد تجاه أبنائه صُورةٌ من صُور العُقوق.

• وجوب النفقة والرعاية؛ حيث قال النبي ﷺ: [كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ]؛ فالتقصير في النفقة والرعاية عقوقٌ صريح.

 

وعن عُقوق الوالدين لأبنائهما ورد حديثٌ ضعيفٌ نَصه: "رحِمَ اللَّهُ والدًا أعانَ ولدَهُ علَى برِّهِ"، قالوا: كيفَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: "يقبَلُ إحسانَهُ، ويتجاوزُ عن إساءتِهِ"، ورغم ضَعف الحديث إلا أن معناه صحيح؛ فإنه يعني (إعانة الأبناء ليكونوا بررة) فكما أن للوالد حقاً في بِر ابنه به، كذلك فإن للابن حقاً في أن يبره والده، بأن يُحسن الوالد إلى ولده، ولا يُكلفه ما لا يطيق، ويتغافل عن هفواته، ويشكر له إحسانه، ولا يُقصِّر في حقوقه، وأن تكون صُحبته له بالمُداراة، وحُسن الخُلق، وسعة الصدر، وتمام الشفقة، والصفح عن عثراته، والتجاوز عن أخطائه ما لم تكن إثماً أو معصية؛ وذلك حتى لا يدفعه التشدد إلى العُقوق؛ فمتى كان الوالد جافياً جرَّ ولده إلى القطيعة والعُقوق.

 

ويرى العُلماء أن من صُور عُقوق الوالدين لأبنائهم: التمييز بينهم في العطاء أو المُعاملة، الحرمان العاطفي وعدم إظهار الرحمة والحنان، القسوة المُفرطة في التربية واستخدام العُنف، إهمال التربية وترك الأبناء بلا توجيهٍ أو رعايةٍ، والظُلم في حقوقهم مثل حرمانهم من التعليم أو الميراث.

ومن الآثار السلبية للعُقوق من الوالدين: ضَعف دافع البِرّ عند الأبناء، انتشار القطيعة الأُسرية، فقدان الثقة بين الأجيال، وانحراف الأبناء بسبب غياب القُدوة الصالحة.

 

أحبتي.. إن عُقوق الوالدين لأبنائهم في ميزان الشرع ظُلمٌ وإثمٌ، يُنافي مقاصد الرحمة والعدل التي جاء بها الإسلام. والواجب على الوالدين أن يكونوا قُدوةً في البِرّ، ويكون هدفهم (إعانة الأبناء ليكونوا بررة).

إن الرزق بالأبناء هو نعمةٌ كبيرةٌ، محرومٌ منها البعض، وهي منحةٌ من الله سُبحانه وتعالى للوالدين، كما أنها أمانةٌ يُسألون عنها؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استرعاه: أحفِظ أم ضيَّع حتَّى يسأَلَ الرَّجلَ عن أهلِ بيتِه].

فلنتناصح فيما بيننا كآباءٍ وأُمهاتٍ بأن نحرص على مُعاملة أبنائنا بالرحمة والعدل والرفق، وأن نُعينهم على أن يبرونا، بأن نستخدم الحكمة لا القوة، والاحتواء لا الإقصاء.

ولنُذِّكر أنفسنا بأن الأحفاد هُم الجسور التي تُبنى فوق أنهار القطيعة؛ فلا نجعل العناد يحرمنا من ضمهم وتقبيلهم، فالعُمر أقصر من أن نُضيعه في خصام.

اللهم اجعلنا من البارين بأبنائنا، واجعل أبناءنا من البارين بنا، وألهمنا اللهم رشدنا، واهدنا سواء الصراط.

 

https://bit.ly/4cLCzGw

الجمعة، 24 أبريل 2026

اليُسر مع العُسر

 

خاطرة الجمعة /548

الجمعة 24 إبريل 2026م

(اليُسر مع العُسر)

 

كتبت تحكي قصتها فقالت: أنا سيدةٌ في الثامنة والثلاثين من العُمر، نشأتُ في أُسرةٍ ميسورة الحال، وعشتُ في كنفها حياةً هادئةً إلى أن تخرجتُ في الجامعة، وعقب التخرج التحقتُ بعملٍ مُمتازٍ يُدِّر عليّ دخلاً كبيراً، وأحببتُ عملي كثيراً وأعطيته كُل اهتمامي، وتقدمتُ فيه سريعاً حتى تخطيتُ كثيرين من زملائي. وكنتُ خلال مرحلة الدراسة الجامعية قد ارتديتُ الحجاب بإرادتي واختياري، وبدأ الخُطَّاب يتقدمون لي، لكنني لم أجد في أحدهم ما يدفعني للارتباط به، ثم جرفني العمل والانشغال به عن كُل شيءٍ آخر حتى بلغتُ سن الرابعة والثلاثين وبدأتُ أُعاني النظرات المُتسائلة عن سبب عدم زواجي حتى هذه السن. وتقدَّم لي شابٌ من معارفنا يكبرني بعامين، وكان قد أقام عقب تخرجه عدة مشروعاتٍ صغيرةٍ باءت كُلها بالفشل، ولم يُحقق أي نجاحٍ ماديٍ، وكان بالنسبة لي محدود الدخل، لكني تجاوزتُ عن هذه النُقطة ورضيتُ به وقررتُ أنني بدخلي الخاص سوف أُعوض كُل ما يعجز هو بإمكاناته المحدودة عنه، وستكون لنا حياةٌ ميسورةٌ بإذن الله؛ فقررتُ المُوافقة على خِطبته، وقد ساعدني على اتخاذ هذا القرار أنني كنتُ قد بدأتُ أُحبه، وأنه قد أيقظ مارد الحُب النائم في أعماقي والذي شُغلتُ عنه طيلة السنوات الماضية بطُموحي في العمل، كما أنه كان من هؤلاء البشر الذين يُجيدون حُلو الكلام، وقد روى بكلامه العذب ظمأ حياتي. وبدأنا نُعِد لعقد القران، وطلب مني خطيبي صورةً من بطاقتي الشخصية ليستعين بها في ترتيب إجراءات عقد القران، ولم أفهم في ذلك الوقت مدى حاجته لهذه الصورة لكنني أعطيتها له.

في اليوم التالي فوجئتُ بوالدته تتصل بي هاتفياً وتطلب مني بلهجةٍ مُقتضبةٍ مُقابلتها على الفور، وتوجستُ خيفةً من لهجتها المُتجهمة، وأسرعتُ إلى مُقابلتها؛ فإذا بها تُخرج لي صورة بطاقتي الشخصية وتسألني هل تاريخ ميلادي المُدون بها صحيح؟ فأجبتها بالإيجاب وأنا أزداد توجساً وقلقاً، ففوجئتُ بها تقول لي: "إذن فإن عُمرك يقترب الآن من الأربعين"، ابتلعتُ ريقي بصعوبةٍ ثُم قلتُ لها بصوتٍ خفيضٍ إن عُمري 34 عاماً؛ فقالت إن الأمر لا يختلف كثيراً لأن الفتاة بعد سن الثلاثين تقل خصوبتها كثيراً، وهي تُريد أن ترى أحفاداً لها من ابنها، لا أن تراه وهو يطوف بزوجته على الأطباء جرياً وراء الأمل المُستحيل في الإنجاب منها، ولم أجد ما أقوله لها لكني شعرتُ بُغصةٍ شديدةٍ في حَلْقي، وانتهت المُقابلة وعدتُ إلى بيتي مُكتئبةً. ومُنذ تلك اللحظة لم تهدأ والدة خطيبي حتى تم فسخ الخِطبة بيني وبينه؛ وأصابني ذلك بصدمةٍ شديدةٍ لأنني كنتُ قد أحببتُه وتعلقتُ بأمل السعادة معه، لكنه لم ينقطع عني بالرغم من فسخ الخِطبة، وراح يعدني بأنه سيبذل كل جُهده لإقناع والدته بالمُوافقة على زواجنا، واستمر يتصل بي لمدة عامٍ كاملٍ دون أي جديدٍ، ووجدتُ أنني في حاجةٍ إلى وقفةٍ مع النفس ومُراجعة الموقف كله، وانتهيتُ من ذلك إلى قرار ألا أمتهن نفسي أكثر من ذلك وأن أقطع هذه العلاقة نهائياً، وفعلتُ ذلك ورفضتُ الرد على اتصالات خطيبي السابق.

مرَّت ستة أشهرٍ عصيبةٍ من حياتي، ثم أُتيحت لي فرصة السفر لأداء العُمرة؛ فسافرتُ لكي أغسل أحزاني في بيت الله الحرام. أديتُ مناسك العُمرة، ولُذتُ بالبيت العتيق وبكيتُ طويلاً ودعوتُ الله أن يُهيئ لي من أمري رشداً. وفي أحد الأيام كنتُ أُصلي في الحرم وانتهيتُ من صلاتي وجلستُ أتأمل الحياة في سكونٍ، فوجدتُ سيدةً إلى جواري تقرأ في مُصحفها بصوتٍ جميلٍ، وسمعتها تُردد الآية الكريمة: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ فوجدتُ دموعي تسيل رغماً عني بغزارةٍ؛ فالتفتت هذه السيدة إليّ وجذبتني إليها، وراحت تربت على ظهري بحنانٍ وهي تقرأ لي سُورة الضُحى إلى أن بلغت الآية الكريمة: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾؛ فخُيّل إليّ أنني أسمعها لأول مرةٍ في حياتي، مع أني قد ردَّدتها مِراراً من قبل في صلاتي. هدأت نفسي، وسألتني السيدة الطيبة عن سبب بُكائي فرويتُ لها كُل شيءٍ بلا حرجٍ، فقالت إن الله قد يجعل مع كُل عُسرين يُسراً، وإنني الآن في العُسر الذي سوف يليه يُسرٌ بإذن الله، وإن ما حدث لي كان فضلاً من الله لأن في كُل بليةٍ نعمةٌ خفيةٌ كما يقول العارفون، شكرتها بشدةٍ على كلماتها الطيبة ودعوتُ لها بالستر في الدنيا وفي الآخرة، وغادرتُ الحرم عائدةً إلى فُندقي وأنا أحسن حالاً.

انتهت فترة العُمرة وجاء موعد الرحيل؛ فركبتُ الطائرة عائدةً إلى «القاهرة» فجاءت جلستي إلى جوار شابٍ هادئ الملامح وسمح الوجه، وتبادلنا كلمات التعارف التقليدية، فوجدتني أستريح إليه، وتَواصل الحديث بيننا طوال الرحلة إلى أن وصلنا إلى «القاهرة» وانصرف كُلٌ منا إلى حال سبيله، وأنهيتُ إجراءاتي في المطار، وخرجتُ فوجدتُ زوج أقرب صديقاتي إليّ في صالة الانتظار فهنأني بسلامة العودة، وسألته عما جاء به إلى المطار فأجابني بأنه في انتظار صديقٍ عائدٍ على نفس الطائرة التي جئتُ بها، ولم تمضِ لحظاتٌ إلا وجاء هذا الصديق فإذا به هو نفسه جاري في مقاعد الطائرة؛ فتبادلنا التحية، ثم غادرتُ المكان بصحبة والدي. وما أن وصلتُ إلى البيت وبدَّلتُ ملابسي واسترحتُ بعض الوقت حتى وجدتُ زوج صديقتي يتصل بي ويقول لي إن صديقه مُعجبٌ بي بشدةٍ ويرغب في أن يراني في بيت صديقتي في نفس الليلة؛ لأن خير البِر عاجله، ثم أسهب بعد ذلك في مدح صديقه والإشادة بفضائله، وقال لي عنه إنه رجل أعمالٍ شابٍ من أُسرةٍ معروفةٍ، وعلى خُلُقٍ ودِينٍ، ولا يتمنى لي مَن هو أفضل منه لكي يُرشحه للارتباط بي.

خفق قلبي لهذه المُفاجأة غير المُتوقعة، واستشرتُ أبي فيما قاله زوج صديقتي فشجعني على زيارة صديقتي لعلَّ الله جاعلٌ لي فرجاً. زرتُ صديقتي وزوجها والتقيتُ بجاري في الطائرة واستكملنا التعارف وتبادلنا الإعجاب، ولم تمضِ أيامٌ أُخرى حتى كان قد تقدَّم لخطبتي، ولم يمضِ شهرٌ ونصف الشهر بعد هذا اللقاء حتى كُنا قد تزوجنا وقلبي يخفق بالأمل في السعادة، وحديث السيدة الفاضلة في الحرم عن اليُسر بعد العُسر يتردد في أعماقي.

بدأتُ حياتي الزوجية مُتفائلةً وسعيدةً، ووجدتُ في زوجي كل ما تمنيتُ لنفسي في الرجل الذي أسكن إليه من حُبٍ وحنانٍ وكرمٍ وبِرٍ بأهله وأهلي، إنه (اليُسر مع العُسر).

غير أن الشهور مضت ولم تظهر عليّ أيٌ من علامات الحَمل، وشعرتُ بالقلق خاصةً أنني كنتُ قد تجاوزتُ السادسة والثلاثين؛ فطلبتُ من زوجي أن أُجري بعض التحاليل والفحوص خوفاً من ألا أستطيع الإنجاب، فضمني إلى صدره وقال لي بحنانٍ غامرٍ إنه لا يهمه مِن الدُنيا سواي، وإنه ليس مُهتماً بالإنجاب لأنه لا يتحمل صخب الأطفال وعناءهم، لكنني أصررتُ على مطلبي، وذهبنا إلى طبيبٍ كبيرٍ لأمراض النساء؛ فطلب مني إجراء بعض التحاليل، وجاء موعد تسلم نتيجة أول تحليلٍ منها ففوجئتُ به يقول لي: "لا داعي لإجراء بقية التحاليل، مبروك يا مدام، أنتِ حامل!"، فلا تسأل عن فرحتي وفرحة زوجي بهذا النبأ السعيد، وغادرتُ عيادة الطبيب وأنا أشد على يده شاكرةً له بحرارةٍ. وفي ذلك الوقت كان زوجي يستعد للسفر لأداء فريضة الحج، فطلبتُ منه أن يصطحبني معه لأداء الفريضة وأداء واجب الشُكر لمن أنعم عليّ بهذه النِعم الجليلة، ورفض زوجي ذلك بشدةٍ وكذلك طبيبي المُعالج؛ لأنني في شهور الحَمل الأولى، لكني أصررتُ على مطلبي وقلتُ لهما: "إنَّ مَنْ خَلَقَ هذا الجنين في أحشائي على غير توقعٍ قادرٌ على أن يحفظه من كُل سوءٍ"، واستجاب زوجي لرغبتي بعد استشارة الطبيب واتخاذ بعض الاحتياطات الضرورية، وسافرنا للحج وعدتُ وأنا أفضل مما كنتُ قبل السفر. ومضت بقية شهور الحَمل في سلامٍ، وإن كنتُ قد عانيتُ مُعاناةً زائدةً بسبب كِبَر سني، وحرصتُ خلال الحَمل على ألا أعرف نوع الجنين لأن كُل ما يأتيني به ربي خيرٌ وفضلٌ منه، وكُلما شكوتُ لطبيبي من إحساسي بكِبَر حجم بطني عن المُعتاد فَسَّره لي بأنه يرجع إلى تأخري في الحمل إلى سن السادسة والثلاثين. ثم جاءت اللحظة المُنتظرة، وتمت الولادة، وبعد أن أفقتُ دخل عليّ الطبيب وسألني باسماً عن نوع المولود الذي تمنيتُ لنفسي؛ فأجبته بأنني تمنيتُ من الله مولوداً فقط ولا يهمني نوعه، ففوجئتُ به يقول لي: "إذن ما رأيك في أن يكون لديك الحسن والحُسين وفاطمة؟!"، لم أفهم شيئاً وسألته عما يقصد بذلك؛ فإذا به يقول لي -وهو يُطالبني بالهدوء والتحكم في أعصابي- إن الله سُبحانه وتعالى قد مَنَّ عليّ بثلاثة أطفالٍ، وكأن الله سُبحانه وتعالى قد أراد لي أن أُنجب خلفة العُمر كُلها دفعةً واحدةً رحمةً منه بي لكِبَر سني، واستطرد طبيبي يقول لي إنه كان يعلم مُنذ فترةٍ بأنني حاملٌ في توأمٍ لكنه لم يشأ أن يُبلغني بذلك لكيلا تتوتر أعصابي خلال شهور الحَمل ويزداد خوفي. ولم أسمع بقية كلامه فلقد انفجرتُ في حالةٍ هستيريةٍ من الضحك والبُكاء وترديد عبارات الحمد والشُكر لله، وتذكرتُ سيدة الحرم الشريف والآية الكريمة: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، وهتفتُ إن الحمد لله الذي أرضاني وأسبغ عليّ أكثر مما حلمتُ به من نِعمه. أما زوجي الذي كان يزعم لي أنه لا يتحمل صخب الأطفال وعناءهم لكي يُهوِّن عليّ همي؛ فقد كاد يفقد رُشده حين رأى أطفاله الثلاثة، وراح يُردد كلمات الحمد والشُكر لذي الجلال والإكرام حتى خشيتُ عليه من شدة الانفعال، وأصبح من هذه اللحظة لا يطيق أن يغيب نظره عنهم، إنه بالفعل، وبفضل الله وحده (اليُسر مع العُسر).

 

أحبتي في الله.. كتبت هذه المرأة في ختام ما نشرته: "أكتب هذا من أحد الشواطئ، حيث نقضي إجازةً سعيدةً أنا وزوجي وأطفالي، وأُوجه رسالتي هذه إلى كُل فتاةٍ تأخر بها سن الزواج، أو سيدةٍ تأخر عنها الإنجاب، وأطالبهن بألا يقنطن من رحمة الله، وألا يقطعن الرجاء في الخالق العظيم، وألا يمللن سؤاله والدُعاء إليه أن يُحقق لهُن آمالهن في الحياة”.

 

وعن (اليُسر مع العُسر) يقول الله سُبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ويقول تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وعن هذه الآية قال المفسرون إنّ العُسر لا يأتي إلّا ومعه اليُسر، وإنّه لن يغلب عُسرٌ يُسرين؛ وهذا لأنّ كلمة العُسر وردت في الآيتين مُعرّفةً بأل التعريف فيكون هذا العُسر واحداً وليس مُتعدداً، أمّا اليُسر فقد ورد بصيغة التنكير، وهذا يقتضي اختلاف هذا اليُسر في كُلّ مرةٍ. وتعريف العُسر بأل التعريف يُفيد الاستغراق والعموم؛ دلالةً على أنّه مهما كان هذا العُسر شديداً وصعباً فإنّ اليُسر ملازمٌ له. إنّ وجه تنكير كلمة اليُسر ليس المُغايرة، وإنّما تعظيم هذا اليُسر الذي سيأتي من الله تعالى بعد العُسر بزمنٍ قليلٍ، والتكرار يُفيد التوكيد وتعظيم الرجاء وحُسن الظن بالله، كما يُفيد المُغايرة؛ فيكون هذا أبعث للأمل والصبر في النفس. وقد أفاد قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرَاً﴾ بيان مدى مُصاحبة اليُسر للعُسر واقترانه به، وفي ذلك بشارةٌ عظيمةٌ في مُصاحبة اليُسر للعُسر، وأن الفرج يأتي مع الكرب.

 

وعن (اليُسر مع العُسر) يقول أهل العِلم إن الشدائد التي قد تبدو للنفس مُؤلمةً، هي في حقيقتها رحمةٌ ورفعةٌ في الدرجات، فرُب بلاءٍ ظنه العبد شرّاً، فإذا فيه الخير كله، قال صلى الله عليه وسلم: [ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه]. وقال صلى الله عليه وسلم: [ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسِهِ وولدِهِ ومالِهِ حتَّى يَلقى اللَّهَ وما عليْهِ خطيئةٌ]. والبلاء ـ مع ما فيه من أجرٍ وثوابٍ عظيمٍ ـ يُعيد القلب والعبد إلى ربه خاشعاً مُنكسراً، يعترف بفقره وضعفه وحاجته، فيتطهّر قلبه من التعلّق بالمخلوقين، ويتوجّه صادقاً إلى رب العالمين، فتتجلّى فيه معاني التوحيد وصدق الإيمان؛ فالشدائد، رغم مرارتها، هي جسرٌ يعبر به العبد إلى رضوان الله، بصبره على البلاء، ورضاه بالقضاء، وإكثاره من الدعاء، ومُسارعته إلى التوبة والرجوع إلى الله؛ فما أرحم الله بعباده، وما أعظم كرمه وفضله عليهم، يبتليهم ليُطهّرهم ويُقرِّبهم إليه، ويجعل في البلاء لُطفاً خفياً قد لا يُدرَك بالعقول.

وعن هذا المعنى -وفي حديثٍ مُرسلٍ- قال النبي صلى الله عليه وسلم: [لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ].

 

وعندما سُئل أحد العارفين: أيهما أفضل للمؤمن: أن يُبتلى أم أن يُمكَّن أي أن يُحقق له الله كل ما يرجوه لنفسه؟ فقال: وهل يكون تمكينٌ إلا بعد ابتلاء؟

 

وعن (اليُسر مع العُسر) يقول الشاعر:

وَكَمْ لِلَّهِ مِنْ لُطْفٍ خَفِيِّ

يَدِقُّ خَفَاهُ عَنْ فَهْمِ الذَّكِيِّ

وكمْ يُسَرٍ أَتَى مِنْ بَعْدِ عُسْرٍ

وَفَرَجِ لَوْعَةِ الْقَلْبِ الشَّدِيِّ

وَكَمْ هَمٍّ تَسَاءَلَ بِهِ صَبَاحًا

فَتَعَقُبَهُ الْمَسَرَّةُ بِالْعَشِيِّ

إِذَا ضَاقَتْ بِكَ الْأَسْبَابُ يَوْمًا

فَثِقْ بِالْوَاحِدِ الْأَحَدِ الْعَلِيِّ

أحبتي.. كلٌ منا يمر بلحظات الضيق والشدة والابتلاء في حياته، فلنصبر على البلاء، ونكُون راضين بقضاء الله؛ فإن الفرج قريبٌ لا محالة، وإن (اليُسر مع العُسر). إذا حلَّت بنا المصائب والشدائد، وعصفت بنا الصعاب والمُلمات، فلا نيأس؛ فإن الصبر والتقوى من مفاتيح الفرج، وسيُفرِّج الله همومنا، ويُبدِّل ضيقنا، ويجعل لنا من كُل ضيقٍ مخرجاً؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾؛ فلنثِق بالله، ونرفع أيادينا إليه وندعوه فيستجيب لنا برحمته؛ فهو سُبحانه يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، ويقول تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فلنكُن من الراضين بقضاء الله، والصابرين، ولنُكثِر من الدُعاء لله، فإنه لا يُخيِّب مَنْ رجاه، ولا يرد مَنْ لجأ إليه ودعاه.

اللهم إنْ كتبتَ علينا العُسر فاجعله مما نستطيع تحمله، واجعلنا وقت ذاك من الصابرين، واكتب لنا مع كُل عُسرٍ يُسراً سريعاً قريباً، واجعلنا وقت ذاك من الشاكرين.

 

https://bit.ly/4d49yWo

الجمعة، 17 أبريل 2026

دعوة السَحَر

 

خاطرة الجمعة /547

الجمعة 17 إبريل 2026م

(دعوة السَحَر)

 

هذه قصةٌ حقيقيةٌ حدثت بالفعل في «المملكة العربية السعودية» أختصرها لكم فيما يلي:

فتاةٌ صالحةٌ تقيةٌ -نحسبها كذلك ولا نُزكي على الله أحداً- قلبها مُعلقٌ بالآخرة، تقوم الليل، لا تدع ذلك لا شتاءً ولا صيفاً، أُنسها وسعادتها في التهجد وقيام الليل ومناجاتها لربها وقت السَحَر. تقدم إليها مَن يطلب يدها، قالوا إنه مُحافظٌ ومُصَلٍ؛ فوافقت عليه بعد الاستخارة والالتجاء إلى ربها. وكان مما اعتاد عليه أهل مدينتها أن ليلة الفرح تبدأ في الثانية عشرة ليلاً وتنتهي مع أذان الفجر! لكن تلك الفتاة اشترطت لإقامة حفل زواجها بأن لا تدق الساعة الثانية عشرة إلا وهي في منزل زوجها، لم تكن تُريد أن تُضيِّع قيام الليل حتى في ليلة زفافها! حاول أهلها تغيير رأيها؛ فهذه ليلة فرحها التي لا تتكرر، لكنها أصرَّت على ذلك حتى وافق الأهل على مضضٍ.

مرَّت الأيام، وذات مساءٍ جميلٍ وكان القمر بدراً، دقت الساعة مُعلنةً عن تمام الساعة التاسعة، بدأت أصوات الزغاريد وضربات الدُفوف ترتفع، زُفَّت العروس إلى عريسها مع أهازيج الأُنس والفرح. قاربت الساعة من الثانية عشرة، أمسك الزوج بيد عروسه، ركب السيارة معها تقوده كل مشاعر الفرح، وإحساسٌ بالبهجة يُشعره بأنه حاز الدُنيا وما فيها. اتجها العروسان إلى منزلهما، دخلت العروس غُرفتها التي لطالما رسمت لها كُل أحلامها، كُل سعادتها، كُل أُمنياتها. انتقلت نظراتها السريعة بين أرجاء غُرفتها، رفعت بصرها، فجأةً شدَّ انتباهها شيءٌ ما، تسمَّرت في مكانها كأن سهماً اخترق قلبها لِما رأته في أحد زوايا غُرفتها؛ سألت نفسها: "هل حقاً ما أرى؟ ما هذا؟ أين أنا؟ كيف؟ لِمَ؟ أين قولهم عن زوجي؟"، زاغت نظراتها، تاهت أفكارها، قدماها لم تعودا قادرتين على حِملها، أحقاً ما ترى أم هو سرابٌ؟ ها هو العود يتربّع في غُرفتها! يا إلهي، إنه الغناء، بل إنها آلةٌ مُوسيقية!

قطع ذلك حبلَ أُمنياتها التي طالما رسمتها في مخيلتها، اغتمَّت لذلك غماً شديداً، وكان السكون مُخيِّماً على المكان، أمسكت دمعةً كادت أن تفلت من عقالها ثم قالت لنفسها: "الحمد لله على كل حالٍ، لا يعلم الغيب إلا الله سُبحانه وتعالى". أخذ عقلها يُحدثها قائلاً: "مهلاً؛ عليك بالصبر والحكمة وحُسن مُعاملتك لزوجك مهما فعل ومهما كان؛ فما يُدريكِ لعل هدايته تكون على يديك إذا صبرتِ وكُنتِ له أحسن زوجة؟!".

دقَّت الساعة لتُعلِن بداية الثُلث الأخير من الليل، وقت اشتياق الحبيب لحبيبه، فأرسل الله سُبحانه وتعالى نُعاساً على الزوج؛ فلم يستطع المُقاومة، غُطَّ في سُباتٍ عميق. لزمت العروس الهدوء حتى سمعت أنفاس زوجها تنتظم وهذا دليلٌ مُؤكدٌ على استغراقه في النوم، فقامت بتغطيته بلحافها وهي تدعو له، ثُمَّ انزوت عنه جانباً؛ فقد اشتد بها الشوق إلى حبيبها، هُرعت لمُصلاها وكأن روحها تُرفرف في السماء.

يقول الزوج واصفاً ذلك الموقف: "في تلك الليلة أحسستُ برغبةٍ شديدةٍ في النوم، على الرغم من رغبتي في إكمال السهرة، إلا أن الله تعالى شاء وغلبني النوم رغماً عني! وسُبحان الله ما سبق أن استغرقتُ في النوم وشعرتُ براحةٍ إلا في تلك الليلة، استغرقتُ في نومي، ثُمَّ تنبهتُ فجأةً؛ فتحتُ عيناي، لم أجد زوجتي بجانبي، تلفَّتُ في أرجاء الغُرفة، لم أجدها، نهضتُ أَجُر خُطواتي، فتحتُ باب الغُرفة، سكونٌ مُطلقٌ وظلامٌ دامسٌ يكسو المكان، مشيتُ على أطراف أصابعي خشية إيقاظها، فجأةً؛ ها هو وجهها يتلألأ في الظلام، إنها في مُصلاها! عجباً منها؛ لا تترك القيام حتى في ليلة زفافها! بقيتُ أرمق كل شيءٍ من بعيدٍ، اقتربتُ منها، ها هي راكعةٌ ساجدةٌ، تُطيل القراءة وتتبعها بركوعٍ ثم سُجودٍ طويلٍ، واقفةً أمام ربها رافعةً يديها، يا إلهي؛ إنه أجمل منظرٍ رأته عيناي، رفعت من سُجودها ثم أتبعته بالسلام يُمنةً ويُسرةً. أدركت زوجتي ما يدور في خَلَدي؛ فهتفت في أُذني: "أحببتُ أن لا يشغلني حبيبي الجديد عن حبيبي الأول"، تقصد ربها ونعم الحبيب والله، عجبتُ من هذا الكلام الذي لامس قلبي".

يواصل الزوج قائلاً: "على الرغم من كونها ما زالت عروساً، لم تمر على زواجنا ثلاثة أشهر، لكنها -كعادتها- لا تجد أُنسها إلا بين ثنايا الليل وفي غسق الدُجى ووقت السَحَر. أما أنا فقد كنتُ خلال هذه الشهور في غاية البُعد عن الله تعالى؛ أقضي الليالي في سهرات الطرب والغناء وعزف العود. وكانت هي لي أحسن زوجةٍ؛ تعاملٌ لطيفٌ، ونفسٌ رقيقةٌ، ومشاعر دافئةٌ، كانت تتفانى في خدمتي ورسم البسمة على شفتيَّ وكأنها تقول لي بلسان حالها: "ها أنا أُقدِّم لك ما أستطيعه، فما قدمتَ أنت لنفسك؟!"، لم تتفوّه بكلمةٍ واحدةٍ، أسرتني بحلاوة كلماتها، وجمال أخلاقها، وتعاملها الطيب، وحُسن عشرتها. في إحدى الليالي؛ عُدتُ في ساعةٍ مُتأخرةٍ من سهرةٍ عابثةٍ، دخلتُ إلى غُرفتنا لم أجد زوجتي، أغلقتُ الباب بهدوءٍ وخرجتُ أتحسس طريقي في الظلام مُتحاشياً التعثر. ما هذا؟ كأني أسمع همساً، صوتاً يطرق مسامعي، أضأتُ المصباح الخافت وتابعتُ بخطواتٍ هادئةٍ، فجأةً؛ صوتٌ جميلٌ يتلو القُرآن الكريم لم أسمع مثله في حياتي! هزتني تلاوتها للقُرآن، يبدو أن هذا الصوت جاء من الغُرفة المُجاورة، استدرتُ وتوجه نظري إلى مكانٍ خالٍ مُظلمٍ، وكأن نوراً ينبعث منه ليرتفع إلى السماء! تسمّرت نظراتي، إنهما يداها مرفوعتان للسماء، تسلَّلتُ ببُطءٍ، اقتربتُ كثيراً، سمعتُ دُعاءها، يا إلهي؛ لقد خصَّتني بدعائها قبل أن تدعو لنفسها! رفعت حاجتي قبل حاجتها! لقد كانت تدعو لي بالهداية؛ تبسمتُ، بكيتُ، اختلطت مشاعري، لمحتُ في عينيها بريقاً، دققتُ النظر إليها، فإذا هي الدُموع تنساح على وجنتيها كحبات لؤلؤٍ انفلتت من عقدها، بشهقاتٍ مُتقطعةٍ تطلب من الله تعالى أن يهديني، وتدعو لي بصوتٍ عالٍ وقد أخذها الحزن كل مأخذٍ، كانت تُكرر دُعاءها لربها، ثم تعود لبُكائها من جديدٍ، نشيجها قطَّع نياط قلبي، خفقات قلبي تنبض بشدةٍ، ارتعشت يداي، تسمَّرت قدماي، خنقتني العَبرة، رُحماك يا الله رُحماك رُحماك، أين أنا طوال هذه الشهور عن هذه الزوجة الحنون المعطاء الصابرة؟".

يقول الزوج: "في تلك اللحظة لم أملك إلا دمعاتٍ حارةً سقطت من عينيّ، أحنيتُ رأسي بين رُكبتيّ، أجمع دمعاتي المُلتهبة وكأنها غسلت جميع خطاياي، كأنها أخرجت كل ما في قلبي من فسادٍ ورياءٍ، ترقرقت عينايّ بالدُموع بعد أن كانت تشكو الجفاف والإعراض، ربّاه لقد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت! لحظاتٌ يسيرةٌ، ودقائق معدودةٌ وإذ بالمُؤذن من بيت الله يُنادي: حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، انسللتُ –بعد ترددٍ- وصورتها الجميلة لا تزال تُضيء لي الطريق، ذهبتُ إلى مسجد الحي وصليتُ الفجر كما لم أصلِ في حياتي من قبل! أخذت ظُلمات الليل في الانحسار، وظهرت تباشير الصباح، أشرقت الشمس شيئاً فشيئاً، وأشرقت معها روحٌ ونفسٌ جديدةٌ. كان ذلك الموقف بداية الهداية".

عاد الزوج إلى رُشده وصوابه، واستغفر الله عزَّ وجلَّ، ورجع إليه تائباً مُنيباً بفضل الله، ثم بفضل هذه الزوجة الصالحة التي دعته إلى التوبة والصلاح بفعلها لا بقولها، حتى امتلكت قلبه وأخذت بلُبِّه بجميل خُلُقها ولُطف تعاملها، عندها ندم وشعر بالتقصير تجاه خالقه أولاً ثم تجاه زوجته التي لم تحرمه من عطفها وحنانها لحظةً واحدةً. رجع الزوج رجوعاً صادقاً إلى الله تعالى وأقبل على طلب العِلم وحضور الدروس والمُحاضرات وقراءة القُرآن، وبعد سنواتٍ قليلةٍ -وبتشجيعٍ من هذه الزوجة المُباركة- أصبح واحداً من أكبر الدُعاة في مدينته.

 

أحبتي في الله.. يقول العُلماء إن لله سُبحانه أن يختار ما يشاء من خَلْقه؛ أشخاصاً، وأوقاتاً، وأماكن، وأحوالاً، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾، وذلك الاختيار الرباني اصطفاءٌ بعِلمٍ وحكمةٍ؛ وذاك ما يجعل المؤمن يحرص على ما يختاره الله ويصطفيه، ويهتمّ له أيما اهتمامٍ، ومما اختاره الله من الأوقات اليومية وخصَّه بمزايا انفرد بها عمَّا سواه وقتُ السَّحَرِ حين يبقى ثُلث الليل الآخر؛ إذ جعله الله جلَّ وعلا وقت نزوله كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدُنيا، نزولاً يليق به سُبحانه وتعالى، باسطاً توبتَه للمُذنبين، وعارضاً مغفرتَه للمُستغفرين، وفاتحاً خزائنَه للسائلين؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يَنزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى كُلَّ لَيلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا حينَ يَبقى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدعوني، فأستَجيبَ له؟ مَن يَسألُني فأُعطيَه؟ مَن يَستَغفِرُني فأغفِرَ له؟]. في السَّحر أقرب ما يكون الرب من عباده؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة: [أقربُ ما يكونُ الربُّ من العبدِ في جوفِ الليلِ الآخرِ فإِنِ استطعْتَ أن تكونَ ممن يذكرُ اللهَ في تلْكَ الساعَةِ فكُنْ]. ومن ثمار ذلك القُرب أنْ كانت (دعوة السَحَر) مسموعةً مُجابةً، سُئِل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أي الدُعاء أسمع؟ قال: [جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ]. وقال عليه الصلاة والسلام لصحابيٍ سأله: أيُّ اللَّيلِ أسمَعُ؟ قالَ: [جوفُ اللَّيلِ الآخرُ؛ فَصَلِّ ما شِئتَ فإنَّ الصَّلاةَ مَشْهودةٌ مَكتوبةٌ حتَّى تُصلِّيَ الصُّبحَ]. إن وقت السَحَر، يحمل قيمةً رُوحيةً عظيمةً في قلب كل مُسلمٍ عرف أثر القُرب من الله، وأدرك سرّ المُناجاة في الخفاء. إن (دعوة السَحَر) تحمل خصوصيةً لا تتكرر، حيث يكون العبد في أصفى حالاته، والجو ساكنٌ، والقُلوب أقرب ما تكون إلى الخُشوع. و(دعوة السَحَر) لها قدْرٌ عند أهل الإيمان، ولذةٌ فاقت لذة النوم على وثير الفِراش، لذةٌ جعلت المُتقين يتركون مراقدهم لمُناجاة ربهم؛ يقول الله تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: "كُلَّ اللَّيلِ أوتَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وانتَهى وِترُه إلى السَّحَرِ".

 

وعن (دعوة السَحَر) يقول الشاعر:

وَقُلْ: يَنْزِلُ الْجَبَّارُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ

بِلَا كَيْفٍ جَلَّ الْوَاحِدُ الْمُتَمَدَّحُ

إِلَى طَبَقِ الدُّنْيَا يَمُنُّ بِفَضْلِهِ

فَتُفْرَجُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُفْتَحُ

يَقُولُ: أَلَا مُسْتَغْفِرٌ يَلْقَى غَافِرًا

وَمُسْتَمْنِحٌ خَيْرًا وَرِزْقًا فَيُمْنَحُ

ويقول آخر:

وَاذْكُرْ وقُوفَكَ في المَعَادِ وَأَنْتَ في

كَرْب الحِسَابِ وَأَنْتَ عَبْدًا مُفْْرَدًا

سَوَّفْتَ حَتَّى ضَاعَ عُمْرُكَ بَاطِلًا

وَأَطَعْتَ شَيْطَانَ الغِوَايَةِ وَالعِدَا

فَانْهَضْ وَتُبْ مِمَّا جَنَيْتَ وَقُمْ إلى

بَابِ الكَرِيْمِ وَلُذْ بِهِ مَتَفَرِّدًا

وَادْعُوهُ في الأَسْحَارِ دَعْوَةَ مُذْنِبٍ

وَاعْزِمْ وَتُبْ وَاحْذَرْ تَكُنْ مُتَرَددًا

وَاضْرَعْ وَقُلْ يَا رَبِّ جِئْتُكَ أَرْتجي

عَفْوًا وَمَغْفِرَةً بِهَا كَيْ أَسْعَدَا

فَلَعَلَّ رَحْمَتَهُ تعُم فإِنَّهَا

تَسَعُ العِبَادَ وَمَنْ بَغَى وَمَن اعْتَدى

 

أحبتي.. قيل إن (دعوة السَحَر) غنيمةٌ ربانيةٌ؛ لا ينبغي الزُهد فيها؛ فهي أرجى موطنٍ تُقضى فيه حاجات الدُنيا والآخرة؛ قال بعض العارفين: "ليس بفقيهٍ من كان له إلى الله حاجةٌ، فنام عنها في الأسحار".

إن استجابة المولى عزَّ وجلَّ لدُعاء المؤمنين أقرب ما يكون وقت السَحَر؛ فلنغتنم هذا الوقت؛ حيث الناس نيامٌ يغطُّون في سُباتٍ عميقٍ ونومٍ ثقيلٍ، نقف نحن أمام الله، نتذلَّل له، نتضرَّع إليه، ندعوه (دعوة السَحَر) ونسأله الرحمة والغُفران، والقُبول وحُسن المآل، فهو غفَّار الذُنوب، ستَّار العُيوب، جابر العثرات، لا يَرُدُ سائله خائباً.

اللهم حَبِّب إلى نفوسنا قيام الليل، ويسِّر لنا التعود على صلاة التهجد، واستجب اللهم لدُعائنا وقت السَحَر. واكتبنا اللهم من عبادك الصالحين.

 

https://bit.ly/3QbmiSl

الجمعة، 10 أبريل 2026

رد المظالم

 

خاطرة الجمعة /546

الجمعة 10 إبريل 2026م

(رد المظالم)

 

كثيرةٌ هي قصص الظُلم، أما هذه القصة ففيها ظُلمٌ صارخٌ، أترككم مع ما كتبه صاحبها وأرسله للنشر في باب «بريد القُراء» بإحدى الصُحف المصرية الأكثر انتشاراً؛ كتب يقول:

أنا رجلٌ على مشارف العِقد السادس من عُمري، والأخ الأصغر لثلاثة أُخوةٍ تُوفي أبونا منذ أكثر من 25 سنةً، كان يُؤجر محلاً كبيراً جداً في بلدتنا الساحلية في أشهر منطقةٍ تجاريةٍ بالبلد، وقبل أن يُتوفى والدنا كان على خلافٍ مع أخينا الأكبر، بينما كان أخي الثاني طيباً جداً لا يُريد من حُطام الدُنيا شيئاً، وبلعبةٍ ماكرةٍ وقتها أقنعنا -أنا وأخي الثاني- والدنا أن يقوم بالتنازل عن حقه في استغلال المحل لي أنا وأخي الثاني حتي لا يأخذ أخونا الأكبر أي شيءٍ، وفعلنا نفس الأمر فيما يتعلق بالبيت الذي كان يملكه والدي وكُنا نسكن فيه، وكان أخي الأكبر يسكن ببدروم البيت، ووعدنا أبانا أننا لن نُخرج أخينا الأكبر من البيت أبداً؛ فغيَّر والدنا عقد إيجار المحل باسمينا -أنا وأخي الثاني- وباع لنا البيت بيعاً وشراءً.

سارت بنا الدُنيا بعد وفاة أبي؛ ففتح الله علينا كثيراً نظراً لما نتصف به من سُمعةٍ طيبةٍ في تجارتنا، إلى أن كبرنا ورُزقنا بأولادٍ علمناهم الصنعة، وارتفع مُستوانا المادي جداً فبِعنا شُققنا ببيت العائلة، وتركنا البدروم لأُسرة أخينا الأكبر الذي تُوفي بعد والدنا بخمسة أعوامٍ وفي قلبه حسرةٌ على الظُلم الذي ظلمناه له مع أبينا -كما كان يُردد دائماً قبل وفاته- وامتنعنا عن (رد المظالم) لأسرته. ترك أخونا زوجته وطفلين -لا يعولهما أي عائلٍ- وليس لهم أي مصدر رزقٍ إلا معاش والدهما، وكان بالكاد يكفيهم. طالبنا هذان الطفلان بعد أن كبرا بحق والدهما الذي ظُلم منا ومن أبينا، ولم يجدا منا وقتها إلا الجفاء.

وفي ذات مرةٍ كُنا نزورهم في العيد -بعد انقطاع ثلاثة أعوامٍ عن زيارتهم بسبب مشاغل الحياة وكُنا نكتفي بمُكالمةٍ هاتفيةٍ كل عدة أشهرٍ أو كل عيدٍ فقط- فما كان من الشابين إلا أن طالبانا مرةً أُخرى بحقهما؛ ولم يجدا إلا ما وجدا سابقاً من النُكران الكامل منا بأحقيتهما؛ فما كان منهما إلا أن اعترفا أمامنا بأنهما ما صليا صلاةً طوال عُمرهما إلا ويقولان "حسبنا الله ونعم الوكيل فيمن ظلمونا، اللهم أرنا انتقامك من الظالمين"، ومُنذ ذلك الحين لم ندخل بيتهما مرةً أُخرى، ولم نُقابلهما إلا حينما مرض أخي -وشريكي في البيت والمحل- بالمرض الخبيث، وفي نهاية مراحل هذا المرض طلب مني أخي أن أُحضر ابنيّ أخينا المظلوميْن لكي يُسامحاه قبل أن يلقى الله، فما كان منهما إلا أن حضرا، وعندما طلب السماح منهما قالا له: "كيف نُسامحك وأنت أخذتَ حق أبينا وأكلته بالباطل، واستمتعتَ به أنت وأولادك، ونحن لا نجد ما نؤجر به شقةً لنتزوج فيها، أو نجد حتى تكاليف الزواج، وأنت وأولادك تنعمون بحقنا ونحن محرومان منه"، وقالا له: "فلنتقابل أمام الله ونختصمك، وهو -سُبحانه- لن يرضى الظُلم لنا في الدُنيا، وسيرد لنا حقنا في الآخرة"، انهار أخي أمامهما لكي يُسامحاه، ولكنهما تركاه وخرجا، وبعدها بيومين مات ولم يُسامحاه، واستمر الوضع على ما هو عليه، لم يتم (رد المظالم) لاُسرة أخينا.

اليوم أُصبت أنا بنفس مرض أخي، وأرقد في المُستشفى للعلاج، ولكن مع فارقٍ واحدٍ هو أنني خفتُ على أولادي من الدُنيا فكتبتُ لهم كل شيءٍ؛ فما كان منهم إلا أن رموني في المُستشفى مُنذ بداية مرضي ولم يسألوا عني حتى اليوم مُنذ أكثر من ستة أشهرٍ، وطلبتُ من ابنيّ أخي الأكبر أن يُسامحاني لأنني لا أملك أن أُعيد لهما حقهما الآن؛ إلا أنهما رفضا وأصرا على أنهما سيختصماني أنا وأخي أمام الله ليُعيد لهما حقهما المسلوب في الدُنيا ممن يشتركون معهما شراكة دمٍ وقرابةٍ.

أعرف جيداً أنه حقهما، لكني لا أستطيع فعل أي شيءٍ الآن، ولا أستطيع (رد المظالم)، وكل ما أرجوه منك أن تكتب لهما -فهُما حريصان جداً على مُتابعة هذا الباب- أن يُسامحاني؛ فأنا أخاف الله جداً، وقد رأيتُ في مرضي هذا كل عذابات الدُنيا، ونسيتُ النعيم الذي عشته بحقهما، وعرفتُ أن الله حقٌ وأن الظُلم ظلماتٌ يوم القيامة، أرجوك اكتب لهما أن يُسامحاني قبل أن ألحق بأخي ولم يُسامحاني! أرجو نشر هذه الرسالة؛ إن لم يكن ليُسامحاني فلأكون عظةً يتعظ بها كل مَن تُسوِّل له نفسه أكل حق أي إنسان.

 

أحبتي في الله.. فتح الله عزَّ وجلَّ على مُحرر الباب الذي يُنشر في عدد الجمعة من تلك الصحيفة فرَدَّ بقوله:

سيدي.. كنتُ أتمنى أن تطلب مني مُناشدة أبنائك كي يُعيدوا حق ابنيّ عمهما الذي استوليتَ عليه ظُلماً، ليس فقط خوفاً من مواجهة الله وأنت من الظالمين، ولكن خوفاً على أبنائك الذين يأكلون مالاً حراماً ليس من حقهم، ومن مصيرٍ مُظلمٍ ومُخيفٍ ينتظرهم. وكنتُ أتمنى أيضاً أن تسألني عن وسيلةٍ للتكفير عن ذنبك وإعادة ما استوليتَ عليه ظُلماً وعُدواناً، لكنك فكرتَ فيما لا يُكلفك شيئاً أن يُسامحك مَنْ ظلمته.

لا يا سيدي لا أستطيع أن أفعل ذلك لأني لا أقبل أن أُعين ظالماً على ظُلمه، ولا أن أقسو على أرملةٍ ويتيمين عاشوا في قهرٍ وذُلٍ وفقرٍ في بدروم، وهُم يرون ظالميهم ينعمون بما لهم حقٌ فيه، ولم يعتدوا عليكم، بل كل ما فعلوه أن شكوكم إلى العادل الذي لعن الظالمين ووعدهم بالويل والعذاب الأليم؛ فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.

سيدي.. لم يَسْعَ شقيقك وشريكك في الجُرم إلى التكفير عن خطئه، ولم يُحاول -قبل مُواجهة الله عزَّ وجلَّ وقبل أن يذهب إلى ظُلمات يوم القيامة- أن يُصلح من جريمته، ومات أمام عينيك، وبدلاً من أن ترتدع وتُسارع وأنت في كامل صحتك إلى (رد المظالم) وإعادة ما استوليتَ عليه، أغرتك الدُنيا وفتنتك بالمال؛ فكتبتَ ما تملك لأولادك؛ فأصابك المرض وانفض عنك من ظلمتَ من أجلهم، لتجني ثمار الحنظل الذي غرسته، فكيف للمال الحرام أن يُثمر أولاداً صالحين؟!

إنها شجرةٌ واحدةٌ بدأت من والدك، وامتدت إليك وإلى شقيقك الراحل، وها هي تمتد إلى أبنائكما وهُم غافلون مُغترون بشبابهم وما حصدت أياديهم، وكأن الله أعمى أبصارهم فلم يفطنوا إلى ما ألمَّ بك وبعمهم الراحل، وواصلوا رحلتهم نحو المعصية ولا يدرون أن الله تعالى ليس بغافلٍ عما يفعلون. وإن كان لي أن أُخاطب أحداً فإني أُناشد أبناءك أن يعودوا إلى رُشدهم فينقذوا والدهم وأنفسهم من عذابٍ آتٍ لا ريب فيه، ويُطهِّروا أموالهم، ولن ينقص ذلك من رزقهم شيئاً، ويعلموا أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجابٌ؛ فهل يشترون الدُنيا والآخرة بقليلٍ من متاع الحياة؟!

أما أنت يا سيدي؛ فأدعوك وأنت على فراش المرض أن تستعين بزوجتك وبمحامٍ لتسأله وتعترف أمامه بحقوق ابنيّ أخيك الراحل، لعله يجد لك مخرجاً قانونياً قبل أن تُسَد أمامك كل المخارج، ولعل الزوجة تنجح في جمع أولادك وأولاد أخيك الراحل أمامك لترجوهم أن يُعيدوا الحق إلى أصحابه؛ رحمةً بك وبشقيقك وبوالدك وبِأنفسهم، لعلَّ في ذلك أملاً في رحمة الله، وإن لم تفعل فإليك هذا البيت للشاعر العربي:

يا ظالماً نفسه بظُلمي

لا تبكِ مما جنت يداك

 

وعن (رد المظالم) يقول العُلماء إنه في يوم العدل المُطْلَق -يوم القيامة، يوم الحساب- تُوَفَىَ الحُقوق وتُسترد المظالم؛ يقول تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾، ويقول أيضاً: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾، ويقول كذلك: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:  [لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إلى أهلِها يَومَ القيامةِ، حتَّى يُقادَ للشَّاةِ الجَلحاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرناءِ]، وفيه أن الله يقضي بين خَلْقِه بالقِسط يوم القيامة، حتى إن عدله تعالى ليشمل الحيوانات كلها، ويقول عليه الصلاة والسلام: [إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ] ويا لها من خسارةٍ جسيمةٍ وحسرةٍ أن يأتي الإنسان بحسناتٍ كالجبال تعب في تحصيلها، وأفنى حياته في جمعها، وحَرم نفسه في سبيلها، يجعلها الله هباءً منثوراً لا قيمة لها ولا وزن ولا حساب، بل تُوزَع وتُقَسَّم على مَن ظَلَمَهم، فتضيع الأجور وتذهب الحسنات وتبقى الحسرات؛ فالخير كل الخير في (رد المظالم) في الدُنيا قبل الآخرة؛ حيث لا يُجدي الندم؛ يقول عزَّ وجلَّ: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

وحين يرى المؤمنون أهل التُقى والصلاح ثواب أعمالهم، ويظنوا أنهم قد نجوا، تحدث المفاجأة؛ يقول صلى الله عليه وسلم: [إِنَّ الرجلَ لتُرفعُ له يومَ القيامةِ صحيفتُهُ حتى يرَى أنَّهُ ناجٍ فما تزالُ مظالمُ بنِي آدمَ تتبعُهُ حتى ما يَبْقى لهُ حسنةٌ، ويحملُ عليهِ من سيئاتِهمْ].

وثمة مفاجأةٌ أُخرى في انتظار بعض المؤمنين، الذين لم يظلموا غيرهم، لكنهم ركنوا إلى ظالمٍ ولم ينتبهوا إلى أن الله تعالى نهى عن ذلك؛ يقول سبحانه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، يقول المفسرون المُراد بالركون، الميل إلى الظالم ولو بالقلب، وموافقته على ظُلمه، والرضا بما هو عليه من الظُلم، وإذا كان هذا الوعيد في الركون إلى الظَلَمة، فكيف حال الظَلَمة أنفسهم؟! والأسوأ ممن يركن إلى الظالمين هو من يسمح لنفسه أن يكون أداةً لظالمٍ، يدعمه ويقوم بالظُلم لصالحه، فيكون أشقى الناس وأكثرهم حماقةً؛ إذ باع آخرته بدُنيا غيره!

أما سبيل النجاة فَيُبَينه النَّبِي صلى الله عليه وسلم بقوله: [مَن كانَت له مَظلِمةٌ لأخيه مِن عِرضِه أو شيءٍ فليَتَحَلَّلْه منه اليَومَ، قَبلَ أن لا يَكونَ دينارٌ ولا دِرهَمٌ، إن كان له عَمَلٌ صالِحٌ أُخِذَ منه بقدرِ مَظلِمَتِه، وإن لَم تَكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ صاحِبِه فحُمِلَ عليه]، ومن عجز عن (رد المظالم) ولم يُسامحه مَن ظَلَمَهم فعليه أن يعزم على الرد متى ما تيسر له ذلك، ووجب على أصحاب المظالم إنظاره إلى حين ميسرة.

 

أحبتي.. ختاماً أقول كما قال أحد الصالحين: إذا هممتَ بظُلم أحدٍ فاذكر قُدرة الله عليك، واعلم أنه تعالى آخذٌ للمظلومين من الظالمين؛ فدعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السموات؛ [يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى وعزَّتي وجلالي لأنصرَنَّكَ ولَو بعدَ حينٍ]؛ فاتقوا الظُلم فإن الظُلم ظلماتٌ يوم القيامة؛ يحجب المرء عن رضا الله تعالى، وعن النعيم الذي أعده الله سُبحانه للصالحين من عباده.

فليكن دعاؤنا: ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. اللهم يا من حرَّمتَ الظُلم على نفسك، وجعلته بين عبادك مُحرَّماً، وأمرتنا بألا نتظالم، اللهم برحمتك لا تجعلنا من الظالمين، ولا تجعلنا مع الظالمين، ولا تجعلنا ربنا أعواناً لهم.

اللهم استجب لدعوة المظلوم؛ فليس بينها وبينك حجاب، وخُذ الظالمين ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾، ولا تُفلتهم وأنت سُبحانك القائل ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.

اللهم أزل الغُمة عن عيون المفتونين بالظالمين، يركنون إليهم، ويُبررون لهم، ويتعاطفون معهم. اللهم قِنا شر ظُلم أنفسنا، أو ظُلم غيرنا، ويَسِّر لنا اللهم (رد المظالم) -مهما صغُرت أو قَلَّت- إلى أهلها، ونُصرة المظلومين، وإقامة الحق، ولو على أنفسنا والأقربين.

https://bit.ly/4mogT6k

الجمعة، 3 أبريل 2026

قد يُثاب المرء رغم أنفه!

 

خاطرة الجمعة /455

الجمعة 3 إبريل 2026م

(قد يُثاب المرء رغم أنفه!)

 

كتبت شابةٌ على صفحتها بأحد مواقع التواصل الاجتماعي: لم أُدرك بعُمق معنى العبارة القائلة (قد يُثاب المرء رغم أنفه) إلا بالأمس فقط؛ فقد كنتُ في منزلي أستعد للخروج لموعدٍ هامٍ، وكنتُ في عجلةٍ شديدةٍ من أمري. دخلتُ الشُرفة لجلب غرضٍ ما قبل المُغادرة، فجأةً، انهمر عليَّ دلوٌ من الماء غمرني من رأسي حتى قدميّ، بالطبع انتابتني نوبة غضبٍ عارمةٌ، وشرعتُ في الصُراخ والاحتجاج، ثم استدعيتُ حارس البناية لأستعلم منه عن الشخص الذي يقوم بتنظيف شُرفته في ذلك الوقت، فأخبرني برقم الشقة في الطابق العُلوي، ومن شدة غضبي فتحتُ هاتفي المحمول ودخلتُ إلى المجموعة الخاصة بسُكان البناية وأرسلتُ رسالةً صوتيةً تُعبِّر عن غضبي الشديد، ثم اتصلتُ بمالك هذه الشقة ووبَّخته وتحدثتُ معه بحدةٍ وانفعالٍ، والحقيقة أنه كان يُجيبني بهدوءٍ بالغٍ، فسَّرتُه حينها بأنه برودٌ منه، مما زاد من اشتعال غضبي. بعد أن هدأت ثورتي، أوضح لي الرجل أن الأمر لم يكن مقصوداً على الإطلاق، ووعدني بإبلاغي مُستقبلاً قبل البدء في التنظيف، ثم ختم حديثه بلُطفٍ قائلاً: "حصل خيرٌ، تشرفنا بمعرفتكِ، وتفضلي بشُرب القهوة مع زوجتي".

رغم استعجالي ذهبتُ إليها بالفعل بنية عتابها وإفهامها أن ما حدث لا يصح، لكن الحديث أخذ مساراً آخر؛ فبعد أن استمعت الجارة لشكوتي ردَّت عليّ بأدبٍ جمٍّ أخجلني؛ ثم دعتني لشُرب القهوة، ولا أعرف ماذا دهاني، حتى أنني ألغيتُ ارتباطي وموعدي! وجدتُ نفسي قد ارتحتُ لهذه المرأة الطيبة، وقبلتُ دعوتها لشُرب القهوة، وبدأنا حديثاً ودياً حيث أخذت تقصُّ عليَّ اهتمامها بالعمل الخيري، وحكت لي عن مُعاناة أُسرةٍ تمر بظروفٍ قاسيةٍ، ولديهم طفلةٌ تحتاج إلى عمليةٍ جراحيةٍ عاجلةٍ؛ فأخبرتُها بأنني سأرى ما يُمكنني فعله.

بعد انتهاء زيارتي لجارتنا تواصلتُ مع صديقةٍ لي يُمكن أن تُساعد تلك الأُسرة وحكيتُ لها عن حالة الطفلة؛ فرحبت بمُساعدة الأُسرة ومُتابعة حالة الطفلة، وتم بالفعل ترتيب أمر اصطحاب الطفلة والذهاب بها إلى الطبيب الذي قام بفحصها، وأجرى لها الجراحة بعد يومين.

حين تأملتُ هذا الموقف، أيقنتُ أن ما حدث لم يكن مُجرد صُدفةٍ، وإنما هو تدبير الله سُبحانه؛ هو ما جعلني أدخل الشُرفة في تلك اللحظة تحديداً، ويحدث ما حدث ليكون سبباً لصُعودي إلى شقة جارتنا، وبدلاً من استمرار النزاع، ينفتح باب الحديث عن الأُسرة الفقيرة والطفلة المريضة؛ لنصل في النهاية إلى هذه النتيجة الطيبة، تمت كُل هذه الترتيبات الإلهية كي أكون حلقة وصلٍ وسبباً في تفريج كُربة أُسرةٍ وإنقاذ حياة طفلةٍ؛ فأنال الثواب دون تخطيطٍ مُسبقٍ أو جُهدٍ يُذكر؛ فالحمد لله دائماً على تدبيره، والحمد لله على ترتيباته لنا ولُطفه بنا.

 

أحبتي في الله.. يُمكن اختصار هذه القصة في الآية الكريمة: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾؛ فمن تدبيره عزَّ وجلَّ ترتيب تلك الأحداث، ليس لمصلحة الطفلة المريضة وأُسرتها فحسب، بل وكان من تدبيره ولُطفه سُبحانه وتعالى إثابة الشابة التي روت القصة على جُهدٍ قامت به، لم تكن تُفكر فيه، ولم تُخطط له، بل حدث ذلك الموقف وتطور على غير إرادتها، حتى إن مقولة (قد يُثاب المرء رغم أنفه) قد انطبقت تماماً عليها!

 

وهذه قصةٌ أُخرى رواها طبيبٌ كان يعمل في مجال علاج سرطان الدم، بمعهد الأورام بمدينة «المنيا» المصرية، كتب يقول: من عادتي أن أترك هاتفي في وضع الصامت دائماً عندما أخلد إلى النوم، لأن رنينه يُسبب لي إزعاجاً شديداً، وهذا دأبي مُنذ أكثر من عشر سنواتٍ. وفي إحدى ليالي الشتاء شديدة البُرودة، فوجئتُ بأنني نسيتُ تفعيل هذا الوضع، فظَلَّ الهاتف يرن بإلحاحٍ حتى أقلق منامي وأثار ضجري؛ نهضتُ لأرى مَن هذا الذي يتصل بي في وقتٍ مُتأخرٍ وبمثل هذا الإصرار، فوجدتُ المُتصل هو مُدير معهد الأورام الذي أعمل به، قُلتُ في نفسي: "اللهم اجعله خيراً"، سألته: "ماذا هناك؟"، أجاب: "نُريد حضورك غداً للأهمية القُصوى"، قلتُ: "غداً الخميس، وأنا سآتي إليكم يوم السبت على أية حال"، فجاء الرد قاطعاً: "لا بد من حضورك غداً.. لا بديل عن ذلك"، حاولتُ الاعتذار قائلاً: "من المُستحيل أن أحضر الخميس، فلديّ مواعيد وارتباطاتٌ مُسبقة"، لكنه أصر وأنهى المُكالمة بقوله: "لا شأن لنا بذلك، نحن بانتظارك غداً". في اليوم التالي بدأتُ رحلتي بعد صلاة الفجر، ركبتُ سيارتي العتيقة على مضضٍ، قُدتُ بتمهلٍ بسبب الضباب الكثيف، وعلى الطريق لفت نظري رجلٌ مُسنٌ يحمل طفلاً صغيراً في التاسعة من عُمره تقريباً، كان وجه الصغير شاحباً ويرتجف من شدة البرد، أوقفتُ سيارتي وفتحتُ له بابها قائلاً: "تفضل يا حاج". ظننتُ أنه يقصد قريةً على الطريق، وقلتُ في نفسي لعلّه يؤنسني في طريقي، سألتُه: "يا عمي، ما الذي أوقفك في هذا الوقت المُبكر مع هذا الطفل الصغير في هذا البرد القارس؟"، أجابني: "لقد فاتني القطار، فجئتُ أبحث عن أية سيارةٍ تُقلني لأنني يجب أن أصل مُبكراً"؛ فسألتُه: "إلى أين وجهتك بالضبط يا عمي؟"، قال والدُموع في عينيه: "هذا الولد مُصابٌ بسرطان الدم، واليوم موعده ليتلقى جلسة العلاج الكيماوي في معهد الأورام ب«المنيا»"! هُنا فقط أدركتُ لماذا نسيتُ هاتفي عاملاً غير صامتٍ، ولماذا كان إصرار مُدير المعهد على حُضوري المُبكر إلى «المنيا»، سُبحان الله، هُنا تتجلى الحكمة الإلهية.

سألني الرجل ببراءةٍ: "وأنتَ يا بك، ما هي وجهتك؟ أخبرني كي لا أُعطلك، يُمكن أن أنزل في أقرب نُقطةٍ لأستقل وسيلة مواصلاتٍ أُخرى للمعهد"، أجبته بطُمأنينةٍ: "لا تقلق يا حاج، أنا سائقٌ خصوصيٌ أرسله الله لك خصيصاً ليوصلك إلى باب المعهد مُباشرةً"، قال بارتباكٍ: "ولكني لا أملك أجرة سيارةٍ خاصةٍ"؛ فقُلتُ له: "لا تشغل بالك بالأُجرة، فهي مدفوعةٌ بإذن الله، وبالزيادة أيضاً، المُهم القُبول"!

حقاً (قد يُثاب المرء رغم أنفه) فبعد أن كنتُ أقود سيارتي وأنا في غاية الضيق والضجر، أصبحتُ أقودها في غاية السعادة والرضا.

 

يقول تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾

يقول المُفسرون: من يخاف الله فيعمل بما أمره به، ويجتنب ما نهاه عنه، يجعل له مخرجاً من كل ضيقٍ، ويُيسِّر له أسباب الرزق من حيث لا يخطر على باله، ولا يكون في حُسبانه، ومن يتوكل على الله فهو كافيه ما أهمَّه في جميع أموره، إن الله بالغ أمره، لا يفوته شيءٌ، ولا يُعجزه مطلوبٌ، قد جعل الله لكل شيءٍ أجلاً ينتهي إليه، وتقديراً لا يُجاوزه.

 

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: [عَجِبَ اللهُ مِن قَومٍ يَدخُلونَ الجَنَّةَ في السَّلاسِلِ]، يقول شُراح الحديث: في هذا الحديث يُخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله يعجب من قومٍ يدخلون الجنة في السلاسل، ومعناه: أن هؤلاء القوم أُسروا وقُيدوا، فلما عرفوا صحة الإسلام دخلوا طوعاً فيه، فكان ذلك سبباً في دخولهم الجنة؛ إنه لُطف الله سُبحانه وتعالى وكرمه؛ يقول عليه الصلاة والسلام: [ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه].

 

ويقول أهل العِلم إن عبارة (قد يُثاب المرء رغم أنفه) وإن كانت ليست حديثاً شريفاً، فإنها صحيحة المعنى؛ فليست كل الأجور تأتي بالطاعات؛ فأحياناً يُثاب المرء من حيث لا يدري، يُثاب بلا جُهدٍ منه ولا عناءٍ وحتى بلا عمل! فقد تأتيه الحسنات لأنه مكروبٌ وصابرٌ، أو لحزنٍ عارضٍ، أو لضيقٍ يمر به وهو شاكرٌ، أو بمرضٍ ولو كان بسيطاً، أو بسبب المشقّة في رزقه، أو قد يُغتاب ويُتهم بما ليس فيه فيُؤجر ويُثاب؛ فقد يشاء اللهُ عزَّ وجلَّ أن يأتيك الثَّواب في ثوب أَذىً يُكفِّر الله به السيئات ويرفع الدرجات. وليست كُل الأُجور تأتي بكثيرٍ من الطاعات؛ فإن منها ما يأتي مِن: سرير المرض، ووخز الإبر، ورعشة الحُمّى، وقهر الضّيم، ومشقّة السَّير، وجُوع الفقر، وسهر الهمِّ، ومرارة الغُربة، وحُزن الفقد، وتعبِ المُجاهدة، ومُغالبة الهوى. إن الإنسان تمرّ به لحظاتٌ لا يختارها، وأيامٌ تثقلها الهموم، ومواقفُ تمسُّ القلب بوجعها، ومع ذلك تتحوّل في ميزان الله إلى خزائن من الحسنات؛ فالأجر لا يتعلّق بالأفعال التي يختارها العبد وحده، بل يمتدّ إلى ما يمرّ به من أقدارٍ؛ حين يستقبلها بالصبر، ويُحسن الظنّ بربّه، ويُعلّق قلبه بحُسن التوكّل، ويُخلص العمل لله سُبحانه وتعالى؛ حينها تنقلب المحنة منحةً، ويصير للألم أجراً، ويكون في الصبر رفعةٌ، وفي الرضا أقدارٌ من الخير لا تُدرَك إلّا بقلبٍ موصولٍ بالله العلي العظيم. حينها يُثاب المرء ويُؤجَرُ على أعمالٍ لم يكن يظن أنها ذات بالٍ؛ يؤجر على بث الطاقة والأمل في نفوس المُحيطين به رغم حاجته لمن يدعمه ويُحفزه، يؤجر على ثباته لأن هُناك من يتكئ عليه، يؤجر على الاستماع للآخرين والتهوين من أزماتهم ومُحاولة تخفيف هُمومهم، رغم كل ما في صدره من ضيقٍ وتعبٍ، يؤجر على ثباته أمام الناس خوفاً من أن يُحمِّلهم أثقاله مع أثقالهم.

 

أحبتي.. (قد يُثاب المرء رغم أنفه) ويؤجر دون قصدٍ مُسبقٍ وسعيٍ منه، ولكن شريطة أن تكون سريرته نقيةً، وأعماله خالصةً لله سُبحانه وتعالى وحده دون غيره، بغير رياءٍ ولا سعيٍ لسمعةٍ أو شُهرةٍ أو شهوةٍ أو ربحٍ، وأن يُحسن استغلال فُرص عمل الخير حينما تلوح له؛ فكثيراً ما تجد نفسك تجبر خاطراً، أو تُفرِّج كُربةً، أو تُعين مريضاً، أو تصنع معروفاً لمُجرد أنَّ القدر وضعه في طريقك، وكأنَّ الله قد سَيَّره إليك خصيصاً. وأحياناً أُخرى، يُهاتفك شخصٌ ما ليُخبرك برغبته في التصدق ويبحث عن مُحتاجٍ، فيكون كل دورك أن تُرشده إلى شخصٍ تعرفه، فتنال أجر الصدقة بمجرد إجابتك عن السؤال. كذلك في مواقف أُخرى، قد يمنحك أحدهم شيئاً لتوزيعه في طريقك، فتقضي الأمر وتأخذ الأجر كاملاً، ذلك من عظيم كرم الله وفضله عليك؛ أن يُلهم الآخرين ذِكرك، وأن يختارك أنت دُون غيرك لتكون وسيطاً للخير. كل ذلك لا يحدث صُدفةً، ولا هو مهارةٌ منك، إنما هو تدبير الله عزَّ وجلَّ لعباده المُخلِصين، إنه توفيقٌ من الله تبارك وتعالى، وكرمٌ منه، ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.

اللهم يسِّر لنا عمل الخير، وحبِّبنا فيه، وتقبله منا خالصاً لوجهك الكريم، واجعلنا اللهم ممن ترزقهم الأجر والثواب رغم أنوفهم.

https://bit.ly/47FGK3C