خاطرة الجمعة /567
الجمعة 4 سبتمبر 2026م
(التوبة النصوح)
قال راوي القصة: خطبتُ الجُمعة وسلَّمتُ على المُصلين ثم خرجتُ من المسجد،
فإذا شابٌ يتبعني ويستوقفني ويقول: "يا شيخ، عشتُ في «روسيا» ردحاً من الزمن
ما تركتُ فيها ذنباً إلا واقترفته؛ بدءاً من شُرب الخمر، مُروراً بارتكاب الفواحش،
وانتهاءً بالإلحاد، ثم شاء الله لي أن آتي للعمل في هذه البلاد، وأنا حديث عهدٍ
بالمسجد والصلاة، فهل ترى الله يقبلني؟"، فقُلتُ له: "ولِمَ لا
يقبلك؟"؛ فقال والدموع تملأ عينيه: "لعظيم ما أجرمتُ واقترفتُ، لقد
عملتُ ذُنوباً لا تتصورها"، فقُلتُ له: "لو أراد الله سُبحانه وتعالى أن
ينتقم منك في حينها لأماتك وأنت سكرانٌ، أو وأنت في أحضان الغانيات، أو وأنت تكفر
به وتُلحد في آياته، لكنه من رحمته بك وحلمه عليك أبقاك حتى عُدتَ، وأحياك حتى
رجعتَ، ومِن غَيِّك أفقتَ، وللمساجد دخلتَ"، ازداد بكاؤه، واحتضنني وقال:
"صحيحٌ يا شيخ، مثلي يُغفر له؟!"، فقلتُ له: "طالما أبقاك حتى هداك
إلى (التوبة النصوح) رغم ما كُنتَ عليه من عصيانٍ؛ فظني به سُبحانه أن يقبلك ويغفر
لك". انطلق الرجل باكياً، وانطلقتُ أنا في طريقي باكياً مثله؛ رُبما لفرحتي
أن ساق الله إليَّ تائباً مُنكسراً رقَّق قلبي، ورُبما حُزناً على نفسي وأنا أُطبب
له جراح قلبه، وأُعينه على أحمال ظهره من الذنوب، رغم ذنبي الثقيل وقلبي العليل.
قال راوي القصة: ذكَّرني هذا الشاب بالرجل الذي جاء للنبي صلى الله عليه
وسلم فقال: "واذنوباه.. واذنوباه" قال هذا القوْلَ مرَّتَيْن أو ثلاثًا،
فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: [قلِ اللَّهمَّ مغفرتُك أوسعُ من
ذنوبي، ورحمتُك أرجَى عندي من عملي] فقالها، ثمَّ قال له: [عُدْ] فعاد، ثمَّ قال
له: [عُدْ] فعاد، ثمَّ قال له: [قُمْ فقد غَفَرَ اللهُ لك]، كأن هذه الانكسارة
التي ينكسرها العُصاة، وتظهر على وجوههم دُموعاً، وعلى جسدهم انحناءً، وعلى
أصواتهم تهدجاً وذُلاً، مطلوبةً لذاتها، ويُحبها الله من عبده، فلما أحس النبي
عليه الصلاة والسلام صِدق الرجل فيها بشَّره بالمغفرة. ليتنا نستعيد فينا ذلك
القلب الكسير، والجسد المُقشعر لمُجرد الخوف من عدم المغفرة، والعين التي تُحاول
كتم خوفها فتأبى دُموع الخشية إلا فضحاً لها؛ فالذُنوب مهما عظُمت ليست شيئاً أمام
عفو الله، لكن قساوة القُلوب وانصرافها، وشعور أصحابها بخفة الذنوب ويُسر أمرها،
هي التي يُخاف على صاحبها مما وراءها. وختم الراوي بقوله: انكسروا يرحمكم الله،
ناجوا الله بصوتٍ حزينٍ، توجعوا، تذللوا، نادوا بصوتٍ مُتهدجٍ كما نادى الرجل:
"واذنوباه.. واذنوباه".
أحبتي في الله.. كانت تلك القصة مثالاً على (التوبة النصوح) التي تجعل
صاحبها نادماً على ذنوبه، مُخلصاً في توبته عنها، خائفاً ألا تُقبل توبته؛ لكثرة
ذُنوبه وابتعاده كثيراً عن جادة الصواب، رغم عزمه الأكيد على العودة لتلك الذُنوب
مُستقبلاً.
وهذه قصةٌ أُخرى عن (التوبة النصوح) يرويها أحد الدُعاة، وقد حدثت معه
شخصياً، كتب يقول:
رأيتُ شاباً يقف مع فتاةٍ بالشارع، واضحٌ أنها ليست من محارمه، فأتيته
لأنصحه فهربت الفتاة، وأخذتُ أُذكَّره بالموت وفجأته، والساعة وأهوالها؛ فإذا به
يبكي. يقول الداعية: فلمّا انتهيتُ من الحديث معه أخذتُ رقم هاتفه وأعطيته رقم
هاتفي ثم افترقنا. بعد أُسبوعين كُنتُ أُقلب في أوراقي فوجدتُ رقمه فاتصلتُ به في
الصباح وسألته: "يا فلان أتعرفني؟"، فقال: "وكيف لا أعرف صاحب
الصوت الذي كان سبباً في هدايتي؟"، فقُلتُ: "الحمد لله، كيف
حالك؟"، فقال: "مُنذ حديثك معي وأنا بخيرٍ وفي سعادةٍ؛ أُصلي وأذكر الله
تعالى"، فقلتُ: "لا بُد أن أزورك اليوم، سآتيك بعد صلاة العصر"،
قال: "حيّاك الله"، وعندما حان الموعد جاءني ضيوفٌ أخروني إلى الليل،
لكني قُلتُ في نفسي: "لا بد أن أزوره الآن، ولو كان الوقت مُتأخراً"،
توجهتُ إلى منزله، وطرقتُ الباب؛ فخرج لي شيخٌ كبيرٌ، فقلتُ له: "أين
فلان؟"، قال: "مَن تُريد؟!"، قُلتُ: "فلان"، قال:
"هذا ابني، قد دفنّاه للتوَّ في المقبرة"، قُلتُ: "سُبحان الله، لا
حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد كلّمته اليوم في
الصباح"، قال: "صلى الظهر ثم دخل غُرفته لينام وقال أيقظوني لصلاة
العصر، جئنا نوقظه فإذا هو جثةٌ قد فاضت روحه إلى بارئها"، فبكيتُ، قال:
"مَن أنت؟"، قُلتُ: "تعرفتُ على ابنك قبل أُسبوعين"، قال: أنت
الذي كُنتَ سبباً في هدايته؟ دعني أُقبِّل رأسك، دعني أُقبِّل رأس الذي أنقذ ابني
من النار"، وقبَّل رأسي.
إنها (التوبة النصوح) حينما تتمكن من الإنسان، بتوفيق الله عزَّ وجلَّ، لا
فرق وقتها بين ذنبٍ صغيرٍ، وذنبٍ كبيرٍ، ولا فرق بين ذُنوبٍ قليلةٍ، وذُنوبٍ
كثيرةٍ، فهي أولاً وأخيراً توبةٌ صادقة.
وردت لفظة التوبة ومُشتقاتها في القرآن الكريم مائةً وثمانِ مرات؛ منها:
يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، ويقول
سُبحانه: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن
بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَن تَابَ
وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾، ويقول أيضاً:
﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وخصَّ الله (التوبة النصوح) بالآية الكريمة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾.
كما وردت الإشارة إلى التوبة في السُنة النبوية المُشرَّفة مراتٍ عديدةٍ؛
منها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [واللهِ إنِّي لَأستَغفِرُ اللهَ وأتوبُ
إليه في اليَومِ أكثَرَ مِن سَبعينَ مَرَّةً]. وقال عليه الصلاة والسلام: [لَلَّهُ
أفرَحُ بتَوبةِ عَبدِه مِن رَجُلٍ نَزَلَ مَنزِلًا وبه مَهلَكةٌ، ومعهُ راحِلَتُه،
عليها طَعامُه وشَرابُه، فوضَعَ رَأسَه فنامَ نَومةً، فاستَيقَظَ وقد ذَهَبَت
راحِلَتُه، حتَّى إذا اشتَدَّ عليه الحَرُّ والعَطَشُ أو ما شاءَ اللهُ، قال:
أرجِعُ إلى مَكاني، فرَجَعَ فنامَ نَومةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَه، فإذا راحِلَتُه
عِندَه]. وقال أيضاً: [إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَبسُطُ يَدَه باللَّيلِ ليَتوبَ
مُسيءُ النَّهارِ، ويَبسُطُ يَدَه بالنَّهارِ ليَتوبَ مُسيءُ اللَّيلِ، حتَّى
تَطلُعَ الشَّمسُ مِن مَغرِبِها]، وقال كذلك: [مَن تابَ قَبلَ أن تَطلُعَ الشَّمسُ
مِن مَغرِبِها تابَ اللهُ عليه]، كما قال: [إنَّ اللهَ يقبلُ توبةَ العبدِ ما لم
يُغرغرْ]. وحذَّر صلى الله عليه وسلم أصحاب البدع؛ فقال: [إنَّ اللَّهَ حجَز -أو
قالَ حجبَ- التَّوبةَ عن كلِّ صاحبِ بدعةٍ].
يقول العُلماء إن الذُنوب التي يتوب منها العبد إما أن تكون ترك الواجبات
لله تعالى، من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ إلى آخره، فهذه تُقضى بقدر الإمكان. وقد تكون
الذُنوب بين العبد وبين الله من قبيل فعل المنهيات كشُرب الخمر وغيرها، فالواجب
توطين النفس على تركها وعدم العودة إليها. أما إن كانت التوبة عن ذُنوبٍ في حق
الناس، فلا تُقبل أبداً إلا بإرجاع الحقوق إلى أصحابها أو بالتحلل منها والتسامح
عنها منهم إذا أمكن ذلك، وإلا بالتكفير عنها بالاجتهاد في الطاعة، وإدامة
الاستغفار.
إن (التوبة النصوح) تشترط خمسة شروطٍ لكي تكون صادقةً ومقبولةً: الإخلاص
لله تعالى؛ بأن يقصد التائب بتوبته وجه الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه، لا رياءً
ولا سُمعةً ولا خوفاً من مخلوق. الندم على ما فات؛ بأن يحزن قلبه ويتألم على ما
ارتكب من الذُنوب والمعاصي. الإقلاع عن الذنب؛ بأن يترك المعصية حالاً ويبتعد عنها
فوراً. العزم على ألا يعود إليها؛ بأن ينوي بقلبه نيةً صادقةً ألا يُكرر هذا الذنب
في المُستقبل. وأن تكون في وقت القبول؛ بأن تقع التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها،
أو قبل أن تبلغ الروح الحُلقوم عند الاحتضار. وإذا كانت المعصية مُتعلقةً بحقٍ من
حقوق الناس -كالمال أو النفوس أو الأعراض- فيُضاف إلى ذلك شرطٌ سادسٌ هو أن يرد
التائب الحقوق لأصحابها ما استطاع، أو يستسمحهم ويتحلل منها.
قيل عن (التوبة النصوح) إنها: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان،
ومُهاجرة سيء الخلان. وقيل أن يكون لصاحبها دمعٌ مسفوح، وقلبٌ عن المعاصي جموح.
كما قيل: هي التي يُديم فيها صاحبها الندامة، ولا ينفك عن الملامة.
ولعُلماء اللغة وقفةٌ لطيفةٌ؛ فهُم يقولون إن هناك كلماتٍ أُخرى دارت
معانيها حول الرُجوع إلى الله، والإقلاع عن الذُنوب، بالإضافة إلى كلمة
"التوبة"؛ من هذه الكلمات:
"الإنابة": ومعناها الرُجوع عن معصية الله تعالى إلى الطاعة
حياءً من نظر الله عزَّ وجلَّ؛ يقول تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ
وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾.
و"الأوبة": ومن معانيها الرُجوع، والاستقامة، والأوَّاب هو: كثير
الرُجوع إلى الله عزَّ وجلَّ؛ يقول تعالى: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي
نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ
غَفُورًا﴾.
وحاول العُلماء وضع ترتيبٍ معنويٍ يُوضح الفُروق بين هذه الألفاظ الثلاثة
فقالوا: إن أول الرُجوع "التوبة"، وأوسطه "الإنابة"، وآخره
"الأوبة"؛ فالتائب راجعٌ عن الذنب نادمٌ على ما فعل يخاف العُقوبة.
والمُنيب طامعٌ في الثواب راجعٌ من الغفلة إلى الذِكر حياءً. والآيب راجعٌ عن
الذنب مُراعاةً للأمر وانصياعاً للحُكم، يستحي من الله أن يُخالفه.
ويقول أهل العِلم إنَّ كون الشخص يقع في الذنب ثم يتوب، ثم يقع في الذنب ثم
يتوب، ليس استهزاءً بالله تعالى، بل دليلٌ على حُبه لله والتوبة، وكراهته للذنب؛
لأنه يكره المُداومة على فعله.
وعن (التوبة النصوح) قال
الشاعر:
كَمْ جِئتُ بابَكَ سائلاً فَأجَبْتَني
مِنْ قَبْلِ حَتَى أَنْ يَقولَ لِساني
وَالْيَوْمَ جِئتُكَ تائباً مُسْتَغْفِراً
شَيءٌ بِقَلْبي لِلْهُدَى ناداني
عَيْنايَّ لَوْ تَبْكي بَقِيةَ عُمْرِها
لاحْتَجْتُ بَعَدَ العُمْرِ عُمْراً ثاني
إنْ لَمْ أكُنْ لِلعَفْوِ أهْلاً خالِقي
فَأنْتَ أهْلُ العَفْوِ وَالغُفْرانِ
رُوحي لِنُورِكَ يا إلَهي قَدْ هَفَت
وَتَشَققتْ عَطَشاً لَهُ أرْكاني
فَاقْبَلْ بِفَضْلِكَ تَوْبَةَ الْقَلِبِ الْذِي
قَدْ جَاءَ يَهْرَبُ مِنْ دُجَى العِصْيانِ
وَاجْعَلْهُ في وَجْهِ الخَطايا ثابِتاً
صَلْبَاً قَوياً ثابِتَ الإيِمانِ
وَامْنُنْ بِعَفْوِكَ إنَّ عَفْوَكَ وَحْدَهُ
سَيُعيدُ نَبْضَ النُورِ في الإنْسانِ
أحبتي.. التوبة بابٌ من أبواب الرحمة امتنَّ الله بها على عباده المُذنبين؛
فلا يقنَط منا مَن كان مُذنباً، ولا ييأس من رحمة الله من كان مُسيئاً أو مُخطئاً
ولو كان من المُسرفين؛ يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا
عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
جعلنا الله من التوابين المُنيبين الأوابين، ممن يُسارعون إلى (التوبة
النصوح) إذا هُم أذنبوا.
*لقراءة الخاطرة كاملة*
https://tinyurl.com/2ymuckrr
*للاستماع الصوتي للخاطرة*
https://drive.google.com/file/d/1aaI0LP4OIY-XypLFWSHRqgeV42NusGRN/view?usp=drivesdk