الجمعة، 24 أبريل 2026

اليُسر مع العُسر

 

خاطرة الجمعة /548

الجمعة 24 إبريل 2026م

(اليُسر مع العُسر)

 

كتبت تحكي قصتها فقالت: أنا سيدةٌ في الثامنة والثلاثين من العُمر، نشأتُ في أُسرةٍ ميسورة الحال، وعشتُ في كنفها حياةً هادئةً إلى أن تخرجتُ في الجامعة، وعقب التخرج التحقتُ بعملٍ مُمتازٍ يُدِّر عليّ دخلاً كبيراً، وأحببتُ عملي كثيراً وأعطيته كُل اهتمامي، وتقدمتُ فيه سريعاً حتى تخطيتُ كثيرين من زملائي. وكنتُ خلال مرحلة الدراسة الجامعية قد ارتديتُ الحجاب بإرادتي واختياري، وبدأ الخُطَّاب يتقدمون لي، لكنني لم أجد في أحدهم ما يدفعني للارتباط به، ثم جرفني العمل والانشغال به عن كُل شيءٍ آخر حتى بلغتُ سن الرابعة والثلاثين وبدأتُ أُعاني النظرات المُتسائلة عن سبب عدم زواجي حتى هذه السن. وتقدَّم لي شابٌ من معارفنا يكبرني بعامين، وكان قد أقام عقب تخرجه عدة مشروعاتٍ صغيرةٍ باءت كُلها بالفشل، ولم يُحقق أي نجاحٍ ماديٍ، وكان بالنسبة لي محدود الدخل، لكني تجاوزتُ عن هذه النُقطة ورضيتُ به وقررتُ أنني بدخلي الخاص سوف أُعوض كُل ما يعجز هو بإمكاناته المحدودة عنه، وستكون لنا حياةٌ ميسورةٌ بإذن الله؛ فقررتُ المُوافقة على خِطبته، وقد ساعدني على اتخاذ هذا القرار أنني كنتُ قد بدأتُ أُحبه، وأنه قد أيقظ مارد الحُب النائم في أعماقي والذي شُغلتُ عنه طيلة السنوات الماضية بطُموحي في العمل، كما أنه كان من هؤلاء البشر الذين يُجيدون حُلو الكلام، وقد روى بكلامه العذب ظمأ حياتي. وبدأنا نُعِد لعقد القران، وطلب مني خطيبي صورةً من بطاقتي الشخصية ليستعين بها في ترتيب إجراءات عقد القران، ولم أفهم في ذلك الوقت مدى حاجته لهذه الصورة لكنني أعطيتها له.

في اليوم التالي فوجئتُ بوالدته تتصل بي هاتفياً وتطلب مني بلهجةٍ مُقتضبةٍ مُقابلتها على الفور، وتوجستُ خيفةً من لهجتها المُتجهمة، وأسرعتُ إلى مُقابلتها؛ فإذا بها تُخرج لي صورة بطاقتي الشخصية وتسألني هل تاريخ ميلادي المُدون بها صحيح؟ فأجبتها بالإيجاب وأنا أزداد توجساً وقلقاً، ففوجئتُ بها تقول لي: "إذن فإن عُمرك يقترب الآن من الأربعين"، ابتلعتُ ريقي بصعوبةٍ ثُم قلتُ لها بصوتٍ خفيضٍ إن عُمري 34 عاماً؛ فقالت إن الأمر لا يختلف كثيراً لأن الفتاة بعد سن الثلاثين تقل خصوبتها كثيراً، وهي تُريد أن ترى أحفاداً لها من ابنها، لا أن تراه وهو يطوف بزوجته على الأطباء جرياً وراء الأمل المُستحيل في الإنجاب منها، ولم أجد ما أقوله لها لكني شعرتُ بُغصةٍ شديدةٍ في حَلْقي، وانتهت المُقابلة وعدتُ إلى بيتي مُكتئبةً. ومُنذ تلك اللحظة لم تهدأ والدة خطيبي حتى تم فسخ الخِطبة بيني وبينه؛ وأصابني ذلك بصدمةٍ شديدةٍ لأنني كنتُ قد أحببتُه وتعلقتُ بأمل السعادة معه، لكنه لم ينقطع عني بالرغم من فسخ الخِطبة، وراح يعدني بأنه سيبذل كل جُهده لإقناع والدته بالمُوافقة على زواجنا، واستمر يتصل بي لمدة عامٍ كاملٍ دون أي جديدٍ، ووجدتُ أنني في حاجةٍ إلى وقفةٍ مع النفس ومُراجعة الموقف كله، وانتهيتُ من ذلك إلى قرار ألا أمتهن نفسي أكثر من ذلك وأن أقطع هذه العلاقة نهائياً، وفعلتُ ذلك ورفضتُ الرد على اتصالات خطيبي السابق.

مرَّت ستة أشهرٍ عصيبةٍ من حياتي، ثم أُتيحت لي فرصة السفر لأداء العُمرة؛ فسافرتُ لكي أغسل أحزاني في بيت الله الحرام. أديتُ مناسك العُمرة، ولُذتُ بالبيت العتيق وبكيتُ طويلاً ودعوتُ الله أن يُهيئ لي من أمري رشداً. وفي أحد الأيام كنتُ أُصلي في الحرم وانتهيتُ من صلاتي وجلستُ أتأمل الحياة في سكونٍ، فوجدتُ سيدةً إلى جواري تقرأ في مُصحفها بصوتٍ جميلٍ، وسمعتها تُردد الآية الكريمة: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ فوجدتُ دموعي تسيل رغماً عني بغزارةٍ؛ فالتفتت هذه السيدة إليّ وجذبتني إليها، وراحت تربت على ظهري بحنانٍ وهي تقرأ لي سُورة الضُحى إلى أن بلغت الآية الكريمة: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾؛ فخُيّل إليّ أنني أسمعها لأول مرةٍ في حياتي، مع أني قد ردَّدتها مِراراً من قبل في صلاتي. هدأت نفسي، وسألتني السيدة الطيبة عن سبب بُكائي فرويتُ لها كُل شيءٍ بلا حرجٍ، فقالت إن الله قد يجعل مع كُل عُسرين يُسراً، وإنني الآن في العُسر الذي سوف يليه يُسرٌ بإذن الله، وإن ما حدث لي كان فضلاً من الله لأن في كُل بليةٍ نعمةٌ خفيةٌ كما يقول العارفون، شكرتها بشدةٍ على كلماتها الطيبة ودعوتُ لها بالستر في الدنيا وفي الآخرة، وغادرتُ الحرم عائدةً إلى فُندقي وأنا أحسن حالاً.

انتهت فترة العُمرة وجاء موعد الرحيل؛ فركبتُ الطائرة عائدةً إلى «القاهرة» فجاءت جلستي إلى جوار شابٍ هادئ الملامح وسمح الوجه، وتبادلنا كلمات التعارف التقليدية، فوجدتني أستريح إليه، وتَواصل الحديث بيننا طوال الرحلة إلى أن وصلنا إلى «القاهرة» وانصرف كُلٌ منا إلى حال سبيله، وأنهيتُ إجراءاتي في المطار، وخرجتُ فوجدتُ زوج أقرب صديقاتي إليّ في صالة الانتظار فهنأني بسلامة العودة، وسألته عما جاء به إلى المطار فأجابني بأنه في انتظار صديقٍ عائدٍ على نفس الطائرة التي جئتُ بها، ولم تمضِ لحظاتٌ إلا وجاء هذا الصديق فإذا به هو نفسه جاري في مقاعد الطائرة؛ فتبادلنا التحية، ثم غادرتُ المكان بصحبة والدي. وما أن وصلتُ إلى البيت وبدَّلتُ ملابسي واسترحتُ بعض الوقت حتى وجدتُ زوج صديقتي يتصل بي ويقول لي إن صديقه مُعجبٌ بي بشدةٍ ويرغب في أن يراني في بيت صديقتي في نفس الليلة؛ لأن خير البِر عاجله، ثم أسهب بعد ذلك في مدح صديقه والإشادة بفضائله، وقال لي عنه إنه رجل أعمالٍ شابٍ من أُسرةٍ معروفةٍ، وعلى خُلُقٍ ودِينٍ، ولا يتمنى لي مَن هو أفضل منه لكي يُرشحه للارتباط بي.

خفق قلبي لهذه المُفاجأة غير المُتوقعة، واستشرتُ أبي فيما قاله زوج صديقتي فشجعني على زيارة صديقتي لعلَّ الله جاعلٌ لي فرجاً. زرتُ صديقتي وزوجها والتقيتُ بجاري في الطائرة واستكملنا التعارف وتبادلنا الإعجاب، ولم تمضِ أيامٌ أُخرى حتى كان قد تقدَّم لخطبتي، ولم يمضِ شهرٌ ونصف الشهر بعد هذا اللقاء حتى كُنا قد تزوجنا وقلبي يخفق بالأمل في السعادة، وحديث السيدة الفاضلة في الحرم عن اليُسر بعد العُسر يتردد في أعماقي.

بدأتُ حياتي الزوجية مُتفائلةً وسعيدةً، ووجدتُ في زوجي كل ما تمنيتُ لنفسي في الرجل الذي أسكن إليه من حُبٍ وحنانٍ وكرمٍ وبِرٍ بأهله وأهلي، إنه (اليُسر مع العُسر).

غير أن الشهور مضت ولم تظهر عليّ أيٌ من علامات الحَمل، وشعرتُ بالقلق خاصةً أنني كنتُ قد تجاوزتُ السادسة والثلاثين؛ فطلبتُ من زوجي أن أُجري بعض التحاليل والفحوص خوفاً من ألا أستطيع الإنجاب، فضمني إلى صدره وقال لي بحنانٍ غامرٍ إنه لا يهمه مِن الدُنيا سواي، وإنه ليس مُهتماً بالإنجاب لأنه لا يتحمل صخب الأطفال وعناءهم، لكنني أصررتُ على مطلبي، وذهبنا إلى طبيبٍ كبيرٍ لأمراض النساء؛ فطلب مني إجراء بعض التحاليل، وجاء موعد تسلم نتيجة أول تحليلٍ منها ففوجئتُ به يقول لي: "لا داعي لإجراء بقية التحاليل، مبروك يا مدام، أنتِ حامل!"، فلا تسأل عن فرحتي وفرحة زوجي بهذا النبأ السعيد، وغادرتُ عيادة الطبيب وأنا أشد على يده شاكرةً له بحرارةٍ. وفي ذلك الوقت كان زوجي يستعد للسفر لأداء فريضة الحج، فطلبتُ منه أن يصطحبني معه لأداء الفريضة وأداء واجب الشُكر لمن أنعم عليّ بهذه النِعم الجليلة، ورفض زوجي ذلك بشدةٍ وكذلك طبيبي المُعالج؛ لأنني في شهور الحَمل الأولى، لكني أصررتُ على مطلبي وقلتُ لهما: "إنَّ مَنْ خَلَقَ هذا الجنين في أحشائي على غير توقعٍ قادرٌ على أن يحفظه من كُل سوءٍ"، واستجاب زوجي لرغبتي بعد استشارة الطبيب واتخاذ بعض الاحتياطات الضرورية، وسافرنا للحج وعدتُ وأنا أفضل مما كنتُ قبل السفر. ومضت بقية شهور الحَمل في سلامٍ، وإن كنتُ قد عانيتُ مُعاناةً زائدةً بسبب كِبَر سني، وحرصتُ خلال الحَمل على ألا أعرف نوع الجنين لأن كُل ما يأتيني به ربي خيرٌ وفضلٌ منه، وكُلما شكوتُ لطبيبي من إحساسي بكِبَر حجم بطني عن المُعتاد فَسَّره لي بأنه يرجع إلى تأخري في الحمل إلى سن السادسة والثلاثين. ثم جاءت اللحظة المُنتظرة، وتمت الولادة، وبعد أن أفقتُ دخل عليّ الطبيب وسألني باسماً عن نوع المولود الذي تمنيتُ لنفسي؛ فأجبته بأنني تمنيتُ من الله مولوداً فقط ولا يهمني نوعه، ففوجئتُ به يقول لي: "إذن ما رأيك في أن يكون لديك الحسن والحُسين وفاطمة؟!"، لم أفهم شيئاً وسألته عما يقصد بذلك؛ فإذا به يقول لي -وهو يُطالبني بالهدوء والتحكم في أعصابي- إن الله سُبحانه وتعالى قد مَنَّ عليّ بثلاثة أطفالٍ، وكأن الله سُبحانه وتعالى قد أراد لي أن أُنجب خلفة العُمر كُلها دفعةً واحدةً رحمةً منه بي لكِبَر سني، واستطرد طبيبي يقول لي إنه كان يعلم مُنذ فترةٍ بأنني حاملٌ في توأمٍ لكنه لم يشأ أن يُبلغني بذلك لكيلا تتوتر أعصابي خلال شهور الحَمل ويزداد خوفي. ولم أسمع بقية كلامه فلقد انفجرتُ في حالةٍ هستيريةٍ من الضحك والبُكاء وترديد عبارات الحمد والشُكر لله، وتذكرتُ سيدة الحرم الشريف والآية الكريمة: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، وهتفتُ إن الحمد لله الذي أرضاني وأسبغ عليّ أكثر مما حلمتُ به من نِعمه. أما زوجي الذي كان يزعم لي أنه لا يتحمل صخب الأطفال وعناءهم لكي يُهوِّن عليّ همي؛ فقد كاد يفقد رُشده حين رأى أطفاله الثلاثة، وراح يُردد كلمات الحمد والشُكر لذي الجلال والإكرام حتى خشيتُ عليه من شدة الانفعال، وأصبح من هذه اللحظة لا يطيق أن يغيب نظره عنهم، إنه بالفعل، وبفضل الله وحده (اليُسر مع العُسر).

 

أحبتي في الله.. كتبت هذه المرأة في ختام ما نشرته: "أكتب هذا من أحد الشواطئ، حيث نقضي إجازةً سعيدةً أنا وزوجي وأطفالي، وأُوجه رسالتي هذه إلى كُل فتاةٍ تأخر بها سن الزواج، أو سيدةٍ تأخر عنها الإنجاب، وأطالبهن بألا يقنطن من رحمة الله، وألا يقطعن الرجاء في الخالق العظيم، وألا يمللن سؤاله والدُعاء إليه أن يُحقق لهُن آمالهن في الحياة”.

 

وعن (اليُسر مع العُسر) يقول الله سُبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ويقول تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وعن هذه الآية قال المفسرون إنّ العُسر لا يأتي إلّا ومعه اليُسر، وإنّه لن يغلب عُسرٌ يُسرين؛ وهذا لأنّ كلمة العُسر وردت في الآيتين مُعرّفةً بأل التعريف فيكون هذا العُسر واحداً وليس مُتعدداً، أمّا اليُسر فقد ورد بصيغة التنكير، وهذا يقتضي اختلاف هذا اليُسر في كُلّ مرةٍ. وتعريف العُسر بأل التعريف يُفيد الاستغراق والعموم؛ دلالةً على أنّه مهما كان هذا العُسر شديداً وصعباً فإنّ اليُسر ملازمٌ له. إنّ وجه تنكير كلمة اليُسر ليس المُغايرة، وإنّما تعظيم هذا اليُسر الذي سيأتي من الله تعالى بعد العُسر بزمنٍ قليلٍ، والتكرار يُفيد التوكيد وتعظيم الرجاء وحُسن الظن بالله، كما يُفيد المُغايرة؛ فيكون هذا أبعث للأمل والصبر في النفس. وقد أفاد قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرَاً﴾ بيان مدى مُصاحبة اليُسر للعُسر واقترانه به، وفي ذلك بشارةٌ عظيمةٌ في مُصاحبة اليُسر للعُسر، وأن الفرج يأتي مع الكرب.

 

وعن (اليُسر مع العُسر) يقول أهل العِلم إن الشدائد التي قد تبدو للنفس مُؤلمةً، هي في حقيقتها رحمةٌ ورفعةٌ في الدرجات، فرُب بلاءٍ ظنه العبد شرّاً، فإذا فيه الخير كله، قال صلى الله عليه وسلم: [ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه]. وقال صلى الله عليه وسلم: [ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسِهِ وولدِهِ ومالِهِ حتَّى يَلقى اللَّهَ وما عليْهِ خطيئةٌ]. والبلاء ـ مع ما فيه من أجرٍ وثوابٍ عظيمٍ ـ يُعيد القلب والعبد إلى ربه خاشعاً مُنكسراً، يعترف بفقره وضعفه وحاجته، فيتطهّر قلبه من التعلّق بالمخلوقين، ويتوجّه صادقاً إلى رب العالمين، فتتجلّى فيه معاني التوحيد وصدق الإيمان؛ فالشدائد، رغم مرارتها، هي جسرٌ يعبر به العبد إلى رضوان الله، بصبره على البلاء، ورضاه بالقضاء، وإكثاره من الدعاء، ومُسارعته إلى التوبة والرجوع إلى الله؛ فما أرحم الله بعباده، وما أعظم كرمه وفضله عليهم، يبتليهم ليُطهّرهم ويُقرِّبهم إليه، ويجعل في البلاء لُطفاً خفياً قد لا يُدرَك بالعقول.

وعن هذا المعنى -وفي حديثٍ مُرسلٍ- قال النبي صلى الله عليه وسلم: [لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ].

 

وعندما سُئل أحد العارفين: أيهما أفضل للمؤمن: أن يُبتلى أم أن يُمكَّن أي أن يُحقق له الله كل ما يرجوه لنفسه؟ فقال: وهل يكون تمكينٌ إلا بعد ابتلاء؟

 

وعن (اليُسر مع العُسر) يقول الشاعر:

وَكَمْ لِلَّهِ مِنْ لُطْفٍ خَفِيِّ

يَدِقُّ خَفَاهُ عَنْ فَهْمِ الذَّكِيِّ

وكمْ يُسَرٍ أَتَى مِنْ بَعْدِ عُسْرٍ

وَفَرَجِ لَوْعَةِ الْقَلْبِ الشَّدِيِّ

وَكَمْ هَمٍّ تَسَاءَلَ بِهِ صَبَاحًا

فَتَعَقُبَهُ الْمَسَرَّةُ بِالْعَشِيِّ

إِذَا ضَاقَتْ بِكَ الْأَسْبَابُ يَوْمًا

فَثِقْ بِالْوَاحِدِ الْأَحَدِ الْعَلِيِّ

أحبتي.. كلٌ منا يمر بلحظات الضيق والشدة والابتلاء في حياته، فلنصبر على البلاء، ونكُون راضين بقضاء الله؛ فإن الفرج قريبٌ لا محالة، وإن (اليُسر مع العُسر). إذا حلَّت بنا المصائب والشدائد، وعصفت بنا الصعاب والمُلمات، فلا نيأس؛ فإن الصبر والتقوى من مفاتيح الفرج، وسيُفرِّج الله همومنا، ويُبدِّل ضيقنا، ويجعل لنا من كُل ضيقٍ مخرجاً؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾؛ فلنثِق بالله، ونرفع أيادينا إليه وندعوه فيستجيب لنا برحمته؛ فهو سُبحانه يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، ويقول تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فلنكُن من الراضين بقضاء الله، والصابرين، ولنُكثِر من الدُعاء لله، فإنه لا يُخيِّب مَنْ رجاه، ولا يرد مَنْ لجأ إليه ودعاه.

اللهم إنْ كتبتَ علينا العُسر فاجعله مما نستطيع تحمله، واجعلنا وقت ذاك من الصابرين، واكتب لنا مع كُل عُسرٍ يُسراً سريعاً قريباً، واجعلنا وقت ذاك من الشاكرين.

 

https://bit.ly/4d49yWo

الجمعة، 17 أبريل 2026

دعوة السَحَر

 

خاطرة الجمعة /547

الجمعة 17 إبريل 2026م

(دعوة السَحَر)

 

هذه قصةٌ حقيقيةٌ حدثت بالفعل في «المملكة العربية السعودية» أختصرها لكم فيما يلي:

فتاةٌ صالحةٌ تقيةٌ -نحسبها كذلك ولا نُزكي على الله أحداً- قلبها مُعلقٌ بالآخرة، تقوم الليل، لا تدع ذلك لا شتاءً ولا صيفاً، أُنسها وسعادتها في التهجد وقيام الليل ومناجاتها لربها وقت السَحَر. تقدم إليها مَن يطلب يدها، قالوا إنه مُحافظٌ ومُصَلٍ؛ فوافقت عليه بعد الاستخارة والالتجاء إلى ربها. وكان مما اعتاد عليه أهل مدينتها أن ليلة الفرح تبدأ في الثانية عشرة ليلاً وتنتهي مع أذان الفجر! لكن تلك الفتاة اشترطت لإقامة حفل زواجها بأن لا تدق الساعة الثانية عشرة إلا وهي في منزل زوجها، لم تكن تُريد أن تُضيِّع قيام الليل حتى في ليلة زفافها! حاول أهلها تغيير رأيها؛ فهذه ليلة فرحها التي لا تتكرر، لكنها أصرَّت على ذلك حتى وافق الأهل على مضضٍ.

مرَّت الأيام، وذات مساءٍ جميلٍ وكان القمر بدراً، دقت الساعة مُعلنةً عن تمام الساعة التاسعة، بدأت أصوات الزغاريد وضربات الدُفوف ترتفع، زُفَّت العروس إلى عريسها مع أهازيج الأُنس والفرح. قاربت الساعة من الثانية عشرة، أمسك الزوج بيد عروسه، ركب السيارة معها تقوده كل مشاعر الفرح، وإحساسٌ بالبهجة يُشعره بأنه حاز الدُنيا وما فيها. اتجها العروسان إلى منزلهما، دخلت العروس غُرفتها التي لطالما رسمت لها كُل أحلامها، كُل سعادتها، كُل أُمنياتها. انتقلت نظراتها السريعة بين أرجاء غُرفتها، رفعت بصرها، فجأةً شدَّ انتباهها شيءٌ ما، تسمَّرت في مكانها كأن سهماً اخترق قلبها لِما رأته في أحد زوايا غُرفتها؛ سألت نفسها: "هل حقاً ما أرى؟ ما هذا؟ أين أنا؟ كيف؟ لِمَ؟ أين قولهم عن زوجي؟"، زاغت نظراتها، تاهت أفكارها، قدماها لم تعودا قادرتين على حِملها، أحقاً ما ترى أم هو سرابٌ؟ ها هو العود يتربّع في غُرفتها! يا إلهي، إنه الغناء، بل إنها آلةٌ مُوسيقية!

قطع ذلك حبلَ أُمنياتها التي طالما رسمتها في مخيلتها، اغتمَّت لذلك غماً شديداً، وكان السكون مُخيِّماً على المكان، أمسكت دمعةً كادت أن تفلت من عقالها ثم قالت لنفسها: "الحمد لله على كل حالٍ، لا يعلم الغيب إلا الله سُبحانه وتعالى". أخذ عقلها يُحدثها قائلاً: "مهلاً؛ عليك بالصبر والحكمة وحُسن مُعاملتك لزوجك مهما فعل ومهما كان؛ فما يُدريكِ لعل هدايته تكون على يديك إذا صبرتِ وكُنتِ له أحسن زوجة؟!".

دقَّت الساعة لتُعلِن بداية الثُلث الأخير من الليل، وقت اشتياق الحبيب لحبيبه، فأرسل الله سُبحانه وتعالى نُعاساً على الزوج؛ فلم يستطع المُقاومة، غُطَّ في سُباتٍ عميق. لزمت العروس الهدوء حتى سمعت أنفاس زوجها تنتظم وهذا دليلٌ مُؤكدٌ على استغراقه في النوم، فقامت بتغطيته بلحافها وهي تدعو له، ثُمَّ انزوت عنه جانباً؛ فقد اشتد بها الشوق إلى حبيبها، هُرعت لمُصلاها وكأن روحها تُرفرف في السماء.

يقول الزوج واصفاً ذلك الموقف: "في تلك الليلة أحسستُ برغبةٍ شديدةٍ في النوم، على الرغم من رغبتي في إكمال السهرة، إلا أن الله تعالى شاء وغلبني النوم رغماً عني! وسُبحان الله ما سبق أن استغرقتُ في النوم وشعرتُ براحةٍ إلا في تلك الليلة، استغرقتُ في نومي، ثُمَّ تنبهتُ فجأةً؛ فتحتُ عيناي، لم أجد زوجتي بجانبي، تلفَّتُ في أرجاء الغُرفة، لم أجدها، نهضتُ أَجُر خُطواتي، فتحتُ باب الغُرفة، سكونٌ مُطلقٌ وظلامٌ دامسٌ يكسو المكان، مشيتُ على أطراف أصابعي خشية إيقاظها، فجأةً؛ ها هو وجهها يتلألأ في الظلام، إنها في مُصلاها! عجباً منها؛ لا تترك القيام حتى في ليلة زفافها! بقيتُ أرمق كل شيءٍ من بعيدٍ، اقتربتُ منها، ها هي راكعةٌ ساجدةٌ، تُطيل القراءة وتتبعها بركوعٍ ثم سُجودٍ طويلٍ، واقفةً أمام ربها رافعةً يديها، يا إلهي؛ إنه أجمل منظرٍ رأته عيناي، رفعت من سُجودها ثم أتبعته بالسلام يُمنةً ويُسرةً. أدركت زوجتي ما يدور في خَلَدي؛ فهتفت في أُذني: "أحببتُ أن لا يشغلني حبيبي الجديد عن حبيبي الأول"، تقصد ربها ونعم الحبيب والله، عجبتُ من هذا الكلام الذي لامس قلبي".

يواصل الزوج قائلاً: "على الرغم من كونها ما زالت عروساً، لم تمر على زواجنا ثلاثة أشهر، لكنها -كعادتها- لا تجد أُنسها إلا بين ثنايا الليل وفي غسق الدُجى ووقت السَحَر. أما أنا فقد كنتُ خلال هذه الشهور في غاية البُعد عن الله تعالى؛ أقضي الليالي في سهرات الطرب والغناء وعزف العود. وكانت هي لي أحسن زوجةٍ؛ تعاملٌ لطيفٌ، ونفسٌ رقيقةٌ، ومشاعر دافئةٌ، كانت تتفانى في خدمتي ورسم البسمة على شفتيَّ وكأنها تقول لي بلسان حالها: "ها أنا أُقدِّم لك ما أستطيعه، فما قدمتَ أنت لنفسك؟!"، لم تتفوّه بكلمةٍ واحدةٍ، أسرتني بحلاوة كلماتها، وجمال أخلاقها، وتعاملها الطيب، وحُسن عشرتها. في إحدى الليالي؛ عُدتُ في ساعةٍ مُتأخرةٍ من سهرةٍ عابثةٍ، دخلتُ إلى غُرفتنا لم أجد زوجتي، أغلقتُ الباب بهدوءٍ وخرجتُ أتحسس طريقي في الظلام مُتحاشياً التعثر. ما هذا؟ كأني أسمع همساً، صوتاً يطرق مسامعي، أضأتُ المصباح الخافت وتابعتُ بخطواتٍ هادئةٍ، فجأةً؛ صوتٌ جميلٌ يتلو القُرآن الكريم لم أسمع مثله في حياتي! هزتني تلاوتها للقُرآن، يبدو أن هذا الصوت جاء من الغُرفة المُجاورة، استدرتُ وتوجه نظري إلى مكانٍ خالٍ مُظلمٍ، وكأن نوراً ينبعث منه ليرتفع إلى السماء! تسمّرت نظراتي، إنهما يداها مرفوعتان للسماء، تسلَّلتُ ببُطءٍ، اقتربتُ كثيراً، سمعتُ دُعاءها، يا إلهي؛ لقد خصَّتني بدعائها قبل أن تدعو لنفسها! رفعت حاجتي قبل حاجتها! لقد كانت تدعو لي بالهداية؛ تبسمتُ، بكيتُ، اختلطت مشاعري، لمحتُ في عينيها بريقاً، دققتُ النظر إليها، فإذا هي الدُموع تنساح على وجنتيها كحبات لؤلؤٍ انفلتت من عقدها، بشهقاتٍ مُتقطعةٍ تطلب من الله تعالى أن يهديني، وتدعو لي بصوتٍ عالٍ وقد أخذها الحزن كل مأخذٍ، كانت تُكرر دُعاءها لربها، ثم تعود لبُكائها من جديدٍ، نشيجها قطَّع نياط قلبي، خفقات قلبي تنبض بشدةٍ، ارتعشت يداي، تسمَّرت قدماي، خنقتني العَبرة، رُحماك يا الله رُحماك رُحماك، أين أنا طوال هذه الشهور عن هذه الزوجة الحنون المعطاء الصابرة؟".

يقول الزوج: "في تلك اللحظة لم أملك إلا دمعاتٍ حارةً سقطت من عينيّ، أحنيتُ رأسي بين رُكبتيّ، أجمع دمعاتي المُلتهبة وكأنها غسلت جميع خطاياي، كأنها أخرجت كل ما في قلبي من فسادٍ ورياءٍ، ترقرقت عينايّ بالدُموع بعد أن كانت تشكو الجفاف والإعراض، ربّاه لقد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت! لحظاتٌ يسيرةٌ، ودقائق معدودةٌ وإذ بالمُؤذن من بيت الله يُنادي: حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، انسللتُ –بعد ترددٍ- وصورتها الجميلة لا تزال تُضيء لي الطريق، ذهبتُ إلى مسجد الحي وصليتُ الفجر كما لم أصلِ في حياتي من قبل! أخذت ظُلمات الليل في الانحسار، وظهرت تباشير الصباح، أشرقت الشمس شيئاً فشيئاً، وأشرقت معها روحٌ ونفسٌ جديدةٌ. كان ذلك الموقف بداية الهداية".

عاد الزوج إلى رُشده وصوابه، واستغفر الله عزَّ وجلَّ، ورجع إليه تائباً مُنيباً بفضل الله، ثم بفضل هذه الزوجة الصالحة التي دعته إلى التوبة والصلاح بفعلها لا بقولها، حتى امتلكت قلبه وأخذت بلُبِّه بجميل خُلُقها ولُطف تعاملها، عندها ندم وشعر بالتقصير تجاه خالقه أولاً ثم تجاه زوجته التي لم تحرمه من عطفها وحنانها لحظةً واحدةً. رجع الزوج رجوعاً صادقاً إلى الله تعالى وأقبل على طلب العِلم وحضور الدروس والمُحاضرات وقراءة القُرآن، وبعد سنواتٍ قليلةٍ -وبتشجيعٍ من هذه الزوجة المُباركة- أصبح واحداً من أكبر الدُعاة في مدينته.

 

أحبتي في الله.. يقول العُلماء إن لله سُبحانه أن يختار ما يشاء من خَلْقه؛ أشخاصاً، وأوقاتاً، وأماكن، وأحوالاً، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾، وذلك الاختيار الرباني اصطفاءٌ بعِلمٍ وحكمةٍ؛ وذاك ما يجعل المؤمن يحرص على ما يختاره الله ويصطفيه، ويهتمّ له أيما اهتمامٍ، ومما اختاره الله من الأوقات اليومية وخصَّه بمزايا انفرد بها عمَّا سواه وقتُ السَّحَرِ حين يبقى ثُلث الليل الآخر؛ إذ جعله الله جلَّ وعلا وقت نزوله كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدُنيا، نزولاً يليق به سُبحانه وتعالى، باسطاً توبتَه للمُذنبين، وعارضاً مغفرتَه للمُستغفرين، وفاتحاً خزائنَه للسائلين؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يَنزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى كُلَّ لَيلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا حينَ يَبقى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدعوني، فأستَجيبَ له؟ مَن يَسألُني فأُعطيَه؟ مَن يَستَغفِرُني فأغفِرَ له؟]. في السَّحر أقرب ما يكون الرب من عباده؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة: [أقربُ ما يكونُ الربُّ من العبدِ في جوفِ الليلِ الآخرِ فإِنِ استطعْتَ أن تكونَ ممن يذكرُ اللهَ في تلْكَ الساعَةِ فكُنْ]. ومن ثمار ذلك القُرب أنْ كانت (دعوة السَحَر) مسموعةً مُجابةً، سُئِل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أي الدُعاء أسمع؟ قال: [جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ]. وقال عليه الصلاة والسلام لصحابيٍ سأله: أيُّ اللَّيلِ أسمَعُ؟ قالَ: [جوفُ اللَّيلِ الآخرُ؛ فَصَلِّ ما شِئتَ فإنَّ الصَّلاةَ مَشْهودةٌ مَكتوبةٌ حتَّى تُصلِّيَ الصُّبحَ]. إن وقت السَحَر، يحمل قيمةً رُوحيةً عظيمةً في قلب كل مُسلمٍ عرف أثر القُرب من الله، وأدرك سرّ المُناجاة في الخفاء. إن (دعوة السَحَر) تحمل خصوصيةً لا تتكرر، حيث يكون العبد في أصفى حالاته، والجو ساكنٌ، والقُلوب أقرب ما تكون إلى الخُشوع. و(دعوة السَحَر) لها قدْرٌ عند أهل الإيمان، ولذةٌ فاقت لذة النوم على وثير الفِراش، لذةٌ جعلت المُتقين يتركون مراقدهم لمُناجاة ربهم؛ يقول الله تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: "كُلَّ اللَّيلِ أوتَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وانتَهى وِترُه إلى السَّحَرِ".

 

وعن (دعوة السَحَر) يقول الشاعر:

وَقُلْ: يَنْزِلُ الْجَبَّارُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ

بِلَا كَيْفٍ جَلَّ الْوَاحِدُ الْمُتَمَدَّحُ

إِلَى طَبَقِ الدُّنْيَا يَمُنُّ بِفَضْلِهِ

فَتُفْرَجُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُفْتَحُ

يَقُولُ: أَلَا مُسْتَغْفِرٌ يَلْقَى غَافِرًا

وَمُسْتَمْنِحٌ خَيْرًا وَرِزْقًا فَيُمْنَحُ

ويقول آخر:

وَاذْكُرْ وقُوفَكَ في المَعَادِ وَأَنْتَ في

كَرْب الحِسَابِ وَأَنْتَ عَبْدًا مُفْْرَدًا

سَوَّفْتَ حَتَّى ضَاعَ عُمْرُكَ بَاطِلًا

وَأَطَعْتَ شَيْطَانَ الغِوَايَةِ وَالعِدَا

فَانْهَضْ وَتُبْ مِمَّا جَنَيْتَ وَقُمْ إلى

بَابِ الكَرِيْمِ وَلُذْ بِهِ مَتَفَرِّدًا

وَادْعُوهُ في الأَسْحَارِ دَعْوَةَ مُذْنِبٍ

وَاعْزِمْ وَتُبْ وَاحْذَرْ تَكُنْ مُتَرَددًا

وَاضْرَعْ وَقُلْ يَا رَبِّ جِئْتُكَ أَرْتجي

عَفْوًا وَمَغْفِرَةً بِهَا كَيْ أَسْعَدَا

فَلَعَلَّ رَحْمَتَهُ تعُم فإِنَّهَا

تَسَعُ العِبَادَ وَمَنْ بَغَى وَمَن اعْتَدى

 

أحبتي.. قيل إن (دعوة السَحَر) غنيمةٌ ربانيةٌ؛ لا ينبغي الزُهد فيها؛ فهي أرجى موطنٍ تُقضى فيه حاجات الدُنيا والآخرة؛ قال بعض العارفين: "ليس بفقيهٍ من كان له إلى الله حاجةٌ، فنام عنها في الأسحار".

إن استجابة المولى عزَّ وجلَّ لدُعاء المؤمنين أقرب ما يكون وقت السَحَر؛ فلنغتنم هذا الوقت؛ حيث الناس نيامٌ يغطُّون في سُباتٍ عميقٍ ونومٍ ثقيلٍ، نقف نحن أمام الله، نتذلَّل له، نتضرَّع إليه، ندعوه (دعوة السَحَر) ونسأله الرحمة والغُفران، والقُبول وحُسن المآل، فهو غفَّار الذُنوب، ستَّار العُيوب، جابر العثرات، لا يَرُدُ سائله خائباً.

اللهم حَبِّب إلى نفوسنا قيام الليل، ويسِّر لنا التعود على صلاة التهجد، واستجب اللهم لدُعائنا وقت السَحَر. واكتبنا اللهم من عبادك الصالحين.

 

https://bit.ly/3QbmiSl

الجمعة، 10 أبريل 2026

رد المظالم

 

خاطرة الجمعة /546

الجمعة 10 إبريل 2026م

(رد المظالم)

 

كثيرةٌ هي قصص الظُلم، أما هذه القصة ففيها ظُلمٌ صارخٌ، أترككم مع ما كتبه صاحبها وأرسله للنشر في باب «بريد القُراء» بإحدى الصُحف المصرية الأكثر انتشاراً؛ كتب يقول:

أنا رجلٌ على مشارف العِقد السادس من عُمري، والأخ الأصغر لثلاثة أُخوةٍ تُوفي أبونا منذ أكثر من 25 سنةً، كان يُؤجر محلاً كبيراً جداً في بلدتنا الساحلية في أشهر منطقةٍ تجاريةٍ بالبلد، وقبل أن يُتوفى والدنا كان على خلافٍ مع أخينا الأكبر، بينما كان أخي الثاني طيباً جداً لا يُريد من حُطام الدُنيا شيئاً، وبلعبةٍ ماكرةٍ وقتها أقنعنا -أنا وأخي الثاني- والدنا أن يقوم بالتنازل عن حقه في استغلال المحل لي أنا وأخي الثاني حتي لا يأخذ أخونا الأكبر أي شيءٍ، وفعلنا نفس الأمر فيما يتعلق بالبيت الذي كان يملكه والدي وكُنا نسكن فيه، وكان أخي الأكبر يسكن ببدروم البيت، ووعدنا أبانا أننا لن نُخرج أخينا الأكبر من البيت أبداً؛ فغيَّر والدنا عقد إيجار المحل باسمينا -أنا وأخي الثاني- وباع لنا البيت بيعاً وشراءً.

سارت بنا الدُنيا بعد وفاة أبي؛ ففتح الله علينا كثيراً نظراً لما نتصف به من سُمعةٍ طيبةٍ في تجارتنا، إلى أن كبرنا ورُزقنا بأولادٍ علمناهم الصنعة، وارتفع مُستوانا المادي جداً فبِعنا شُققنا ببيت العائلة، وتركنا البدروم لأُسرة أخينا الأكبر الذي تُوفي بعد والدنا بخمسة أعوامٍ وفي قلبه حسرةٌ على الظُلم الذي ظلمناه له مع أبينا -كما كان يُردد دائماً قبل وفاته- وامتنعنا عن (رد المظالم) لأسرته. ترك أخونا زوجته وطفلين -لا يعولهما أي عائلٍ- وليس لهم أي مصدر رزقٍ إلا معاش والدهما، وكان بالكاد يكفيهم. طالبنا هذان الطفلان بعد أن كبرا بحق والدهما الذي ظُلم منا ومن أبينا، ولم يجدا منا وقتها إلا الجفاء.

وفي ذات مرةٍ كُنا نزورهم في العيد -بعد انقطاع ثلاثة أعوامٍ عن زيارتهم بسبب مشاغل الحياة وكُنا نكتفي بمُكالمةٍ هاتفيةٍ كل عدة أشهرٍ أو كل عيدٍ فقط- فما كان من الشابين إلا أن طالبانا مرةً أُخرى بحقهما؛ ولم يجدا إلا ما وجدا سابقاً من النُكران الكامل منا بأحقيتهما؛ فما كان منهما إلا أن اعترفا أمامنا بأنهما ما صليا صلاةً طوال عُمرهما إلا ويقولان "حسبنا الله ونعم الوكيل فيمن ظلمونا، اللهم أرنا انتقامك من الظالمين"، ومُنذ ذلك الحين لم ندخل بيتهما مرةً أُخرى، ولم نُقابلهما إلا حينما مرض أخي -وشريكي في البيت والمحل- بالمرض الخبيث، وفي نهاية مراحل هذا المرض طلب مني أخي أن أُحضر ابنيّ أخينا المظلوميْن لكي يُسامحاه قبل أن يلقى الله، فما كان منهما إلا أن حضرا، وعندما طلب السماح منهما قالا له: "كيف نُسامحك وأنت أخذتَ حق أبينا وأكلته بالباطل، واستمتعتَ به أنت وأولادك، ونحن لا نجد ما نؤجر به شقةً لنتزوج فيها، أو نجد حتى تكاليف الزواج، وأنت وأولادك تنعمون بحقنا ونحن محرومان منه"، وقالا له: "فلنتقابل أمام الله ونختصمك، وهو -سُبحانه- لن يرضى الظُلم لنا في الدُنيا، وسيرد لنا حقنا في الآخرة"، انهار أخي أمامهما لكي يُسامحاه، ولكنهما تركاه وخرجا، وبعدها بيومين مات ولم يُسامحاه، واستمر الوضع على ما هو عليه، لم يتم (رد المظالم) لاُسرة أخينا.

اليوم أُصبت أنا بنفس مرض أخي، وأرقد في المُستشفى للعلاج، ولكن مع فارقٍ واحدٍ هو أنني خفتُ على أولادي من الدُنيا فكتبتُ لهم كل شيءٍ؛ فما كان منهم إلا أن رموني في المُستشفى مُنذ بداية مرضي ولم يسألوا عني حتى اليوم مُنذ أكثر من ستة أشهرٍ، وطلبتُ من ابنيّ أخي الأكبر أن يُسامحاني لأنني لا أملك أن أُعيد لهما حقهما الآن؛ إلا أنهما رفضا وأصرا على أنهما سيختصماني أنا وأخي أمام الله ليُعيد لهما حقهما المسلوب في الدُنيا ممن يشتركون معهما شراكة دمٍ وقرابةٍ.

أعرف جيداً أنه حقهما، لكني لا أستطيع فعل أي شيءٍ الآن، ولا أستطيع (رد المظالم)، وكل ما أرجوه منك أن تكتب لهما -فهُما حريصان جداً على مُتابعة هذا الباب- أن يُسامحاني؛ فأنا أخاف الله جداً، وقد رأيتُ في مرضي هذا كل عذابات الدُنيا، ونسيتُ النعيم الذي عشته بحقهما، وعرفتُ أن الله حقٌ وأن الظُلم ظلماتٌ يوم القيامة، أرجوك اكتب لهما أن يُسامحاني قبل أن ألحق بأخي ولم يُسامحاني! أرجو نشر هذه الرسالة؛ إن لم يكن ليُسامحاني فلأكون عظةً يتعظ بها كل مَن تُسوِّل له نفسه أكل حق أي إنسان.

 

أحبتي في الله.. فتح الله عزَّ وجلَّ على مُحرر الباب الذي يُنشر في عدد الجمعة من تلك الصحيفة فرَدَّ بقوله:

سيدي.. كنتُ أتمنى أن تطلب مني مُناشدة أبنائك كي يُعيدوا حق ابنيّ عمهما الذي استوليتَ عليه ظُلماً، ليس فقط خوفاً من مواجهة الله وأنت من الظالمين، ولكن خوفاً على أبنائك الذين يأكلون مالاً حراماً ليس من حقهم، ومن مصيرٍ مُظلمٍ ومُخيفٍ ينتظرهم. وكنتُ أتمنى أيضاً أن تسألني عن وسيلةٍ للتكفير عن ذنبك وإعادة ما استوليتَ عليه ظُلماً وعُدواناً، لكنك فكرتَ فيما لا يُكلفك شيئاً أن يُسامحك مَنْ ظلمته.

لا يا سيدي لا أستطيع أن أفعل ذلك لأني لا أقبل أن أُعين ظالماً على ظُلمه، ولا أن أقسو على أرملةٍ ويتيمين عاشوا في قهرٍ وذُلٍ وفقرٍ في بدروم، وهُم يرون ظالميهم ينعمون بما لهم حقٌ فيه، ولم يعتدوا عليكم، بل كل ما فعلوه أن شكوكم إلى العادل الذي لعن الظالمين ووعدهم بالويل والعذاب الأليم؛ فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.

سيدي.. لم يَسْعَ شقيقك وشريكك في الجُرم إلى التكفير عن خطئه، ولم يُحاول -قبل مُواجهة الله عزَّ وجلَّ وقبل أن يذهب إلى ظُلمات يوم القيامة- أن يُصلح من جريمته، ومات أمام عينيك، وبدلاً من أن ترتدع وتُسارع وأنت في كامل صحتك إلى (رد المظالم) وإعادة ما استوليتَ عليه، أغرتك الدُنيا وفتنتك بالمال؛ فكتبتَ ما تملك لأولادك؛ فأصابك المرض وانفض عنك من ظلمتَ من أجلهم، لتجني ثمار الحنظل الذي غرسته، فكيف للمال الحرام أن يُثمر أولاداً صالحين؟!

إنها شجرةٌ واحدةٌ بدأت من والدك، وامتدت إليك وإلى شقيقك الراحل، وها هي تمتد إلى أبنائكما وهُم غافلون مُغترون بشبابهم وما حصدت أياديهم، وكأن الله أعمى أبصارهم فلم يفطنوا إلى ما ألمَّ بك وبعمهم الراحل، وواصلوا رحلتهم نحو المعصية ولا يدرون أن الله تعالى ليس بغافلٍ عما يفعلون. وإن كان لي أن أُخاطب أحداً فإني أُناشد أبناءك أن يعودوا إلى رُشدهم فينقذوا والدهم وأنفسهم من عذابٍ آتٍ لا ريب فيه، ويُطهِّروا أموالهم، ولن ينقص ذلك من رزقهم شيئاً، ويعلموا أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجابٌ؛ فهل يشترون الدُنيا والآخرة بقليلٍ من متاع الحياة؟!

أما أنت يا سيدي؛ فأدعوك وأنت على فراش المرض أن تستعين بزوجتك وبمحامٍ لتسأله وتعترف أمامه بحقوق ابنيّ أخيك الراحل، لعله يجد لك مخرجاً قانونياً قبل أن تُسَد أمامك كل المخارج، ولعل الزوجة تنجح في جمع أولادك وأولاد أخيك الراحل أمامك لترجوهم أن يُعيدوا الحق إلى أصحابه؛ رحمةً بك وبشقيقك وبوالدك وبِأنفسهم، لعلَّ في ذلك أملاً في رحمة الله، وإن لم تفعل فإليك هذا البيت للشاعر العربي:

يا ظالماً نفسه بظُلمي

لا تبكِ مما جنت يداك

 

وعن (رد المظالم) يقول العُلماء إنه في يوم العدل المُطْلَق -يوم القيامة، يوم الحساب- تُوَفَىَ الحُقوق وتُسترد المظالم؛ يقول تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾، ويقول أيضاً: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾، ويقول كذلك: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:  [لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إلى أهلِها يَومَ القيامةِ، حتَّى يُقادَ للشَّاةِ الجَلحاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرناءِ]، وفيه أن الله يقضي بين خَلْقِه بالقِسط يوم القيامة، حتى إن عدله تعالى ليشمل الحيوانات كلها، ويقول عليه الصلاة والسلام: [إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ] ويا لها من خسارةٍ جسيمةٍ وحسرةٍ أن يأتي الإنسان بحسناتٍ كالجبال تعب في تحصيلها، وأفنى حياته في جمعها، وحَرم نفسه في سبيلها، يجعلها الله هباءً منثوراً لا قيمة لها ولا وزن ولا حساب، بل تُوزَع وتُقَسَّم على مَن ظَلَمَهم، فتضيع الأجور وتذهب الحسنات وتبقى الحسرات؛ فالخير كل الخير في (رد المظالم) في الدُنيا قبل الآخرة؛ حيث لا يُجدي الندم؛ يقول عزَّ وجلَّ: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

وحين يرى المؤمنون أهل التُقى والصلاح ثواب أعمالهم، ويظنوا أنهم قد نجوا، تحدث المفاجأة؛ يقول صلى الله عليه وسلم: [إِنَّ الرجلَ لتُرفعُ له يومَ القيامةِ صحيفتُهُ حتى يرَى أنَّهُ ناجٍ فما تزالُ مظالمُ بنِي آدمَ تتبعُهُ حتى ما يَبْقى لهُ حسنةٌ، ويحملُ عليهِ من سيئاتِهمْ].

وثمة مفاجأةٌ أُخرى في انتظار بعض المؤمنين، الذين لم يظلموا غيرهم، لكنهم ركنوا إلى ظالمٍ ولم ينتبهوا إلى أن الله تعالى نهى عن ذلك؛ يقول سبحانه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، يقول المفسرون المُراد بالركون، الميل إلى الظالم ولو بالقلب، وموافقته على ظُلمه، والرضا بما هو عليه من الظُلم، وإذا كان هذا الوعيد في الركون إلى الظَلَمة، فكيف حال الظَلَمة أنفسهم؟! والأسوأ ممن يركن إلى الظالمين هو من يسمح لنفسه أن يكون أداةً لظالمٍ، يدعمه ويقوم بالظُلم لصالحه، فيكون أشقى الناس وأكثرهم حماقةً؛ إذ باع آخرته بدُنيا غيره!

أما سبيل النجاة فَيُبَينه النَّبِي صلى الله عليه وسلم بقوله: [مَن كانَت له مَظلِمةٌ لأخيه مِن عِرضِه أو شيءٍ فليَتَحَلَّلْه منه اليَومَ، قَبلَ أن لا يَكونَ دينارٌ ولا دِرهَمٌ، إن كان له عَمَلٌ صالِحٌ أُخِذَ منه بقدرِ مَظلِمَتِه، وإن لَم تَكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ صاحِبِه فحُمِلَ عليه]، ومن عجز عن (رد المظالم) ولم يُسامحه مَن ظَلَمَهم فعليه أن يعزم على الرد متى ما تيسر له ذلك، ووجب على أصحاب المظالم إنظاره إلى حين ميسرة.

 

أحبتي.. ختاماً أقول كما قال أحد الصالحين: إذا هممتَ بظُلم أحدٍ فاذكر قُدرة الله عليك، واعلم أنه تعالى آخذٌ للمظلومين من الظالمين؛ فدعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السموات؛ [يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى وعزَّتي وجلالي لأنصرَنَّكَ ولَو بعدَ حينٍ]؛ فاتقوا الظُلم فإن الظُلم ظلماتٌ يوم القيامة؛ يحجب المرء عن رضا الله تعالى، وعن النعيم الذي أعده الله سُبحانه للصالحين من عباده.

فليكن دعاؤنا: ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. اللهم يا من حرَّمتَ الظُلم على نفسك، وجعلته بين عبادك مُحرَّماً، وأمرتنا بألا نتظالم، اللهم برحمتك لا تجعلنا من الظالمين، ولا تجعلنا مع الظالمين، ولا تجعلنا ربنا أعواناً لهم.

اللهم استجب لدعوة المظلوم؛ فليس بينها وبينك حجاب، وخُذ الظالمين ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾، ولا تُفلتهم وأنت سُبحانك القائل ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.

اللهم أزل الغُمة عن عيون المفتونين بالظالمين، يركنون إليهم، ويُبررون لهم، ويتعاطفون معهم. اللهم قِنا شر ظُلم أنفسنا، أو ظُلم غيرنا، ويَسِّر لنا اللهم (رد المظالم) -مهما صغُرت أو قَلَّت- إلى أهلها، ونُصرة المظلومين، وإقامة الحق، ولو على أنفسنا والأقربين.

https://bit.ly/4mogT6k

الجمعة، 3 أبريل 2026

قد يُثاب المرء رغم أنفه!

 

خاطرة الجمعة /455

الجمعة 3 إبريل 2026م

(قد يُثاب المرء رغم أنفه!)

 

كتبت شابةٌ على صفحتها بأحد مواقع التواصل الاجتماعي: لم أُدرك بعُمق معنى العبارة القائلة (قد يُثاب المرء رغم أنفه) إلا بالأمس فقط؛ فقد كنتُ في منزلي أستعد للخروج لموعدٍ هامٍ، وكنتُ في عجلةٍ شديدةٍ من أمري. دخلتُ الشُرفة لجلب غرضٍ ما قبل المُغادرة، فجأةً، انهمر عليَّ دلوٌ من الماء غمرني من رأسي حتى قدميّ، بالطبع انتابتني نوبة غضبٍ عارمةٌ، وشرعتُ في الصُراخ والاحتجاج، ثم استدعيتُ حارس البناية لأستعلم منه عن الشخص الذي يقوم بتنظيف شُرفته في ذلك الوقت، فأخبرني برقم الشقة في الطابق العُلوي، ومن شدة غضبي فتحتُ هاتفي المحمول ودخلتُ إلى المجموعة الخاصة بسُكان البناية وأرسلتُ رسالةً صوتيةً تُعبِّر عن غضبي الشديد، ثم اتصلتُ بمالك هذه الشقة ووبَّخته وتحدثتُ معه بحدةٍ وانفعالٍ، والحقيقة أنه كان يُجيبني بهدوءٍ بالغٍ، فسَّرتُه حينها بأنه برودٌ منه، مما زاد من اشتعال غضبي. بعد أن هدأت ثورتي، أوضح لي الرجل أن الأمر لم يكن مقصوداً على الإطلاق، ووعدني بإبلاغي مُستقبلاً قبل البدء في التنظيف، ثم ختم حديثه بلُطفٍ قائلاً: "حصل خيرٌ، تشرفنا بمعرفتكِ، وتفضلي بشُرب القهوة مع زوجتي".

رغم استعجالي ذهبتُ إليها بالفعل بنية عتابها وإفهامها أن ما حدث لا يصح، لكن الحديث أخذ مساراً آخر؛ فبعد أن استمعت الجارة لشكوتي ردَّت عليّ بأدبٍ جمٍّ أخجلني؛ ثم دعتني لشُرب القهوة، ولا أعرف ماذا دهاني، حتى أنني ألغيتُ ارتباطي وموعدي! وجدتُ نفسي قد ارتحتُ لهذه المرأة الطيبة، وقبلتُ دعوتها لشُرب القهوة، وبدأنا حديثاً ودياً حيث أخذت تقصُّ عليَّ اهتمامها بالعمل الخيري، وحكت لي عن مُعاناة أُسرةٍ تمر بظروفٍ قاسيةٍ، ولديهم طفلةٌ تحتاج إلى عمليةٍ جراحيةٍ عاجلةٍ؛ فأخبرتُها بأنني سأرى ما يُمكنني فعله.

بعد انتهاء زيارتي لجارتنا تواصلتُ مع صديقةٍ لي يُمكن أن تُساعد تلك الأُسرة وحكيتُ لها عن حالة الطفلة؛ فرحبت بمُساعدة الأُسرة ومُتابعة حالة الطفلة، وتم بالفعل ترتيب أمر اصطحاب الطفلة والذهاب بها إلى الطبيب الذي قام بفحصها، وأجرى لها الجراحة بعد يومين.

حين تأملتُ هذا الموقف، أيقنتُ أن ما حدث لم يكن مُجرد صُدفةٍ، وإنما هو تدبير الله سُبحانه؛ هو ما جعلني أدخل الشُرفة في تلك اللحظة تحديداً، ويحدث ما حدث ليكون سبباً لصُعودي إلى شقة جارتنا، وبدلاً من استمرار النزاع، ينفتح باب الحديث عن الأُسرة الفقيرة والطفلة المريضة؛ لنصل في النهاية إلى هذه النتيجة الطيبة، تمت كُل هذه الترتيبات الإلهية كي أكون حلقة وصلٍ وسبباً في تفريج كُربة أُسرةٍ وإنقاذ حياة طفلةٍ؛ فأنال الثواب دون تخطيطٍ مُسبقٍ أو جُهدٍ يُذكر؛ فالحمد لله دائماً على تدبيره، والحمد لله على ترتيباته لنا ولُطفه بنا.

 

أحبتي في الله.. يُمكن اختصار هذه القصة في الآية الكريمة: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾؛ فمن تدبيره عزَّ وجلَّ ترتيب تلك الأحداث، ليس لمصلحة الطفلة المريضة وأُسرتها فحسب، بل وكان من تدبيره ولُطفه سُبحانه وتعالى إثابة الشابة التي روت القصة على جُهدٍ قامت به، لم تكن تُفكر فيه، ولم تُخطط له، بل حدث ذلك الموقف وتطور على غير إرادتها، حتى إن مقولة (قد يُثاب المرء رغم أنفه) قد انطبقت تماماً عليها!

 

وهذه قصةٌ أُخرى رواها طبيبٌ كان يعمل في مجال علاج سرطان الدم، بمعهد الأورام بمدينة «المنيا» المصرية، كتب يقول: من عادتي أن أترك هاتفي في وضع الصامت دائماً عندما أخلد إلى النوم، لأن رنينه يُسبب لي إزعاجاً شديداً، وهذا دأبي مُنذ أكثر من عشر سنواتٍ. وفي إحدى ليالي الشتاء شديدة البُرودة، فوجئتُ بأنني نسيتُ تفعيل هذا الوضع، فظَلَّ الهاتف يرن بإلحاحٍ حتى أقلق منامي وأثار ضجري؛ نهضتُ لأرى مَن هذا الذي يتصل بي في وقتٍ مُتأخرٍ وبمثل هذا الإصرار، فوجدتُ المُتصل هو مُدير معهد الأورام الذي أعمل به، قُلتُ في نفسي: "اللهم اجعله خيراً"، سألته: "ماذا هناك؟"، أجاب: "نُريد حضورك غداً للأهمية القُصوى"، قلتُ: "غداً الخميس، وأنا سآتي إليكم يوم السبت على أية حال"، فجاء الرد قاطعاً: "لا بد من حضورك غداً.. لا بديل عن ذلك"، حاولتُ الاعتذار قائلاً: "من المُستحيل أن أحضر الخميس، فلديّ مواعيد وارتباطاتٌ مُسبقة"، لكنه أصر وأنهى المُكالمة بقوله: "لا شأن لنا بذلك، نحن بانتظارك غداً". في اليوم التالي بدأتُ رحلتي بعد صلاة الفجر، ركبتُ سيارتي العتيقة على مضضٍ، قُدتُ بتمهلٍ بسبب الضباب الكثيف، وعلى الطريق لفت نظري رجلٌ مُسنٌ يحمل طفلاً صغيراً في التاسعة من عُمره تقريباً، كان وجه الصغير شاحباً ويرتجف من شدة البرد، أوقفتُ سيارتي وفتحتُ له بابها قائلاً: "تفضل يا حاج". ظننتُ أنه يقصد قريةً على الطريق، وقلتُ في نفسي لعلّه يؤنسني في طريقي، سألتُه: "يا عمي، ما الذي أوقفك في هذا الوقت المُبكر مع هذا الطفل الصغير في هذا البرد القارس؟"، أجابني: "لقد فاتني القطار، فجئتُ أبحث عن أية سيارةٍ تُقلني لأنني يجب أن أصل مُبكراً"؛ فسألتُه: "إلى أين وجهتك بالضبط يا عمي؟"، قال والدُموع في عينيه: "هذا الولد مُصابٌ بسرطان الدم، واليوم موعده ليتلقى جلسة العلاج الكيماوي في معهد الأورام ب«المنيا»"! هُنا فقط أدركتُ لماذا نسيتُ هاتفي عاملاً غير صامتٍ، ولماذا كان إصرار مُدير المعهد على حُضوري المُبكر إلى «المنيا»، سُبحان الله، هُنا تتجلى الحكمة الإلهية.

سألني الرجل ببراءةٍ: "وأنتَ يا بك، ما هي وجهتك؟ أخبرني كي لا أُعطلك، يُمكن أن أنزل في أقرب نُقطةٍ لأستقل وسيلة مواصلاتٍ أُخرى للمعهد"، أجبته بطُمأنينةٍ: "لا تقلق يا حاج، أنا سائقٌ خصوصيٌ أرسله الله لك خصيصاً ليوصلك إلى باب المعهد مُباشرةً"، قال بارتباكٍ: "ولكني لا أملك أجرة سيارةٍ خاصةٍ"؛ فقُلتُ له: "لا تشغل بالك بالأُجرة، فهي مدفوعةٌ بإذن الله، وبالزيادة أيضاً، المُهم القُبول"!

حقاً (قد يُثاب المرء رغم أنفه) فبعد أن كنتُ أقود سيارتي وأنا في غاية الضيق والضجر، أصبحتُ أقودها في غاية السعادة والرضا.

 

يقول تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾

يقول المُفسرون: من يخاف الله فيعمل بما أمره به، ويجتنب ما نهاه عنه، يجعل له مخرجاً من كل ضيقٍ، ويُيسِّر له أسباب الرزق من حيث لا يخطر على باله، ولا يكون في حُسبانه، ومن يتوكل على الله فهو كافيه ما أهمَّه في جميع أموره، إن الله بالغ أمره، لا يفوته شيءٌ، ولا يُعجزه مطلوبٌ، قد جعل الله لكل شيءٍ أجلاً ينتهي إليه، وتقديراً لا يُجاوزه.

 

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: [عَجِبَ اللهُ مِن قَومٍ يَدخُلونَ الجَنَّةَ في السَّلاسِلِ]، يقول شُراح الحديث: في هذا الحديث يُخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله يعجب من قومٍ يدخلون الجنة في السلاسل، ومعناه: أن هؤلاء القوم أُسروا وقُيدوا، فلما عرفوا صحة الإسلام دخلوا طوعاً فيه، فكان ذلك سبباً في دخولهم الجنة؛ إنه لُطف الله سُبحانه وتعالى وكرمه؛ يقول عليه الصلاة والسلام: [ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه].

 

ويقول أهل العِلم إن عبارة (قد يُثاب المرء رغم أنفه) وإن كانت ليست حديثاً شريفاً، فإنها صحيحة المعنى؛ فليست كل الأجور تأتي بالطاعات؛ فأحياناً يُثاب المرء من حيث لا يدري، يُثاب بلا جُهدٍ منه ولا عناءٍ وحتى بلا عمل! فقد تأتيه الحسنات لأنه مكروبٌ وصابرٌ، أو لحزنٍ عارضٍ، أو لضيقٍ يمر به وهو شاكرٌ، أو بمرضٍ ولو كان بسيطاً، أو بسبب المشقّة في رزقه، أو قد يُغتاب ويُتهم بما ليس فيه فيُؤجر ويُثاب؛ فقد يشاء اللهُ عزَّ وجلَّ أن يأتيك الثَّواب في ثوب أَذىً يُكفِّر الله به السيئات ويرفع الدرجات. وليست كُل الأُجور تأتي بكثيرٍ من الطاعات؛ فإن منها ما يأتي مِن: سرير المرض، ووخز الإبر، ورعشة الحُمّى، وقهر الضّيم، ومشقّة السَّير، وجُوع الفقر، وسهر الهمِّ، ومرارة الغُربة، وحُزن الفقد، وتعبِ المُجاهدة، ومُغالبة الهوى. إن الإنسان تمرّ به لحظاتٌ لا يختارها، وأيامٌ تثقلها الهموم، ومواقفُ تمسُّ القلب بوجعها، ومع ذلك تتحوّل في ميزان الله إلى خزائن من الحسنات؛ فالأجر لا يتعلّق بالأفعال التي يختارها العبد وحده، بل يمتدّ إلى ما يمرّ به من أقدارٍ؛ حين يستقبلها بالصبر، ويُحسن الظنّ بربّه، ويُعلّق قلبه بحُسن التوكّل، ويُخلص العمل لله سُبحانه وتعالى؛ حينها تنقلب المحنة منحةً، ويصير للألم أجراً، ويكون في الصبر رفعةٌ، وفي الرضا أقدارٌ من الخير لا تُدرَك إلّا بقلبٍ موصولٍ بالله العلي العظيم. حينها يُثاب المرء ويُؤجَرُ على أعمالٍ لم يكن يظن أنها ذات بالٍ؛ يؤجر على بث الطاقة والأمل في نفوس المُحيطين به رغم حاجته لمن يدعمه ويُحفزه، يؤجر على ثباته لأن هُناك من يتكئ عليه، يؤجر على الاستماع للآخرين والتهوين من أزماتهم ومُحاولة تخفيف هُمومهم، رغم كل ما في صدره من ضيقٍ وتعبٍ، يؤجر على ثباته أمام الناس خوفاً من أن يُحمِّلهم أثقاله مع أثقالهم.

 

أحبتي.. (قد يُثاب المرء رغم أنفه) ويؤجر دون قصدٍ مُسبقٍ وسعيٍ منه، ولكن شريطة أن تكون سريرته نقيةً، وأعماله خالصةً لله سُبحانه وتعالى وحده دون غيره، بغير رياءٍ ولا سعيٍ لسمعةٍ أو شُهرةٍ أو شهوةٍ أو ربحٍ، وأن يُحسن استغلال فُرص عمل الخير حينما تلوح له؛ فكثيراً ما تجد نفسك تجبر خاطراً، أو تُفرِّج كُربةً، أو تُعين مريضاً، أو تصنع معروفاً لمُجرد أنَّ القدر وضعه في طريقك، وكأنَّ الله قد سَيَّره إليك خصيصاً. وأحياناً أُخرى، يُهاتفك شخصٌ ما ليُخبرك برغبته في التصدق ويبحث عن مُحتاجٍ، فيكون كل دورك أن تُرشده إلى شخصٍ تعرفه، فتنال أجر الصدقة بمجرد إجابتك عن السؤال. كذلك في مواقف أُخرى، قد يمنحك أحدهم شيئاً لتوزيعه في طريقك، فتقضي الأمر وتأخذ الأجر كاملاً، ذلك من عظيم كرم الله وفضله عليك؛ أن يُلهم الآخرين ذِكرك، وأن يختارك أنت دُون غيرك لتكون وسيطاً للخير. كل ذلك لا يحدث صُدفةً، ولا هو مهارةٌ منك، إنما هو تدبير الله عزَّ وجلَّ لعباده المُخلِصين، إنه توفيقٌ من الله تبارك وتعالى، وكرمٌ منه، ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.

اللهم يسِّر لنا عمل الخير، وحبِّبنا فيه، وتقبله منا خالصاً لوجهك الكريم، واجعلنا اللهم ممن ترزقهم الأجر والثواب رغم أنوفهم.

https://bit.ly/47FGK3C

 

الجمعة، 27 مارس 2026

سفيرٌ للإسلام

 خاطرة الجمعة /544

الجمعة 27 مارس 2026م

(سفيرٌ للإسلام)

 

كان «عليٌّ» شاباً من الشباب الغربي الضائع الذي يعيش حياةً لا قيمة لها، وهو كغيره من الشباب في الغرب؛ لم يجد من يأخذ بيده إلى طريق الحق، ويدعوه إلى دِين العدل والخير.. عاش «عليٌّ» هكذا هائماً لكنه كان على موعدٍ مع لُطف الله تعالى؛ فهيأ له سُبحانه الأسباب التي غيَّرت حياته واستنقذه بها من عذاب الأبد، فهداه عزَّ وجلَّ إلى الإسلام بعد رحلةٍ من البحث ليست بالقصيرة، فلما أسلم لم يرضَ أن يكون ككثيرٍ من المُسلمين بلا فاعليةٍ ولا أثر، بل قادته همته ليكون ذا أثرٍ؛ فأنشأ موقعاً خاصاً على شبكة الإنترنت يحكي قصة إسلامه ويدعو التائهين إلى دِين الحق، ويُثير هَم الغافلين من أبناء المُسلمين ليعملوا على نشر دينهم ونُصرة الحق الذي بين أيديهم، ويعرفوا قيمة الكنز الذي يملكونه والذي يتمنى كل تائهٍ عنه أن ينال منه حظه فيكون من سُعداء الدُنيا والآخرة.

يقول «عليٌ» في ذلك الموقع: السؤال رقم واحد هو: "كيف تحولتُ إلى الإسلام؟"، ويُجيب بنفسه: حسناً هذه حكايةٌ طويلةٌ، قبل الإسلام اعتدتُ على مُصاحبة أشخاصٍ سيئي العادات، وأعني تماماً أشخاصٌ سيئون، وعندما أُفكر جيداً في الأمر أجد أنني لم أملك خياراً أفضل من هؤلاء الأصدقاء.. لقد كانت حقاً تشكيلةً عجيبةً من الأشخاص! منهم الفتى المُخادع، والفتى المجنون، والفتى الثرثار، ومنهم الفتى غريب الأطوار، ومنهم اللص. وذات يومٍ دعاني أحد أفضل أصدقائي، والذي كان أسوأهم خُلُقاً، إلى اللعب معه في دورة كُرة سلةٍ لمُسلمين، سألته: "حسناً.. هذا جيدٌ مَن عسانا نعرف ويكون مُسلماً؟!!"، أخبرني أنه مُسلمٌ، قُلتُ: "ماذا؟! أنت مُسلم؟!"، وضحكتُ بملء فمي.. واستطردتُ مُتعجباً: "أنت الذي للتو تم اعتقاله! أنت الذي كان يُعلمني كيف أغش في المدرسة! عجيب! أنت مُسلمٌ؟! ماذا.. هل أنت جاد؟! أنت لستَ مُسلماً.. أنت تُحاول خداعي.. من تخدع يا رجل؟!"، في الحقيقة لم أستطع تصديقه...لذلك عندما ذهبتُ معه كان أعضاء فريق اللعب مُجتمعين، وكانوا يرتدون قُبعاتٍ عليها لفظ الجلالة «الله» وكلمة الإسلام! ماذا؟! يا إلهي... كيف يكون هذا؟! أُشاهد هؤلاء الفتيان طول الوقت في المدرسة! ليس لديّ أدنى فكرةٍ أنهم مُسلمون، مع كل الأُمور التي رأيتهم يفعلونها لم أتصور أبداً أن لهم أية صلةٍ بأي دِين!

ذهبنا للعب في دورة السلة، وعندما حان وقت الصلاة انصرف الفريق بعيداً وقالوا: "دعونا نجلس بالخارج!"، قلتُ: "ألا تُصلّون يا شباب خمس مراتٍ يومياً؟!"، كان جوابهم: "لا يا رجل، هذا عادي!".

بالنظر إلى سلوكهم اعتقدتُ أن الإسلام شيءٌ من الثقافة أو ما شابه ذلك، وبعد رؤيتي الطريقة التي يُمارس بها هؤلاء الإسلام لم أجد أية رغبةٍ في معرفة الإسلام؛ فهل يُمكن أن أُصبح مُسلماً بعد هذا الذي رأيته منهم؟! بالطبع لا.

مع مرور الوقت أوقعني أصدقائي في المزيد من المشاكل؛ أحدهم اعتُقل، والآخر تحت المُراقبة، وتعرضتُ أنا لإطلاق النار مرتين.

أي دينٍ ألتزم؟ للآن لا شيء.. لا شيء إطلاقاً.. كنتُ أعبد الأصنام، كنتُ وثنياً.. ألبس قِلادةً من الخُرافات حول عُنقي! مُعتقداً أنها تنفعني، لقد كنتُ تائهاً في عالم الجاهلية، عالم الجهل والإهمال، لم يعرض أحدٌ عليّ الإسلام؛ ولذلك لم يكن لدي أية فكرةٍ عنه.

 ولما تحققتُ أخيراً من أن تلك الأوثان والقِلادات لم تنفعني، قررتُ أن أبحث عن الحقيقة.. قُلتُ لنفسي: "إذا وجدتُها فسوف أُغيِّر حياتي"؛ لذا بدأتُ بالبحث في الأديان المُختلفة، وحال وجدتُ خطأً في دينٍ ما كنتُ أُلقيه جانباً.. ما أعنيه: إذا كان الدِين من خالق كل شيءٍ، من الله العظيم ذي القُدرة المُطلقة، لا يُمكن القبول بالخطأ فيه، أو قبول بأن الرسالة تغيرت بفعل إنسانٍ! أو أن الإله قد قُتل أو مات! لم أقبل بهذا.. ولم أكن لأرضى بدينٍ أكون فيه كرجلٍ أعمى ينساق خلف رجل دينٍ يظن أنه أقرب إلى الله منا جميعاً، لا أعتقد هذا... بدأتُ أشعر باليأس؛ يبدو أن جميع الأديان ليست كما أتمناها لنفسي. وذات يومٍ أعطاني أحدهم فرصةً للذهاب إلى أحد المُخيمات الإسلامية. اعتقدتُ أنّ هذه فرصةٌ جيدةٌ للتعرف على دِين الإسلام؛ فقررتُ الذهاب. أخذتُ صديقتي ذات الشَعر الأُرجواني وذهبنا إلى المُخيم الإسلامي.. ومن لحظة وصولنا كنتُ أُسبب كثيراً من المشاكل، لكن وبعد أن مللتُ من كثرة المشاكل هدأتُ ثم جلستُ، بدأتُ أستمع إلى المُحاضرات، وقد بدت لي مُثيرةً جداً؛ فقد كان المُتحدث يتكلم عن أشياء لم أسمع بها من قبل! بدأتُ أُقَيِّم.. وأُحلل.. وأسال.. ولأول مرةٍ في حياتي بدأتُ أُفكر.. نعم أُفكر.. لقد كان هذا مُذهلاً حقاً. كان كل شيءٍ واضحاً ومفهوماً. لقد قُلتُ لنفسي من قبل: "أينما وجدتُ الحقيقة فسوف أتبعها"، وها أنا قد وجدتُها.. ولذلك قررتُ أن أدخل الإسلام، وخلال ساعاتٍ أصبحت مُسلماً! أخبرتُ صديقتي أن الأمر قد انتهى.. أُصيبت بصدمةٍ. وعندما عدتُ إلى البيت أخبرتُ والديّ أني أصبحتُ مُسلماً، وكذلك مَن في البيت.. أُصيبوا جميعاً بصدمةٍ! وعندما أخبرتُ أصدقائي بأنني أصبحتُ مُسلماً اعتقدوا أنني رُبما جُننتُ، وصرخ بعضهم في وجهي: "مجنونٌ.. مجنونٌ.. لقد جُننتَ". أعتقد أن السبب في كون المُخيم مُختلفاً أنه عزلني عن كل مُلهيات الحياة؛ ففي الحياة العادية نكون مشغولين بأشياء كثيرةٍ ومُتنوعةٍ، ولكن عندما تترك مشاغل الحياة جانباً وتُتاح لك الفرصة الحقيقية للتفكير، ويُعرَض عليك الإسلام؛ كل ذلك يجعل للأمر معنىً مُتكاملاً. هل تساءلت يوماً: "لماذا يتحول الكثير من السُجناء إلى الإسلام؟!"، لأن كل المُلهيات والمشاغل انتهت وليس لديهم شيءٌ إلا التفكير والتفكّر. وعندما عُدتُ من المُخيم كان الجميع يعتقدون أنني جُننتُ.. لماذا؟! ولماذا لم يعتقدوا أنني مجنونٌ عندما كنتُ أُقدِّس الأحجار؟! عجيب أمرهم.

الحمد لله أنني مُسلمٌ من ذلك الوقت.. لكني الآن أنظر إلى الفَرق بين هذين الصنفين من المُسلمين الذين قابلتهم:

الصنف الأول: هُم الذين عرفتهم في المدرسة، ولم يكونوا سوى تشكيلةٍ من الأشخاص لا يُمكن أن تُميز لهم دِيناً أو هويةً.

الصنف الثاني: الذين قابلتهم في المُخيم كانوا مُسلمين حقاً.

وأنظر أي هذين الصنفين أثرَّ فيّ؟! وأيهما كان له تأثيرٌ إيجابيٌ، وأيهما كان تأثيره سلبياً؟ وكيف أنه لمّا قُدِّم لي الإسلام بشكلٍ صحيحٍ أصبحتُ مُسلماً من اليوم التالي مُباشرةً، لذلك إذا اعتبرتَ نفسك مُسلماً، وقُدتَ التائهين من حولك، فكم سيكون أثرك؟ إن هناك كثيراً من الناس مثلي؛ يُريدون الحقيقة، وهُم صادقون في ذلك، لكنهم يحتاجون فقط لمن يُقدِّمها لهم.

 

أحبتي في الله.. أنهى «عليُّ» سرده لقصة إسلامه بما يلي: "لقد هداك الله للإسلام، إنها أعظم منحةٍ يُمكن أن تحصل عليها في حياتك، فهل تترك كل هذا كي تُقلِّد الضالين من الناس؟! كيف يكون هذا؟! لقد أشرتُ إلى نوعين من المُسلمين، والأمر لكَ كي تُقرر أي النوعين تكون. نعم سيكون أحد الخيارين أصعب من الآخر لكن عاقبته لا شك حسنةٌ. إن طريقة حياتنا نفسها هي التي تُعبِّر عن الإسلام وتُقدِّمه للناس. سُبحان الله.. هؤلاء المُسلمون الذين كانوا حولي وقرروا أن يكونوا نماذج سيئةً للإسلام، ولم يُعطوني الإسلام يوماً.. ماذا سيقولون لله سُبحانه يوم القيامة؟ وهكذا إذا أهملتَ في دينك فلن يكون أثر هذا عليك وحدك، بل أيضاً على كل من يتعامل معك.. فهل تفهم ما أقول؟ آمل ذلك إن شاء الله.

 

لقد وصف «عليُّ» نفسه بصدقٍ، وعبَّر عن مشاعره بإخلاص، وأوضح بجلاءٍ أن أمام كل مُسلمٍ -خاصةً إذا كان مُغترباً- طريقين لا ثالث لهما؛ إما أن يختار طريق الصواب فيكون مُسلماً بحقٍ، وإما أن يختار طريق الهلاك بابتعاده عن دينه وانفلاته من تبعاته، والواجب بلا شك أن يختار كلٌ منا الطريق الأول، رغم كل ما قد يواجهه من مشاكل وصعوبات؛ فهو (سفيرٌ للإسلام).

 

وهذا رجلٌ آخر -من أوروبا- قرأ عن الإسلام، ثم هداه الله تعالى إلى دِين الحقِّ، فاعتنقَه بعدَ جهدٍ ذاتيٍ، وقرَّر بعدَ الهداية أن يترك بلادَه ويُسافر إلى بلاد دِينه الجديد؛ حتى يجدَ من يُيسِّر له سُبلَ التديُّن المنشود. ولكنَّه صُدِمَ بَعْد عدَّة انتقالاتٍ بين بلاد «المغرب العربي» و«مِصر»، حيث إنَّه فُوجئَ بضدِّ مطلبه وبُغيته، لقد كان يتخيَّل أنَّه سينَعمُ بجَنَّة القُرْب من أحفاد الصحابة، وفي أرض الأنبياء، فإذا به يُشاهد صُوراً من البُعد بين المعلوم من الدِّين والواقع الذي يعيشه أتباعُ الإسلام في الأرْضِ القريبة من مهبط الوحي؛ فقرَّر أخيراً أن يعود إلى موطنه فوراً، ويترك البلادَ التي زارها، وقبلَ أن يترك مدينةَ «القاهرة» -التي عاش فيها سنتين- قال كلاماً مُرّاً لإمامِ المسجد الذي كان يُصلِّي فيه؛ حيث قال له: "إنني أحمدُ الله تعالى على أنني تعرَّفتُ على الإسلام قبلَ أن أتعرَّفَ على المُسلمين، لقد كنتُ أتوقَّع أن أجِدَ هُنا من يُساعدني على دِيني، ولكني وجدتُ الفرق شاسعاً بين ما عرفتُه عن الإسلام وبين واقع المُسلمين".

 

وعن ذلك يقول أهل العِلم إن المُسلم بصفةٍ عامةٍ أياً كان البلد الذي يعيش فيه، والمُسلم الذي يعيش في بلدٍ ليس دينها الإسلام على وجه الخصوص، يُعتبر سفيراً لدِينه، رضي بذلك أم لم يرضَ، فهو كالشامة في ذلك المُجتمع، يرى الناسُ الإسلامَ من خلال سُلوكه ومُعاملاته، لذلك لا بد له أن يعرف ما هي واجباته نحو دِينه ونفسه وأهله وأُمته، ونحو المجتمع الذي يعيش فيه:

ولأنه (سفيرٌ للإسلام) فإن عليه واجباتٍ نحو دِينه منها أن عليه أن يمتثل أوامر ربه، ويَجتنب نواهيه، ويتخلَّق بأخلاق القُرآن، ويحرص على تطبيق سُنة نبيه العدنان، لا يفتقده ربُّه حيث أمره، ولا يجده حيث نَهاه، يَعْلَمُ أن أحب شيءٍ إلى الله هو أداءُ ما افترضه عليه من صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحج؛ يقول تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ . وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.

ولأنه (سفيرٌ للإسلام) فإن عليه واجباتٍ نحو نفسه بأن يحفظها ويُنمِّيها، وأن يجعلها نفساً أبيةً حُرَّةً شامخةً، لا تخضع ولا تدين بالعُبودية إلا الله عزَّ وجلَّ؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، ولا يُورد نفسه المهالك بإدمان الخُمور أو تعاطي المُخدرات أو الزنا وغير ذلك من مُوبقاتٍ؛ يقول سُبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

ولأنه (سفيرٌ للإسلام) فإن من واجباته نحو أهله وأُسرته أن يحميهم من الذوبان، ويُقيمها على الإسلام، عن طريق الرعاية وحُسن المعاملة، لأن كلاً منا مسئولٌ عن أهله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [كُلُّكُم راعٍ ومَسؤولٌ عن رَعيَّتِه] ومن ذلك [والرَّجُلُ في أهلِه راعٍ وهو مَسؤولٌ عن رَعيَّتِه].

ولأنه (سفيرٌ للإسلام) فإن واجباته نحو إخوانه تتمثل في أن عليه أن يتعامل ويتعاون معهم ليكونوا جميعاً جسداً واحداً، ويبتعد عن العصبية البغيضة؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [حَقُّ المُسلِمِ على المُسلِمِ سِتٌّ]، قيلَ: ما هُنَّ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: [إذا لَقيتَه فسَلِّمْ عليه، وإذا دَعاك فأجِبْه، وإذا استَنصَحَك فانصَحْ له، وإذا عَطَسَ فحَمِدَ اللهَ فشَمِّتْه، وإذا مَرِضَ فعُدْه، وإذا ماتَ فاتَّبِعْه].

ولأنه (سفيرٌ للإسلام) فإن واجباته نحو أُمته فتكون بأن يهتم بأُمته وأخبارها وقضاياها، ويعمل على رفع شأنها، ونُصرة قضايا المُسلمين؛ يقول تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.

ولأنه (سفيرٌ للإسلام) فإن واجباته نحو المُجتمع غير المُسلم الذي يعيش فيه تتحقق بأن يكون نموذجاً للمُسلم الحق الذي يفتخر به الإسلام والمُسلمون؛ فينمِّي ذلك المُجتمع، ويُساعد في نهضته وتنميته وعدم إفساده، وأن يدعو المُجتمع بالحكمة والموعظة الحسنة؛ يقول سُبحانه: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.

 

أحبتي.. كل واحدٍ منا هو (سفيرٌ للإسلام) ينبغي عليه أن يكون مثالاً يُحتذَى به، وقُدوةً يُقتدَى بها، بتمسكنا بدِيننا، واعتزازنا به، وحرصنا على أداء عباداته وشعائره، والتزامنا بسُنة نبيّنا صلى الله عليه وسلم، وأن يظهر أثر إسلامنا في أقوالنا وأفعالنا، في مظهرنا ومُعاملاتنا، في صفاتنا وأخلاقنا. إنها أمانةٌ ينبغي ألا نُفرِّط فيها؛ فسوف نُسأل عنها ونُحاسَب عليها.

أما إخواننا المُسلمين الذين يعيشون في بلادٍ ليس دِينها الإسلام، فأقول لهم:

أعانكم الله، نُقدِّر لكم صُعوبة ما تواجهون؛ فرُبما كان منكم من أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: [يَبيعُ قومٌ دينَهم بعرَضٍ منَ الدنيا قليلٌ، المُتمسِّكُ بدينِهِ كالقابِضِ علَى الجمرِ]، ونؤكد لكم أنه بقدر ما تزيد صُعوبة التزامكم بدِينكم ومشقة تمسككم به بقدر ما تنالون الأجر من الله؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، ويزيد ثوابكم كُلما زاد جُهدكم من أجل التزام أُسرِكم -زوجاتكم وأبنائكم- بدِينهم؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: [إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استرعاه: أحفِظ أم ضيَّع، حتَّى يسأَلَ الرَّجلَ عن أهلِ بيتِه]. وأقول لكلٍ واحدٍ منكم كما قال أحد الأئمة الكرام: "أنتَ على ثَغْرَةٍ من ثُغَرِ الإسلامِ، فلا يُؤْتَيَنَّ مِن قِبَلِكَ".

اللهم اجعلنا جميعاً من المُلتزمين المُتمسكين بدِينك، الذين ينظر إليهم الناس فيرون الإسلام في سلوكهم وأقوالهم، ويرونهم خير سُفراء لدِينهم.

https://bit.ly/4cedx1h

الجمعة، 20 مارس 2026

فرحة العيد

 

خاطرة الجمعة /543

الجمعة 20 مارس 2026م

(فرحة العيد)

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [للصَّائِمِ فرحَتانِ يَفرَحُهما: إذا أفطَرَ فرِحَ، وإذا لَقيَ رَبَّه فرِحَ بصَومِه] يقول شُراح الأحاديث إن للصيام فضائل عظيمةً، وكرامة الله للصائمين لا تنقطع؛ فإنهم حرموا أنفسهم الطعام والشراب والشهوة، فأعطاهم الله سُبحانه وتعالى من واسع عطائه، وفضَّلهم على غيرهم. وفي هذا الحديث يُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن للصائم الذي قام بحقوق الصوم، فأداه بواجباته ومستحباته؛ فرحتين عظيمتين: إحداهما في الدنيا، والأُخرى في الآخرة؛ أما الأولى: فإنه إذا أفطر فرح بفطره، أي: لزوال جوعه وعطشه حيث أُبيح له الفطر، أو لإتمامه وأدائه عبادته. وأما الثانية: فإنه إذا لقي ربه فرح بصومه، يعني أنه يفرح وقت لقاء ربه بنيل الجزاء، أو الفوز باللقاء، أو هو السرور بقبول صومه، وترتب الجزاء الوافر عليه.

وتكتمل (فرحة العيد) بتزامنها مع غيرها من المُناسبات السعيدة؛ كزواجٍ أو نجاحٍ دراسيٍ أو حصولٍ على وظيفةٍ أو ترقيةٍ في العمل أو انتقالٍ إلى منزلٍ جديدٍ أو شراء سيارةٍ، وغير ذلك من مُناسباتٍ يسعد بها الناس ويفرحون فيُشاركهم غيرهم فرحتهم.

وهُناك من مُسببات الفرح أمورٌ أُخرى منها: الفرحة باعتناق غير المُسلم للإسلام؛ إذ أنه أمرٌ مُستحبٌ ومطلوبٌ شرعاً، فهو من علامات الإيمان وحُب الخير للغير وهداية الناس، ففيه إنقاذ روحٍ بشريةٍ مِنَ النَّارِ.

وفيما يلي واحدةٌ من تلك القصص، وهي كثيرةٌ ولله الحمد، لكن هذه القصة لها مذاقٌ خاصٌ يُتمم لنا (فرحة العيد)، يقول ناشر القصة:

وجَّه المُذيع سُؤالاً إلى القِس السابق «ليف شتني» قائلاً: "كيف انتهى بك المطاف لاعتناق الإسلام بعد ثلاثين عاماً قضيتها في السلك الكهنوتي؟"؛ فأجاب القِس قائلاً: "لقد كنتُ قِسيساً، أفنيتُ سنواتٍ من عُمري في دراسة اللاهوت ووعظ الناس، بيد أن الحقيقة كانت دوماً أبعد بكثيرٍ عما كُنا نُردده؛ إذ وجدتُ نفسي في مواجهة تساؤلاتٍ جوهريةٍ لا إجابة لها؛ مثل:

لُغز «بولس»: فقد كُنتُ أسأل نفسي كثيراً: "خَلْفَ مَن نسير؟ أخَلْفَ «المسيح» أم خَلْفَ «بولس»؟ إنها شخصيةٌ غامضةٌ، حتى إن المؤرخين اختلفوا في نسبه وأصله، فلا أحد يعرف اسم أبيه أو أُمه، ولم يرَ «المسيح» قط ولم يسمع منه كلمةً واحدةً! وفجأةً، صار هو من يضع قواعد العقيدة، ويُحوِّل التوحيد إلى تثليثٍ مُعقدٍ، ويستبيح المُحرمات"، وهنا وجّه القس سؤالاً للمذيع: "سأطرح عليك سؤالاً يا سيدي.. لو كنتَ تعمل في مصرفٍ، وجاءك شخصٌ يطلب سحب عشرة آلاف دولار، وزعم أنه فلانٌ لكنه لا يحمل بطاقة هويةٍ ولن يُوقِّع على أوراقٍ، فهل ستُعطيه قرشاً واحداً؟"، أجاب المذيع: "بالطبع لا!"، عقَّب القِس: "لقد قُلتَ لا لأنه يفتقر إلى التوقيع وإثبات الشخصية! وهذا هو حال «بولس» تماماً؛ فلا أحد يعرف من هو، ولا يملك تفويضاً أو توكيلاً من «المسيح» عليه السلام!".

كذلك كانت هناك مُعضلة الأسفار المُتضاربة: إذ كُنتُ أرى كنيسةً تعترف بـ 73 سِفراً، بينما كنيسةٌ أُخرى حذفت سبعةً منها وقالت إنها 66 سِفراً فقط! أما الكنيسة الإثيوبية فتعتمد 81 سِفراً! تساءلتُ في نفسي حينها: "هل تزيد كلمة الله وتنقص وفقاً للأهواء؟ وأين هي النسخة الأصلية الصافية؟".

وأيضاً صراع الطوائف والتشتت العقدي: فقد عايشتُ حالةً من التخبط؛ فكل كنيسةٍ لها طقوسها الخاصة، ووصل الأمر إلى حد تبادل التكفير بين الطوائف، حتى في فريضة الصيام تجد الكنيسة الأرثوذكسية تصوم قرابة 200 يومٍ في السنة، منها الصوم الكبير (55 يوماً)، وصوم الميلاد، وصوم الرُسل، وصوم العذراء.. بينما الكنيسة الكاثوليكية يختلف صيامها تماماً ومدته أقصر بكثيرٍ، إذ يصومون الصوم الكبير أربعين يوماً فقط وبطريقةٍ مُغايرة. أما الكنيسة البُروتستانتية فلا توجد لديها أيام صيامٍ مُحددةٍ أو قوانين مُلزمةٌ، وكل فردٍ يصوم حسب تقديره الشخصي.. إنها قوانين بشريةٌ، وكل جهةٍ تزعم أن هذا هو مراد الله.

وإضافةً لما سبق: فطرة الأطفال والعهد الرباني؛ فقد كانت أصعب لحظات حياتي حين يسألني طفلٌ ببراءةٍ: "يا أبونا، هل كان الرُب يُناجي نفسه؟" وذلك حين يقرأ قوله: {إلهي إلهي لماذا تركتني}؛ فالطفل بفطرته يُدرك أن الإله واحدٌ صمدٌ لا يحتاج لأحدٍ. دفعني ذلك للذهاب إلى المسجد وطلبتُ من الإمام نسخةً من القرآن لأتدبرها، حتى وقعت عيناي على آيةٍ هزت كياني: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ هُنا استبنتُ كُل شيءٍ! وفهمتُ لماذا كنتُ أقف عاجزاً أمام براءة الأطفال وهم يسألونني عن نصوصٍ مثل {قال الرب لربي} أو {إلهي إلهي لماذا تركتني} وعن إلهٍ يُخاطب إلهاً! إن الله يجيب في تتمة الآية: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ أي أنه لن يستطيع أحدٌ يوم القيامة التذرع بقوله: "لا ذنب لي، لقد نشأتُ في أُسرةٍ مُشركةٍ فاتبعتهم"، أو "لقد خُدعتُ واتبعتُ قول الكاهن". إن الله يُخبرك بأنه غَرَسَ فيك التوحيد مُنذ البداية وأخذ عليك العهد وأنت لا تزال في عالم الذر، لكي لا تكون لك حجةٌ بالتقليد أو الغفلة. الفطرة التي تسكن أعماقنا تُدرك يقيناً أن الإله واحدٌ لا شريك له.

وكذلك فإن الإعجاز العلمي والبرزخ المائي شدني وأثار انتباهي: فكيف للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي عاش في قلب صحراء قاحلةٍ لا بحار فيها قبل 1400 عاماً، أن يصف بدقةٍ مُذهلةٍ ظاهرة البرزخ المائي؟ تلك الظاهرة التي لم يتمكن البشر من رؤية حدودها الفاصلة بوضوحٍ إلا بعد غزو الفضاء وتصويرها بالأقمار الصناعية، التي رصدت تباين الألوان والخصائص بين المياه وكأن هناك خطاً رُسم بمسطرة! يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ . بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ لقد أثبت العِلم الحديث عبر المسح الحراري وصُوَر الأقمار الصناعية وجود بحرين يلتقيان، عذبٌ ومالحٌ، أو مالحان مُختلفان، ورغم تلامسهما، إلا أن هناك برزخاً أي حاجزاً غير مرئيٍ يمنعهما من الاختلاط؛ فكل بحرٍ يُحافظ على كثافته، ومُلوحته، وحرارته، وكأن جداراً فاصلاً يمنع البغي أو الامتزاج. وتظهر هذه الظاهرة بوضوحٍ في: «خليج ألاسكا» حيث يظهر الخط الفاصل بين مياه المُحيط الداكنة ومياه الأنهار الجليدية الفاتحة. «مضيق جبل طارق» نُقطة التقاء البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي. في «مصر» عند التقاء النيل العذب بالبحر المتوسط. ومضيق «باب المندب» حيث تلتقي مياه البحر الأحمر بمياه المحيط الهندي.

السؤال الجوهري: من أين لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم بهذا العلم الذي لا يُرى إلا من فوق السحاب أو عبر الأقمار الصناعية وهو يعيش في الصحراء؟ الإجابة واحدةٌ: إنه وحيٌ من خالق البحار الذي أحاط بكل شيءٍ علماً.

وأيضاً تكريم «المسيح» وأمه «مريم» عليهما السلام: إذ وجدتُ في الإسلام أن «المسيح» نبيٌ عزيزٌ مُكرمٌ، ووجدتُ سورةً كاملةً في القرآن الكريم تحمل اسم أُمه «مريم»، كما أن «المسيح» في الإسلام هو كلمة الله، وليس إلهاً يُضرَب ويُصلَب ويُهان! والمُفاجأة الكُبرى هي أن المُسلم لو أنكر «المسيح» فإنه يكفر ويخرج من المِلة فوراً؛ فهُم يُحبونه ويُقدرونه أكثر منا بكثيرٍ، ولكن بصفته نبياً مُرسلاً. لقد عدتُ إلى أصلي.. عدتُ إلى الفطرة التي جبلني الله عليها. أشهد أن لا إله إلا الله، وأن مُحمداً رسول الله".

 

أحبتي في الله.. تُذكرني هذه القصة بقصة الغُلام اليَهوديّ الذي كان يخدم النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فمَرِضَ، فأتاه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعودُه، فقَعَدَ عِندَ رَأسِه، فقال له: [أسلِمْ]، فنَظَرَ إلى أبيه وهو عِندَه، فقال له: أطِعْ أبا القاسِمِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأسلَمَ، فخَرَجَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يقولُ: [الحَمدُ للَّهِ الذي أنقَذَه مِنَ النَّارِ]. لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الرحمة بخدمه، وإن كانوا من أهل الكتاب، والحرص على هدايتهم إلى الإسلام.

 

وتتجلى العلاقة بين قصة القس «ليف شتني» وحديث الغُلام اليهودي في أسمى صورها الإنسانية والروحية؛ فكلاهما يمثل رحلة خلاصٍ لنفسٍ بشريةٍ انتقلت من حيرة التيه إلى صدق اليقين. و(فرحة العيد) في كلتا القصتين فرحة رحمةٍ؛ فرحةٌ بنجاة إنسانٍ من مصيرٍ أبديٍ مؤلمٍ إلى نعيمٍ مُقيم، فرحةٌ بانتصار نداء الفطرة الكامن في كل نفسٍ؛ حيث عاد كلٌ منهما إلى الأصل الذي فطر الله الناس عليه. ويظهر من كلتا القصتين أن الهداية لا ترتبط بعمرٍ أو زمنٍ، بل بصدق الطلب؛ فالله سُبحانه برحمته لا يُضيِّع مَن بحث عن الحقيقة بصدقٍ، سواءً كان غلاماً يخدم أو قسيساً يعظ.

إنها (فرحة العيد) حينما نرى في القصتين تجسيداً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ فإحياء الروح بالهداية أعظم عند الله من إحياء الجسد بالطب، وهذا هو جوهر السرور الذي يشعر به المُسلم تجاه كُل إنسانٍ يُعتنق الإسلام.

 

إن قصة القس «ليف شتني» تُجسد رحلةً من الحيرة والبحث عن اليقين وصولاً إلى مرفأ الفطرة؛ إذ أشار القِس إلى عجز التفسيرات اللاهوتية أمام براءة الأطفال، وهو ما يُفسره الإسلام بأن الطفل يولد على الفطرة قبل أن تشوبها المؤثرات الخارجية؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: [مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ] حيث يوضح الحديث أن التوحيد هو الأصل، وما سواه هو مؤثرٌ خارجيٌ، تساؤل الطفل "هل الله يُكلم نفسه؟" هو صوت الفطرة التي ترفض منطق التعدد أو التجزئة في الذات الإلهية. أما مُعضلة التغيير في الكُتب والشرائع بتضارب عدد الأسفار واختلاف أيام الصيام فهو مما أكده القرآن في وصفه لما تعرضت له الكتب السابقة من تحريف؛ يقول تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.

كما أن الإسلام يوضح حقيقة «المسيح» ويُعلي من مكانته؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: [مَن شَهِدَ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ اللهِ ورَسولُه، وكَلِمَتُه ألقاها إلى مَريَمَ وروحٌ منه، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ؛ أدخَلَه اللهُ الجَنَّةَ على ما كان مِنَ العَمَلِ].

إن قصة «ليف شتني» هي تطبيقٌ عمليٌ لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾؛ فقد رأى الآيات في نفسه وفي الآفاق فكانت النتيجة هي اليقين.

 

إن الفرحة بإسلام هذا القس -وغيره ممن يدخلون في دين الله أفواجاً- يأتي مقروناً بالفرحة بعيد الفطر المُبارك، مما يُضفي على العيد بُعداً إنسانياً عميقاً؛ باعتباره يوم الجائزة لمن استقام على الفطرة؛ إذ يأتي عيد الفطر بعد ثلاثين يوماً مع القرآن الكريم، كتاب الله الذي كان السبب في تحول مسار حياة هذا القِس. إن فرحتنا في العيد تكتمل حين نرى ثمار هذا الدين تنمو في قلوب الباحثين عن الحقيقة؛ فالقرآن الكريم منبع الهداية في «رمضان»، نحن نحتفل في العيد بختام شهر نزول القرآن الكريم، والقِس «ليف شتني» لم يجد ضالته إلا حين فتح المُصحف وقرأ فيه؛ يقول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، إن أعظم فضلٍ ورحمةٍ نفرح بهما في العيد هو هداية القُلوب للإسلام، فنجاة نفسٍ من النار خيرٌ من كل كنوز الدنيا. وكما أن العيد هو ميلادٌ جديدٌ للصائم الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه، فإن إسلام القِس هو بمثابة ميلادٍ جديدٍ له؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: [الإسلامُ يَهدِمُ ما كانَ قَبلَه] أي يمحو ما كان قبله.

إن (فرحة العيد) فرحةٌ بالاستقامة، وفرحةٌ بإسلام شخصٍ وعودته لصفوف المُوحدين الناجين من النار؛ فالفرحة الحقيقية هي نجاة إنسانٍ من مصير الكافرين.

(فرحة العيد) في نجاة الآخرين من التيه؛ لقد عاش هذا الرجل عقوداً في حيرةٍ، ترهقه تساؤلات الأطفال البسيطة التي لم يجد لها جواباً في كُتبه، حتى وجد حق اليقين في آيةٍ واحدةٍ من كتاب الله. نفرح اليوم لأن الله اجتبى نفساً إنسانيةً من حيرة الشك إلى نور اليقين، ومن ضيق التعدد إلى سعة التوحيد؛ فالعيد هو العودة إلى هذا الأصل الصافي، هو احتفالٌ بأننا عُدنا -كما خلقنا الله- موحدين، مُنيبين.

 

أحبتي.. ليكن فرحنا اليوم مُزدوجاً؛ فرحةٌ بتمام عبادتنا، وفرحةٌ بأن باب الهداية ما زال مفتوحاً لكل تائهٍ، وأن نور القُرآن ما زال قادراً على هز كيان قِسٍ ليقول في نهاية المطاف: "لقد عُدتُ إلى أصلي". إن فرحتنا اليوم بتمام الصيام تُشبه فرحة ذلك القِس بتمام الوصول إلى الحقيقة؛ لقد صُمنا ثلاثين يوماً لنُطهِّر فطرتنا، وهو بَحَث ثلاثين عاماً ليجد فطرته. فالحمد لله الذي جعل عيدنا فرحةً بالهداية، والحمد لله الذي أنقذ نفساً من النار بآيةٍ من كتابه الكريم.

فلنجعل من دعائنا اليوم نصيباً لكل باحثٍ عن الحقيقة، لعلَّ الله يجعلنا سبباً في هداية قلبٍ، فيكون ذلك خيراً لنا من حُمْر النعم.

تقبل الله طاعاتنا وطاعاتكم، وعيدٌ مباركٌ على الجميع.

https://bit.ly/4bkUKC6