الجمعة، 27 مارس 2026

سفيرٌ للإسلام

 خاطرة الجمعة /544

الجمعة 27 مارس 2026م

(سفيرٌ للإسلام)

 

كان «عليٌّ» شاباً من الشباب الغربي الضائع الذي يعيش حياةً لا قيمة لها، وهو كغيره من الشباب في الغرب؛ لم يجد من يأخذ بيده إلى طريق الحق، ويدعوه إلى دِين العدل والخير.. عاش «عليٌّ» هكذا هائماً لكنه كان على موعدٍ مع لُطف الله تعالى؛ فهيأ له سُبحانه الأسباب التي غيَّرت حياته واستنقذه بها من عذاب الأبد، فهداه عزَّ وجلَّ إلى الإسلام بعد رحلةٍ من البحث ليست بالقصيرة، فلما أسلم لم يرضَ أن يكون ككثيرٍ من المُسلمين بلا فاعليةٍ ولا أثر، بل قادته همته ليكون ذا أثرٍ؛ فأنشأ موقعاً خاصاً على شبكة الإنترنت يحكي قصة إسلامه ويدعو التائهين إلى دِين الحق، ويُثير هَم الغافلين من أبناء المُسلمين ليعملوا على نشر دينهم ونُصرة الحق الذي بين أيديهم، ويعرفوا قيمة الكنز الذي يملكونه والذي يتمنى كل تائهٍ عنه أن ينال منه حظه فيكون من سُعداء الدُنيا والآخرة.

يقول «عليٌ» في ذلك الموقع: السؤال رقم واحد هو: "كيف تحولتُ إلى الإسلام؟"، ويُجيب بنفسه: حسناً هذه حكايةٌ طويلةٌ، قبل الإسلام اعتدتُ على مُصاحبة أشخاصٍ سيئي العادات، وأعني تماماً أشخاصٌ سيئون، وعندما أُفكر جيداً في الأمر أجد أنني لم أملك خياراً أفضل من هؤلاء الأصدقاء.. لقد كانت حقاً تشكيلةً عجيبةً من الأشخاص! منهم الفتى المُخادع، والفتى المجنون، والفتى الثرثار، ومنهم الفتى غريب الأطوار، ومنهم اللص. وذات يومٍ دعاني أحد أفضل أصدقائي، والذي كان أسوأهم خُلُقاً، إلى اللعب معه في دورة كُرة سلةٍ لمُسلمين، سألته: "حسناً.. هذا جيدٌ مَن عسانا نعرف ويكون مُسلماً؟!!"، أخبرني أنه مُسلمٌ، قُلتُ: "ماذا؟! أنت مُسلم؟!"، وضحكتُ بملء فمي.. واستطردتُ مُتعجباً: "أنت الذي للتو تم اعتقاله! أنت الذي كان يُعلمني كيف أغش في المدرسة! عجيب! أنت مُسلمٌ؟! ماذا.. هل أنت جاد؟! أنت لستَ مُسلماً.. أنت تُحاول خداعي.. من تخدع يا رجل؟!"، في الحقيقة لم أستطع تصديقه...لذلك عندما ذهبتُ معه كان أعضاء فريق اللعب مُجتمعين، وكانوا يرتدون قُبعاتٍ عليها لفظ الجلالة «الله» وكلمة الإسلام! ماذا؟! يا إلهي... كيف يكون هذا؟! أُشاهد هؤلاء الفتيان طول الوقت في المدرسة! ليس لديّ أدنى فكرةٍ أنهم مُسلمون، مع كل الأُمور التي رأيتهم يفعلونها لم أتصور أبداً أن لهم أية صلةٍ بأي دِين!

ذهبنا للعب في دورة السلة، وعندما حان وقت الصلاة انصرف الفريق بعيداً وقالوا: "دعونا نجلس بالخارج!"، قلتُ: "ألا تُصلّون يا شباب خمس مراتٍ يومياً؟!"، كان جوابهم: "لا يا رجل، هذا عادي!".

بالنظر إلى سلوكهم اعتقدتُ أن الإسلام شيءٌ من الثقافة أو ما شابه ذلك، وبعد رؤيتي الطريقة التي يُمارس بها هؤلاء الإسلام لم أجد أية رغبةٍ في معرفة الإسلام؛ فهل يُمكن أن أُصبح مُسلماً بعد هذا الذي رأيته منهم؟! بالطبع لا.

مع مرور الوقت أوقعني أصدقائي في المزيد من المشاكل؛ أحدهم اعتُقل، والآخر تحت المُراقبة، وتعرضتُ أنا لإطلاق النار مرتين.

أي دينٍ ألتزم؟ للآن لا شيء.. لا شيء إطلاقاً.. كنتُ أعبد الأصنام، كنتُ وثنياً.. ألبس قِلادةً من الخُرافات حول عُنقي! مُعتقداً أنها تنفعني، لقد كنتُ تائهاً في عالم الجاهلية، عالم الجهل والإهمال، لم يعرض أحدٌ عليّ الإسلام؛ ولذلك لم يكن لدي أية فكرةٍ عنه.

 ولما تحققتُ أخيراً من أن تلك الأوثان والقِلادات لم تنفعني، قررتُ أن أبحث عن الحقيقة.. قُلتُ لنفسي: "إذا وجدتُها فسوف أُغيِّر حياتي"؛ لذا بدأتُ بالبحث في الأديان المُختلفة، وحال وجدتُ خطأً في دينٍ ما كنتُ أُلقيه جانباً.. ما أعنيه: إذا كان الدِين من خالق كل شيءٍ، من الله العظيم ذي القُدرة المُطلقة، لا يُمكن القبول بالخطأ فيه، أو قبول بأن الرسالة تغيرت بفعل إنسانٍ! أو أن الإله قد قُتل أو مات! لم أقبل بهذا.. ولم أكن لأرضى بدينٍ أكون فيه كرجلٍ أعمى ينساق خلف رجل دينٍ يظن أنه أقرب إلى الله منا جميعاً، لا أعتقد هذا... بدأتُ أشعر باليأس؛ يبدو أن جميع الأديان ليست كما أتمناها لنفسي. وذات يومٍ أعطاني أحدهم فرصةً للذهاب إلى أحد المُخيمات الإسلامية. اعتقدتُ أنّ هذه فرصةٌ جيدةٌ للتعرف على دِين الإسلام؛ فقررتُ الذهاب. أخذتُ صديقتي ذات الشَعر الأُرجواني وذهبنا إلى المُخيم الإسلامي.. ومن لحظة وصولنا كنتُ أُسبب كثيراً من المشاكل، لكن وبعد أن مللتُ من كثرة المشاكل هدأتُ ثم جلستُ، بدأتُ أستمع إلى المُحاضرات، وقد بدت لي مُثيرةً جداً؛ فقد كان المُتحدث يتكلم عن أشياء لم أسمع بها من قبل! بدأتُ أُقَيِّم.. وأُحلل.. وأسال.. ولأول مرةٍ في حياتي بدأتُ أُفكر.. نعم أُفكر.. لقد كان هذا مُذهلاً حقاً. كان كل شيءٍ واضحاً ومفهوماً. لقد قُلتُ لنفسي من قبل: "أينما وجدتُ الحقيقة فسوف أتبعها"، وها أنا قد وجدتُها.. ولذلك قررتُ أن أدخل الإسلام، وخلال ساعاتٍ أصبحت مُسلماً! أخبرتُ صديقتي أن الأمر قد انتهى.. أُصيبت بصدمةٍ. وعندما عدتُ إلى البيت أخبرتُ والديّ أني أصبحتُ مُسلماً، وكذلك مَن في البيت.. أُصيبوا جميعاً بصدمةٍ! وعندما أخبرتُ أصدقائي بأنني أصبحتُ مُسلماً اعتقدوا أنني رُبما جُننتُ، وصرخ بعضهم في وجهي: "مجنونٌ.. مجنونٌ.. لقد جُننتَ". أعتقد أن السبب في كون المُخيم مُختلفاً أنه عزلني عن كل مُلهيات الحياة؛ ففي الحياة العادية نكون مشغولين بأشياء كثيرةٍ ومُتنوعةٍ، ولكن عندما تترك مشاغل الحياة جانباً وتُتاح لك الفرصة الحقيقية للتفكير، ويُعرَض عليك الإسلام؛ كل ذلك يجعل للأمر معنىً مُتكاملاً. هل تساءلت يوماً: "لماذا يتحول الكثير من السُجناء إلى الإسلام؟!"، لأن كل المُلهيات والمشاغل انتهت وليس لديهم شيءٌ إلا التفكير والتفكّر. وعندما عُدتُ من المُخيم كان الجميع يعتقدون أنني جُننتُ.. لماذا؟! ولماذا لم يعتقدوا أنني مجنونٌ عندما كنتُ أُقدِّس الأحجار؟! عجيب أمرهم.

الحمد لله أنني مُسلمٌ من ذلك الوقت.. لكني الآن أنظر إلى الفَرق بين هذين الصنفين من المُسلمين الذين قابلتهم:

الصنف الأول: هُم الذين عرفتهم في المدرسة، ولم يكونوا سوى تشكيلةٍ من الأشخاص لا يُمكن أن تُميز لهم دِيناً أو هويةً.

الصنف الثاني: الذين قابلتهم في المُخيم كانوا مُسلمين حقاً.

وأنظر أي هذين الصنفين أثرَّ فيّ؟! وأيهما كان له تأثيرٌ إيجابيٌ، وأيهما كان تأثيره سلبياً؟ وكيف أنه لمّا قُدِّم لي الإسلام بشكلٍ صحيحٍ أصبحتُ مُسلماً من اليوم التالي مُباشرةً، لذلك إذا اعتبرتَ نفسك مُسلماً، وقُدتَ التائهين من حولك، فكم سيكون أثرك؟ إن هناك كثيراً من الناس مثلي؛ يُريدون الحقيقة، وهُم صادقون في ذلك، لكنهم يحتاجون فقط لمن يُقدِّمها لهم.

 

أحبتي في الله.. أنهى «عليُّ» سرده لقصة إسلامه بما يلي: "لقد هداك الله للإسلام، إنها أعظم منحةٍ يُمكن أن تحصل عليها في حياتك، فهل تترك كل هذا كي تُقلِّد الضالين من الناس؟! كيف يكون هذا؟! لقد أشرتُ إلى نوعين من المُسلمين، والأمر لكَ كي تُقرر أي النوعين تكون. نعم سيكون أحد الخيارين أصعب من الآخر لكن عاقبته لا شك حسنةٌ. إن طريقة حياتنا نفسها هي التي تُعبِّر عن الإسلام وتُقدِّمه للناس. سُبحان الله.. هؤلاء المُسلمون الذين كانوا حولي وقرروا أن يكونوا نماذج سيئةً للإسلام، ولم يُعطوني الإسلام يوماً.. ماذا سيقولون لله سُبحانه يوم القيامة؟ وهكذا إذا أهملتَ في دينك فلن يكون أثر هذا عليك وحدك، بل أيضاً على كل من يتعامل معك.. فهل تفهم ما أقول؟ آمل ذلك إن شاء الله.

 

لقد وصف «عليُّ» نفسه بصدقٍ، وعبَّر عن مشاعره بإخلاص، وأوضح بجلاءٍ أن أمام كل مُسلمٍ -خاصةً إذا كان مُغترباً- طريقين لا ثالث لهما؛ إما أن يختار طريق الصواب فيكون مُسلماً بحقٍ، وإما أن يختار طريق الهلاك بابتعاده عن دينه وانفلاته من تبعاته، والواجب بلا شك أن يختار كلٌ منا الطريق الأول، رغم كل ما قد يواجهه من مشاكل وصعوبات؛ فهو (سفيرٌ للإسلام).

 

وهذا رجلٌ آخر -من أوروبا- قرأ عن الإسلام، ثم هداه الله تعالى إلى دِين الحقِّ، فاعتنقَه بعدَ جهدٍ ذاتيٍ، وقرَّر بعدَ الهداية أن يترك بلادَه ويُسافر إلى بلاد دِينه الجديد؛ حتى يجدَ من يُيسِّر له سُبلَ التديُّن المنشود. ولكنَّه صُدِمَ بَعْد عدَّة انتقالاتٍ بين بلاد «المغرب العربي» و«مِصر»، حيث إنَّه فُوجئَ بضدِّ مطلبه وبُغيته، لقد كان يتخيَّل أنَّه سينَعمُ بجَنَّة القُرْب من أحفاد الصحابة، وفي أرض الأنبياء، فإذا به يُشاهد صُوراً من البُعد بين المعلوم من الدِّين والواقع الذي يعيشه أتباعُ الإسلام في الأرْضِ القريبة من مهبط الوحي؛ فقرَّر أخيراً أن يعود إلى موطنه فوراً، ويترك البلادَ التي زارها، وقبلَ أن يترك مدينةَ «القاهرة» -التي عاش فيها سنتين- قال كلاماً مُرّاً لإمامِ المسجد الذي كان يُصلِّي فيه؛ حيث قال له: "إنني أحمدُ الله تعالى على أنني تعرَّفتُ على الإسلام قبلَ أن أتعرَّفَ على المُسلمين، لقد كنتُ أتوقَّع أن أجِدَ هُنا من يُساعدني على دِيني، ولكني وجدتُ الفرق شاسعاً بين ما عرفتُه عن الإسلام وبين واقع المُسلمين".

 

وعن ذلك يقول أهل العِلم إن المُسلم بصفةٍ عامةٍ أياً كان البلد الذي يعيش فيه، والمُسلم الذي يعيش في بلدٍ ليس دينها الإسلام على وجه الخصوص، يُعتبر سفيراً لدِينه، رضي بذلك أم لم يرضَ، فهو كالشامة في ذلك المُجتمع، يرى الناسُ الإسلامَ من خلال سُلوكه ومُعاملاته، لذلك لا بد له أن يعرف ما هي واجباته نحو دِينه ونفسه وأهله وأُمته، ونحو المجتمع الذي يعيش فيه:

ولأنه (سفيرٌ للإسلام) فإن عليه واجباتٍ نحو دِينه منها أن عليه أن يمتثل أوامر ربه، ويَجتنب نواهيه، ويتخلَّق بأخلاق القُرآن، ويحرص على تطبيق سُنة نبيه العدنان، لا يفتقده ربُّه حيث أمره، ولا يجده حيث نَهاه، يَعْلَمُ أن أحب شيءٍ إلى الله هو أداءُ ما افترضه عليه من صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحج؛ يقول تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ . وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.

ولأنه (سفيرٌ للإسلام) فإن عليه واجباتٍ نحو نفسه بأن يحفظها ويُنمِّيها، وأن يجعلها نفساً أبيةً حُرَّةً شامخةً، لا تخضع ولا تدين بالعُبودية إلا الله عزَّ وجلَّ؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، ولا يُورد نفسه المهالك بإدمان الخُمور أو تعاطي المُخدرات أو الزنا وغير ذلك من مُوبقاتٍ؛ يقول سُبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

ولأنه (سفيرٌ للإسلام) فإن من واجباته نحو أهله وأُسرته أن يحميهم من الذوبان، ويُقيمها على الإسلام، عن طريق الرعاية وحُسن المعاملة، لأن كلاً منا مسئولٌ عن أهله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [كُلُّكُم راعٍ ومَسؤولٌ عن رَعيَّتِه] ومن ذلك [والرَّجُلُ في أهلِه راعٍ وهو مَسؤولٌ عن رَعيَّتِه].

ولأنه (سفيرٌ للإسلام) فإن واجباته نحو إخوانه تتمثل في أن عليه أن يتعامل ويتعاون معهم ليكونوا جميعاً جسداً واحداً، ويبتعد عن العصبية البغيضة؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [حَقُّ المُسلِمِ على المُسلِمِ سِتٌّ]، قيلَ: ما هُنَّ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: [إذا لَقيتَه فسَلِّمْ عليه، وإذا دَعاك فأجِبْه، وإذا استَنصَحَك فانصَحْ له، وإذا عَطَسَ فحَمِدَ اللهَ فشَمِّتْه، وإذا مَرِضَ فعُدْه، وإذا ماتَ فاتَّبِعْه].

ولأنه (سفيرٌ للإسلام) فإن واجباته نحو أُمته فتكون بأن يهتم بأُمته وأخبارها وقضاياها، ويعمل على رفع شأنها، ونُصرة قضايا المُسلمين؛ يقول تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.

ولأنه (سفيرٌ للإسلام) فإن واجباته نحو المُجتمع غير المُسلم الذي يعيش فيه تتحقق بأن يكون نموذجاً للمُسلم الحق الذي يفتخر به الإسلام والمُسلمون؛ فينمِّي ذلك المُجتمع، ويُساعد في نهضته وتنميته وعدم إفساده، وأن يدعو المُجتمع بالحكمة والموعظة الحسنة؛ يقول سُبحانه: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.

 

أحبتي.. كل واحدٍ منا هو (سفيرٌ للإسلام) ينبغي عليه أن يكون مثالاً يُحتذَى به، وقُدوةً يُقتدَى بها، بتمسكنا بدِيننا، واعتزازنا به، وحرصنا على أداء عباداته وشعائره، والتزامنا بسُنة نبيّنا صلى الله عليه وسلم، وأن يظهر أثر إسلامنا في أقوالنا وأفعالنا، في مظهرنا ومُعاملاتنا، في صفاتنا وأخلاقنا. إنها أمانةٌ ينبغي ألا نُفرِّط فيها؛ فسوف نُسأل عنها ونُحاسَب عليها.

أما إخواننا المُسلمين الذين يعيشون في بلادٍ ليس دِينها الإسلام، فأقول لهم:

أعانكم الله، نُقدِّر لكم صُعوبة ما تواجهون؛ فرُبما كان منكم من أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: [يَبيعُ قومٌ دينَهم بعرَضٍ منَ الدنيا قليلٌ، المُتمسِّكُ بدينِهِ كالقابِضِ علَى الجمرِ]، ونؤكد لكم أنه بقدر ما تزيد صُعوبة التزامكم بدِينكم ومشقة تمسككم به بقدر ما تنالون الأجر من الله؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، ويزيد ثوابكم كُلما زاد جُهدكم من أجل التزام أُسرِكم -زوجاتكم وأبنائكم- بدِينهم؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: [إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استرعاه: أحفِظ أم ضيَّع، حتَّى يسأَلَ الرَّجلَ عن أهلِ بيتِه]. وأقول لكلٍ واحدٍ منكم كما قال أحد الأئمة الكرام: "أنتَ على ثَغْرَةٍ من ثُغَرِ الإسلامِ، فلا يُؤْتَيَنَّ مِن قِبَلِكَ".

اللهم اجعلنا جميعاً من المُلتزمين المُتمسكين بدِينك، الذين ينظر إليهم الناس فيرون الإسلام في سلوكهم وأقوالهم، ويرونهم خير سُفراء لدِينهم.

https://bit.ly/4cedx1h

الجمعة، 20 مارس 2026

فرحة العيد

 

خاطرة الجمعة /543

الجمعة 20 مارس 2026م

(فرحة العيد)

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [للصَّائِمِ فرحَتانِ يَفرَحُهما: إذا أفطَرَ فرِحَ، وإذا لَقيَ رَبَّه فرِحَ بصَومِه] يقول شُراح الأحاديث إن للصيام فضائل عظيمةً، وكرامة الله للصائمين لا تنقطع؛ فإنهم حرموا أنفسهم الطعام والشراب والشهوة، فأعطاهم الله سُبحانه وتعالى من واسع عطائه، وفضَّلهم على غيرهم. وفي هذا الحديث يُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن للصائم الذي قام بحقوق الصوم، فأداه بواجباته ومستحباته؛ فرحتين عظيمتين: إحداهما في الدنيا، والأُخرى في الآخرة؛ أما الأولى: فإنه إذا أفطر فرح بفطره، أي: لزوال جوعه وعطشه حيث أُبيح له الفطر، أو لإتمامه وأدائه عبادته. وأما الثانية: فإنه إذا لقي ربه فرح بصومه، يعني أنه يفرح وقت لقاء ربه بنيل الجزاء، أو الفوز باللقاء، أو هو السرور بقبول صومه، وترتب الجزاء الوافر عليه.

وتكتمل (فرحة العيد) بتزامنها مع غيرها من المُناسبات السعيدة؛ كزواجٍ أو نجاحٍ دراسيٍ أو حصولٍ على وظيفةٍ أو ترقيةٍ في العمل أو انتقالٍ إلى منزلٍ جديدٍ أو شراء سيارةٍ، وغير ذلك من مُناسباتٍ يسعد بها الناس ويفرحون فيُشاركهم غيرهم فرحتهم.

وهُناك من مُسببات الفرح أمورٌ أُخرى منها: الفرحة باعتناق غير المُسلم للإسلام؛ إذ أنه أمرٌ مُستحبٌ ومطلوبٌ شرعاً، فهو من علامات الإيمان وحُب الخير للغير وهداية الناس، ففيه إنقاذ روحٍ بشريةٍ مِنَ النَّارِ.

وفيما يلي واحدةٌ من تلك القصص، وهي كثيرةٌ ولله الحمد، لكن هذه القصة لها مذاقٌ خاصٌ يُتمم لنا (فرحة العيد)، يقول ناشر القصة:

وجَّه المُذيع سُؤالاً إلى القِس السابق «ليف شتني» قائلاً: "كيف انتهى بك المطاف لاعتناق الإسلام بعد ثلاثين عاماً قضيتها في السلك الكهنوتي؟"؛ فأجاب القِس قائلاً: "لقد كنتُ قِسيساً، أفنيتُ سنواتٍ من عُمري في دراسة اللاهوت ووعظ الناس، بيد أن الحقيقة كانت دوماً أبعد بكثيرٍ عما كُنا نُردده؛ إذ وجدتُ نفسي في مواجهة تساؤلاتٍ جوهريةٍ لا إجابة لها؛ مثل:

لُغز «بولس»: فقد كُنتُ أسأل نفسي كثيراً: "خَلْفَ مَن نسير؟ أخَلْفَ «المسيح» أم خَلْفَ «بولس»؟ إنها شخصيةٌ غامضةٌ، حتى إن المؤرخين اختلفوا في نسبه وأصله، فلا أحد يعرف اسم أبيه أو أُمه، ولم يرَ «المسيح» قط ولم يسمع منه كلمةً واحدةً! وفجأةً، صار هو من يضع قواعد العقيدة، ويُحوِّل التوحيد إلى تثليثٍ مُعقدٍ، ويستبيح المُحرمات"، وهنا وجّه القس سؤالاً للمذيع: "سأطرح عليك سؤالاً يا سيدي.. لو كنتَ تعمل في مصرفٍ، وجاءك شخصٌ يطلب سحب عشرة آلاف دولار، وزعم أنه فلانٌ لكنه لا يحمل بطاقة هويةٍ ولن يُوقِّع على أوراقٍ، فهل ستُعطيه قرشاً واحداً؟"، أجاب المذيع: "بالطبع لا!"، عقَّب القِس: "لقد قُلتَ لا لأنه يفتقر إلى التوقيع وإثبات الشخصية! وهذا هو حال «بولس» تماماً؛ فلا أحد يعرف من هو، ولا يملك تفويضاً أو توكيلاً من «المسيح» عليه السلام!".

كذلك كانت هناك مُعضلة الأسفار المُتضاربة: إذ كُنتُ أرى كنيسةً تعترف بـ 73 سِفراً، بينما كنيسةٌ أُخرى حذفت سبعةً منها وقالت إنها 66 سِفراً فقط! أما الكنيسة الإثيوبية فتعتمد 81 سِفراً! تساءلتُ في نفسي حينها: "هل تزيد كلمة الله وتنقص وفقاً للأهواء؟ وأين هي النسخة الأصلية الصافية؟".

وأيضاً صراع الطوائف والتشتت العقدي: فقد عايشتُ حالةً من التخبط؛ فكل كنيسةٍ لها طقوسها الخاصة، ووصل الأمر إلى حد تبادل التكفير بين الطوائف، حتى في فريضة الصيام تجد الكنيسة الأرثوذكسية تصوم قرابة 200 يومٍ في السنة، منها الصوم الكبير (55 يوماً)، وصوم الميلاد، وصوم الرُسل، وصوم العذراء.. بينما الكنيسة الكاثوليكية يختلف صيامها تماماً ومدته أقصر بكثيرٍ، إذ يصومون الصوم الكبير أربعين يوماً فقط وبطريقةٍ مُغايرة. أما الكنيسة البُروتستانتية فلا توجد لديها أيام صيامٍ مُحددةٍ أو قوانين مُلزمةٌ، وكل فردٍ يصوم حسب تقديره الشخصي.. إنها قوانين بشريةٌ، وكل جهةٍ تزعم أن هذا هو مراد الله.

وإضافةً لما سبق: فطرة الأطفال والعهد الرباني؛ فقد كانت أصعب لحظات حياتي حين يسألني طفلٌ ببراءةٍ: "يا أبونا، هل كان الرُب يُناجي نفسه؟" وذلك حين يقرأ قوله: {إلهي إلهي لماذا تركتني}؛ فالطفل بفطرته يُدرك أن الإله واحدٌ صمدٌ لا يحتاج لأحدٍ. دفعني ذلك للذهاب إلى المسجد وطلبتُ من الإمام نسخةً من القرآن لأتدبرها، حتى وقعت عيناي على آيةٍ هزت كياني: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ هُنا استبنتُ كُل شيءٍ! وفهمتُ لماذا كنتُ أقف عاجزاً أمام براءة الأطفال وهم يسألونني عن نصوصٍ مثل {قال الرب لربي} أو {إلهي إلهي لماذا تركتني} وعن إلهٍ يُخاطب إلهاً! إن الله يجيب في تتمة الآية: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ أي أنه لن يستطيع أحدٌ يوم القيامة التذرع بقوله: "لا ذنب لي، لقد نشأتُ في أُسرةٍ مُشركةٍ فاتبعتهم"، أو "لقد خُدعتُ واتبعتُ قول الكاهن". إن الله يُخبرك بأنه غَرَسَ فيك التوحيد مُنذ البداية وأخذ عليك العهد وأنت لا تزال في عالم الذر، لكي لا تكون لك حجةٌ بالتقليد أو الغفلة. الفطرة التي تسكن أعماقنا تُدرك يقيناً أن الإله واحدٌ لا شريك له.

وكذلك فإن الإعجاز العلمي والبرزخ المائي شدني وأثار انتباهي: فكيف للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي عاش في قلب صحراء قاحلةٍ لا بحار فيها قبل 1400 عاماً، أن يصف بدقةٍ مُذهلةٍ ظاهرة البرزخ المائي؟ تلك الظاهرة التي لم يتمكن البشر من رؤية حدودها الفاصلة بوضوحٍ إلا بعد غزو الفضاء وتصويرها بالأقمار الصناعية، التي رصدت تباين الألوان والخصائص بين المياه وكأن هناك خطاً رُسم بمسطرة! يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ . بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ لقد أثبت العِلم الحديث عبر المسح الحراري وصُوَر الأقمار الصناعية وجود بحرين يلتقيان، عذبٌ ومالحٌ، أو مالحان مُختلفان، ورغم تلامسهما، إلا أن هناك برزخاً أي حاجزاً غير مرئيٍ يمنعهما من الاختلاط؛ فكل بحرٍ يُحافظ على كثافته، ومُلوحته، وحرارته، وكأن جداراً فاصلاً يمنع البغي أو الامتزاج. وتظهر هذه الظاهرة بوضوحٍ في: «خليج ألاسكا» حيث يظهر الخط الفاصل بين مياه المُحيط الداكنة ومياه الأنهار الجليدية الفاتحة. «مضيق جبل طارق» نُقطة التقاء البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي. في «مصر» عند التقاء النيل العذب بالبحر المتوسط. ومضيق «باب المندب» حيث تلتقي مياه البحر الأحمر بمياه المحيط الهندي.

السؤال الجوهري: من أين لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم بهذا العلم الذي لا يُرى إلا من فوق السحاب أو عبر الأقمار الصناعية وهو يعيش في الصحراء؟ الإجابة واحدةٌ: إنه وحيٌ من خالق البحار الذي أحاط بكل شيءٍ علماً.

وأيضاً تكريم «المسيح» وأمه «مريم» عليهما السلام: إذ وجدتُ في الإسلام أن «المسيح» نبيٌ عزيزٌ مُكرمٌ، ووجدتُ سورةً كاملةً في القرآن الكريم تحمل اسم أُمه «مريم»، كما أن «المسيح» في الإسلام هو كلمة الله، وليس إلهاً يُضرَب ويُصلَب ويُهان! والمُفاجأة الكُبرى هي أن المُسلم لو أنكر «المسيح» فإنه يكفر ويخرج من المِلة فوراً؛ فهُم يُحبونه ويُقدرونه أكثر منا بكثيرٍ، ولكن بصفته نبياً مُرسلاً. لقد عدتُ إلى أصلي.. عدتُ إلى الفطرة التي جبلني الله عليها. أشهد أن لا إله إلا الله، وأن مُحمداً رسول الله".

 

أحبتي في الله.. تُذكرني هذه القصة بقصة الغُلام اليَهوديّ الذي كان يخدم النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فمَرِضَ، فأتاه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعودُه، فقَعَدَ عِندَ رَأسِه، فقال له: [أسلِمْ]، فنَظَرَ إلى أبيه وهو عِندَه، فقال له: أطِعْ أبا القاسِمِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأسلَمَ، فخَرَجَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يقولُ: [الحَمدُ للَّهِ الذي أنقَذَه مِنَ النَّارِ]. لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الرحمة بخدمه، وإن كانوا من أهل الكتاب، والحرص على هدايتهم إلى الإسلام.

 

وتتجلى العلاقة بين قصة القس «ليف شتني» وحديث الغُلام اليهودي في أسمى صورها الإنسانية والروحية؛ فكلاهما يمثل رحلة خلاصٍ لنفسٍ بشريةٍ انتقلت من حيرة التيه إلى صدق اليقين. و(فرحة العيد) في كلتا القصتين فرحة رحمةٍ؛ فرحةٌ بنجاة إنسانٍ من مصيرٍ أبديٍ مؤلمٍ إلى نعيمٍ مُقيم، فرحةٌ بانتصار نداء الفطرة الكامن في كل نفسٍ؛ حيث عاد كلٌ منهما إلى الأصل الذي فطر الله الناس عليه. ويظهر من كلتا القصتين أن الهداية لا ترتبط بعمرٍ أو زمنٍ، بل بصدق الطلب؛ فالله سُبحانه برحمته لا يُضيِّع مَن بحث عن الحقيقة بصدقٍ، سواءً كان غلاماً يخدم أو قسيساً يعظ.

إنها (فرحة العيد) حينما نرى في القصتين تجسيداً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ فإحياء الروح بالهداية أعظم عند الله من إحياء الجسد بالطب، وهذا هو جوهر السرور الذي يشعر به المُسلم تجاه كُل إنسانٍ يُعتنق الإسلام.

 

إن قصة القس «ليف شتني» تُجسد رحلةً من الحيرة والبحث عن اليقين وصولاً إلى مرفأ الفطرة؛ إذ أشار القِس إلى عجز التفسيرات اللاهوتية أمام براءة الأطفال، وهو ما يُفسره الإسلام بأن الطفل يولد على الفطرة قبل أن تشوبها المؤثرات الخارجية؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: [مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ] حيث يوضح الحديث أن التوحيد هو الأصل، وما سواه هو مؤثرٌ خارجيٌ، تساؤل الطفل "هل الله يُكلم نفسه؟" هو صوت الفطرة التي ترفض منطق التعدد أو التجزئة في الذات الإلهية. أما مُعضلة التغيير في الكُتب والشرائع بتضارب عدد الأسفار واختلاف أيام الصيام فهو مما أكده القرآن في وصفه لما تعرضت له الكتب السابقة من تحريف؛ يقول تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.

كما أن الإسلام يوضح حقيقة «المسيح» ويُعلي من مكانته؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: [مَن شَهِدَ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ اللهِ ورَسولُه، وكَلِمَتُه ألقاها إلى مَريَمَ وروحٌ منه، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ؛ أدخَلَه اللهُ الجَنَّةَ على ما كان مِنَ العَمَلِ].

إن قصة «ليف شتني» هي تطبيقٌ عمليٌ لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾؛ فقد رأى الآيات في نفسه وفي الآفاق فكانت النتيجة هي اليقين.

 

إن الفرحة بإسلام هذا القس -وغيره ممن يدخلون في دين الله أفواجاً- يأتي مقروناً بالفرحة بعيد الفطر المُبارك، مما يُضفي على العيد بُعداً إنسانياً عميقاً؛ باعتباره يوم الجائزة لمن استقام على الفطرة؛ إذ يأتي عيد الفطر بعد ثلاثين يوماً مع القرآن الكريم، كتاب الله الذي كان السبب في تحول مسار حياة هذا القِس. إن فرحتنا في العيد تكتمل حين نرى ثمار هذا الدين تنمو في قلوب الباحثين عن الحقيقة؛ فالقرآن الكريم منبع الهداية في «رمضان»، نحن نحتفل في العيد بختام شهر نزول القرآن الكريم، والقِس «ليف شتني» لم يجد ضالته إلا حين فتح المُصحف وقرأ فيه؛ يقول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، إن أعظم فضلٍ ورحمةٍ نفرح بهما في العيد هو هداية القُلوب للإسلام، فنجاة نفسٍ من النار خيرٌ من كل كنوز الدنيا. وكما أن العيد هو ميلادٌ جديدٌ للصائم الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه، فإن إسلام القِس هو بمثابة ميلادٍ جديدٍ له؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: [الإسلامُ يَهدِمُ ما كانَ قَبلَه] أي يمحو ما كان قبله.

إن (فرحة العيد) فرحةٌ بالاستقامة، وفرحةٌ بإسلام شخصٍ وعودته لصفوف المُوحدين الناجين من النار؛ فالفرحة الحقيقية هي نجاة إنسانٍ من مصير الكافرين.

(فرحة العيد) في نجاة الآخرين من التيه؛ لقد عاش هذا الرجل عقوداً في حيرةٍ، ترهقه تساؤلات الأطفال البسيطة التي لم يجد لها جواباً في كُتبه، حتى وجد حق اليقين في آيةٍ واحدةٍ من كتاب الله. نفرح اليوم لأن الله اجتبى نفساً إنسانيةً من حيرة الشك إلى نور اليقين، ومن ضيق التعدد إلى سعة التوحيد؛ فالعيد هو العودة إلى هذا الأصل الصافي، هو احتفالٌ بأننا عُدنا -كما خلقنا الله- موحدين، مُنيبين.

 

أحبتي.. ليكن فرحنا اليوم مُزدوجاً؛ فرحةٌ بتمام عبادتنا، وفرحةٌ بأن باب الهداية ما زال مفتوحاً لكل تائهٍ، وأن نور القُرآن ما زال قادراً على هز كيان قِسٍ ليقول في نهاية المطاف: "لقد عُدتُ إلى أصلي". إن فرحتنا اليوم بتمام الصيام تُشبه فرحة ذلك القِس بتمام الوصول إلى الحقيقة؛ لقد صُمنا ثلاثين يوماً لنُطهِّر فطرتنا، وهو بَحَث ثلاثين عاماً ليجد فطرته. فالحمد لله الذي جعل عيدنا فرحةً بالهداية، والحمد لله الذي أنقذ نفساً من النار بآيةٍ من كتابه الكريم.

فلنجعل من دعائنا اليوم نصيباً لكل باحثٍ عن الحقيقة، لعلَّ الله يجعلنا سبباً في هداية قلبٍ، فيكون ذلك خيراً لنا من حُمْر النعم.

تقبل الله طاعاتنا وطاعاتكم، وعيدٌ مباركٌ على الجميع.

https://bit.ly/4bkUKC6

الجمعة، 13 مارس 2026

خيرٌ من ألف شهر

 

خاطرة الجمعة /542

الجمعة 13 مارس 2026م

(خيرٌ من ألف شهر)

 

كتب يقول: كان شهر رمضان يمرُّ ثقيلاً على جسدي المُتعب، فبينما يتقرب الناس إلى الله بالصيام، كنتُ أنا أُصارع الفشل الذي استوطن كليتي وأستعد لعملية نقل كلية لي. ورغم مُعارضة جميع العاملين بالمُستشفى ركبتُ عنادي قبل أن أركب سيارتي، وأصررتُ أن أرى ذلك الشاب الذي وافق على بيع قطعةٍ من جسده لي. كنتُ أُريد أن ألمس وجه المُنقذ الذي سأشتري منه حياتي بثمنٍ بخسٍ مهما بلغت آلافه.

أخذتُ اسم المُتبرع وعنوان سكنه من إدارة المُستشفى، وبدأتُ مشوار البحث عن سكنه بعد صلاة العصر؛ توغلتُ في أعماق قاع المدينة، حيث تزداد الأزقة ضيقاً، كأنها تختنق من وطأة الفقر، لأصل إلى حيث يسكن، أوقفتُ سيارتي على رأس زقاقٍ تقف على ناصيته بائعة مشروباتٍ رمضانيةٍ، نزلتُ من السيارة لأسأل عن ذلك الشاب، خطر لي أن أسأل عنه تلك المرأة بائعة المشروبات لعلها تعرفه، كانت امرأةٌ سمراء، يبدو في عينيها انكسارٌ عجيبٌ، حين سألتها عن اسم الشاب المُتبرع، ارتجفت وقالت بمرارةٍ: "إنه زوجي! أهذا أنت الرجل الذي جاء ليأخذ منه كليته؟"، قلتُ لها: "نعم، لا أريد سوى مُقابلته والتعرف عليه وشكره لشهامته"، اشتريتُ منها كل ما كانت تعرضه للبيع؛ لأكفيها مؤونة السعي في ذلك اليوم الرمضاني، وضعتُ ما اشتريته في السيارة، وعُدتُ إليها وقلتُ لها: "خذيني إلى زوجك"؛ قادتني إلى زُقاقٍ آخر قديمٍ تملؤه رائحة الرطوبة، وهناك كانت الصدمة!

لم يكن المُتبرع شاباً كما تصورتُ بل كان رجلاً مشلولاً استقبلني وهو يستند على عُكازين! جلستُ معه في فِناء منزله المُتواضع، ونظرتُ إلى عظام ترقوته البارزة من جلبابه المُهلهل، سألتُه بذهولٍ: "لماذا يا أخي تبيع كليتك وأنت في هذه الحالة؟"، رفع بصره إلى السماء وقال بدموعٍ محبوسةٍ: "يا سيدي، كنتُ أعمل حارساً في مصنعٍ تم بيعه؛ فقرر المالك الجديد أنني عالةٌ فاستغنى عني، طرقتُ أبواب الرزق كلها فلم يُفتح لي إلا باب جسدي، أبيع جُزءاً منه لأُطعم أطفالي في هذه الأيام المُباركة، ويعلم الله أنني ما أردتُ بيع أمانته إلا اضطراراً". حانت لحظة أذان المغرب، فجلسنا نُفطر معاً، شعرتُ حينها أن طعامه البسيط فيه بركةٌ لم أذقها في أفخر المطاعم، صلينا المغرب ثم شربنا الشاي، ثم ذهبنا معاً لصلاة التراويح في مُصلّى الحي الصغير، كانت الصفوف مُتراصةً بالمُصلى، والقلوب خاشعةٌ، والمصلون يرفعون أكف الضراعة بافتقارٍ حقيقيٍ إلى الله. صدح الإمام بصوته الرخيم يُذكرنا بأننا في العشر الأواخر من شهر رمضان الفضيل، وأن علينا تحري ليلة القَدْر التي هي (خيرٌ من ألف شهر)، وذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: [أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ يدْخِلُهُ على مسلمٍ، أوْ يكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً]. في تلك اللحظة، شعرتُ بنورٍ يغسل قلبي، وكأن غشاوةً سقطت عن عيني؛ أدركتُ أن الشفاء ليس في كليةٍ أنتزعها من جسدٍ مُنهكٍ، بل في سرورٍ أُنزله على قلبٍ مكسورٍ. عُدنا إلى بيت المُتبرع، فأخرجتُ دفتر الشيكات وحررتُ له شيكاً بثلاثين ألف جُنيه، وأعطيته إياه، وقلتُ له بقلبٍ يملأه اليقين: "يا صاحبي، كليتك لك.. وهذا المال لك ولأهلك صدقةً لوجه الله. لعلها ليلة القَدْر، ولعل الله يتقبل مني هذا السرور الذي أدخلته عليك"، ارتمى الرجل على قدمي يبكي، وتعالت صرخات زوجته بالدُعاء لي بالشفاء والستر. خرجتُ من عندهم وأنا أشعر بخفةٍ عجيبةٍ، وكأن الجبال التي كانت على صدري قد تلاشت. خرجتُ وأنا أبتسم لكل من أُقابله، شاعراً بأن رضا الله يُحيط بي من كل جانبٍ. في اليوم التالي ذهبتُ إلى المستشفى وأبلغتُ الطبيب بما بدر مني مع المُتبرع، وقمتُ بإجراء الفُحوصات الروتينية؛ عاد الطبيب ووجهه يُشع بِشراً وسُروراً، وقال وهو يُسبِّح الله: "يا سيدي، لا أجد تفسيراً طبياً لما حدث! نتائجك تؤكد أن كليتك سليمةٌ تماماً، وكأنها لم تمرض قط! وهذا معناه أنك لستَ في حاجةٍ للبحث عن مُتبرعٍ آخر؛ لأنك لستَ في حاجةٍ أصلاً لإجراء عملية زرع كلية!". سجدتُ لله شُكراً، وأيقنتُ حينها أن السبب في ذلك هو أنني قد اشتريتُ بمالي سُرور مُسلمٍ، عوضاً عن شراء كليته، فكان الجزاء من جنس العمل؛ شفاءٌ مُعجزٌ في ليلةٍ هي حقاً (خيرٌ من ألف شهر).

 

أحبتي في الله.. يقول العُلماء إن رمضان شهر التنافس في الخيرات والتزود من الطاعات، وفيه تُعظَّم الأجور وتُرفع الدرجات، والصدقة من أهم العبادات التي ينبغي على المُسلم أن يكون له منها نصيبٌ في هذا الشهر، وهي في رمضان أفضل منها في غيره؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام [أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجوَدُ ما يَكونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ]، وإكثار النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة في هذا الشهر دليلٌ واضحٌ على أنها فيه أفضل منها في غيره. والصدقة في رمضان ليست مُجرد مُساعدةٍ للمُحتاجين بل وسيلةٌ لتزكية النفس وتطهير المال؛ يقول تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾. وللصدقة ثوابٌ عظيمٌ ومنافع للعباد في دُنياهم وأُخراهم؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [صَدَقةُ السِّرِّ تُطفِئُ غضبَ الرَّبِّ]، ويقول عليه الصلاة والسلام: [الصَّدَقةُ تطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النَّارَ]، ويقول كذلك: [قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: يا ابْنَ آدَمَ أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ]، ويقول أيضاً: [ما نقصَ مالُ عبدٍ من صدقةٍ]. ويتميز أجر الصدقة في رمضان بأنه مُضاعفٌ مُقارنةً بالأوقات الأُخرى؛ لأن الشهر الكريم يُعدّ فرصةً عظيمةً للتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة؛ وقد جاء في الحديث الشريف: [قالَ اللَّهُ: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به"].

وجاء أيضاً [كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَجْتَهِدُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ، ما لا يَجْتَهِدُ في غيرِهِ]، ومن ذلك أنه كان يعتكف فيها ويتحرى خلالها ليلة القَدْر التي هي (خيرٌ من ألف شهر)، و[كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيَا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أهْلَهُ]، "شَدَّ مِئْزَرَهُ" كنايةٌ عن الاستعداد للعبادة والاجتهاد فيها زيادةً عن المُعتاد، وقيل هو كنايةٌ عن اعتزال النساء وترك الجماع. و"أَحْيَا لَيْلَهُ" أي استغرقه بالسهر في صلاة القيام والتهجد وغيرها. وكان إيقاظه صلى الله عليه وسلم لأهله في العشر الأواخر من رمضان أبرز منه في سائر السنة، ويدل ذلك على اهتمامه بطاعة ربه، واغتنامه الأزمنة الفاضلة.

ومن فضائل هذه العشر ومزاياها أن فيها ليلة القَدْر التي هي (خيرٌ من ألف شهر)، والتي يقول الله تعالى عنها: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ . فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ يقول المفسرون إن الله عزَّ وجلَّ أنزل القُرآن الكريم في ليلة القَدْر التي وصفها رب العالمين بأنها مُباركةٌ؛ يقول سُبحانه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أي تُقدَّر في تلك الليلة مقادير الخلائق على مدى العام، وكل ما أراده الله تعالى في تلك السنة. ومعنى ﴿القَدْر﴾ التعظيم، أي أنها ليلةٌ ذات قَدْرٍ؛ لهذه الخصائص التي اُختصت بها، أو أن الذي يُحييها يصير ذا قَدْرٍ. وقيل: القَدْر التضييق، ومعنى التضييق فيها: إخفاؤها عن العِلم بتعيينها، وقيل لأن الأرض تضيق بالملائكة لكثرتهم في تلك الليلة. وسُميت بذلك لعِظم قَدْرها وجلالة مكانتها عند الله ولكثرة مغفرة الذُنوب وستر العُيوب فيها؛ فهي ليلة المغفرة؛ قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: [مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ].

 

أحبتي.. يقول سُبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فينبغي على المُسلم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن فيه الأُسوة الحسنة، في الجِدّ والاجتهاد في العبادة، والكرم في الإنفاق، ومُساعدة المُحتاجين. كما أن علينا ألا نُضيِّع ساعات هذه الأيام والليالي من شهر رمضان المبارك، وأن نُضاعف من النوافل وأعمال الخير وإخراج الصدقات، في العشر الأواخر من الشهر الفضيل، عسى أن توافق أعمالنا ليلة القَدْر التي هي (خيرٌ من ألف شهر) فنكون من الفائزين المُفلحين. إن المرء لا يدري لعله لا يُدرك هذه الأوقات الطيبة مرةً أخرى.

اللهم بلِّغنا ليلة القَدْر واجعلنا فيها من المقبولين، واشملنا برحمتك ومغفرتك وأعتقنا من النار، واجعلنا اللهم ممن رضيتَ عنهم واستجبتَ دعاءهم وكتبتَ لهم الجنة.

https://bit.ly/40wbuA5

الجمعة، 6 مارس 2026

لذة الإيمان

 

خاطرة الجمعة /541

الجمعة 6 مارس 2026م

(لذة الإيمان)

 

ومن قصص رمضان كتب أحد الشيوخ الأفاضل يقول:

قبل مُدةٍ سألتُ أحد طُلابي: "كم مرَّ بِكَ مُنذ بكيتَ بين يديّ الله؟"، فكان جوابه بعد تذكُّر: "قُرابة سنةٍ؛ وبالضبط: من رمضان الماضي!"، لم يتحسّر، لم يندم، لم يتأوّه، والأمور طبيعيةٌ!

هذه بلا شك عقوبةٌ شديدةٌ أن يُحرَم مثل هذا الشخص (لذة الإيمان)، وما ذاك إلا لأن الران غطّى على قلبه لكثرة الذُنوب، فأصبح ينشط إلى السيئات ويتكاسل عن الطاعات، ولو أدّاها يوماً فلا يجد لها طعماً، ولا يرى لها أثراً؛ وبينما الله سُبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنهى عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنكَرِ﴾ نجد مثل هذا الشخص يُصلي لكنه يسب، يغتاب، يلعن، يكذب، بل وقد يرتكب الكبائر رغم أنه يُصلّي! ورُبما يتمنى البُكاء بين يديّ الله خالياً ليفوز بحديث السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: [ورجلٌ ذَكرَ اللَّهَ خاليًا ففاضت عيناهُ]، وحديث: [عَينانِ لا تمَسَّهما النَّارُ: عينٌ بكت من خشيةِ اللهِ، وعينٌ باتت تحرسُ في سبيل اللهِ] لكنه يرى صعوبةً بالغةً في ذلك، والسبب هو الحرمان الإلهي؛ بسبب معاصيه وذُنوبه، خاصةً ما ستر منها عن أعين الخلق وبارز بها الملك الحق عزَّ وجلَّ.

قال أحد التابعين: "لقد حُرمتُ قيام الليل ستة أشهرٍ لذنبٍ أذنبته!"، هذا ذنبٌ واحدٌ من أحد الصالحين، فما نقول نحن؟ وكم سنواتٍ نتخبّط في ظُلمات ذُنوبنا وما أفقنا بعد؟ ولم نفطن بعد إلى سبب نومنا الطويل، بل غيبوبتنا الشديدة عن الله والدار الآخرة! بل وللأسف لعلنا لم نتحسّر يوماً على تفريطنا، وبُعدنا عن جنب الله، وعن تلك الطاعات العظيمة؛ فتمر الطاعة تلو الطاعة ولا حسرة ولا ندم! فقيام الليل، والتهجد، وإحياء ليلة القدر، تمر دون وعيٍ وتفكيرٍ وعِظةٍ!

 

أحبتي في الله.. إنه افتقاد (لذة الإيمان) التي وَرَدَ عن معناها في الأثر أن رجلاً من بني إسرائيل قال: "يا رب، كم أعصيك وأنت لا تُعاقبني؟"، فأوحى الله إلى نبي زمانهم أن قُل له: "كم من عُقوبةٍ لي عليك وأنت لا تشعر؛ إن جمود عينيك وقساوة قلبك استدراجٌ مني وعُقوبةٌ لو عقلتَ".

 

يقول العُلماء إن (لذة الإيمان) الحقيقية هي في عبادة الرحمن، والسعي لنيل رضاه، وأن تكون الحياة كُلها له سُبحانه؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ؛ ويقول كذلك: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾؛ فما أعظم أن يكون العبد الضعيف مُرتبطاً بالله القوي! وأن يكون العبد العاجز مُرتبطاً بالله الذي لا مُنتهى لكماله! وأن يخضع العبد الفقير للرب الغني القاهر!

إنَّ أية لذةٍ يجدها العبد في غير طاعة الله وعبادته، هي لذةٌ تنقلب آلاماً وعذاباً في الدُنيا قبل الآخرة؛ إذ أن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته، ولم يجعل الله معصيته سبباً إلى خيرٍ قط، واللذَّة في غير طاعة الله أجلبُ شيءٍ للهموم والغموم عاجلاً وآجلاً؛ ففي لذة ذِكر الله والإقبال عليه والصلاة بالقلب والبدن من المنفعة الشريفة العظيمة غِنىً وعوضٌ للإنسان عن تلك اللذَّة الناقصة القاصرة، المانعة لما هو أكمل منها؛ فكما يُقال: "إن لذةَ المعصية تذهب ويبقى عقابُها، وإنَّ مشقة الطاعة تذهب ويبقى ثوابُها".

 

يقول أحد العارفين: كثيرٌ من الناس يظن أن الحرمان يكون في نقص الأموال، وفي عدم امتلاك السيارات والشُقق الفاخرة، وغير ذلك من المُتع الدُنيوية، ولكن الأمر ليس كذلك؛ فالمحروم من حُرم لذة مُناجاة ربه عزَّ وجلَّ في جوف الليل، المحروم من حُرم الصلاة على وقتها في المسجد، المحروم من حُرم الاستيقاظ في البرد القارص ليُصلي الفجر، المحروم من حُرم بر الوالدين وطاعتهما، المحروم من حُرم لذة البُكاء من خشية الله، المحروم من حُرم تلاوة القرآن وتدبره، المحروم من حُرم قيام الليل بالصلاة والبُكاء بين يديّ ربه. قد يُذنب العبد ولا يشعر أن الله عاقبه، ولا يُحس أن نعم الله عليه تغيرت، يغيب عنه أن فقدان (لذة الإيمان) ومُناجاة ربه وحلاوة الخشوع له عُقوبةٌ وحرمانٌ، وأن الزُهد في الازدياد من الطاعات عُقوبةٌ وحرمانٌ، وأن إغلاق باب القبول عُقوبةٌ وحرمانٌ، وأن قحط العين وعدم بكائها عُقوبةٌ وحرمانٌ، وأن قسوة القلب وعدم تأثره عند سماع الموعظة عُقوبةٌ وحرمانٌ. إن المحرومين كُثرٌ ولكن لا يشعرون!

ويقول آخر: عندما تذوق (لذة الإيمان) تكون أشواقك وأفراحك بالله، عندما يفرح الناس بالأموال والمناصب، عندما يفرحون بالقصور والدور، تفرح أنت بسجدةٍ خاشعةٍ في ليلةٍ ساكنةٍ، وتفرح بدمعةٍ ساخنةٍ في وقت سحرٍ تُناجي فيها ربك، وتسكب دمعك، وتتذلل بين يديّ خالقك.. سُبحان الله! ما هذا الشوق الذي يستولي على القلب عندما يذوق (لذة الإيمان) وحلاوة العبادة؟! عندما تذوق طعم العبادة ترى الله في كل شيءٍ؛ في السراء والضراء، ترى في السراء فضله، وترى في الضراء حكمته.. إنها نعمةٌ لا تُضاهيها نعمةٌ، ولا توازيها مِنّةٌ؛ عندما ينشغل الناس بجمع الأموال والثروات، وينشغل العبد المؤمن بجمع الأعمال الصالحات والحسنات يلتمس أجراً هُنا، ويلتمس حسنةً هناك.

وصدق من قال: مَن رُزق (لذة الإيمان) فهو المرحوم، ومن فقدها فهو المحروم. بالإيمان القوي تتحدى الشدائد مهما عظمت، وتنتصر على الخُطوب مهما كبرت، وتتفوق على الأعداء مهما كثرت!! والذي يملك الإيمان تجده يملك الدنيا ولا تملكه، تحيط به النعمة ولا تبطره، تحاصره النوازل ولا تقهره، يخرج من ضيقه وشدائده أكثر إيماناً وأعظم صُموداً وأوسع صدراً، كالذهب الأصيل إذا وُضع في النار فإنه يخرج منها أعظم بريقاً وأكثر لمعاناً!

 

قال سلف الأمة عندما تذَوَّقوا (لذة الإيمان): "واللهِ إنّا لفي لذةٍ لو علمها المُلوك وأبناء المُلوك لجالدونا عليها بالسيوف". وقالوا: "إن في الدُنيا جنةً من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"؛ إنها جنة الأُنس بالله، جنة التلذذ بعبادته، فهل دخلتَ هذه الجنة؟ هل وجدتَ هذه اللذة؟ هل أحسستَ يوماً بأن سجدةً واحدةً بين يديّ الله خيرٌ من الدُنيا وما فيها؟ هل أحسستَ يوماً إحساساً صادقاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليك من نفسك ومن أهلك ومن كل شيءٍ حولك؟! إذا كنتَ قد دخلتَ هذه الجنة فيا سعدك!

ومتى شعرتَ أنك لا تجد تلك الجنة في قلبك فلتُراجع نفسك لتعرف أسباب ذلك، إن لم تدخل تلك الجنة فابحث عنها وبادِر قبل أن تُغادر، إذا لم تجد للعمل والعبادة لذةً وحلاوةً في قلبك وانشراحاً، فاتَّهِمْهُ؛ فإن الله سُبحانه وتعالى يُثيب العبد على عمله في الدنيا، بحلاوةٍ يجدها في قلبه، وقُوة انشراحٍ وقُرَّة عينٍ، فحيث لم يجد ذلك فعليه أن يُجاهد نفسه في التوبة من الذُنوب، ويُكثر من الاستغفار، سائلاً الله عزَّ وجلَّ الإعانة والتوفيق؛ يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، وعليه بإقامة الفرائض ظاهراً وباطناً، ولزوم الصراط المُستقيم مُستعيناً بالله، مُتبرئاً من الحول والقوة إلا به، وإن من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن يُنزل بهم الشدة والضُر، ما يُلجئهم إلى توحيده، فيدعونه مُخلصين له الدِين، ويرجونه ولا يرجون أحداً سواه، وتتعلق قُلوبهم به لا بغيره؛ فيحصل لهم من التوكل عليه، والإنابة إليه، و(لذة الإيمان) وذَوْق طعمه، ما هو أعظم نعمةً عليهم من حصول اليُسر وزوال العُسر في المعيشة؛ يقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

 

و(لذة الإيمان) لها أسبابٌ تحصل بها؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: أنْ يَكونَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا سِوَاهُمَا، وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ، وأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ كما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ]. ويقول عليه الصلاة والسلام: [ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ باللَّهِ رَبًّا، وبالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسولًا].

ومن أسباب تحصيل (لذة الإيمان) والوصول إليها؛ محبة الله ورسوله وتقديم حُبهما على حُب الدُنيا، الإخلاص في العبادة وإتمامها دون رياءٍ أو تظاهر، الرضا بقضاء الله، الصبر على الابتلاءات، الإكثار من النوافل، البُعد عن المعاصي، قراءة القرآن، التوبة والاستغفار باستمرار، الزيادة في أعمال الخير، والإكثار من ذِكر الله.

 

أحبتي.. كتب أحد الصالحين واعظاً: ما أحرانا وما أحوجنا -خاصةً في هذه الأيام والليالي الفاضلة في شهر رمضان المُبارك- إلى تفقُّد قُلوبنا، والبحث عن (لذة الإيمان) فيها، ولنُسائل أنفسنا: لِمَ يخشع غيرنا، ولا نخشع؟ لِمَ يجد غيرنا لذَّةً في صلاته وصومه ونُسكه، ولا نجد مثلها؟ لِمَ لا تُشرق وجوهنا بأنوار البِشر والطاعة؟ لِمَ لا نُحسُّ السكينة والراحة في أنفسنا؟ هل نحن مُعاقبون بمثل تلك العُقوبة الخفيَّة؛ بالحرمان من لذَّة المُناجاة وحلاوة الطاعة؟ فمتى نفيق؟ ألا تستحثنا عجَلة هذه الأيام الفاضلة وسُرعة انقضائها مُقارنةً بغيرها؟ إنَّ المَخرج من هذا كله هو الذِّكر والاستغفار والتوبة، والدُعاء في مواطنه، والإلحاح به، وصِدق اللجوء إلى الله، ومُحاسبة النَّفس، ومحو السيئات بإتباعها الحسنات، وصدقةُ السرِّ، ومسحُ رأس اليتيم، وفضائل العبادات، والتذلُّل بين يديه سُبحانه، وتذكُّر ما سلف من تقصيرنا والندم والتحسر عليه، والخوف من مآله، ولومُ النَّفس، وتجنُّب تزكيتها، وحُسن الظن به عزَّ وجلَّ، ومُصاحبة الأخيار؛ فهُم القوم لا يَشقى بهم جليسهم، والمرء مع مَن أحبَّ.

اللهم اجعلنا من المرحومين، ولا تجعلنا من المحرومين، اللهم اجعلنا ممن يُقيم حُدودك، ولا تجعلنا ممن يُضيّعها، وارزقنا (لذة الإيمان) ولا تحرمنا منها؛ إنك سُبحانك وليّ ذلك والقادر عليه.

 

https://bit.ly/3OQBzY0

 

الجمعة، 27 فبراير 2026

تَفَقُد الجيران

 

خاطرة الجمعة /540

الجمعة 27 فبراير 2026م

(تَفَقُد الجيران)

 

ومن المواقف التي حدثت في الشهر الفضيل، كتب أحدهم القصة التالية:

​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​والجوع يطوي البُطون في شهر رمضان المُبارك؛ طاعةً لله وقُربةً.. آذنت شمس النهار على الرحيل، واجتمعت العائلة حول مائدة الإفطار العامرة، وعيون الأبناء تُلاحق والدتهم لترى ماذا تحمل من أصناف الطعام وألوان الشراب.. وقبل الجلوس على مائدة الإفطار بثوانٍ غُسِلَت الأيدي، وشُمِّرَت السواعد.. ثُم عندما ارتفع صوت المؤذن بأذان المغرب؛ ليُعلِن رحيل يومٍ من أيام الشهر المُبارك، بدأ الجميع يتسابقون في الأكل؛ فلا تسمع إلا أصوات الملاعق تُلامس الأطباق، فلا صوت يعلو على صوت الطعام! قطع السُكون والسُكوت عن الكلام صوت جرس الباب؛ فبدت علامات الاستفهام في عيون الجميع.. مَنْ ذا الذي يأتي في مثل هذا الوقت؟! أسرع أحد الأبناء الصغار، ممن لم يصم إلا نصف النهار أو أقل، وسأل دون أن يفتح الباب: "مَن الطارق؟!".. جاء الصوت وقد أضعفه الجوع ولفَّه الحياء: "أنا فلانةٌ جارتكم!"، هروَّل الصبي مُسرعاً إلى أُمه ليخبرها.. كان الأمر مُفاجأةً جمعت أطراف الخوف! ماذا أتى بجارتنا في هذا الوقت؟! هل حدث مكروهٌ لها أو لأحد أبنائها؟! تذكرتْ الأُم أن زوج جارتها غائبٌ منذ فترةٍ طويلةٍ! فتحتْ الباب، ورحبتْ بالجارة وسألتها: "خيراً إن شاء الله، ما بكِ؟!"، طأطأتْ الجارة رأسها وقالت على استحياء: "نبحث عن إفطارٍ.. عن طعامٍ! أبنائي يتضورون جوعاً، وأنا لا أزال صائمةً!"، جذبتها الأُم إلى الداخل قائلةً: "تفضلي".. خرج الأب لصلاة المغرب مع الجماعة في مسجد الحي.. وحانت منه التفاتةٌ ليرى منزل جارهم المُسافر؛ فإذا بالأب يكتشف أنه لا يفصل بين الجوع والشبع، والغنى والفقر، سوى جدارٍ واحدٍ؛ فقال في نفسه: "هذه جارتنا لم تأتِ إلا من حاجةٍ، كيف لم نكن نتفقدها؟! لِمَ لَمْ نكن نسأل عنها؟! لِمَ لَمْ تزرها زوجتي قبل أن تُضطر جارتنا إلى طرق بابنا؟! هُناك أُسرٌ كثيرةٌ مثل أُسرة جارنا.. بيوتٌ مُتعففةٌ لا يُعلَم من أين تأكل وتشرب.. ألا نخاف من العُقوبة الإلهية ونحن ننام وأفراد أُسرة جارنا المُسلم جائعون حتى أنهم لم يجدوا ما يُفطرون عليه في رمضان؟!

 

أحبتي في الله.. إن (تَفَقُد الجيران) من الأمور التي يحثنا عليها دِيننا الحنيف؛ ومع ذلك فكثيرٌ من الناس عن ذلك غافلون؛ بل إن البعض غافلٌ حتى عن تَفَقُد أقاربه! وهذا موقفٌ يحكيه أحدهم فيقول: "حدثني قريبٌ لنا ذهب لإجراء بحثٍ لحساب إحدى الجمعيات الخيرية، أنه وجد أسماء عوائل معروفةٍ يأخذ أبناء عُمومتهم وأقاربهم الصدقات والتبرعات من الجمعية! وذكر اسم أكثر من عائلةٍ يكفي ما لدى أغنيائهم من زكاةِ عامٍ واحدٍ أن تعف أُسر أقاربهم طوال حياتهم"!

وعن الجيران كتب آخر فقال: "صارت المادة تضرب بسهامها في قُلوبنا، حتى بتنا نخشى أن يتحول مُجتمعنا المُسلم إلى مُجتمعٍ ماديٍ لا يعرف فيه الجار جاره. إذا لم نبحث عن جيراننا ونعرفهم في وقت الشدة والكُربة فمتى نبحث عنهم؟! هل إذا ابتسمت لهم الدُنيا وأرسل الله لهم الخيرات، آنذاك نعرفهم"؟!

وهذا ثالثٌ كتب عما يترتب على عدم (تَفَقُد الجيران) فقال: "قبل أسابيع اكتشفت زوجةٌ شابةٌ تسكن في بناءٍ من خمسة طوابق بمجمعٍ سكنيٍ فاخرٍ في «القاهرة الجديدة»، أن جارهم -الذي يفصل بينهما طابقان فقط- تُوفي منذ خمسة أيامٍ على الأقل دون أن يشعر أحدٌ".

وروي أبٌ لطفلين في المرحلة الابتدائية عن مشادته مع شخصٍ التقاه مُصادفةً في مصعد البناية التي يسكن فيها، حيث أن الأب -الذي يخشى على أطفاله من الغُرباء- سأل الشخص عن هويته، ليدخل معه الأخير في جدالٍ حادٍ، ولم تنتهِ الأزمة إلا بعد تدخل رجال الأمن بالبناية الذين أكدوا للأب الذي كان في طريقه للخروج إلى عمله، أن هذا الرجل هو "جارهم الذي يسكن في الطابق الأخير"، فقد كانت تلك المرة الأولى التي يلتقيان فيها، وتبين أن كليهما يعيش في البناية نفسها إلا أنهما أغرابٌ تماماً!

 

يقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، هذه الآية -كما قال المُفسرون- تُبين إلى أي مدى أوصى الإسلام بالجار وأعلى من قدره؛ فللجار في ديننا حُرمةٌ مصونةٌ، وحقوقٌ مرعيةٌ، حيث قَرَن المولى سُبحانه وتعالى الإحسان إلى الجار بعبادته وتوحيده.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ما زالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بالجارِ، حتَّى ظَنَنْتُ أنَّه سَيُوَرِّثُهُ]. وقال عليه الصلاة والسلام: [من كان يُؤمنُ بالله واليوم الآخر فليُكرِم جارَه]. وقال أيضاً: [خيرُ الأصحابِ عندَ اللهِ خيرُهم لصاحبِه، وخيرُ الجيرانِ عندَ اللهِ خيرُهم لجارِهِ]. وعندما سألت السيدة عائشة -رضي الله عنها- النبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ لي جارينِ أحدُهُما مُقبلٌ علي ببابِهِ والآخرُ ناءٍ ببابِهِ عنِّي وربَّما الَّذي كانَ عِندي لا يسعُهُما، فأيُّهما أعظَمُ حقًّا فقالَ: [المقبِلُ عليكِ ببابِهِ] أي الجار الأقرب. وقيلَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: يا رَسولَ اللهِ! إنَّ فلانةَ تقومُ اللَّيلَ وتَصومُ النَّهارَ وتفعلُ، وتصدَّقُ، وتُؤذي جيرانَها بلِسانِها؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليهِ وسلم: [لا خَيرَ فيها، هيَ من أهلِ النَّارِ]، قالوا: وفُلانةُ تصلِّي المكتوبةَ، وتصدَّقُ بأثوارٍ، ولا تُؤذي أحدًا؟ فقال رسولُ اللهِ: [هيَ من أهلِ الجنَّةِ]. وقال صلوات الله وسلامه عليه: [واللهِ لا يؤمِنُ واللهِ لا يؤمِنُ واللهِ لا يؤمِنُ]، قيل: مَن يا رسولَ الله؟ قال: [الذي لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوايِقَهُ] والبوايقُ والبوائقُ: جمعُ بائقةٍ، وهي الدَّاهيةُ والبَلِيَّةُ، والفَتْكُ والشُّرُور، والظُّلمُ والجَورُ والتَّعدِّي.

 

يقول أهل العِلم إن الجيران ثلاثةٌ: جارٌ له ثلاثة حقوقٍ، وجارٌ له حقان، وجارٌ له حقٌ واحدٌ؛ فأما الجار الذي له ثلاثة حقوقٍ فهو الجار المُسلم القريب؛ له حق الإسلام وحق القرابة وحق الجوار، والجار الذي له حقان هو الجار المُسلم؛ له حق الإسلام وحق الجوار، والجار الذي له حقٌ واحدٌ هو غير المُسلم له حق الجوار فقط.

ويقولون إن (تَفَقُد الجيران) والإحسان إليهم واجبٌ شرعيٌ وأخلاقيٌ، يُعزز التكافل الاجتماعي ويُقوي أواصر المحبة، ويضمن مُجتمعاً مُترابطاً آمناً، ويُسهم في إدخال السُرور على الجيران.

أما عن كيفية (تَفَقُد الجيران) فإنها تكون بالسؤال والمُبادرة إلى زيارتهم، وإلقاء السلام عليهم، والسؤال عن أحوالهم خاصةً في الأزمات. وبالإحسان وتبادل الهدايا والطعام؛ مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذرٍ رضي الله عنه [إذا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فأكْثِرْ ماءَها، وتَعاهَدْ جِيرانَكَ]. وبدعم المُحتاجين من الجيران وقضاء حوائجهم، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: [ما آمن بي من بات شبعانَ وجارُه جائعٌ إلى جنبِه وهو يعلم به]، وفي روايةٍ: [ليس المؤمنُ بالذي يشبعُ وجارُه جائِعٌ إلى جنبَيْهِ]. كما يكون الاهتمام بالجيران بالحرص على عدم إيذائهم، سواءً بالقول، أو الفعل، أو إلقاء القمامة، أو إحداث إزعاج، كما يكون بالصبر على أذاهم كنوعٍ من حُسن الجوار.

إن (تَفَقُد الجيران) له أهميةٌ كبيرةٌ؛ فهو من علامات الإيمان، والإحسان إليهم يجلب محبة الله تعالى.

 

قال الشاعر:

وَمَن يَقضِ حَقَّ الجارِ بَعدَ اِبنَ عَمِّهِ

وَصاحِبِهِ الأَدنى عَلى القُربِ وَالبُعدِ

يَعِش سَيِّداً يَستَعذِبُ الناسُ ذِكرَهُ

وَإِن نابَهُ حَقٌّ أَتَوهُ عَلى قَصدِ

 

أحبتي.. رحم الله من قال: "نجوع ونحن نعلم متى سنأكل، فتذكروا من يجوع ولا يعلم متى يحين طعامه".. ولله در القائل: "لا تُراقبوا من يُفطر في نهار رمضان، بل راقبوا من لا يجد ما يُفطر عليه؛ فالأول: سيُحاسبه الله، أما الثاني: فسيُحاسبكم الله عنه"!

علينا أن نُسارع ونُبادر إلى التعرف على جيراننا، وأن نتبادل معهم الزيارات العائلية والهدايا في الأعياد الدينية، ونشاركهم في المُناسبات الخاصة كالأفراح والاحتفال بالترقي الوظيفي وبنجاح الأبناء، وأن نقوم بالواجب معهم في حالات الوفاة والمرض وغيرها من مواقف يكون الجيران فيها أكثر ما يحتاجون إلى التعاطف والمواساة. كما أن علينا أن نتذكر دائماً أن ديننا الحنيف يحثنا على (تَفَقُد الجيران) المُحتاجين وغير القادرين، والإحسان إليهم، مع الحرص على احترام مشاعرهم والحفاظ على كرامتهم؛ فنُساعدهم ونكون في عونهم حتى يكون الله سُبحانه وتعالى في عوننا؛ مصداقاً لقول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: [وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ]، ومن باب أولى علينا أن نكف أذانا عن جيراننا، بل وعلينا أن نتحمل أذيتهم لنا ونتعامل معهم بالحكمة والصبر والخُلُق الحسن، فنُقابل الإساءة بالإحسان؛ يقول المثل: "الإحسان إلى الجار وإن جار".

اللهم اجعلنا أفضل الجيران لجيراننا، وأنعِم علينا بأن يكون جيراننا من أفضل الناس لنا، واجعلنا اللهم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 

https://bit.ly/4rBBHJf