الجمعة، 25 سبتمبر 2026

نقمة المال

 خاطرة الجمعة /570

الجمعة 25 سبتمبر 2026م

(نقمة المال)

 

نُشِرت هذه القصة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، وقد وقعت أحداثها في «المملكة العربية السعودية»، تقول القصة:

حين يأتي الغَدْر من غريبٍ، قد يجد الإنسان في قلبه ما يكفي من القُوة لمواجهته، لكن حين تأتي الطعنةُ من الأب والإخوة والأخوات، يُصبح الألم أعمق من أن يُوصف، لأن المكان الذي يُفترض أن يكون ملاذاً يتحول إلى سجنٍ، والأهل الذين يُفترض أن يكونوا سنداً يُصبحون مصدر الخطر.

بدأت القصة بمأساةِ امرأةٍ في سن الخامسة عشرة، حين تزوجت وأنجبت عدداً من الأبناء، واستمرت حياتها الزوجية حتى بلغت الثلاثين قبل أن تنتهي بالطلاق، لينتقل أطفالها للعيش مع والدهم. بعد ذلك تزوجت من رجلٍ آخر ميسور الحال، تُوفيَّ لاحقاً، فآلت إليها حصتها الشرعية من تَرِكَتِه، والتي قاربت مليون ريال.

كان ذلك المالُ حقاً خالصاً لها، لكن هذا المالَ تحول إلى بداية النهاية، بعدما استولى الطمع والحقد على قلوب أقرب الناس إليها؛ حين بدأ أفراد أُسرتها في التضييق عليها ومُلاحقتها، وكان أحد إخوتها أكثرهم شراسةً، إذ اعتاد التردد عليها ومُطالبتها بالمال، ولم يكتفِ بالطلب، بل هدَّدها صراحةً، وسط تأييدٍ وتمكينٍ من بقية أفراد الأُسرة، بل ومن والدها! وخلف الأبواب المُغلقة، عاشت المرأة الأربعينية أياماً وليالي قاسيةً، تعرضت خلالها للأذى الجسدي، وحُرمت من الطعام والعلاج، وتحولت حياتها إلى عزلةٍ قسريةٍ لا تعرف فيها متى يأتي الخطر ومن أين؟ لكنها، رغم الحصار المفروض عليها، لم تستسلم، وبذكاء امرأةٍ أدركت أن حياتها أصبحت في خطرٍ، تمكنت من إرسال استغاثاتها سِراً إلى أبنائها الذين كانوا يعيشون مع والدهم؛ أرسلت إليهم رسائل وتسجيلاتٍ صوتيةً شرحت فيها ما تتعرض له، وكيف يُمنع عنها الطعام والعلاج، وذكرت أسماء والدها وإخوتها الذين شاركوا في سجنها وتكبيلها وضربها. وكانت تُحذِّر أبناءها في الوقت نفسه من القُدوم إليها من دون توثيق، لأنها كانت تُدرك أن أية مُحاولةٍ لإنقاذها قد تُطمس آثارها وتتحول القضية ضدهم. ثم جاء اليوم الذي انتهت فيه كل مُحاولاتها للبقاء؛ اقتحم شقيقها مكان وجودها، وطالبها مرةً أُخرى بأن تُسلِّمه المال، لكنها تمسكت بحقها ورفضت الخُضوع لابتزازه، عندها تحولت المُطالبة بالمال إلى جريمةٍ؛ إذ أقدم شقيقها على طعنها بسكينٍ في بطنها، لتُفارق الحياة مُتأثرةً بتلك الطعنة. لكن المأساة لم تنتهِ بموتها، بل بدأت مرحلةٌ أُخرى من الجريمة؛ فعندما علم باقي أفراد الأُسرة بما حدث، اتفقوا على التسترِ على أخيهم الجاني، وإخفاءِ حقيقة الوفاة، ونقلِ جُثمانها على أساس أنها تُوفيت وفاةً طبيعيةً. وأثناء تغسيلها، ظهرت الحقيقة التي حاولوا دفنها معها؛ فقد كان جُرح الطعنة في بطنها لا يزال واضحاً، إلى جانب آثار الدم المُتجلط. وحاولت شقيقاتها منع المُغَسِّلة من كشف منطقة البطن، ومارسن عليها ضغوطاً للإسراع في تكفين الجُثمان حتى تختفي آثار الجريمة، ثم جرى

دفنها سريعاً، مع منع أبنائها من رؤيتها أو إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليها، وكأن الهدف لم يكن دفن الأم فقط، بل دفن الحقيقة معها. لكن أحد أبنائها لم يقتنع برواية الوفاة الطبيعية؛ فقد كان يعرف مُسبقاً بالتهديدات التي كانت تتعرض لها والدته، وكان يحتفظ بالرسائل والتسجيلات الصوتية التي أرسلتها إليه وهي تستغيث؛ لذلك حمل ما لديه من أدلةٍ وتوجه إلى الجهات الأمنية، وقدَّم بلاغاً رسمياً اتهم فيه أخواله وجده بالتورط في قتل والدته والتستر على الجريمة وإخفاء جُثمانها.

بدأت السلطات التحقيق في القضية، واستُدعيت المرأة التي قامت بتغسيل الجثمان، وكانت شهادتها نقطةً مُهمةً في كشف ما حدث؛ فقد أكدت للمُحققين أنها شاهدت جُرح الطعن مفتوحاً في البطن، ولاحظت وجود كدماتٍ زرقاء وداكنةً على الظهر والأطراف، إضافةً إلى آثار قيودٍ وحبالٍ على المُعصمين والكاحلين، وشحوباً شديداً في الجُثمان، وهي علاماتٌ أثارت الشكوك حول رواية الوفاة الطبيعية. ومع تصاعد التحقيقات، طُوقِت المقبرة أمنياً، وصدر أمرٌ قضائيٌ بنبش القبر واستخراج الجُثمان لإخضاعه للفحص الشرعي، وجاء تقرير الطب الشرعي ليكشف أن الأنسجة تعرضت للقطع بواسطة أداةٍ حادةٍ، وأن آثار الإصابة تتوافق مع استخدام سكينٍ، كما دعمت نتائج التحقيق ما ورد في رسائل المرأة وتسجيلاتها، وما ذكره ابنها في بلاغه. أُحيلت القضية إلى المحكمة العامة بمدينة «الرياض»، وانتهت بإصدار أحكامٍ بحق المتورطين؛ فصدرت أحكامٌ بالقتل تعزيراً وقصاصاً بحق الشقيق الذي نفذ الجريمة والمتورطين مُباشرةً في احتجازها، بينما صدرت بحق بقية الإخوة المُشاركين أحكامٌ بالسجن تراوحت بين عشر وخمس عشرة سنةً مع الجلد، أما الأب، الذي وُصف في القضية بالمحرّض والمُشارك في التستر على أفعال أبنائه، فصدر بحقه حكمٌ بالسجن خمسِ سنواتٍ، فيما حُكم على الشقيقات اللواتي حاولن التستر على آثار الطعنة داخل المغسلة بالسجن من ثلاث إلى خمس سنواتٍ مع الجلد التعزيري. وهكذا لم تنكشف الجريمة بسبب اعترافٍ من داخل الأُسرة، ولا بسبب ضميرٍ استيقظ بعد فوات الأوان، وإنما بسبب صرخة امرأةٍ رفضت أن تموت بصمتٍ، وابنٍ حمل رسائلها وتسجيلاتها ورفض أن يُصدِّق أن أُمه رحلت بوفاةٍ طبيعيةٍ. وما حاول الأقارب دفنه مع الجُثمان خرج إلى النور من جديدٍ، لتتحول استغاثات الأُم التي أرسلتها في الخفاء إلى الخيط الذي قاد إلى كشف الحقيقة.

 

أحبتي في الله.. المال نعمةٌ من نعم الله العظيمة على عباده؛ يقول تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، جعله الله عرضاً زائلاً ومتاعاً مُفارَقاً؛ يقول سُبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾، وجعل نفوس العباد مجبولةً على حُب المال؛ يقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾، وجعل المال فتنةً يُستخدم في الخير أو الشر؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾؛ فإن لم يَستخدم العبد ماله في طاعة الله ويُنفقه في سبيله، كان وبالاً وحسرةً عليه؛ يقول سُبحانه: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

ويحسَب بعض الناس أن رزق المال الوفير دليلٌ على محبة الله، رغم أنه قد يكون استدراجاً؛ يقول تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ . نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [إذا رأيتَ اللهَ تعالى يُعطي العبدَ من الدُنيا ما يُحبُّ، وهو مُقيمٌ على معاصِيه؛ فإنَّما ذلك منه استدراجٌ]. وعن نعمة المال وفتنته قال النبي عليه الصلاة والسلام: [إنَّ لكلِّ أُمَّةٍ فتنةً، وإنَّ فتنةَ أُمَّتي المالُ]، وقال أيضاً: [لَو كانَ لابنِ آدَمَ واديانِ مِن مالٍ لابتَغى واديًا ثالِثًا، ولا يَملأُ جَوفَ ابنِ آدَمَ إلَّا التُّرابُ]، وقال كذلك: [يَكبَرُ ابنُ آدَمَ ويَكبَرُ معهُ اثنانِ: حُبُّ المالِ، وطولُ العُمُرِ]. وقال: [إنَّ هذا المالَ خَضِرةٌ حُلوةٌ، فمَن أخَذَه بسَخاوةِ نَفسٍ بورِكَ له فيه، ومَن أخَذَه بإشرافِ نَفسٍ لَم يُبارَكْ له فيه، كالذي يَأكُلُ ولا يَشبَعُ] وقال أيضاً: [يَتبَعُ المَيِّتَ ثَلاثةٌ، فيَرجِعُ اثنانِ ويَبقى معهُ واحِدٌ: يَتبَعُه أهلُه ومالُه وعَمَلُه، فيَرجِعُ أهلُه ومالُه، ويَبقى عَمَلُه]، كما قال: [نِعمَ المالُ الصَّالحُ للرَّجلِ الصَّالحِ]. وكأنه -صلى الله عليه وسلم يصف زماننا حين قال: [لَيَأتيَنَّ على النَّاسِ زَمانٌ لا يُبالي المَرءُ بما أخَذَ المالَ: أمِن حَلالٍ أم مِن حَرامٍ]. أما عن الحساب على المال يوم القيامة فقال عليه الصلاة والسلام: [لا تَزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القيامةِ، حتَّى يُسأَلَ عن عُمُرِه؛ فيمَ أفناه؟ وعن عِلْمِه؛ فيم فعَلَ فيه؟ وعن مالِه؛ من أين اكتسَبَه؟ وفيم أنفَقَه؟ وعن جِسمِه؛ فيمَ أبلاه؟]، كما قال: [اثنتان يكرههما ابنُ آدمَ: يكرهُ الموتَ، والموتُ خيرٌ له من الفتنةِ، ويكرهُ قلَّةَ المالِ، وقِلَّةُ المالِ أقلُّ للحسابِ].

 

يقول أصحاب الاختصاص إن نعمة المال التي من المفروض أن تكون زينة الحياة الدُنيا، حوَّلها موت الضمائر وطمس القِيَم إلى نِقمةٍ؛ فأصبح الأشقاء بسبب (نقمة المال) في خصامٍ، ينعزلون ويبتعدون عن بعضٍ، وأحياناً يسوقهم ذلك إلى أروقة المحاكم. والأمر الأصعب هو حين تُسوِّل لهم أنفسهم الاعتداء على أجساد بعضهم حتى وصل الأمر إلى أن يقتل بعضهم بعضاً بسبب المال، مُخلِّفين ندوباً نفسيةً تنزف ألماً، حين استسلموا لهوى المال، مُتناسين قَرابة الدم؛ حتى صار الأخُ عدواً لأخيه؛ فأضاعوا تقوى الله، وضيَّعوا صلة الرحم.

 

يقول أهل العِلم إن المال عصب الحياة، وقوام المعاش، به تُقام مصالح الناس وتُسَد حاجاتهم، وليس المال في ذاته مذموماً، بل هو نعمةٌ إذا وُضع في يدٍ صالحةٍ تُنفقه في سبيل الله، وتستعمله في الطاعة والبِرِّ والإحسان.

إنَّ الفقر والغِنى ما هُما إلا ابتلاءان من الله تعالى، يختبر بهما عباده، ليرى مَن يصبر على الضيق والفقر، ومن يشكر عند المال والسَعة. وتكون (نقمة المال) في حالات الذَّم؛ فإن العبد يُذَّم حينما يكون المال في قلبه؛ لأجلِه يُوالي ويُعادي، وفي سبيله يَرضى ويَغضب، ولربما تمادى حتى صار عبداً للدينار والدرهم فتعِس وانتكس. ويُذَّم العبد حين يجمع المال من أوجهٍ مُحرمةٍ. كما يُذَّم حينما يَشْغَلُهُ جمع المال عن طاعة الله، ويُلهيه عن الصلاة، وعن حق الأهل والأولاد، وعن بِر الوالدين. ويُذَّم أيضاً حينما يشِحّ بالمال عن الواجب والمُستحب؛ فلا يُخرِج منه زكاةً، ولا يُنفق منه في الصدقات. ويُذَّم كذلك يوم أن يُنعِمَ عليه ربه بالمال، ثم تراه يُنفقه فيما حرَّم الله؛ فيستخدمه في معاصي الله، ويتقوى به على مخالفة أوامره. كما يُذَّم حينما يُقتِّر على نفسه وأهله فيكون بخيلاً شحيحاً، أو حين يكون مُسرفاً مُبَّذِراً؛ فيسلكُ درب إخوان الشياطين.

أما أن يكون العبد جامعاً للمال من طريقٍ صحيحٍ، مُنفقاً له في وجهه المُناسب، طائعاً فيه ربَه، مُؤدياً فيه حقه، فعسى أن يُصبح مالُه سبباً لفوزه بالجنة.

إنَّ مأساة بعض الناس اليوم تكمن في عدم المُبالاة بمصدر المال، أو بالحقوق المُتعلقة به؛ فنجدهم يلهثون لجمع المال بلهفةٍ، دون اكتراثٍ بشُكر المُنعم، غافلين عن أنَّ الذي أعطى قادرٌ على أن يأخذ، وأنَّ مُراعاة حق الله، وشكر النعمة هو الذي يحفظها من الزوال، بل ويزيدها ويُنمِّيها؛ يقول تعالى: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)، فلا تتحول نعمة المال لتصير (نقمة المال).

 

قال الشاعر:

النفسُ تجزعُ أن تكونَ فقيرةً

والفقرُ خيرٌ مِن غِنىً يُطغيها

وغِنى النفوسِ هو الكفافُ فإن أبت

فجميعُ ما في الأرضِ لا يَكفيها

 

أحبتي.. قيل بحق إن المؤمن الصادق لا يغتر بزينة الدُنيا، بل يجعل المال وسيلةً للطاعة والبِر، فيزداد تواضعاً وخشيةً لله، ويضع نُصب عينيه دائماً أنَّ يُسكِن ماله في يدِه لا في قلبه؛ فإن افتقر صبر ورضيَ بعزةِ المُكتفي، وإن اغتنى وَجِلَ قلبُه وتواضَعَ تواضُعِ المُنكسر، مُدركاً أن قيمة الإنسان ليست في رصيده المالي، بل في طهارة نفسه وصلاحها.

علينا جميعاً أن نتقي الله في أموالنا، كسباً من حلالٍ، وإنفاقاً في خيرٍ وطاعةٍ، وألاَّ نجعل الدُنيا أكبر همِّنا ولا مبلغ عِلمنا، بل نجعلها مزرعةً للآخرة؛ فالسعيد من خرج من الدُنيا وقد رضيَ الله عنه بما قدَّم من قناعةٍ وصبر، ومن إحسانٍ وشُكر؛ فلنُصلِح ما فسد من أحوالنا، ولنُنفق مما جعلنا الله مُستخلفين فيه من مالٍ، ولنتذكر الوقوف بين يدي الله عزَّ وجلَّ بالاستعداد والعمل والإخلاص.

اللهم باعِد بيننا وبين (نقمة المال)، وارزقنا القناعة، واكفِنا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمَّن سواك.

 

*لقراءة الخاطرة كاملة*

https://tinyurl.com/287xs2o6

*للاستماع الصوتي*

‏https://tinyurl.com/25f75psm

الجمعة، 18 سبتمبر 2026

الدنيا لا تزال بخير

 

خاطرة الجمعة /569

الجمعة 18 سبتمبر 2026م

(الدنيا لا تزال بخير)

 

هذه قصةٌ حدثت بالفعل في «مصر»، يرويها صاحبها فيقول:

أنا رجلٌ بسيط الحال؛ أعمل سائق شاحنةٍ صغيرةٍ في شركةٍ كبيرةٍ، تعوَّدتُ أن أتسلم مساء كل يوم مبالغ التحصيل الخاص بالعمل من فروع الشركة، ثم أقوم كل صباحٍ بتسليمه إلى المركز الرئيسي للشركة. في صباح أحد الأيام اختلط عليّ الأمر؛ إذ وضعتُ مبلغ التحصيل، وهو مئة ألف جنيهٍ، في كيسٍ أسود، وأخذتُ معي كيساً أسود آخر به قِمامة المنزل، ونزلتُ، ركبتُ السيارة، وضعتُ كيس النقود في الخلف بجوار الحبال التي نربط بها البضاعة على أنه كيس القِمامة، ووضعتُ كيس القِمامة خلف مقعد السائق على أنه كيس النقود! وعندما وصلتُ إلى مكب القِمامة قُرب الجسر في منطقة «البراجيل»، ألقيتُ كيس النقود ومضيتُ، لقد ألقيتُ أموال الشركة ومُستحقات الناس على أنه قِمامة! لم أكتشف ذلك إلا عندما وصلتُ إلى المركز الرئيسي للشركة، قلبتُ المقعد لأُخرِج كيس النقود، فإذا بكيس القِمامة أمام وجهي! اسودَّت الدُنيا في عينيّ، ولم تعد قدماي قادرةً على حملي، ولم يبقَ على لساني إلا كلمةٌ واحدةٌ وأنا أنظر إلى السماء وأصرخ: "يا رب، اللهم لا ملجأ منك إلا إليك". اتصلتُ فوراً بزوجتي وأنا أكاد أموت من الرُعب وقُلتُ لها: "أدركيني؛ أسرعي إلى مكب القِمامة قُرب الجسر، لقد ألقيتُ كيس النقود بدلاً من كيس القِمامة"؛ فركضت زوجتي وخرجت إلى الشارع كالمجنونة، ووصلت إلى مكب القِمامة تبحث وسطها وهي تبكي.. هُنا ظهرت إحدى السيدات، سألت زوجتي: "عن ماذا تبحثين يا ابنتي؟"، فقالت لها زوجتي وهي مُنهارةٌ: "أبحث عن كيسٍ به نقودٌ أُلقيَ هُنا بالخطأ"، فقالت لها السيدة بكل هدوءٍ وطُمأنينةٍ وهي تمد يدها بكيسٍ أسود: "هل هذا هو الكيس الذي تبحثين عنه؟ تعالي انظري إليه وتأكدي منه، هل ينقص منه شيءٌ؟"، ثم أردفت قائلةً: "إن كان ينقص من النقود شيءٌ بحثنا عنه معاً"، فقالت لها زوجتي: "الحمد لله، لا أدري كيف أشكرك"، ثم قالت: "لا أعرف كم المبلغ، إنها نقودٌ تخص عمل زوجي"، فاستمرت السيدة في البحث في القِمامة حتى عثرت على رُزمة نقودٍ يبدو أنها كانت قد سقطت من الكيس عند رميه في مكب القِمامة، فجاءت بها وسلمتها لزوجتي!

أما أنا في تلك اللحظات، فكنتُ في طريقي إلى مكب القِمامة، أكاد أطير، أقود الشاحنة بأسرع ما يُمكن، أكاد أموت من القلق، وكان الله وحده هو الحافظ والساتر. ولما وصلتُ تسلمتُ النقود من زوجتي وقمتُ بعدِّها، وتأكدتُ من أنها كاملةٌ لم يكن ينقص منها جنيهٌ واحدٌ؛ كانت المئة ألف جنيه كاملةً! شكرتُ السيدة الطيبة وأخرجتُ مبلغاً من المال من جيبي أُريد أن أُقدمه لها، فرفضت بشدة، وحاولتُ أن أُقبِّل يدها فسحبت يدها، ونظرت إليّ بكل عزة نفسٍ وكبرياءٍ، وقالت لي جُملةً لن أنساها ما حييتُ: "اذهب يا ابني، سَتَرَك الله وأصلح حالك، تكفيني دعواتكم لي".

أنهى صاحب القصة روايته بقوله: "صحيحٌ إن (الدنيا لا تزال بخير)، زملائي في العمل عندما علموا بقصتي لم يكونوا مُصدقين أنه لا يزال في الدنيا أناسٌ بهذه الأمانة! لقد رفضت السيدة أن تحتفظ بمئة ألف جنيهٍ كانت كفيلةً بأن تُغيِّر حياتها، وفضَّلت رضا ربها وفوزها بثواب عمل الخير على احتفاظها بمالٍ لا حق لها فيه، إنها قمة الأمانة. أسأل كل من يقرأ هذا المنشور أن يدعو لهذه السيدة دعوةً خالصةً من قلبه أن يسترها الله، ويُغْنيها من فضله، ويُبارك لها في صحتها، ويرزقها من حيث لا تحتسب، وأن يجعل أمانتها هذه في ميزان حسناتها يوم القيامة".

 

أحبتي في الله.. لا يقتصر عمل الخير على الجانب المادي فقط؛ كإعادة المال لأصحابه، أو إخراج الصدقات، أو الإنفاق في سبيل الله، أو إطعام الفقراء، بل إنه يتعدى ذلك إلى الجانب الأدبي والمعنوي؛ كشكر الناس، والتبسم في وجوههم، وجبر خواطرهم، والدلالة على الخير، وغير ذلك من أعمال خيرٍ لا تُكلف ديناراً ولا درهماً.

ولعلَّ القصة التالية تُقدِّم صورةً من الصور الدالة على أن (الدنيا لا تزال بخير)، حدثت هذه القصة بمدينة «طنطا» بدلتا «مصر»؛ حيث كانت شابةٌ يتيمةٌ وشابٌ يتيمٌ، عاشا في دور الأيتام مُنذ صغرهما، نشأت بينهما قصة حبٍ جميلةٍ، قررا أن يُتوِّجاها بالزواج، لكن كان يُحزنهما أن الحضور في ليلة الفرح سيقتصر على عددٍ محدودٍ جداً من معارفهما والمسؤولين في دار الأيتام. أحد أصدقاء الشاب قرَّر أن ينشر قصتهما عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكتب في منشورٍ قصيرٍ: "شابان يتيمان ليس لهما أهلٌ سيتزوجان، ولا يوجد من يحضر فَرَحْهُما"، وقام بوضع تاريخ الفرح ومكانه، حظيت الرسالة بتفاعلٍ كبيرٍ، ولقيت صدىً إنسانياً واسعاً، وفي ليلة الفرح حدث ما لم يتوقعه أحدٌ؛ فقد تدفق آلافٌ من أهالي المدينة إلى قاعة الحفل، يحملون الورود والهدايا للعروسين، لم تتسع قاعة الحفل لاستقبال الجميع؛ فاحتشد عددٌ كبيرٌ في الساحة الخارجية للمكان، وفي ليلةٍ واحدةٍ أصبح أهل مدينةٍ بأكملها أهلاً لهذين العروسين اليتيمين!

 

يقول العُلماء إن لفظ الخير ومُشتقاته وَرَدَ في القُرآن الكريم نحو 180 مرةً، حاملاً معاني تدل على الطاعة والنفع والفضل؛ فمن الآيات التي تحض على فعل الخير قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾. ومن الآيات التي تأمر بالدعوة للخير قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾. ومن الآيات التي تحث على المُسارعة إلى عمل الخير والمنافسة فيه والسبق إليه يقول تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، ويقول رب العزة: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ومن الآيات ما وَرَدَ عن جزاء عمل الخير؛ يقول تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾.

 

ويقول أهل العِلم إن عمل الخير عندما يكون عطاءً بلا مُقابلٍ ماديٍ فهو تحريرٌ للنفس من قيد الأنانية وحُب التملك، ومن قيد الكِبر واستعلاء النفس على الآخرين. كما أن عمل الخير يترك في النفس الارتياح والطُمأنينة، ويُوفر للمُجتمع الاستقرار والسَكينة، وينشر بين الناس مفهوم أنَّ (الدنيا لا تزال بخير)؛ فيصير المُجتمع مُهيأً لحياةٍ أفضلٍ. ويبدأ عمل الخير بأقل الأفعال؛ كالتبسم في وجه الغير، أو إماطة الأذى عن الطريق، وينتهي بأقصى فعلٍ يُمكن أن يقوم به العبد بأن يجود بمالِه كُلِه في سبيل الله، أو أن يجود بنفسه فينال الشهادة في سبيل إعلاء كلمة الله.

 

يُعزز تلك المعاني ويُوضحها الكثير ممّا وَرَدَ في السُنة النبوية الشريفة من أحاديث كثيرةٍ تحض على فعل الخير؛ فللدلالة على الخير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مَنْ دَلَّ على خَيْرٍ فَلَهُ مِثلُ أَجْرِ فاعِلِهِ]. ولنفع الناس قال عليه الصلاة والسلام: [خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ]، وقال صلى الله عليه وسلم: [إِنَّ مِنَ النَّاسِ نَاسًا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ؛ فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ]. ولقضاء الحوائج وتفريج الكُرَب قال عليه الصلاة والسلام: [مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ]، ولبيان بعض صور عمل الخير قال صلى الله عليه وسلم: [صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ]، وقال عليه الصلاة والسلام: [تَبَسُّمُك فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ]، ولبيان البساطة في الصدقة قال صلى الله عليه وسلم: [اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ]. وعن العِوَض على عمل الخير قال عليه الصلاة والسلام: [مَنْ تَرَكَ شَيْئًا للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيْرًا مِنْه].

 

ويرى أهل الاختصاص أننا حتى نلمس جانب الخير في الناس علينا أن نمنحهم الأمان؛ فهُم يحتاجون إلى الأمان النفسي لتظهر وجوه الخير فيهم. وعلينا أن نُلاحظهم جيداً؛ فكثيرٌ من الخير فيهم لا يُقال، بل يُلاحَظ: كما في نبرة صوتٍ ترتجف، في عينين تتجنّبان النظر، في صمتٍ طويلٍ بعد سؤالٍ بسيطٍ. وعلينا أيضاً أن ننظر إلى أفعال الناس لا أن نكتفي بالاستماع إلى ما يقولون؛ ففاعل الخير لا يُعلن عن نفسه، لكن نراه يُزيح حجراً عن الطريق، يُطعم قِطاً جائعاً، يتصل بوالدته كُل يومٍ، يبتسم لعامل النظافة، يُفسِح المجال لغيره في الحديث؛ فهو يُعرَف بأفعاله الصغيرة المُتكررة لا بخطبه الرنانة. وعلينا أخيراً أن نُبادر نحن بالخير أولاً؛ فمِن أعظم ما يوقِظ الخير في نفوس الناس أن يروْا منا خيراً أمامهم: في ابتسامةٍ صادقةٍ، مُساعدةٍ غير مشروطةٍ، كلمةِ تقديرٍ في وقتٍ لا يتوقعه أحدٌ، هذه الأفعال الصغيرة تكسر الجدران وتفتح الأبواب المُغلقة.

 

أحبتي.. الحقيقة هي أن الأخيار موجودون في كل مكانٍ مهما قلَّ عددهم، و(الدنيا لا تزال بخير)، والمشاعر الإنسانية ما تزال تتدفق في قلوب الناس، رغم الحياة المادية، وأُسلوب المعيشة المُتسارع، والضغوط من حولنا؛ فنحن جميعاً نحتاج إلى الرحمة والطيبة والحنان واللُطف والتسامح والمحبة وجبر الخاطر؛ لأننا بشرٌ نمتلك أحاسيس ومشاعر، فلندعو الله أن يظل الخير في الدُنيا دوماً ولا ينقطع، إن مقولة "الخير في وفي أُمّتي إلى يوم القيامة" وإن لم تكن حديثاً نبوياً شريفاً كما يظن البعض، إلا أنها مقولةٌ صحيحة المعنى؛ إذا أمر كُلٌ منا بالمعروف ونهى عن المُنكر، وآمَن بالله حق الإيمان؛ فنحن ننتمي إلى أُمة الإسلام التي وصفها المولى عزَّ وجلَّ بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وليبدأ كُلٌ منا بنفسه، حتى يعمَّ الخير وينتشر. افعل الخير ولو في أبسط أشكاله، واجعل الناس عندما يَرَوْنَكَ يقولون: (الدنيا لا تزال بخير).

اللهم زدنا إيماناً، ووفقنا لعمل الخير، وأعِنّا عليه، وتقبله منا.

*لقراءة الخاطرة كاملة*

https://tinyurl.com/2yzznxvg

*للاستماع الصوتي*

https://tinyurl.com/2y6n4adz‏

الجمعة، 11 سبتمبر 2026

رضا الناس

 

خاطرة الجمعة /568

الجمعة 11 سبتمبر 2026م

(رضا الناس)

 

كتب أحدهم يقول: لي صديقٌ من أكبر تجار الألماس في «مصر»، ولا أُزَّكيه على الله، لكني أحسبه على خير. كان صديقي مُعتاداً على التواجد بمحله الخاص يومياً، وكان مُعتاداً على أداء الصلاة على وقتها بالمسجد المُجاور للمحل. وفي أحد الأيام، وكان يتأهب للتوجه إلى المسجد بعد سماعه أذان المغرب، تفاجأ بعدة أشخاصٍ يرتدون زياً موحداً يدخلون المحل ويسألون عن المالك، فعرَّفهم بنفسه، فقالوا له: "الهانم قادمةٌ للتفرج على البضائع التي عندك، وتأميناً للمكان سنمنع دخول أي شخصٍ أثناء وجودها"، سألهم: "مَن الهانم؟" قالوا له إنها زوجة أحد كبار رجال الدولة. كُل ما تبادر إلى ذِهنه في هذه اللحظة صلاة المغرب التي خشي أن تفوته؛ هل يتخلى عن صلاة الجماعة حتى لا تغضب الهانم من الانتظار؟ لم يتردد لحظة، حسم أمره فوراً، وبِمُجَّرَدِ دخول الهانم المحل عرَّفها بنفسه، وأخبرها أنه سيتوجه لصلاة المغرب بالمسجد المُجاور، وسيعود بعد الصلاة مُباشرةً، وستكون فرصةً لأن يعرض عليها مُساعدوه ما لديهم، فابتسمت ولم تُبدِ أي انزعاجٍ. توجه للصلاة، وبعد أن أتَّمها، وعندما بدأ يُردد أذكار ما بعد الصلاة وقعت عيناه على الحديث الشريف: [منِ التمسَ رضا اللَّهِ بسَخطِ النَّاسِ كفاهُ اللَّهُ مؤنةَ النَّاسِ، ومنِ التمسَ رضا النَّاسِ بسخطِ اللَّهِ وَكلَهُ اللَّهُ إلى النَّاسِ]، شاهده مكتوباً على لوحةٍ مُعَّلقةٍ على الجدار أمامه. أقسم لي صديقي أنها المرة الأولى التي ينتبه فيها إلى وجود هذه اللوحة رغم أنه يُصلي بذات المسجد يومياً! قال لي: "أحسستُ كأنها رسالةٌ إليَّ من الله عزَّ وجلَّ".

انشرح صدر صديقي وعاد إلى المحل وبدأ يعرض على الهانم أجمل ما عنده، وطبقاً لروايته وتعبيره كانت الهانم في غاية الذوق والأناقة والبشاشة في التعامل معه، بل وباع لها -على حد قوله أيضاً- أجمل بيعةٍ بأفضل سعرٍ، وخَرَجَت من المحل وهي في غاية السعادة، ووعدته أنها لن تتعامل مع غيره. ودَّعها صديقي إلى سيارتها وهو يقول لنفسه: "صدقتَ يا رسول الله".

قَصَّ عليّ صديقي هذه القصة كعبرةٍ وهو يقول: "الحمد لله الذي هداني للحق، وأنني لم أُفكر في إرضاء الهانم بسخط الله لو تخليتُ عن صلاة الجماعة بالمسجد التي لم أمتنع عنها يوماً، ولو فعلتُ لسخط الله عليّ وأسخطها عليّ، وربما لم تكن لتشتري مني، ولا أن تعدني بأن تتردد على محلي ثانيةً".

 

أحبتي في الله.. ما أجمل أن يلتزم المُسلم بنهجٍ واضحٍ في تعامله مع الله سُبحانه وتعالى وتعامله مع الناس، بأن يكون رضا الله مُقدَّماً دائماً على (رضا الناس) أياً كانت منزلتهم ومكانتهم الاجتماعية أو الوظيفية، ومهما بدت الإغراءات ظاهرةً جليةً، ورغم اجتهاد الشيطان في تزيين عكس هذا النهج الواضح.

ذكرَّني هذا الموقف لصاحب المحل بقصةٍ أُخرى، ولو أنها تعرض موقفاً عكسياً، إلا إنها توضح لنا كيف أن تقديم (رضا الناس) على رضا الله عزَّ وجلَّ، مُضِّرٌ وغير مُفيدٍ لصاحبه، وإن بدا في البداية أن فيه نفعاً وفائدةً؛ فهذا نهْجٌ آخر اختاره أحدهم لحياته، وارتضاه سبيلاً لتحقيق أهدافه ومآربه؛ يقول صاحب القصة:

تعرَّفتُ وأنا في «بريطانيا» على شابٍ عربيٍ مُسلمٍ، كان طموحاً يتدفق حيويةً وحركةً، كُل همه أن يحصل على شهادة الدكتوراه ثم يعود إلى بلده ليكون مدير جامعةٍ أو وكيل وزارةٍ أو حتى وزيراً. كان يُحدثنا عن ثقته بنفسه وقُدرته على استمالة الناس إليه. وخلال إقامته في «بريطانيا» نهج طريقه المعروف، فأخذ يتقرب إلى أُستاذه المُشرف على رسالته ويتملقه، ويُحاول إرضاءه بمختلف الوسائل والأساليب، ولم يُقصِّر في إقناعه بأنه ليس رجعياً، ولا مُتديناً! وفضلاً عن هذا وذاك فهو مُعجبٌ أشد الإعجاب بالإنجليز وجامعاتهم وتقدمهم العلمي! وذات يومٍ أراد الأستاذ المُشرف أن يمتحن مصداقية أقوال تلميذه العربي فدعاه إلى وكرٍ من أوكار الخُمور، وسارع الشاب إلى تلبية الدعوة؛ ظنّاً منه أن استجابته لطلب المُشرف سوف تُساعد على اختصار الوقت والانتهاء من دراسته بسرعةٍ. شرب الشاب حتى الثُمالة، وفقد توازنه، ولم يعد قادراً على ضبط أقواله وأفعاله، أما المُشرف فكان يشرب قليلاً ويتمتع برؤية تلميذه وهو يشرب لأول مرةٍ، أما الشاب فقد أخذ يُعبِّر عن مشاعره الحقيقية نحو الإنجليز، وراح يلصق بهم أبشع النُعوت وأحَطَّها، والمُشرف ينظر إليه ويُؤَّمِن على كلامه ويبتسم له ويُخفي في نفسه ما لا يُبديه. مضت الأيام، وكلما قدَّم الشاب فصلاً من رسالة الدكتوراه أخرَّه المُشرف مُدةً طويلةً ومُملةً، ثم يُعيده لتلميذه طالباً حذف بعض الأمور وإضافة أمورٍ أُخرى وإعادة الصياغة بحجة أن اللغة ركيكة. وكان المُشرف يُغلِّف حقده بقوله لتلميذه: "أُريدك أن تكون دكتوراً ناجحاً، وسوف تستفيد كثيراً من هذه الفترة الطويلة التي تمكثها بيننا، ولا يتخرج من جامعاتنا إلا الأفذاذ من الرجال"!

بقي الطالب الطموح ضعفي المُدة المُحددة، وذاق الويلات، وأصبح يشك في مواهبه وقُدراته. وبعد أن نال شهادة الدكتوراه، وقبل سفره جلس مع أُستاذه المُشرف يُحدثه عن إعجابه بالإنجليز وجامعاتهم وتقديره لكل ما رآه عندهم، فأجابه المُشرف بكل خُبثٍ ودهاءٍ: "إن حقيقة رأيك بالإنجليز وأخلاقهم وعاداتهم سمعته منك في الخمارة قبل ثلاث سنواتٍ"؛ فحاول الشاب أن يعتذر، وأخذ يتكلم، لكنه يعرف أن كلامه ليس مُقنعاً؛ فمَن كان عاجزاً عن إقناع نفسه كيف له أن يُقنع غيره؟

أخيراً أدرك الشاب لماذا غيَّر المُشرف أُسلوبه، ولماذا تضاعفت مُدة الدراسة، لكن هل أدرك أن مَن طلب (رضا الناس) بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس؟ يقول راوي القصة: "أشَّك في ذلك"!

 

يقول الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ تُبين الآية أن رضا الله ورسوله هو الأحق والأولى بالطلب والتحصيل، لا (رضا الناس) الذي يُغضب الله. ويقول سُبحانه: ﴿الَّذِينَ يُبْلِغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ تُوضح الآية أن صفة المؤمنين الصادقين هي خشية الله وحده وعدم المُبالاة بسخط الناس أو رضاهم، إذا كان في طاعة الله. ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبَّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ وتدل الآية على عدم الخوف من لوم الناس أو سخطهم عند القيام بأمر الله وإرضائه. ويقول أيضاً: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾، كما يقول: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تأكيداً على أن الخشية تكون لله وحده، وليست للناس.

 

وجاء في الحديث الصحيح؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [مَنْ أرْضَى الناسَ بسخَطِ اللهِ وكَلَهُ اللهُ إلى الناسِ، ومَنْ أسخَطَ الناسَ برضا اللهِ كفاهُ اللهُ مُؤْنَةَ الناسِ]، يقول شُرَّاح الأحاديث إن رضا الله سُبحانه وتعالى مِن أجَّل ما يسعى إليه كُل مؤمنٍ حصيفٍ؛ فمن رَضِيَ الله عنه غفر له ورحمه وأدخله جنته، والفائز حقاً هو من فاز برضا الله. وفي هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [مَنْ أرْضَى الناسَ بسخَطِ اللهِ]، أي: أيما أحدٌ سعى في سبيل الفوز ب(رضا الناس)، ونيل مرضاتهم بمعصية الله، وعدم المُبالاة بما أمَرَ وما نَهَى، وعدم الاحتراز من سخط الله، [وكَلَهُ اللهُ إلى الناسِ]، أي: ترك أمره إلى الناس، وسلَّطهم عليه، فلم يُرضوه ولم يرضوا عنه. [ومَنْ أسخَطَ الناسَ برضا اللهِ كفاهُ اللهُ]، أي: أيما أحدٌ سعى في سبيل الفوز برضا الله عزَّ وجلَّ، ولو كلفه ذلك كُرْه الناس له، وعدم رضاهم عنه وسخطهم عليه، [كفاهُ اللهُ مُؤْنَةَ الناسِ]، أي: حفظه الله من سخط الناس عليه، وأرضى عنه الناس، وكفاه هَم ذلك. وفي الحديث: الحض على تقديم رضا الله على (رضا الناس).

وقال عليه الصلاة والسلام: [لا يَمنَعَنَّ أحَدَكم مَخافةُ النَّاسِ أنْ يَقولَ بالحَقِّ، إذا شَهِدَه أو عَلِمَه]؛ فالناس لا يملكون لك ضرّاً ولا نفعاً إلا بإذن الله، وأعمارهم وأرزاقهم وأقدارهم بيده سبحانه وحده، ومن طلب (رضا الناس) بسخط الله خسر الأمرين، ومن أرضى الله ولو غضب الناس عنه، جعل الله له القبول والمحبة في قلوبهم؛ فلا تجعل خوفك من البشر أكبر من خوفك من رب البشر، ولا تجعل حسابات الناس تمنعك من قول الحق أو فِعل الصواب.

 

يقول العلماء إن عاملتَ الناس بالفضل ألف مرةٍ ثم عاملتهم بالعدل مرةً واحدةً نسوا الألف وأقاموا عليك العداوة بالواحدة! وإن بذلتَ لهم وقتك وجهدك ومالك ما سَلِمتَ من ألسنتهم وأفعالهم؛ فالتمس ما فيه رضا الله أولاً؛ فإنه لا سبيل إلى السلامة من الناس، ولا طريق إلى إرضائهم جميعاً. إذا كان عملك خالصاً لله، فليكن همّك نظر الله إليك لا نظر الناس إليك؛ فالناس يمدحون اليوم ويذمّون غداً، يرضون ساعةً ويغضبون ساعةً، أما الله سبحانه فيعلم السرَّ وأخفى، ويجازي على قدر الإخلاص في القلب. من أرضى الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن طلب (رضا الناس) بسخط الله، خسر الاثنين.

 

قال بعض العارفين: تكمن المُفارقة في أن السعي الدائم إلى (رضا الناس) لا يُحقق الراحة التي ينتظرها الإنسان، بل يجعله في حالةٍ مُستمرةٍ من القلق والترقب، لأن (رضا الناس) غايةٌ لا تُدرك، وآراؤهم لا تجتمع على شيء. وهذا لا يعني أن نتجاهل الناس أو نُسيء إليهم، بل أن نُحسن إليهم دون أن نجعل قبولهم لنا هو هَمُّنا الأول؛ لذلك قبل أن نسأل: "ماذا سيقول الناس؟" نسأل أنفسنا: "هل ما نفعله يُرضي الله؟"؛ فمن عاش عُمره يُطارد (رضا الناس) أتعب نفسه، ومن جعل وجهته رضا الله وجد السَكِينة، حتى لو لم يرضَ عنه الجميع.

 

ومن أمثلة الاهتمام برضا الله سُبحانه وتعالى قبل (رضا الناس):

الداعية الذي يقول كلمة الحق ولا يخشى في الله لومة لائم. التاجر الذي يرفض الغش والربا حتى لو خسر بعض الزبائن. الشاب الذي يلتزم بالصلاة على وقتها مع جماعة المسلمين بالمسجد حتى وإن سخر منه الآخرون. الشابة التي تلتزم بالحجاب أو النقاب رغم تَهَكُم البعض. والمُسلم الذي يرفض المُشاركة في منكرٍ؛ كحفلٍ مُختلطٍ أو شُرب خمرٍ أو ارتكاب فاحشةٍ حتى لو أغضب ذلك أصدقاءه.

 

أحبتي.. إن من أخطر ما يُبتلى به الإنسان أن يخاف من الناس أكثر مما يخاف من الله، فيسكت عن الحق، أو يتنازل عن مبدأٍ، أو يُغيّر موقفه سعياً إلى (رضا الناس). إن الحرص على (رضا الناس) بمعصية الله سُبحانه وتعالى خذلانٌ وضياع، أما إرضاء الله أولاً فهو حمايةٌ وتوفيقٌ وكفايةٌ من شرور الناس؛ فلا نجعل (رضا الناس) هدفنا الذي نُقدِّمه على رضا الله سُبحانه وتعالى؛ فيكفي أن الله هو الذي بيده الأمر كله.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا رضاه، وأن يُجنبنا سَخطه، وأن يُلهمنا رُشدنا لنُعامل الناس بالحُسنى، على الوجه الذي يُحبه ويرضاه.

 

*لقراءة الخاطرة كاملة*

https://tinyurl.com/28k5q556

*للاستماع الصوتي للخاطرة*

https://tinyurl.com/2yxbu97h

الجمعة، 4 سبتمبر 2026

التوبة النصوح

 

خاطرة الجمعة /567

الجمعة 4 سبتمبر 2026م

(التوبة النصوح)

 

قال راوي القصة: خطبتُ الجُمعة وسلَّمتُ على المُصلين ثم خرجتُ من المسجد، فإذا شابٌ يتبعني ويستوقفني ويقول: "يا شيخ، عشتُ في «روسيا» ردحاً من الزمن ما تركتُ فيها ذنباً إلا واقترفته؛ بدءاً من شُرب الخمر، مُروراً بارتكاب الفواحش، وانتهاءً بالإلحاد، ثم شاء الله لي أن آتي للعمل في هذه البلاد، وأنا حديث عهدٍ بالمسجد والصلاة، فهل ترى الله يقبلني؟"، فقُلتُ له: "ولِمَ لا يقبلك؟"؛ فقال والدموع تملأ عينيه: "لعظيم ما أجرمتُ واقترفتُ، لقد عملتُ ذُنوباً لا تتصورها"، فقُلتُ له: "لو أراد الله سُبحانه وتعالى أن ينتقم منك في حينها لأماتك وأنت سكرانٌ، أو وأنت في أحضان الغانيات، أو وأنت تكفر به وتُلحد في آياته، لكنه من رحمته بك وحلمه عليك أبقاك حتى عُدتَ، وأحياك حتى رجعتَ، ومِن غَيِّك أفقتَ، وللمساجد دخلتَ"، ازداد بكاؤه، واحتضنني وقال: "صحيحٌ يا شيخ، مثلي يُغفر له؟!"، فقلتُ له: "طالما أبقاك حتى هداك إلى (التوبة النصوح) رغم ما كُنتَ عليه من عصيانٍ؛ فظني به سُبحانه أن يقبلك ويغفر لك". انطلق الرجل باكياً، وانطلقتُ أنا في طريقي باكياً مثله؛ رُبما لفرحتي أن ساق الله إليَّ تائباً مُنكسراً رقَّق قلبي، ورُبما حُزناً على نفسي وأنا أُطبب له جراح قلبه، وأُعينه على أحمال ظهره من الذنوب، رغم ذنبي الثقيل وقلبي العليل.

قال راوي القصة: ذكَّرني هذا الشاب بالرجل الذي جاء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "واذنوباه.. واذنوباه" قال هذا القوْلَ مرَّتَيْن أو ثلاثًا، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: [قلِ اللَّهمَّ مغفرتُك أوسعُ من ذنوبي، ورحمتُك أرجَى عندي من عملي] فقالها، ثمَّ قال له: [عُدْ] فعاد، ثمَّ قال له: [عُدْ] فعاد، ثمَّ قال له: [قُمْ فقد غَفَرَ اللهُ لك]، كأن هذه الانكسارة التي ينكسرها العُصاة، وتظهر على وجوههم دُموعاً، وعلى جسدهم انحناءً، وعلى أصواتهم تهدجاً وذُلاً، مطلوبةً لذاتها، ويُحبها الله من عبده، فلما أحس النبي عليه الصلاة والسلام صِدق الرجل فيها بشَّره بالمغفرة. ليتنا نستعيد فينا ذلك القلب الكسير، والجسد المُقشعر لمُجرد الخوف من عدم المغفرة، والعين التي تُحاول كتم خوفها فتأبى دُموع الخشية إلا فضحاً لها؛ فالذُنوب مهما عظُمت ليست شيئاً أمام عفو الله، لكن قساوة القُلوب وانصرافها، وشعور أصحابها بخفة الذنوب ويُسر أمرها، هي التي يُخاف على صاحبها مما وراءها. وختم الراوي بقوله: انكسروا يرحمكم الله، ناجوا الله بصوتٍ حزينٍ، توجعوا، تذللوا، نادوا بصوتٍ مُتهدجٍ كما نادى الرجل: "واذنوباه.. واذنوباه".

 

أحبتي في الله.. كانت تلك القصة مثالاً على (التوبة النصوح) التي تجعل صاحبها نادماً على ذنوبه، مُخلصاً في توبته عنها، خائفاً ألا تُقبل توبته؛ لكثرة ذُنوبه وابتعاده كثيراً عن جادة الصواب، رغم عزمه الأكيد على العودة لتلك الذُنوب مُستقبلاً.

وهذه قصةٌ أُخرى عن (التوبة النصوح) يرويها أحد الدُعاة، وقد حدثت معه شخصياً، كتب يقول:

رأيتُ شاباً يقف مع فتاةٍ بالشارع، واضحٌ أنها ليست من محارمه، فأتيته لأنصحه فهربت الفتاة، وأخذتُ أُذكَّره بالموت وفجأته، والساعة وأهوالها؛ فإذا به يبكي. يقول الداعية: فلمّا انتهيتُ من الحديث معه أخذتُ رقم هاتفه وأعطيته رقم هاتفي ثم افترقنا. بعد أُسبوعين كُنتُ أُقلب في أوراقي فوجدتُ رقمه فاتصلتُ به في الصباح وسألته: "يا فلان أتعرفني؟"، فقال: "وكيف لا أعرف صاحب الصوت الذي كان سبباً في هدايتي؟"، فقُلتُ: "الحمد لله، كيف حالك؟"، فقال: "مُنذ حديثك معي وأنا بخيرٍ وفي سعادةٍ؛ أُصلي وأذكر الله تعالى"، فقلتُ: "لا بُد أن أزورك اليوم، سآتيك بعد صلاة العصر"، قال: "حيّاك الله"، وعندما حان الموعد جاءني ضيوفٌ أخروني إلى الليل، لكني قُلتُ في نفسي: "لا بد أن أزوره الآن، ولو كان الوقت مُتأخراً"، توجهتُ إلى منزله، وطرقتُ الباب؛ فخرج لي شيخٌ كبيرٌ، فقلتُ له: "أين فلان؟"، قال: "مَن تُريد؟!"، قُلتُ: "فلان"، قال: "هذا ابني، قد دفنّاه للتوَّ في المقبرة"، قُلتُ: "سُبحان الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد كلّمته اليوم في الصباح"، قال: "صلى الظهر ثم دخل غُرفته لينام وقال أيقظوني لصلاة العصر، جئنا نوقظه فإذا هو جثةٌ قد فاضت روحه إلى بارئها"، فبكيتُ، قال: "مَن أنت؟"، قُلتُ: "تعرفتُ على ابنك قبل أُسبوعين"، قال: أنت الذي كُنتَ سبباً في هدايته؟ دعني أُقبِّل رأسك، دعني أُقبِّل رأس الذي أنقذ ابني من النار"، وقبَّل رأسي.

إنها (التوبة النصوح) حينما تتمكن من الإنسان، بتوفيق الله عزَّ وجلَّ، لا فرق وقتها بين ذنبٍ صغيرٍ، وذنبٍ كبيرٍ، ولا فرق بين ذُنوبٍ قليلةٍ، وذُنوبٍ كثيرةٍ، فهي أولاً وأخيراً توبةٌ صادقة.

 

وردت لفظة التوبة ومُشتقاتها في القرآن الكريم مائةً وثمانِ مرات؛ منها:

يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾، ويقول أيضاً: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وخصَّ الله (التوبة النصوح) بالآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾.

 

كما وردت الإشارة إلى التوبة في السُنة النبوية المُشرَّفة مراتٍ عديدةٍ؛ منها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [واللهِ إنِّي لَأستَغفِرُ اللهَ وأتوبُ إليه في اليَومِ أكثَرَ مِن سَبعينَ مَرَّةً]. وقال عليه الصلاة والسلام: [لَلَّهُ أفرَحُ بتَوبةِ عَبدِه مِن رَجُلٍ نَزَلَ مَنزِلًا وبه مَهلَكةٌ، ومعهُ راحِلَتُه، عليها طَعامُه وشَرابُه، فوضَعَ رَأسَه فنامَ نَومةً، فاستَيقَظَ وقد ذَهَبَت راحِلَتُه، حتَّى إذا اشتَدَّ عليه الحَرُّ والعَطَشُ أو ما شاءَ اللهُ، قال: أرجِعُ إلى مَكاني، فرَجَعَ فنامَ نَومةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَه، فإذا راحِلَتُه عِندَه]. وقال أيضاً: [إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَبسُطُ يَدَه باللَّيلِ ليَتوبَ مُسيءُ النَّهارِ، ويَبسُطُ يَدَه بالنَّهارِ ليَتوبَ مُسيءُ اللَّيلِ، حتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ مِن مَغرِبِها]، وقال كذلك: [مَن تابَ قَبلَ أن تَطلُعَ الشَّمسُ مِن مَغرِبِها تابَ اللهُ عليه]، كما قال: [إنَّ اللهَ يقبلُ توبةَ العبدِ ما لم يُغرغرْ]. وحذَّر صلى الله عليه وسلم أصحاب البدع؛ فقال: [إنَّ اللَّهَ حجَز -أو قالَ حجبَ- التَّوبةَ عن كلِّ صاحبِ بدعةٍ].

 

يقول العُلماء إن الذُنوب التي يتوب منها العبد إما أن تكون ترك الواجبات لله تعالى، من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ إلى آخره، فهذه تُقضى بقدر الإمكان. وقد تكون الذُنوب بين العبد وبين الله من قبيل فعل المنهيات كشُرب الخمر وغيرها، فالواجب توطين النفس على تركها وعدم العودة إليها. أما إن كانت التوبة عن ذُنوبٍ في حق الناس، فلا تُقبل أبداً إلا بإرجاع الحقوق إلى أصحابها أو بالتحلل منها والتسامح عنها منهم إذا أمكن ذلك، وإلا بالتكفير عنها بالاجتهاد في الطاعة، وإدامة الاستغفار.

إن (التوبة النصوح) تشترط خمسة شروطٍ لكي تكون صادقةً ومقبولةً: الإخلاص لله تعالى؛ بأن يقصد التائب بتوبته وجه الله عزَّ وجلَّ والتقرب إليه، لا رياءً ولا سُمعةً ولا خوفاً من مخلوق. الندم على ما فات؛ بأن يحزن قلبه ويتألم على ما ارتكب من الذُنوب والمعاصي. الإقلاع عن الذنب؛ بأن يترك المعصية حالاً ويبتعد عنها فوراً. العزم على ألا يعود إليها؛ بأن ينوي بقلبه نيةً صادقةً ألا يُكرر هذا الذنب في المُستقبل. وأن تكون في وقت القبول؛ بأن تقع التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها، أو قبل أن تبلغ الروح الحُلقوم عند الاحتضار. وإذا كانت المعصية مُتعلقةً بحقٍ من حقوق الناس -كالمال أو النفوس أو الأعراض- فيُضاف إلى ذلك شرطٌ سادسٌ هو أن يرد التائب الحقوق لأصحابها ما استطاع، أو يستسمحهم ويتحلل منها.

 

قيل عن (التوبة النصوح) إنها: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، ومُهاجرة سيء الخلان. وقيل أن يكون لصاحبها دمعٌ مسفوح، وقلبٌ عن المعاصي جموح. كما قيل: هي التي يُديم فيها صاحبها الندامة، ولا ينفك عن الملامة.

 

ولعُلماء اللغة وقفةٌ لطيفةٌ؛ فهُم يقولون إن هناك كلماتٍ أُخرى دارت معانيها حول الرُجوع إلى الله، والإقلاع عن الذُنوب، بالإضافة إلى كلمة "التوبة"؛ من هذه الكلمات:

"الإنابة": ومعناها الرُجوع عن معصية الله تعالى إلى الطاعة حياءً من نظر الله عزَّ وجلَّ؛ يقول تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾. و"الأوبة": ومن معانيها الرُجوع، والاستقامة، والأوَّاب هو: كثير الرُجوع إلى الله عزَّ وجلَّ؛ يقول تعالى: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.

وحاول العُلماء وضع ترتيبٍ معنويٍ يُوضح الفُروق بين هذه الألفاظ الثلاثة فقالوا: إن أول الرُجوع "التوبة"، وأوسطه "الإنابة"، وآخره "الأوبة"؛ فالتائب راجعٌ عن الذنب نادمٌ على ما فعل يخاف العُقوبة. والمُنيب طامعٌ في الثواب راجعٌ من الغفلة إلى الذِكر حياءً. والآيب راجعٌ عن الذنب مُراعاةً للأمر وانصياعاً للحُكم، يستحي من الله أن يُخالفه.

 

ويقول أهل العِلم إنَّ كون الشخص يقع في الذنب ثم يتوب، ثم يقع في الذنب ثم يتوب، ليس استهزاءً بالله تعالى، بل دليلٌ على حُبه لله والتوبة، وكراهته للذنب؛ لأنه يكره المُداومة على فعله.

 

وعن (التوبة النصوح) قال الشاعر:

كَمْ جِئتُ بابَكَ سائلاً فَأجَبْتَني

مِنْ قَبْلِ حَتَى أَنْ يَقولَ لِساني

وَالْيَوْمَ جِئتُكَ تائباً مُسْتَغْفِراً

شَيءٌ بِقَلْبي لِلْهُدَى ناداني

عَيْنايَّ لَوْ تَبْكي بَقِيةَ عُمْرِها

لاحْتَجْتُ بَعَدَ العُمْرِ عُمْراً ثاني

إنْ لَمْ أكُنْ لِلعَفْوِ أهْلاً خالِقي

فَأنْتَ أهْلُ العَفْوِ وَالغُفْرانِ

رُوحي لِنُورِكَ يا إلَهي قَدْ هَفَت

وَتَشَققتْ عَطَشاً لَهُ أرْكاني

فَاقْبَلْ بِفَضْلِكَ تَوْبَةَ الْقَلِبِ الْذِي

قَدْ جَاءَ يَهْرَبُ مِنْ دُجَى العِصْيانِ

وَاجْعَلْهُ في وَجْهِ الخَطايا ثابِتاً

صَلْبَاً قَوياً ثابِتَ الإيِمانِ

وَامْنُنْ بِعَفْوِكَ إنَّ عَفْوَكَ وَحْدَهُ

سَيُعيدُ نَبْضَ النُورِ في الإنْسانِ

 

أحبتي.. التوبة بابٌ من أبواب الرحمة امتنَّ الله بها على عباده المُذنبين؛ فلا يقنَط منا مَن كان مُذنباً، ولا ييأس من رحمة الله من كان مُسيئاً أو مُخطئاً ولو كان من المُسرفين؛ يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.

جعلنا الله من التوابين المُنيبين الأوابين، ممن يُسارعون إلى (التوبة النصوح) إذا هُم أذنبوا.

 

*لقراءة الخاطرة كاملة*

https://tinyurl.com/2ymuckrr

*للاستماع الصوتي للخاطرة*

https://drive.google.com/file/d/1aaI0LP4OIY-XypLFWSHRqgeV42NusGRN/view?usp=drivesdk

الجمعة، 28 أغسطس 2026

ما أسوأ الغفلة

 

خاطرة الجمعة /566

الجمعة 28 أغسطس 2026م

(ما أسوأ الغفلة)

 

قصة أُختٍ مع أُختها التوأم.. ترويها إحدى الفتيات؛ فتقول:

بدت أختي شاحبة الوجه، نحيلة الجسم، ولكنها كعادتها تقرأ القرآن الكريم، بحثتُ عنها فوجدتها في مُصلاها راكعةً ساجدةً، رافعةً يديها إلى السماء، هكذا حالها في الصباح وفي المساء، وفي جوف القصصي، أُشاهد الفيديو والتلفاز بكثرةٍ، لا أُؤدي واجباتي كاملةً، ولستُ مُنضبطةً في صلواتي. في تلك الليلة، وبعد ثلاث ساعاتٍ مُتواصلةٍ في مُشاهدة التلفاز أغلقتُه، وأذان الفجر يرتفع من المسجد المُجاور لمنزلنا، فإذا بأُختي تُناديني من مُصلاها، قلتُ: "ماذا تريدين يا «نورة»؟"، ردَّت عليَّ: "لا تنامي قبل أن تُصلي الفجر"، قُلتُ: "أوه! باقي ساعةٌ على صلاة الفجر، والذي سمعتيه كان الأذان الأول"، فنادتني بنبرةٍ حنونةٍ، وقالت: "تعالي بجانبي يا «هناء»!"، كُنتُ لا أستطيع إطلاقاً ردَّ طلبها، فكم كُنتُ أشعر بصفائها وصدقها! سألتها: "ماذا تريدين؟"، قالت: "اجلسي"، قُلتُ: "ها قد جلستُ، ماذا لديك؟"، فقرأت بصوتٍ عذبٍ رخيمٍ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، وسكتت بُرهةً ثم سألتني: "ألا تؤمنين بالموت؟"، قُلتُ: "بلى، ولكن الله غفورٌ رحيم"، قالت لي: "ألستِ تؤمنين بأنكِ ستُحاسَبين على كل صغيرةٍ وكبيرةٍ؟"، قُلتُ: "بلى، ولكن الله غفورٌ رحيمٌ، والعمر طويلٌ"، قالت: "ألا تخافين من الموت بغتةً؟ أليست «هند» أصغر منكِ وقد تُوفيت في حادث سيارةٍ، وفلانةٌ وفلانةٌ؟! الموت لا يعرف عُمراً، وليس له مقياسٌ، وليس له سببٌ مُعينٌ، ولا وقتٌ محددٌ، ولا مكانٌ خاصٌ، يأتي بغتةً ونحن لا نشعر"، فأجبتها: "إني أخاف من الظلام، ولقد أخفتيني من الموت، فكيف أنام الآن؟ كُنتُ أظن أنكِ ستقولين: إنكِ وافقتِ على السفر معنا في هذه الإجازة"، فقالت بصوتٍ مُتحشرجٍ اهتز له قلبي: "لعلي أُسافر هذه السنة سفراً بعيداً! أُسافر ربما إلى مكانٍ آخر يا «هناء»! وسكتت ثم قالت: "الأعمار بيد الله"؛ ففكرتُ في مرضها الخبيث، وأن الأطباء أخبروا أبي سراً أن المرض ربما لن يُمهلها طويلاً، ولكن مَن أخبرها بذلك؟ أم أنها تتوقع هذا الشيء؟ قالت لي: "فيما تُفكرين؟ هل تعتقدين أني أقول هذا لأنني مريضةٌ؟ كلا، ربما أكون أطول عُمراً من بعض الأصحاء؛ فكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ، وكم من سقيمٍ عاش حيناً من الدهر، وأنتِ إلى متى ستعيشين؟ رُبما عشرين سنةً، رُبما أكثر، ثم ماذا؟ لا فرق بيننا؛ فالكُل سيرحل، وسنُغادر الدنيا إما إلى الجنة وإما إلى النار، ألم تسمعي قول الواحد القهار: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾، تُصبحين على خير"، هرولتُ مُسرعةً وصوتها يطرق أذني: "هداكِ الله، لا تنسي الصلاة". في الثامنة صباحاً سمعتُ طَرقاً على الباب، وهذا ليس موعد استيقاظي، وسمعتُ بُكاءً وأصواتٍ، يا إلهي! ماذا جرى؟ قالوا لي: "لقد تردَّت حالة «نورة»، وذهب بها أبي إلى المُستشفى"، قُلتُ متأففةً: "إنا لله وإنا إليه راجعون؛ لا سفر؛ مكتوبٌ علينا البقاء هذه السنة في بيتنا!". بعد انتظارٍ طويلٍ إلى الواحدة ظُهراً، اتصل أبي من المُستشفى قائلاً: "تستطيعون زيارتها الآن؛ فأتوا بسُرعةٍ"، فانطلقنا إلى المُستشفى وأُمي تدعو لها. دخلنا المُستشفى، ورأينا مناظر عجيبةً! هذا يتأوه، وذاك يتألم، وثالثٌ يصيح، وغيرهم: لا ندري هل هو من أهل الدُنيا أم من أهل الآخرة؟، ولا يعرف قيمة الصحة إلا من فقدها، فصعدنا درجات السُلم، وكانت «نورة» في غُرفة العناية المُركزة، وأخبرتنا المُمرضة أنها في تحسنٍ بعد الغيبوبة التي حصلت لها، ولم يسمحوا إلا بدخول شخصٍ واحدٍ فقط، فدخلت أُُمي، ووقفتُ أنظر من نافذة الغُرفة الصغيرة، فرأيتُ عينيها وهي تنظر إلى أُُمي وهي واقفةٌ بجوارها، خرجت أُُمي ولم تستطع إخفاء دموعها، ثم سمحوا لي بالدخول والسلام عليها، بشرط أن لا أمكث طويلاً؛ فحالتها لا تسمح بذلك، فدخلتُ وسألتها: "كيف حالك يا «نورة»؟! لقد كُنتِ بخيرٍ البارحة، فماذا جرى لك؟!"، أجابتني بعد أن ضغطت على يدي: "أنا الآن -ولله الحمد- بخيرٍ"، فقُلتُ: "الحمد لله، لكن يدك باردةٌ"، وكُنتُ جالسـةً على حافة السرير، ولامست يدي ساقها فأبعدت يدي، فقُلتُ لها: "آسفةٌ إن كُنتُ قد ضايقتك"، قالت: "كلا، ولكني تذكرتُ قوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ . إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾، ثم قالت: "عليكِ يا «هناء» بالدُعاء لي، فرُبما أستقبل عن قريبٍ أول أيام الآخرة: سفري بعيدٌ وزادي قليلٌ لن يُبلغني، وقوتي ضعفت، والموت يطلبني، ولي بقايا ذنوبٍ لستُ أعلمها، الله يعلمها في السر والعلن"، سقطت دمعةٌ من عينيّ بعد أن سمعتُ ما قالت، وبكيتُ، ولم أعِ أين أنا، استمرت عيناي في البُكاء، أصبح أبي خائفاً عليّ أكثر من «نورة»، لم يتعودوا مني هذا البُكاء. عُدنا إلى البيت وانطويتُ في غُرفتي، ومع غُروب شمس ذلك اليوم الحزين، ساد صمتٌ طويلٌ في بيتنا، دخلت عليّ ابنة خالتي، ثم ابنة عمتي، وحصلت أحداثٌ سريعةٌ مُتتاليةٌ؛ كثُر القادمون، واختلطت الأصوات، شيءٌ واحدٌ عرفته هو قولهم: «نورة» ماتت! لم أعد أُُميِّز من جاء، ولا أعرف ماذا قالوا، يا أللّه! أين أنا؟ وماذا يجري؟ عجزتُ حتى عن البُكاء، وأخبروني فيما بعد أن أبي ودَّع أُختي الوداع الأخير بيده، وأني قبلتها، ثم لم أعد أتذكر إلا شيئاً واحداً: نظرتي حين نظرتُ إليها وهي مُمددةٌ على فراش الموت، وتذكرتُ قولها وهي تتلو قوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ فقد عرفتُ عندها حقيقة ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾. في تلك الليلة ذهبتُ إلى مُصَّلاها المُظلِم، وجلستُ فيه، تذكرتُ من قاسمتني رحم أمي، فنحن توأمان، وتذكرتُ من شاركتني هُمومي، وتذكرتُ من نفَّست عني كُربتي، وتذكرتُ تلك التي كانت تدعو لي بالهداية، فكم ذرّفت عيناها من الدُُموع في ليالٍ طويلةٍ وهي تُحدثني عن الموت والحساب! هذه أول ليلةٍ لها في قبرها، اللهم ارحمها، اللهم اغفر لها، اللهم نوِّر لها قبرها، نظرتُ حولي فرأيتُ مُصحفها وسجادتها، ورأيتُ الفستان الوردي الذي قالت لي عنه: "سأُخبئه لزواجي"، تذكرتها، وبكيتُ على أيامي الضائعة، بكيتُ بُكاءً مُتواصلاً، ودعوتُ الله أن يرحمني، وأن يتوب عليّ ويعفو عني، دعوتُ الله أن يُثبِّتها في قبرها كما كانت تُكثر أن تدعو، وفجأةً سألتُ نفسي: "ماذا لو كُنتُ أنا الميتة؟ ما هو المصير؟" تقول: "لم أبحث عن الإجابة من الخوف الذي أصابني، بكيتُ بحرقةٍ، وقلتُ لنفسي: (ما أسوأ الغفلة)، فإذا بصوت المؤذن يُردد: "الله أكبر، الله أكبر"، ها هو أذان الفجر قد ارتفع، وما أعذبه هذه المرة! أحسستُ بطُمأنينةٍ وراحةٍ، وأنا أُردد ما يقوله المُؤذن، لففتُ ردائي وقُمتُ واقفةً أُصلي صلاة الفجر، صليتُ صلاة المُودِّع كما صلتها أُختي من قبل، والتي كانت آخر صلاةٍ لها.

 

أحبتي في الله.. (ما أسوأ الغفلة) فهي من أسباب الندم وتفويت الأجر والحرمان من الثواب، وهي داءٌ حذرنا منه الله سُبحانه وتعالى في أكثر من موضعٍ في كتابه الكريم، وأوضح لنا صفات وسمات الغافلين؛ يقول تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾، وفي التفسير أن الغافل هو مَن طَبع اللهُ على قلبه وسمعه وبصره؛ فتراه يتخبَّط في دروب الضلالة على غير هدىً، وهو الذي رضي واطمأن بالحياة الدُنيا الفانية الزائلة، وقدَّمها وآثرها على الآخرة الباقية.

 

فهل الغفلة نتيجةٌ للجهل؟ يقول تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾، يقول المفسرون: لا فرقَ بين جاهلٍ وعالمٍ؛ فالعالِم بشُؤون الدُنيا لا يعلم عن آخرته شيئاً ماذا سينفعه عِلمُه ومصيره جهنَّم في الحياة الأخرى؟ إن العقل إذا كمل أورث صاحبه صحة المُعتقد وسلامة العمل، فمن غفل ودعا غير الله من المعبودات الباطلة أو الأموات في أجداثهم فقد كشف عن جهله وقلَّة عقله، ولو كان لديه أرقى الشهادات العِلميَّة.

 

(ما أسوأ الغفلة) انظر إلى أحوال الغافلين يوم القيامة؛ يقول تعالى: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. يقول أهل العِلم: إذا دنا يوم القيامة وبدَت أهواله ترى أبصار الكُفَّار من شدَّة الفزع مفتوحةً لا تكاد تَطرِف، يدعون على أنفسهم بالويل، ويعترفون عليها بالغفلة والظُلم، ففي هذا تحفيزٌ للصالحين بالاستعداد للثواب، وإنذارٌ للمُعرضين بدُنوِّ العقاب.

 

(ما أسوأ الغفلة) فهل لها من علاجٍ؟ نعم؛ تدبَّر قوله تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ يقول العارفون: فلتكُن هِمَّتُك عاليةً، وغايتُك المَرجُوَّة ساميةً، فلا تَرضَ لنفسك بحياةٍ ناقصةٍ مُكدَّرةٍ زائلةٍ، بل اطلب لها حياةً باقيةً صافيةً كاملةً. البهجةُ بالحياة الدُنيا والرضا بها والتوغُّل في مُلهِياتها يَصرِف عن الاستعداد للآخرة. إن رجاء لقاء الله واستشعار الانتقال إليه يُزهِّد العبد في الدُنيا ويُرغِّبُه في الآخرة. إنَّ مَن لا يخاف اللهَ دأبُه الغفلة عن آيات ربِّه التي فيها نَجاتُه وسعادته، لكنَّه ليس بغافلٍ عن الشهوات والشُبُهات التي فيها هلاكه وشقاؤه! علينا إذن أن نتأمَّل معاني الذِّكر الذي تلهج به ألسنتنا، ونستحضِر جلال من نذكُره في قُلوبنا؛ لئلَّا نُكتب من الغافلين.

 

(ما أسوأ الغفلة) وما أشقى الغافلون؛ قال النبي صلى اللهُ عليه وسلم عمن يغفلون ويتركون صلاة الجُمعة: [لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ]. وقال عليه الصلاة والسلام: [مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ].

 

وعن الغفلة قال الشاعر:

أمَا وَاللهِ لَوْ عَلِمَ الأنَامُ

لِمَ خُلِقُوا لِمَا غَفَلُوا وَنَامُوا

لَقَدْ خُلِقُوا لِمَا لَوْ أَبْصَرَتْهُ

عُيُونُ قُلُوبِهِم تَاهُوا وَهَامُوا

مَمَاتٌ ثُمَّ قَبْرٌ ثُمَّ حَشْرٌ

وَتَوْبِيخٌ وَأَهْوَالٌ عِظَامُ

وعن علاج الغفلة قال آخر:

إنَّ للهِ عِبَادَاً فُطنَاً

طَلَّقُوا الدُنْيَا وَخَافُوا الفِتَنَا

نَظَرُوا فِيهَا فَلَمَّا عَلِمُوا

أنَّهَا لَيْسَتْ لِحَيٍّ وَطَنَا

جَعَلُوهَا لُجَّةً وَاتَخَذُوا

صَالِحَ الأعْمَالِ فِيهَا سُفُنَا

 

أحبتي.. يقول سُبحانه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾، إنَّ كل يومٍ يمر يُقرِّبنا من يوم الحساب، فماذا أعددنا له؟، فليُراجِع كُلٌ منا نفسه، ويشتد في حسابها، ويُحدِّد مواطن غفلته، ومجالات تقصيره، ويقول في نفسه بيقينٍ كاملٍ (ما أسوأ الغفلة)؛ فلا يركن إلى أملٍ كاذبٍ ويُؤجِّل ويُسوِّف، إن الذكي الفطن هو الذي يبدأ من فوره بغير إبطاءٍ، ويُبادر بالاستعداد ليوم الحساب ولا يتأخر؛ فإن الدُنيا إلى ذهابٍ، والآخرة على اقترابٍ، والمصير معروفٌ: إما جنةٌ ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، أو نارٌ للخاسرين ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.

اللهم اجعلنا من أصحاب الجنة الفائزين، ولا تجعلنا من الغافلين الخاسرين.

 

*لقراءة الخاطرة كاملة*

https://tinyurl.com/2ctbrhvc

*للاستماع الصوتي للخاطرة*

https://drive.google.com/file/d/1oJJKgaIFKxwMAs1gBwdDYqhXvuuzjlCX/view?usp=drivesdk

الجمعة، 21 أغسطس 2026

دعوة مشبوهة

 

خاطرة الجمعة /565

الجمعة 21 أغسطس 2026م

(دعوة مشبوهة)

 

لا أجد من الكلمات ما يُعبِّر عن شعوري -وشعور الملايين من المصريين- بالأسى على الحال الذي وصل إليه البعض من مُقدمي البرامج التلفزيونية، ممن أُتيحت لهم فرصة توعية الناس ونقل المعارف المُفيدة لهم ومناقشة القضايا التي تهمهم وتثقيفهم والإسهام في تعليمهم، فبدلاً من ذلك يقومون بتجهيلهم، والتدليس عليهم، وتلبيس الأمور عليهم، وتشويه أفكارهم، والنيل من مُعتقداتهم، وتشكيكهم في أصول دينهم؛ فهذا واحدٌ من هؤلاء، فوجيء المشاهدون لبرنامجه اليومي بإحدى القنوات التلفزيونية الرسمية المصرية، بإشادته بتجربةٍ سيئةٍ لإحدى الدول العربية، والتي تُعد انتكاسةً فاضحةً بكل المقاييس، بعد إقرار مجلس الوزراء بتلك الدولة لقانون يُساوي بين المرأة والرجل في الميراث مُخالفاً بذلك نَص الآية الكريمة: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. أطلق علينا هذا الشخص (دعوة مشبوهة) فقال نَصاً -وأعتذر لاستخدام العامية المصرية-: "لو كان لدينا مجلس نواب شُجاع وجريء وعادل ومُنصف، وأقر قانوناً يقول إن الميراث بالتساوي بين الرجل والمرأة.. يكون كده خالف شرع ربنا؟ ما اعتقدش إنه يكون خالف شرع ربنا؛ لأنه ببساطةٍ شديدةٍ محدش هييجي مثلاً يُغيِّر القُرآن، ناس تقول لك كده أنت بتغير القرآن.. لأ إحنا مُش بنغير القرآن! يعني مُش هييجي مثلاً في القرآن الذي نتعبد به إلى الله فتيجي تلاقي الإمام بيقرأ في صلاة المغرب ولا العِشا ولا في الفجر مثلاً من سورة النساء ويقول: «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل الأنثى» مُش هنُغيرها! مُش هتتغير، محدش هيغيرها، محدش يُزايد في الحتة دي. ولكن الحُكم نفسه، فأنت بتحتفظ بالنص المُقدس، ولكن يتم تعطيل العمل به لأنه لم يعد مناسباً للمجتمع الآن! خلينا نعقلها كده، لأنه إيه معنى إنك أنت تتشدق -كعالم دين ولا شيخ أزهر ولا مُفتي- تتشدق وتقول إن الإسلام ساوى بين المرأة والرجل في كل شيء، فتيجي تقول له طب الميراث؟ يقول لك: لأ ده وضع تاني"!

 

أحبتي في الله.. إلى هذه الدرجة وصلت الجُرأة على الله سُبحانه وتعالى، وإلى هذه الدرجة يتم الاستخفاف بعقول المُشاهدين حين يقول ما معناه "لن نغيِّر في القرآن لأنه نصٌ مُقدسٌ، لكننا سنقوم فقط بتعطيل حُكم الله؛ لأنه لم يعد مُناسباً لنا"! ولو أنه أكمل الآية التي يُريد تعطيل العمل بأحكامها لوجد خاتمتها: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ فهذا الحُكم الإلهي ليس انتقائياً، ولا يخضع للميول والأهواء، ولا علاقة له بتغير الزمان أو المكان، إنه ليس اجتهاداً بشرياً يمكن مُناقشته لتعديله أو التخلي عنه وتعطيل العمل به؛ لكونه ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مثله مثل الصلاة والزكاة وصوم رمضان والحج. وختام الآية بالقول ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يُعطي معنىً واضحاً لا يُخطئه فهمٌ؛ أن أحكام الميراث الواردة في هذه الآية -وفي غيرها- مُحكمةٌ وعادلةٌ، لا مُحاباة فيها لأحدٍ، وليس فيها ظلمٌ -كما يدَّعون- لأي طرفٍ؛ فالذي فرضها عليمٌ خبيرٌ، فهل مَن يُريد وقف العمل بها أكثر عِلماً أو أكثر حكمةً من الله؟! حاشا وكلا.

 

كانت هذه الدعوة قد ظهرت لأول مرةٍ في «مصر» عام 1928م حين جاهر بها أحد النصارى، ولاقت مُعارضةً شديدةً، ومن المُلفت للنظر وقتها أن رئيسة الاتحاد النسائي كانت من أشد المُعارضين لهذه الدعوة. ثم تجددت ذات الدعوة عام 1930م على يد دعيٍّ آخر ردَّ عليه أحد الشيوخ الأجلاء بقوله: "أمْرُ الدين ليس كأمر القوانين في جواز وضع نصوصه موضع البحث والنظر؛ لنترك ما لا نستحسنه منها ونُبقي ما نستحسنه، بل مُقتضى الدين قبول كل ما هو قطعيٌ منه، سواءً أدركنا وجه منفعته أم لا. والأحكام الشرعية ليست اختياريةً؛ فهذا ما لم يقل به عالمٌ من عُلماء المُسلمين المُتقدمين ولا المُتأخرين، وهو مُخالفٌ للكتاب والسُنة والإجماع، والقول به يُعد كُفراً صريحاً؛ إذ لا فرق عند العُلماء بين أحكام العبادات وأحكام المُعاملات في أدلة ثبوتها ووجوب العمل بها".

وفي (دعوة مشبوهة) مُماثلةٍ ظهر في «مصر» عام 2018م دعيٌ آخر، طالب بالمساواة في الميراث بين الذُكور والإناث، واقترح طرح الأمر في استفتاءٍ شعبيٍ! وقد ردَّ عليه آنذاك مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية مُؤكداً على أن: "تحليل الحرام أو تحريم الحلال جريمةٌ شرعيةٌ، ومُحاسبة من يدعو إليها واجبةٌ، ونصوص الميراث في الإسلام قطعية الثبوت والدلالة، لا تقبل الاجتهاد أو التلاعب، وإن الميراث ليس من المسائل الظنية التي تحتمل النقاش، بل هو حكمٌ شرعيٌ مُحكمٌ جاء في آياتٍ واضحةٍ، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾. إن قضايا الميراث ليست مجالاً للاستفتاء أو التفاوض الشعبي، فهي ليست وضعاً بشرياً، بل تشريعٌ إلهيٌ محفوظٌ بآياتٍ لا تقبل التأويل، ومن يتجرأ على تغييرها فإنه يُخالف صريح القرآن ويُعرِّض الأُمة للخطر. ونبَّه الأزهر إلى أن الادعاء الدائم بأن أحكام الشريعة لا تُناسب الزمان وتطور العصر؛ طرحٌ كريهٌ لا يُراد به إلا عزل الإسلام عن حياة الناس، فضلاً عن كونه فتنةً عظيمةً في دِينهم؛ لا يجني المُجتمع منها إلا الانحراف الفكري والتطرف". كما ردَّ عليه وقتها مُفتى «مصر»، وجاء في رده: "أنه لا اجتهاد في النصوص قطعية الدلالة وقطعية الثبوت، بدعوى تغيُّر السياق الثَّقافي الذي تعيشه الدُول والمُجتمعات الآن. والزعم بأنَّ الإسلامَ يُورِّثُ مُطلقاً الذكرَ أكثرَ من الأنثى، هي دعوى لا يُعتدُّ بها وزَعْمٌ باطِلٌ؛ فالمرأةُ في الإسلام لها أكثرُ من ثلاثينَ حالةً في الميراث، ونجدُ الشَّرعَ قد أعطاها في كثيرٍ من الأحيان أكثرَ مما أعطى الرجل".

 

المُفارقة التي فاتت هؤلاء الأدعياء ومن ناصروهم، قصداً أو جهلاً، أن الاستجابة لدعواهم لا تعني غير شيءٍ واحدٍ مؤكدٍ؛ وهو ظُلم المرأة، التي يزعمون أنهم يهدفون إلى رفع الظُلم عنها؛ ذلك أن النظام المالي الإسلامي -كما يقول العُلماء- يقوم على توازنٍ دقيقٍ يجعل المرأة إما مُساويةً للرجل، أو أوفر حظاً منه في المُجمل، وأن التفاوت المحدود في بعض الحالات هو تطبيقٌ لمبدأ "الغُرم بالغُنم"، ومُراعاةٌ للأعباء الاجتماعية والمالية المُلقاة على عاتق الرجل. إن التمايز في الميراث لا تحكمه الذُكورة والأنوثة، بل ثلاثة معايير أساسية؛ أولها: درجة القرابة؛ فكلما اقتربت الصلة بالميت زاد النصيب في الميراث. ثانيها: موقع الجيل الوارث؛ إذ أن الأجيال التي تستقبل الحياة -مثل الأبناء- يكون نصيبها أكبر غالباً من الأجيال التي تستدبر الحياة -مثل الآباء- بغض النظر عن الجنس. ثالثها: العبء المالي؛ ويُعَد المعيار الوحيد الذي يُثمر تفاوتاً بين الذَكر والأُنثى، نظراً لتكليف الرجل شرعاً بإعالة الأُنثى بينما تظل ذمة المرأة المالية مُستقلةً ومحمية.

ومن خلال استقراء حالات الميراث يتبين أن دعوى "المرأة ترث نصف الرجل دائماً" هي (دعوة مشبوهة) وباطلةٌ؛ يوضح أهل العِلم أن ليس كُل حالات ميراث المرأة "أنَّ لها نصف ما للرجل"؛ فهناك أربعٌ وثلاثون حالةً من أحوال الميراث ترث فيها المرأة بنِسَبٍ مُختلفةٍ: عشر حالاتٍ ترثُ فيها كالرَّجُلِ؛ مثل ميراث الأب والأم، ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾. وعشر حالاتٍ أُخرى ترث المرأة فيها أكثر من الرجل، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾؛ فلو مات شخصٌ وترك بنتاً وأباً، فنصيب البنت النصف ونصيب الأب السُدس مع بقية التركة، ومع ذلك لم يقل أحدٌ إنَّ كرامة الأب منقوصةٌ. وهناك عشر حالاتٍ تحجب فيها المرأة الرجل، مثل أن يموت شخصٌ عن ابنٍ وبنتٍ وأخوين شقيقين، فالابن والبنت يأخذان التركة كلها، فورثت البنت ولم يرث الأخ الشقيق. وهناك أربعُ حالاتٍ فقط هي التي يكون فيها للذَّكَرِ مثل حظ الأنثيين. وهذا يدل على إنصاف الإسلام للمرأة المُسلمة؛ بل إن الإسلام قد ميَّز الأُنثى في الميراث أحياناً لتكون لها ذمةٌ ماليةٌ خاصةٌ ومُستقلةٌ تحميها من تقلب الزمن، دون أن تُكلَف بالإنفاق على غيرها. ويُرجع أهل العِلم ذلك إلى التوازن بين الميراث والنفقة؛ فالنفقة واجبةٌ للمرأة: سواءً كانت بنتاً، زوجةً، أو أُماً، فهي مكفولةٌ مادياً من قِبَل الرجل "الأب أو الزوج أو الابن". كذلك فإن الشرع قد حافظ على إكرام المرأة في المأكل والملبس والمسكن، حتى في أدوات الرفاهية، مما يُفسِّر سبب زيادة نصيب الرجل في بعض حالات الميراث لمُواجهة هذه التكاليف.

 

وهناك أمثلةٌ كثيرةٌ لا تخلو كُتب المواريث وعِلم الفرائض من تفاصيلها، ولله الحكمة التامة فيما قدَّر وشرَّع.

 

أحبتي.. إن الدعوة لمُساواة الأُنثى بالذَكر في الميراث هي (دعوة مشبوهة) تبدو في ظاهرها كما لو كانت دعوة حقٍ؛ لكن الحقيقة أن المُراد منها باطلٌ؛ فأصحاب هذه الدعوة لديهم سبق إصرارٍ، وتعمدٌ، وسُوء طويةٍ، وهُم يعلمون أن ما يقومون به هو هدمٌ مقصودٌ لثوابت الدين، يقول عنهم سُبحانه وتعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، فيا من تعصون الله ورسوله وتزعمون أنكم أكثر حرصاً على صيانة حُقوق المرأة من خالقها، وتُطالبون بتعطيل حُكم الله، يتوعدكم الله سُبحانه وتعالى بالخزي في الحياة الدُنيا، وبأشد العذاب يوم القيامة؛ فأنتم في ضلالٍ مُبينٍ، تظلمون أنفسكم، وتظلمون المرأة التي تتشدقون بحمايتها من الظُلم!

اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام، ولك الشُكر أن جعلتَ فطرتنا سويةً سليمةً تُشعرنا بكل (دعوة مشبوهة)، وتقودنا للتفرقة بين الصواب والخطأ، بين النور والظلام، بين الإيمان والكُفر.‏

 

https://tinyurl.com/29srbmkm