الجمعة، 10 يوليو 2026

سُنة الابتلاء

 

خاطرة الجمعة /559

الجمعة 10 يوليو 2026م

(سُنة الابتلاء)

 

هذه الخاطرة أهديها إلى كُل مَن قهرته الظُروف، وأحس أن البلاء قد أحاط به من كُل جانبٍ. إلى كُل مَن صارت أحواله تسير من سيءٍ إلى أسوأ. إلى مَن يظن أنه لا يوجد على وجه الأرض مَن يُعاني مثله، ومَن يُظلَم مثله، ومَن يقف وحيداً يُواجه القسوة والظُلم والإهانة والذُل بلا حدودٍ مثله.

طفلةٌ يتيمةٌ مرَّت بحياةٍ أليمةٍ تُخبرنا بقصتها من البداية فتقول:

عشتُ يتيمة الأُم مُنذ كنتُ في الرابعة من عُمري، فعرفتُ طعم الفقد ووجع الحرمان وانكسار الروح، حين أرى كُل طفلةٍ تُمسك بيد والدتها في المُناسبات الاجتماعية والأعياد، أو حين تمسح أُمٌ فوق رأس ابنتها بحنانٍ بالغٍ، أو حين تُزيد البنت الدلال على والدتها فتحضنها بكُل حُبٍ. لم يؤثر رحيل والدتي كثيراً على والدي؛ فقد تزوج بعد وفاتها بشهرٍ واحدٍ بامرأةٍ، لو كان لي الخيار لما صنفتها من عالم البشر، ذُقتُ على يديها كُل ألوان العذاب في ظل صمتٍ مُطبقٍ من والدي! من فرط قسوتها كُنتُ أتمنى الموت كُل ساعةٍ حتى صار من أجمل أحلامي. كُنتُ آخر فردٍ ينام ليلاً، وأول من ينهض من فراشه صباحاً، حتى الشاي والفطور كُنتُ أقوم بإعدادهما قبل ذهابي إلى المدرسة.

لم تكن عقارب الساعة تمر سريعاً؛ بل كُنتُ في أحيانٍ كثيرةٍ أشك أن نفس اليوم يتكرر ثلاث مراتٍ من طول ساعاته التي لم تكن تمضي أبداً. كُنتُ أشعر كأن أضلعي يجثم فوقها ألف جبلٍ وجبلٍ، وأن صدى صرخاتي التي تتلوى وجعاً ترتد نحو حلقي فلا يسمعها سواي. كُنتُ حقاً أختنق. لكن ورغم كُل ما كُنتُ أُعانيه من ظلمٍ وقسوةٍ ويُتْمٍ، كان عزائي الوحيد الدراسة؛ حيث تفوقتُ فيها إلى الدرجة التي أثارت غيرة أخواتي من أبي؛ مما دفع زوجته لإخراجي من المدرسة وأنا في الصف الأول ثانوي. انكسرت روحي كما ينكسر فنجان قهوةٍ إلى أشلاء صغيرةٍ! انسلختُ عن نفسي حتى لم أعد أدري من أنا، أحسستُ أن جزَّاراً سلخ جلدي مثلما يسلخ جلد الذبيحة ورمى به بعيداً فأصبحتُ لا أعرفني! انكسار روحٍ، انسلاخ نفسٍ! ماذا تبَّقى لي حتى أتمسك بحياتي البائسة؟ فكرتُ بالانتحار لكني خفتُ من غضب الله.

لم تتوقف مُحاولات زوجة أبي في إذلالي، وزرع الإحساس في داخلي بأني لستُ إنسانةً، كأنما وظيفتها في الحياة مُحاولة وأْدي. وكان لها شقيقٌ يُعاني من تخلفٍ عقليٍ وعاهةٍ بدنيةٍ ولا يستطيع النُطق، لا أدري كيف أقنعتْ والدي والمأذون والناس جميعاً بمُوافقتي على الارتباط به؟! حاولتُ بشتى السُبل الاعتراض، ولكن لا حياة لمن تُنادي. هددتُها بالهرب فهددتني بالقتل، ولأني كُنتُ مُجرد فتاةٍ يتيمةٍ خائفةٍ مُستضعفةٍ لا يُنصتُ إليها أحدٌ، ولا يستمع لصدى صُراخها أحدٌ؛ فقد استسلمتُ، لأنه الخيار الوحيد المُتاح لي في ذلك الوقت. وتم زفافي إليه في ملحمةٍ إنسانيةٍ بائسةٍ كان فيها الزوج لا يعلم حتى عما يدور حوله، عُش الزوجية مُجرد غُرفةٍ في سطح منزلنا كان في الأصل عُشة حمامٍ! لم تكن مُعاملتها لشقيقها تتصف بالإنسانية إطلاقاً؛ فقد كانت تضربه بشدةٍ وبلا أدني رحمةٍ، حين يُبعثر الطعام أو يصرخ بقوةٍ أو يُضايق إحدى بناتها المُدللات. لم يكن اهتمامها به بعد وفاة والديها ناتجاً من محبتها له، بل حتى لا يتكلم الناس عنها بسوءٍ، هذا ما ظننته في البداية قبل أن أكتشف الحقيقة التي صعقتني فيما بعد. سوء مُعاملتها له دفعني للإشفاق عليه، شعرتُ أنني وإياه نتقاسم قسوة الحياة وظُلم البشر وسوداوية الظُروف وبؤس الأيام وعدم وجود السند والحضن الدافئ والمشاعر الإنسانية. بدأتُ في تقبله، لا كزوجٍ بل كطفلٍ كبيرٍ يحتاجني ويشعر بالأمان بقُربي؛ فقمتُ بمحاولاتٍ لتهذيب عاداته وطبائعه، وشعرتُ بمشاعر الأمومة نحوه! ومرَّت خمس سنواتٍ من عُمري وشبابي الضائع ومشاعري المُستنزفة قبل أن يحدث التغيير الأول في حياتي؛ فذات مساءٍ أُصيب زوجي بتشنجٍ حادٍ لم تنفع معه كل مُحاولات الأطباء، فتُوفي خلال أُسبوعٍ، واختلطتْ مشاعري؛ فلم أعد أعرف هل أحزن على رحيله؟ أم أفرح لنهاية قصتي معه؟ وعرفتُ فيما بعد سر تمسك زوجة والدي ببقاء أخيها عندها؛ فقد علمتُ أن زوجي المُتخلف عقلياً قد ورث عن والديه مبلغاً كبيراً، وقد استماتت لإخفاء هذه المعلومة عني وعن الجميع، ثم استماتت من أجل حرماني من الميراث، ونجحت في ذلك؛ فأصبحتُ أنا مثل الفاشل الذي عاد بخفيّ حُنين، فقدتُ كُل شيءٍ! أُصبتُ بالاكتئاب الشديد وأنا أرى حياتي مثل مسبحةٍ بيد أحدهم يهزها يميناً وشِمالاً فتتأرجح في كل اتجاهٍ! أصبحتْ أسوار السوداوية والفشل والحُزن والإحباط ترتفع من حولي يوماً بعد يومٍ حتى تكاد تخنقني، مرَّت سنةٌ بائسةٌ أُخرى بعد وفاة زوجي، كانت فيها كل أحلامي بإكمال دراستي تتهاوى أمام ناظري، أصبحتُ مُجرد خادمةٍ لزوجة أبي وبناتها، إلى أن حدث التغيير الرئيسي في حياتي؛ إذ تقدم لخطبتي أرملٌ في الستين من عُمره يفصل بيني وبينه 39 عاماً، وسبعةٌ من الأبناء أصغرهم في مثل عُمري! رفضتُ وصرختُ ولكن كما ذهب صدى صوتي أدراج الرياح المرة السابقة هكذا حدث في المرة الثانية. أمواله وعقاراته كانت الطُعم الذي أسال لُعاب أبي وزوجته، وتم زفافي إليه وكُنتُ أشعر أني مثل نعجةٍ تُساق إلى المذبح. وفي ليلة الزفاف ذهبتُ معه إلى منزله ودخلته لأول مرةٍ. لم يلفت نظري فخامة منزله وأثاثه، وجمال اللوحات والإضاءات المُذهبة، ولا السجاد الثمين، والتحف الغريبة! كُنتُ أُنصتُ لحظتها لضجيج الألم في داخلي، للأفكار السوداوية التي تعتصر عقلي، للغُبن الذي يضج بين أضلعي، لشريط حياتي البائس وهو يمر بالحركة البطيئة أمام ناظري. وحين أصبحتُ معه وحدنا في الغُرفة تحدث معي بحنانٍ بالغٍ ومشاعر دافئةٍ افتقدتها، حتى أصبحتُ أشك في كوني كائناً بشرياً، فشعرتُ بدموعي تتدافع سراعاً، وجسدي يرتجف بخوفٍ، ولأول مرةٍ في حياتي يحتضني أحدٌ بمثل هذا الحُب والرفق والصدق، عرفتُ منه أنه ظل وفياً لزوجته طوال فترة مرضها التي امتدت لعشر سنواتٍ، أخبرته بكل حكايتي، كانت دموعه تختلط بلحيته البيضاء القصيرة، ونظرات الذُهول ترتسم بعينيه وهو يقول: "كيف صبرتِ على كُل هذا الأذى؟!". مرَّت الأيام، وفي كل يومٍ كانت العلاقة تزداد متانةً بيني وبينه، حتى أحببته من كُل قلبي، وشكرتُ الله تعالى الذي أرسله لي بعد كُل العناء والألم الذي مررتُ به في حياتي. وكان من دروس الحياة التي تعلمتها في تلك اللحظة التي تشعر فيها أن الجميع تخلى عنك، وأنك تقبع في دهليزٍ مُظلمٍ وحيداً تلعق جراحك بكثيرٍ من المرارة؛ سيمسح الله على قلبك برفقٍ، وسينير لك طريقاً مُظلماً ما ظننتَ يوماً أنه سينير. أحببتُ أبناءه وأحبوني وكأني أختٌ لهم، ولأول مرةٍ أيضاً أشعر بروح العائلة وجمال الدفء فيها؛ تَشاركنا مع بعضنا جمال الأيام ولحظات السعادة وساعات الإنصات والاهتمام. عرفتُ مع زوجي وأبنائه معنى ليالي رمضان الجميلة ولذة الإفطار مع بعضنا، وبهجة الأعياد، ولمة العائلة، واجتماع الأهل، وروعة السفر مع أُناسٍ أُحبهم ويحبوني. ومرَّت السنوات مع زوجي الحبيب مثل حلمٍ جميلٍ لم أرغب أبداً في أن أصحو منه. كُنتُ أحياناً أضع يدي أمام أنفه لأرى إن كان يتنفس أم لا؟ خشيتُ أن أفقده، وأن أعود إلى تلك النُقطة السوداء التي لا تُشعرني بإنسانيتي، لم يكن مُجرد زوجٍ؛ بل كان مُلهمي ومُعلمي وأبي وحبيبي وكل شيءٍ لي في هذه الحياة، أنجبتُ منه ثلاثة أبناء، وبمُساندته أكملتُ تعليمي الثانوي والجامعي، ثم حصلتُ على الماجستير والدكتوراه! لكن من قال إن تلك السنوات التي نرتشف منها السعادة تدوم؟ وأن تلك اللحظات التي نقضيها بجوار من نُحب يُمكن أن تستمر إلى الأبد؟ إنها حكمة الله، وسُنته في الحياة؛ لا يجعلها تسير على وتيرةٍ واحدةٍ، وأقداره التي يجب أن نكون راضين بها تمام الرضى، سيُرسل الله لكَ لحظاتٍ صعبةٍ يختبر فيها قُدرتكَ على الصُمود، وحُسن ظنكَ به، وثقتكَ فيه، وجاءت تلك اللحظة التي كُنتُ أخاف فيها أن أفقده. مرِضَ زوجي مرضاً لم يُمهله سوى شهرٍ واحدٍ، وقبل أن يرحل عن عالمنا بعد 17 عاماً من زواجنا طلب مني أن أقطع له وعداً بأن أكون قويةً ولا تكسرني الظُروف والأيام، وأن أكون تلك المرأة التي عرفها، التي تحدَّت نفسها بفضل الله ونهضت من جديدٍ، تلك المرأة التي كانت مُجرد حُطامٍ حين اقترن بها، وها هي اليوم بعد كُل ما حصلتْ عليه وحققته تقف على قدميها من جديدٍ. وعدتُه بكُل صدقٍ. ورحل زوجي، ووفيتُ بوعدي له، وطاردتُ أحلامي، لم أعد تلك اليتيمة المُستضعفة؛ افتتحتُ مشروعي التعليمي الخاص، ونجحتُ نجاحاً باهراً، والآن أبناء زوجي وأبنائي هُم الثروة الحقيقية لي، لقد عوضني الله خيراً. وحين أستعرض أحياناً حياتي السابقة البائسة، أعود من جديدٍ لأتذكر جيداً أني طوال فترة وجودي في منزلنا القديم لم أفقد أبداً حُسن ظني بالله سُبحانه وتعالى، نعم كُنتُ أحياناً أضعف لكني كُنتُ دوماً -وبلا قنوطٍ أو توقفٍ- أدعو، وأدعو، وأدعو. وكُلما احتدمتْ الغيوم السوداء في سماء حياتي كُنتُ أشعر أن الله عزَّ وجلَّ يُدبِّر لي خيراً في قادم أيامي، كُنتُ أثق بعدالة ربي، وأن كُل الظُلم الذي وقع عليّ من زوجة والدي وبناتها، وحياة اليُتم المريرة التي عشتُها، سيُبدِّلها الله حياةً خيراً منها، وسيمسح على روحي برحمته، وسيرسل فرحاً يغشى قلبي حتى يُنسيه ما كان.

 

أحبتي في الله.. عقَّبت صاحبة القصة على حكايتها بقولها:

مهما كُنتَ تعيش أحداثاً سيئةً الآن، سواءً انكساراً داخلياً، أو فقداناً لعزيزٍ، أو شُحاً بالمال، أو تعثراً نفسياً، أو فشلاً لمشروعٍ، أو انهياراً لعلاقةٍ ما، أو تشعر أن زمام الأُمور يُفلتُ من بين يديك؛ فلا تيأس من رحمة ربك، ادعُ دُعاء المُضطر من قلبك، وأحسِن الظن به، وحدِّثه عن مشاعرك، أحاسيسك، خيبات أملك، عن الضيق الذي تمر به، عن أحلامك المكسورة، عن أُمنياتك الضائعة، عن الوجع الذي بداخلك، فضفض له بكُل ما تشعر به، وحين تنتهي توَّسل إليه أن يُرمِّم روحك، أن يُعوضك خيراً، أن يفتح لك خزائن رزقه ورحمته، وستشعر بعدها بالراحة التامة، والهدوء والسكينة يتسللان إلى قلبك المُتعَب، ولا تيأس إن تأخرتْ الإجابة؛ فأشد أوقات الليل ظُلمةً هي قبل انبلاج الفجر وانتشار ضيائه.

 

يقول العُلماء إن لفظ "الابتلاء" بمُشتقاته ورد في القُرآن الكريم في ثمانيةٍ وثلاثين موضعاً؛ جاء في ثلاثين منها بصيغة الفعل؛ من ذلك قوله عزَّ وجلَّ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وورد في ثمانية مواضع بصيغة الاسم؛ من ذلك قوله سُبحانه: ﴿وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾، وإن أكثر ما ورد في القُرآن الكريم منها كان بمعنى الاختبار والامتحان، وورد بدرجةٍ أقل بمعنى النعمة والمنحة، وجاء في بعض المواضع بما يحتمل المعنيين.

والدُنيا دار بلاءٍ واختبارٍ وامتحانٍ؛ يقول تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ﴾. ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.

 

يرى أهل العِلم أن (سُنة الابتلاء) يُجريها الله في خَلقه؛ يقول تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ فيبتلي العباد بالخير والشر، وبالشدة والرخاء، وبالصحة والسِقم، وبالغنى والفقر، وبالحلال والحرام، وبالطاعة والمعصية، وبالهدى والضلال، فالعباد يتقلبون بين فتنتين: فتنة الخير، وفتنة الشر؛ لينظر سُبحانه وتعالى إلى صبر عباده وشُكرهم، وليعلم الصادق من الكاذب؛ يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾؛ فالبلاء فيه تمحيصٌ واختبارٌ لمن لزم طريق الحق، وأراد الوصول إلى الجنة، فهي سُنَّةٌ إلهيةٌ مُقدرةٌ على العباد إلى يوم الميعاد، والعبد المؤمن في هذه الحياة الدُنيا، حياته كُلها مليئةٌ بالابتلاءات؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم مُبشرِّاً المؤمن بما يُصيبه: [ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه]. ويقول عليه الصلاة والسلام: [ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسِهِ وولدِهِ ومالِهِ حتَّى يَلقى اللَّهَ وما عليْهِ خطيئةٌ]. وورد في الأثر: "يَودُّ أهلُ العافِيةِ يومَ القيامةِ، حينَ يُعطى أهلُ البلاءِ الثَّوابَ، لو أنَّ جلودَهم كانت قُرِضَت في الدُّنيا بالمَقاريضِ"، كما ورد كذلك: "إنَّ اللهَ إذا أحبَّ عبدًا وأراد أنْ يُصافِيَهُ؛ صبَّ عليهِ البلاءَ صبًّا، وثَجَّهُ عليهِ ثَجًّا؛ فإذا دعا العبدُ قال: يا ربَّاُه! قال اللهُ: لبَّيكَ عبدي! لا تسألُني شيئًا إلا أعطيتُكَ؛ إمَّا أنْ أُعَجِّلَهُ لكَ، وإمَّا أنْ أدَّخرَهُ لكَ".

 

يقول عُلماؤنا إن رب العالمين، له الأمر والتدبير والحكمة والتبديل، يبلوا العباد بما شاء من أمره؛ ليعلم الصادق من الكاذب، والمؤمن من المُنافق، وإن الله تعالى جعل الدُنيا دار ممرٍ وامتحانٍ، وجعل فيها (سُنة الابتلاء) من سُننه الربانية الجارية؛ ذلك أن طبيعة الحياة الدُنيا، وطبيعة البشر فيها تقتضي ألا يخلو المرء فيها من كوارث تُصيبه، وشدائد تحل بساحته؛ فكم منا لم يُخفِق في عملٍ، أو يخيب له أملٌ، أو يُبتلى بموت حبيبٍ، أو يَمرض له بدنٌ، أو يُفقَد منه مالٌ أو ولدٌ، أو يُبتلىَ في قوة تمسكه بدينه، أو غير ذلك مما تفيض به الحياة الدنيا من ابتلاءاتٍ وشدائد وتمحيصات؟

وإذا كان هذا البلاءُ سُنةَ اللهِ تعالى في حياة الناس كافةً، فإن أصحاب الرسالات خاصةً أشدُّ تعرضاً لنكبات الحياة الدُنيا ومحنها؛ فإن رسالة الدعوة التي يحملونها ويدعون إليها تُحارَب من كل اتجاهٍ، فهم يُنادون بالحق فيُقاومهم أنصار الباطل، ويهْدون إلى الخير فيُعاديهم أنصار الشر، ويأمرون بالمعروف فيُخاصمهم أهل المُنكر، وبذلك فهُم يحيون في دوامة الابتلاءات والمحن؛ يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ﴾. وعندما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشد الناس بلاءً؛ قال: [الأنبياءُ ثمَّ الأمثلُ فالأمثَلُ، فيُبتلىَ الرَّجلُ على حسْبِ دينِه، فإن كانَ في دينهِ صلبًا اشتدَّ بلاؤُهُ، وإن كانَ في دينِهِ رقَّةٌ ابتُليَ على حسْبِ دينِه، فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ حتَّى يترُكَهُ يمشي على الأرضِ ما عليْهِ خطيئةٌ]؛ فهذا إبراهيم عليه السلام ابتُليَ من قومه بالمشقة والعنت، وأرادوا قتله بحرقه بالنار، لكن الله تعالى حفظه وأخرجه سليماً؛ لصبره، وثباته على الحق. وقد ابتلاه ربه في ذبح ابنه إسماعيل عليه السلام، فصدق وعده، ووفى مع ربه؛ فنال أعلى الدرجات. وهذا يوسف عليه السلام ابتُليَ بحسد إخوته له، وإبعادهم إياه عن أبيه، وإلقائهم له في الجُب، وبيعه بثمنٍ بخسٍ، واتهامهم له بالسرقة، واستعباده بمصر، وابتلائه بمحنة تَعَلُق قلب امرأة العزيز به واتهامها إياه، وبقائه في السجن بضع سنين. وهذا أيوب عليه السلام يُبتلىَ بالمرض ويُصيبه الضُر ثم يكشف الله بلواه ويشفيه من مرضه. وهذا يونس عليه السلام يلتقمه الحوت، وييقى في بطنه مُدةً حتى أنجاه الله. وهذا مُوسى عليه السلام مرَّ بأصنافٍ من الأذى مُنذ مولده، وإلقائه في اليَم، ثم تربيته في بيت عدو الله وعدوه فرعون، ثم هُروبه من مصر خوفاً من فرعون وملئه، ثم صار أجيراً عند الرجل الصالح لمدة عشر سنين، ثم عاد إلى فرعون يدعوه، وما لاقى أثناء ذلك من الخوف فثبت؛ فأراه الله تعالى من آياته ومُعجزاته، وأغرق أعداءه أمام عينيه، وأنجاه بفضله ورحمته. وهذا عيسى عليه السلام ابتلاه الله بطعن اليهود في أُمه الشريفة العفيفة، وسعي اليهود في صلبه وقتله، لولا أن شُبِّه لهم، وأنجاه الله سُبحانه. ولو كانت الدُنيا تصفو لأحدٍ لصفاها الله لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإنما كانت حياته مليئةً بالمشقة والشدة والبلاء، لكنه صبر على ما ابتُليَ به من الجوع والإخراج من بلده وغير ذلك؛ رغبةً فيما عند الله، لأنه يعلم أن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وأن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم.

 

أحبتي.. يقول العارفون إن الله تعالى هو الذي قدَّر (سُنة الابتلاء) على عباده؛ ليرى منهم التسليم بقضائه، وصِدق التوجه إليه في رد بلائه، وهذا يحتاج إلى إيمانٍ وصبرٍ؛ فبدون الإيمان لا يُمكن أن يصبر العبد على ما يعتريه من محنٍ وابتلاءاتٍ؛ لذا وجب على المُسلم الذي يُبتلىَ في دِينه، أو نفْسه، أو ولده، أو ماله، أو غير ذلك من أنواع الابتلاءات أن يرضى بقضاء الله وقدَره، وأن يصبر، وأن يحمد الله تعالى على تدبيره. وحين يُدرك المرء أن الابتلاء بابٌ للرفعة، وأن الدُنيا ليست دار إقامةٍ بل محطة عبور ، يهدأ قلبه، وتطمئن نفسه، ويعلم أن لكل ضيقٍ نهايةً، ولكل صبرٍ أجراً، ومن يصبر ويحتسب يُعينه الله ويُثبته، ويجعل له بعد العُسر يُسراً، فعلينا جميعاً أن نتواصى بالتقوى، وبالصبر على ما ابتلانا الله به من أمور الدُنيا والآخرة، ولنعلم أن التقوى والصبر مفتاحان لكل خيرٍ؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ فليحرص كلٌ منا على أن يكون من الأتقياء ويكون من الصابرين؛ عسى أن ننال أجر المُحسنين، وعسى أن يُختَم لنا بعاقبة المُتقين؛ يقول عزَّ وجلَّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

اللهم اجعلنا من الشاكرين وقت النِعم، الصابرين وقت المحن، الحامدين لك على كُل حال.

https://bit.ly/4yfJUGG)

 

https://bit.ly/4yfJUGG

الجمعة، 3 يوليو 2026

ميراث النساء

 

خاطرة الجمعة /558

الجمعة 3 يوليو 2026م

(ميراث النساء)

 

كُنتُ أتصفح أحد مواقع التواصل الاجتماعي فاطَّلعتُ على منشورٍ مُقتضبٍ، ظننتُ مع أول كلمتين فيه أنه منشورٌ خاصٌ بتهنئةٍ، خاصةً وأن نتائج امتحانات آخر العام الدراسي قد بدأت بالظهور، لكني فوجئتُ واندهشتُ حد الذُهول عندما أكملت قراءة المنشور؛ إذ كان نصه: "ألف مبروك السقوط لبنت خالي في امتحان الشهادة الإعدادية! نحن شمتانين؛ لأنها كانت تحصل على الدروس الخصوصية بميراث أُمي، الذي استحله أبوها لنفسه، وحرم أُمي منه، ظُلماً وعُدواناً"!

 

ولم يمر سوى يومين إلا واطَّلعتُ على خبرٍ منشورٍ في إحدى الصُحف يقول: "تعرضت طالبةٌ لا تتجاوز التاسعة عشرة من عُمرها، تدرس في كُلية العلاج الطبيعي بمدينة «فاقوس» بمُحافظة الشرقية، للاعتداء بالضرب في مكانٍ عامٍ على يد بعض أقاربها؛ لخلافاتٍ تتعلق بالميراث، بحسب ما ورد في البيانات الرسمية، قبل أن تُعلن السلطات الأمنية القبض على أربعةٍ من أقاربها بتهمة التعدي عليها".

وقبل ذلك بعدة شُهورٍ نُشِرَت قصةٌ عن أحد أعيان قريةٍ من قُرى مدينة «ديروط» بوسط الصعيد قرَّر أن يهب ثروته وجميع أملاكه لأبنائه الذُكور حارماً بناته، وقام بتجهيز الأوراق والمُستندات، وفور الانتهاء من نقل الملكية اشتدت الصراعات بينه وبين أبنائه الذُكور؛ فترك المنزل ووجد سلواه في الإقامة بدار المُسنين. الغريب أنه أثناء فترة إقامته بالدار كانت زيارات بناته لا تنقطع وسط بُكائهن وإلحاحهن عليه أن يعود للعيش معهن، مع تجاهلٍ تامٍ من أبنائه الذين أعطاهم ثروته وأملاكه!

 

وكُنتُ قبل فترةٍ قرأتُ قصةً رواها أحد الدُعاة عن شابٍ حَرَم أخواته الثلاث من الميراث، وحين طلبنَّ منه حقَّهنَّ من أبيهنَّ المُتوفى وَعَدَهُنَّ بأن يُعطيهُنَّ حُقوقهنَّ، وحددَّ لهُنَّ موعداً. جاءت أخواته على الموعد، وكان قد جهَّز جميع الأوراق، وحينما دخلنَّ أمَرهُنَّ بالتوقيع ووَضْعِ بصماتِهُنَّ على الأوراق؛ فوَقَّعنَّ وبَصَمنَّ بحُسن نيةٍ، بعدها وضع الأوراق في حقيبته وقال لهُنَّ: "اخرجن؛ فليس لَكُنَّ شيءٌ عندي! فقد أخذتُنَّ حُقوقكُنَّ كاملةً، وهذه هي المُستندات"، فقالت إحداهُنَّ بعد أن رفعت يديها إلى السماء: "حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا أخي؛ اللهم خُذ لي حقي من أخي؛ اللهم أرني فيه يوماً". لم تتأخر إجابة الدعاء؛ إذ سقط الشاب على الأرض يصرخ ويستغيث، فحملنه إلى المُستشفى، حيث تبين أنه أُصيب بشللٍ في يده، بدعوة أخته المسكينة المظلومة. قرَّر الأطباء أن حالته ميئوسٌ منها، وظَلَّ عشرة أيامٍ يصرخ من شدة الألم. وشكته أُخته إلى أحد الشيوخ الدُعاة، فجاء إلى منزلهم وأخذ يُذكِّر الشاب بالله وبأهمية رد الحُقوق حتى قال الشاب: "يأخذن كُل مالي"، وأمَر الأخ وكيله المُحامي بإعطائهنَّ حُقوقهنَّ غير منقوصةٍ، وتم تسليمهنَّ حُقوقهنَّ كاملةً؛ فسُرَّ وجه أُخته التي دعت عليه قبلُ، ورفعت يديها إلى السماء وقالت: "اللهم اشفِ أخي ابن أُمي وأبي"، يُقسم الشيخ، بأنه وفي نفس اللحظة وقف أخوهم الشاب على قدميه بقُدرة الله، واحتضن أُخته التي دعت له وبكى، وبكت أُخته الأخرى وبكى الجميع.

 

أحبتي في الله.. إن حجب (ميراث النساء) عنهن هو مُمارسةٌ سلبيةٌ تتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية وأحكامها، وتُعد من صور الظُلم الاجتماعي التي توارثتها بعض الثقافات والعادات المذمومة، وهي امتدادٌ لأعرافٍ جاهليةٍ تُعطي الأولوية للذُكور في تملك الأراضي والعقارات، خوفاً من خروج المال إلى عائلات أزواج الإناث.

 

يقول علماء الاجتماع إن هذه الظاهرة تنتشر في المُجتمعات الريفية والقبلية أكثر من المُجتمعات المدنية الأكثر تطوراً؛ حيث يُمارَس ضغطٌ اجتماعيٌ أو نفسيٌ على النساء للتنازل عن حُقوقهنَّ، أو يتم تعويضهنَّ بشكلٍ غير عادلٍ، أو يتم تجاهلهنَّ تماماً عند تقسيم التركة.

ويُرجعون انتشار هذه الظاهرة السلبية لعدة أسبابٍ؛ من أهمها: ضعف الإيمان، قلة الوعي الديني وغياب المعرفة الدقيقة بأحكام المواريث في الإسلام، تغليب الأعراف المحلية على أحكام الشرع في بعض المناطق، طمع الأقارب في ميراث المرأة، ورغبة البعض في الاستحواذ على كامل التركة وتكديس الثروة.

 

وقبل عشرين عاماً قامت إحدى عالمات الاجتماع المصريات بنشر دراسةٍ أكاديميةٍ بعنوان "ميراث المرأة في صعيد مصر بين الواقع والمأمول، دراسة سوسيو إنثروبولوجية في مُحافظتي سوهاج وقنا" قالت فيها إن أكثر من 95 في المئة من نساء هاتين المُحافظتين لم يحصلن على ميراثهنَّ. كما تم إجراء دراساتٍ أُخرى أثبتت أن ظاهرة حرمان المرأة من ميراثها لا تقتصر على مُحافظات الصعيد فقط بل تشمل الوجه البحري أيضاً. وفي تلك الدراسة يرى الخُبراء أن أصل المُشكلة يكمن في عدم حصر التركة بعد وفاة المُورّث مُباشرةً، وبمرور الزمن يظن الإخوة الذكور أن الأرض التي اعتادوا رؤية آبائهم يعملون فيها هي مِلكٌ خاصٌ لهم من بعدهم. كما أشارت الدراسة إلى أن المسار القضائي طويل الأمد، ومُرهِقٌ ومُكلّفٌ بالنسبة للمرأة التي تُريد الحصول على ميراثها؛ فقد تستمر القضية في المحكمة لعشر سنواتٍ، ما بين درجات التقاضي والإحالة للخُبراء، تُحرَم المرأة خلالها من ريع أرضها، وحتى في حالة صُدور حُكمٍ لصالحها تُواجه عقباتٍ عند التنفيذ الفعلي وتمكينها من أرضها، كما أن رفعها دعوى يتطلب أن يكون لديها مُستندات مِلكيةٍ، وعادةً ما تكون هذه المُستندات في أيدي الإخوة الذُكور، يستحوذون عليها مثلما أنهم يستحوذون على الأرض.

ويرى عُلماء الاجتماع أن لحرمان الإناث من الإرث آثاراً اجتماعيةً وخيمةً لعل أهمها أنها تؤدي إلى تفكك الروابط الأُسرية، وانتشار الضغينة، وتفشي الطمع والحقد والحسد، وضعف أواصر المودة والمحبة بين أفراد المجتمع، وإضعاف وشائج القُربى، مما يُهدد تماسك المجتمع ويُضعف بنيانه.

 

أما أهل العِلم الشرعي فيقولون إن الله سُبحانه وتعالى قد تولى بنفسه تقسيم المواريث، ولم يتركها لاجتهاد البشر، ليقطع بذلك أي مطمعٍ أو ظُلمٍ؛ يقول تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾، قال المُفسرون إن الله جعل للمرأة -سواءً كانت أُماً أو أُختاً أو زوجةً أو بنتاً- نصيباً مُقدَّراً لا يجوز لأحدٍ تجاوزه، سواءً كان هذا المال قليلاً أو كثيراً، والمُتعدي على حدود الله في الميراث مُتوعدٌ بنار جهنم؛ إذ يقول الله تعالى في ختام آيات المواريث: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾.

ويُعد حرمان الإناث من الإرث نوعاً من أكل أموال الناس بالباطل، وهذا من كبائر الذنوب؛ نهى الله عنه في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾.

 

كما يترتب على حرمان النساء من حُقوقهنَّ في الإرث قطيعةٌ للأرحام، والله تعالى يُجازي أهل القطيعة بالقطيعة في الدنيا والآخرة؛ فالجزاء من جنس العمل، يقول النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ما مِن ذنبٍ أجدَرَ أنْ يُعجِّلَ اللهُ لصاحبِه العقوبةَ في الدُّنيا مع ما يدَّخِرُ له في الآخرةِ مِن البغيِ وقطيعةِ الرَّحمِ]؛ فإذا قطع المسلم رحمه حجبه الله من جنته؛ يقول النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ].

 

كما أن آكل (ميراث النساء) سيكون من المُفلسين يوم القيامة؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [إنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتي يَأتي يَومَ القيامةِ بصَلاةٍ، وصيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَك دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعطى هذا مِن حَسَناتِه، وهذا مِن حَسَناتِه، فإن فنيَت حَسَناتُه قَبلَ أن يُقضى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهم فطُرِحَت عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ].

ويقول صلى الله عليه وسلم: [اللَّهمَّ إنِّي أحرِّجُ حقَّ الضَّعيفينِ: اليتيمِ، والمرأَةِ]. كما يقول وهو الصادق الذي لا ينطق عن الهوى: [مَن أخَذَ شِبرًا مِنَ الأرضِ ظُلمًا فإنَّه يُطَوَّقُه يَومَ القيامةِ مِن سَبعِ أرَضينَ]، وورد في الأثر: "مَن فرَّ مِن ميراثِ وارثِهِ، قَطعَ اللَّهُ ميراثَهُ مِنَ الجنَّةِ يومَ القِيامَةِ" وفي هذا تحذيرٌ شديدٌ من الحيل التي يستخدمها البعض لحرمان الإناث من حُقوقهنَّ المشروعة في الإرث.

 

إن أكلة ميراث اليتامى -ومنهم إناثٌ يتيماتٌ- يتوعدهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ سمَّاه الله تعالى أكلاً إذ يقصد آكل الميراث تنمية ماله كما يُنَّمي جسمه بالأكل، ولكنها تنميةٌ آثمةٌ مآلها الخسران والبوار؛ يقول المُصطفى صلى الله عليه وسلم: [كلُّ جَسَدٍ نبتَ مِنْ سُحْتٍ فالنارُ أولَى بِهِ]. كما أن أكل ميراث اليتيم يدخل في السبع المُوبقات؛ يقول صلى الله عليه وسلم: [اجتَنِبوا السَّبعَ الموبِقاتِ] وذَكَر منها: [وأكلُ مالِ اليَتيمِ].

 

قال الشاعر:

أَمِنْ عَجَبٍ أَنْ تَأْكُلَ الإِرْثَ ظَالِماً

وَتَحْسَبَ أَنَّ الْمَالَ فِي الْبَطْنِ يَطِيبُ

أَتَأْكُلُ مَالَ النَّاسِ ظُلْماً وَعُدْوَانًا

فَتَعْجَبُ مِنْ ذَنْبٍ بِهِ الْعَبْدُ يُصِيبُ

أَلَا إِنَّمَا الدُّنْيَا غُرُورٌ وَبَاطِلٌ

وَأَنْتَ بِهَا بَيْنَ الْوَرَى لَغَرِيبُ

وقال آخر:

وَيْلٌ لِآكِلِ مِيرَاثٍ وَمَا عَلِمُوا

أَنَّ الْحُقُوقَ بِهَا الأَوْزَارُ تَنْتَصِبُ

لَا تَظْلِمَنَّ ضَعِيفًا فِي مَوَارِيثٍ

فَظُلْمُ أَهْلِ التُّقَى لِلْمَرْءِ يَحْتَسِبُ

يَأْتِي بِهِ يَوْمَ لَا مَالٌ وَلَا وَلَدٌ

إِلَّا عَمَلٌ بِحُكْمِ اللهِ مُكْتَسِبُ

 

أحبتي.. لقد قَسَم الله سُبحانه وتعالى الميراث قسمة عدلٍ لا جور فيها ولا ‏حيف، حتى أنَّ نظام المواريث في الإسلام كان سبباً في اعتناق كثيرين للإسلام؛ لوضوح هذا النظام وعدالته "انظر كيف كان هذا النظام الشامل والدقيق سبباً في إسلام أحد المُسلمين الجُدد https://bit.ly/3yjPIC4".

و(ميراث النساء) حقٌ للمرأة كما أنه حقٌ للرجل، فرضه الله عزَّ وجلَّ، وبيَّن تفاصيله وحدوده في كتابه الكريم، وتوَّعَد من يتعدى هذه الحدود بالخُلود في النار وبالعذاب المُهين. إن (ميراث النساء) ليس منحةً من الرجال، وإنما هو من الحُقوق الشرعية للنساء التي ينبغي احترامها والوفاء بها؛ فليُراجع كلٌ منا نفسه فيما يتعلق بإرث النساء؛ فإن كان من المُتعدين حدود الله، آكلين حُقوق غيرهم -رجالاً أو نساءً أو يتامى- فهو في خطرٍ عظيمٍ؛ فليُبادر إلى توبةٍ نصوحٍ لا تُقبل إلا بإعادة الحُقوق لأصحابها، دُون تباطؤٍ أو تأجيلٍ أو تسويفٍ أو تأخيرٍ، وبغير تحايلٍ أو إنكارٍ أو تهربٍ، وإنما بمحبةٍ وصفاء نيةٍ وصلة رحمٍ وتوادٍ وتراحمٍ، عسى الله أن يَمُّن عليه بالصفح والغُفران. ولكل مُبتلىً بهذا الذنب أقول: صَفِّ حسابك في الدُنيا، ما دام الله ما يزال يُمهلك ويُطيل في عُمرك، قبل أن تقف للحساب بين يدي الله العزيز الجبار المُنتقم شديد العقاب؛ فتقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ فيأتيك الرد حازماً: ﴿كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.

ومَن لَم يكن مِنَّا مِمَّن أكلوا ميراث غيرهم، فليحمد الله، ويُعاهده أن يكون من المُدافعين عن حُقوق الضُعفاء في الإرث، وأن يُعلَّم أبناءه أن حُقوق النساء في الإرث هي حدود الله التي لا يجوز تجاوزها بأي شكلٍ من الأشكال.

ولنُلزِم أنفسنا وأقرب الناس إلينا بسرعة توزيع الإرث بالعدل على المُستحقين رجالاً ونساءً بعد وفاة المُورِّث مُباشرةً. كما يتوجب على كلٍ منا ألا يصمت أمام أي ظُلمٍ يقع على قريباته من النساء في الميراث، وينبغي أن نلتزم بنظام المواريث الذي أمرنا به الخالق، عسى أن نكون ممن حفظوا الأمانات وأقاموا العدل في الأرض.

والله من وراء القصد.

https://socxly.me/ohexc0

الجمعة، 26 يونيو 2026

الصدقة الخفية

 

خاطرة الجمعة /557

الجمعة 26 يونيو 2026م

(الصدقة الخفية)

 

يقول صاحب القصة: مُنذ سنواتٍ طويلةٍ كُنتُ أعمل عامل نظافةٍ في أحد الأحياء الراقية؛ كُنا ستة عُمّالٍ نخرج كل صباحٍ بسيارة جمع القمامة التي نجمعها من الحاويات الموضوعة أمام البيوت، كان العمل شاقاً والرائحة الكريهة مُتعِبةً، والناس تمر من أمامنا وخلفنا وبجوارنا وكأننا غير موجودين؛ لا أحد يعبأ لوجودنا، لكنني كُنتُ أقول دائماً: "اللقمة الحلال مهما كانت مُتعبةً أكرم من سُؤال الناس". وفي صباح أحد الأيام، وفي يومٍ لن أنساه ما حييتُ، توقفتُ أمام إحدى حاويات القمامة بعدما رأيتُ مشهداً هزَّ قلبي؛ كانت هناك امرأةٌ تقف بجوار الحاوية تُفتش بيديها المُرتجفتين في بقايا الطعام، وخلفها سبعة أطفالٍ؛ أربعة أولادٍ وثلاث بناتٍ، وجوههم شاحبةٌ، وعيونهم مُعلقةٌ بأُمهم، كأنهم ينتظرون مُعجزةً صغيرةً تخرج من بين القمامة، تجمّدتُ في مكاني لم أُرد أن أقترب منهم حتى لا أُحرجهم، ولم أُرد أن يرى أحدٌ من زملائي هذه الأُم وأطفالها فيكسر ما تبقى من كرامتها بنظرةٍ أو كلمةٍ. وقفتُ بعيداً أُراقبها ودموعي تحرق عينَيّ، كانت تلتقط قطع الخُبز اليابسة، وبقايا الخُضار والطعام، ثم تنظر حولها بخوفٍ كأن الفقر خطيةٌ يجب أن تُخفيها عن العالم! وعندما انتهت أمسكت بأيدي أطفالها ومشت بسرعةٍ كأنها تهرب من نظرات الناس أكثر مما تهرب من رائحة القمامة الكريهة، اقتربتُ بعدها من الحاوية وشعرتُ أن قلبي انكسر؛ فأنا أبٌ وأعرف معنى أن ينظر الطفل إلى أُمه وهو جائعٌ.

في اليوم التالي عُدنا إلى الحي نفسه؛ فنزلتُ من سيارة القمامة مُسرعاً نحو تلك السلة قبل أن يصل إليها أحدٌ، ووجدتها هناك مرةً أُخرى نفس المرأة، نفس الأطفال، ونفس الجوع الصامت، في تلك اللحظة شعرتُ بأن الله سُبحانه وتعالى يهمس في قلبي: "كما رزقتك فافعل ما تستطيع وتتمكن"؛ فعُدتُ إلى بيتي، وقُلتُ لزوجتي: "حضِّري لي غداً طعاماً كثيراً لأُمٍّ تبحث بين القمامة عن لُقمةٍ تُطعم بها أولادها السبعة"، وحكيتُ لزوجتي ما رأيته. في الصباح أعطتني زوجتي -جزاها الله خيراً- كيساً أسود مليئاً بالطعام النظيف والخُبز، ووضعتُ أنا بداخله مبلغاً صغيراً من المال على قدر استطاعتي. وصلتُ إلى الحي مُبكراً قبل أن يصل زملائي، ووضعتُ الكيس داخل تلك الحاوية التي اعتادت المرأة أن تُفتش فيها عن بقايا الطعام، ثم اختبأتُ بعيداً كي لا تراني أُراقب، بعد دقائق جاءت المرأة مع أطفالها، وبدأت تُفتش كعادتها، ثم وجدت الكيس الأسود، فتحته بحذرٍ، وما إن رأت الطعام النظيف حتى توقفت يدها في الهواء، ثم ضمّت الكيس إلى صدرها وبدأت تبكي بصمتٍ، أما الأطفال فقد كانت نظراتهم للطعام وكأن السماء فتحت أبوابها لهم. في ذلك اليوم لم تأخذ شيئاً من الحاوية، وغادرت هي وأطفالها مُسرعين كي لا يراهم أحد. ومُنذ ذلك الصباح صار الكيس الأسود رسالتي اليومية إليها، كُنتُ أضع الطعام والمال في المكان نفسه كل يومٍ، دُون أن تعرف من أنا، ودُون أن أعرف حتى اسمها، كُنتُ أراها من بعيدٍ، وأشعر أن الله قد سمح لي أن أكون سببَ رحمةٍ صغيرةٍ لعائلةٍ سحقتها الحياة.

مع مُرور الشهور بدأ الخير يهبط علينا من الله عزَّ وجلَّ؛ ترقيتُ في وظيفتي من عاملٍ الى مُراقبِ عملٍ، وبعدها ترقيتُ إلى مسؤول قسمٍ بالبلدية، وزادت بركات الله في بيتي من حيث لا أدري؛ لي ولزوجتي وأولادي. وبالرغم من كوني لم أعد عامل نظافةٍ أخرج مع العُمال للحي، لكني استمريتُ كعادتي أخرج صباحاً مُبكراً، وقبل ذهابي إلى مقر عملي في البلدية، ومعي الكيس الأسود وبداخله ما قسمه الله من طعامٍ ومالٍ. وبمرور الأيام بدأتُ أُلاحظ أن الأطفال لم يعودوا يأتون مع أُمهم؛ ففرحتُ وقُلتُ رُبما التحقوا بالمدارس، أو رُبما لم تعد تُريد لهم أن يروها عند سلة القمامة. استمر الأمر هكذا سنواتٍ طويلةٍ، حتى بعد تقاعدي من الوظيفة، لم أتوقف عما اعتدتُ عليه يومياً؛ أذهب كل صباحٍ، أضع الكيس الأسود وأقف بعيداً، وتأتي الأُم لتحمل الكيس وتذهب، لقد صار هذا العمل أجمل ما أفعله في حياتي، خاصةً وأن الله تبارك وتعالى بارك لنا في كل شيءٍ في حياتنا، وبأمورٍ لم تخطر ببالي. الحمد لله استمريتُ على هذا الحال يومياً لأكثر من ثماني عشرة سنةً دُون توقفٍ، لكن ذات يوم لم تأتِ المرأة؟! مرَّ يومٌ ثم أُسبوعٌ ثم شهرٌ ثم شهران والكيس يبقى في مكانه كما هُو. شعرتُ بخوفٍ شديدٍ في قلبي، وبعد بحثٍ طويلٍ دلّني أحد سُكان الحي على بيت أُم خالد، وكانت هذه أول مرةٍ أعرف اسمها، وأخبرني أن بيتها يقع في أحد المناطق السكنية العشوائية القريبة من ذلك الحي الراقي؛ طرقتُ الباب ففتح لي شابٌ في أوائل العشرينات، نظيف الهيئة، هادئ الملامح، قُلتُ له: "هل هذا بيت أُم خالد؟"، تغيّر وجهه فجأةً وقال: "هل أنت تعرف أُمي؟"، قُلتُ بصوتٍ مُرتجفٍ: "كُنتُ أُساعدها من بعيدٍ"، فقال لي الشاب: "ادخل يا عم"، دخلتُ ذلك المكان، الذي هو قصرٌ بالنسبة لهؤلاء، وهناك رأيتُ صورتها مُعلقةً على الجدار يُحيط بها شريطٌ أسود؛ فهمتُ قبل أن يتكلم، قال الشاب بحزنٍ: "أُمي تُوفيت مُنذ شهرين"، جلستُ أبكي كطفلٍ، ثم قال الشاب: "قبل أن تموت، كانت دائماً تتحدث عن رجلٍ لا تعرفه، يضع لها الطعام والمال في كيسٍ أسود، وكانت تقول لنا هذا ملاكٌ أرسله الله لكم يا أولادي". بعد قليلٍ جاءت فتاةٌ تحمل صندوقاً قديماً وقالت: "أُمي تركت هذا للرجل صاحب الكيس الأسود"، فتحتُ الصندوق فوجدتُ بداخله صورةً قديمةً للأطفال كما كُنت أُشاهدهم في تلك الأيام والسنين التي مرَّت، ورسالةً مطويةً؛ فتحتها وقرأتُ ما كان مكتوباً فيها: "إلى الرجل الذي حفظ كرامتي قبل أن يُطعم أطفالي، أنا لا أعرف اسمك، لكن الله يعرفك. كُنتُ أبحث في القمامة وأنا أكاد أموت من الخجل؛ فجعلتني أعود إلى بيتي وكأنني اشتريتُ الطعام بنفسي، أنت لم تُشبع جوع أولادي فقط، بل حفظتَ قلوبهم من الانكسار، سامحني لأنني لم أشكرك في حياتي، واذكرني في صلاتك بعد موتي". لم أستطع إكمال قراءة الرسالة من شدة البكاء، لكن المفاجأة الأكبر كانت عندما أمسك الشاب بيدي وقال: "يا عمي المال الذي كُنتَ تُعطيه لأُمي جعلنا نُكمل تعليمنا؛ أنا أصبحتُ مُعلّماً، وأُختي صارت مُمرضةٌ، وأخي تخرج من كلية الهندسة، وباقي إخوتي يذهبون إلى مدارسهم، وكُلنا كبرنا ونحن نسمع أُمي تقول: "لا تنسوا صاحب الكيس الأسود"، حينها فقط فهمتُ أن الرحمة الصغيرة التي تُصنع بمحبةٍ، قد تُغيّر مصير عائلةٍ كاملةٍ. خرجتُ من بيتهم يومها وأنا إنسانٌ آخر. لم أكن غنياً، ولا صاحب منصبٍ، ولا أملك شيئاً عظيماً في نظر العالم، لكنني تعلّمتُ أن عمل الخير لا يحتاج إلى أيدٍ مُمتلئةٍ مالاً، بل إلى قلوبٍ مُمتلئةٍ حُباً. ومُنذ ذلك اليوم، كُلما رأيتُ سلة قمامةٍ، لا أرى قمامةً فقط، بل أرى أُماً كانت تبحث عن الحياة لأطفالها، وأقول في نفسي: “رُبما لا يستطيع الإنسان أن يُغيِّر العالم كله، لكنّه يستطيع أن يكون نوراً صغيراً في عتمة شخصٍ واحدٍ أو أُسرةٍ صغيرةٍ؛ فالرحمة التي تُقدَّم في الخفاء يراها الله ويفرح بها، ومن يحفظ كرامة إنسانٍ، لن ينساه الله برحمته أبداً".

 

أحبتي في الله.. الصدقة مشروعةٌ سِراً وعلانيةً، وهي الإحسان إلى الفُقراء والمساكين ومُواساتهم؛ لقوله جلَّ وعلا: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فإذا كانت العلانيةُ أصلح شُرعت، وإذا لم تكن هناك حاجةٌ للعلانية فالسرّ أفضل.

و(الصدقة الخفية) هي ما يُفعل من الخير في الخفاء؛ يقول تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، قال المُفسرون لهذه الآية إن المقصود إخفاء التصدق بالمال أو غيره، وعدم إعلانه عند التصدق، وإنها تضمنت ترغيباً وترهيباً، وعداً لمن عَمِل خيراً، ووعيداً لمن عَمِل شراً؛ فيُجازىٰ المُحسن على أعماله الحسنة، والمُسيء على أعماله السيئة.

 

و(الصدقة الخفية) سببٌ من أسباب حُبِّ الله؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [ثلاثةٌ يُحِبُّهم اللهُ] وذَكر منهم: [رَجُلٌ أتى قومًا فسأَلَهم باللهِ، ولم يَسأَلْهم بقَرابةٍ بينَهم فمَنَعوه، فتخلَّفَ رَجُلٌ بأعْقابِهم، فأَعْطاهُ سِرًّا، لا يَعلَمُ بعَطيَّتِه إلَّا اللهُ، والذي أَعْطاه].

ويقول عليه الصلاة والسلام: [سَبعةٌ يُظِلُّهمُ اللهُ يَومَ القيامةِ في ظِلِّه يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه] وذَكَر منهم: [ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقةٍ فأخفاها حتَّى لا تَعلَمَ شِمالُه ما صَنَعَت يَمينُه]، يقول شُرَّاح الحديث إنه

رجلٌ تصدَّق صدقة التطوع، فبالغ في إخفاء صدقته، وسترها عن كل شيءٍ حتى عن نفسه؛ فلا تعلم شِماله ما تُنفق يمينه، وإنما ذَكَرَ اليمين والشِمال للمُبالغة في الإخفاء والإسرار بالصدقة، وضَرْبُ المَثَل بهما لقُرب اليمين من الشِمال ولمُلازمتهما، ومعنى المثل: لو كان شِماله رجلاً مُتيقظاً ما علمها؛ لمُبالغته في الإخفاء، وهذا هو الأفضل في الصدقة، فلا يعلم أحدٌ عنها، لا قريبٌ ولا بعيدٌ، ولا صديقٌ ولا غريبٌ.

 

يقول العُلماء إن إخفاء صدقة التطوع خيرٌ من إعلانها؛ وذلك أن فعل الخير في الخفاء أقرب إلى الإخلاص في العمل، وأبعد عن الرياء، وأقل إحراجاً للفُقراء؛ حيث لا يتعرض الفقير إلى ذُل المسألة أمام الناس، فيكون ذلك أحفظ لماء وجهه، وأصوَّن له عن الانكسار والامتهان؛ لذا فإن إخفاء المُتصدق صدقته عن جميع الناس، وجعلها بينه وبين الفقير فقط أولى وأفضل، ويكون أكثر قبولاً عند الله. والإسرار بالعمل الصالح، وخاصةً صدقة التطوع، أفضل من العلانية، مع استثناء الزكاة الواجبة؛ فالإعلان بها أفضل لأنها شعيرةٌ ورُكنٌ من أركان الإسلام ينبغي إظهارها.

وليست الصدقة مالاً فقط؛ فقد تكون الصدقة بغير المال؛ ففي الحديث: أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله ذَهَبَ أهلُ الدُّثورِ بالأُجورِ "أي: استَأثَر أَصحابُ الأَموالِ الكثيرةِ بمَزيدٍ مِن الأجرِ مِن اللهِ سُبحانه، وأَخَذوهَا عنَّا ممَّا يَحصُلُ لَهم مِن أَجرِ الصَّدقةِ بأَموالِهم"؛ يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، ويَصومونَ كما نَصومُ، ويَتَصَدَّقونَ بفُضولِ أموالِهم، قال: [أوليسَ قد جَعَلَ اللهُ لَكُم ما تَصَّدَّقونَ؟] وذَكر من ذلك [وأمرٌ بالمَعروفِ صَدَقةٌ] ما يجعل الإسرار في الأمر بالمعروف لبعض الناس أفضل من الإعلان به، إلا أن يكون في الإعلان والمجاهرة مصلحةٌ شرعيةٌ مُعتبرةٌ.

 

يقول أهل العِلم إن عدداً كبيراً من الناس يبحثون عن أفضل تجارةٍ تجلب لهم ثروةً طائلةً وأرباحاً كبيرةً، ولكن قد لا يعرف كثيرون أن الصدقة هي أفضل تجارةٍ؛ فهي مع الله سُبحانه وتعالى، وأفضل أبواب هذه التجارة هي (الصدقة الخفية) حيث بيَّن الشرع الشريف فضل الصدقة؛ إذ أنها من الأعمال الصالحة، وهي عبادةٌ يُحبها الله، وورد في الأثر أنها "تُطفئ غضب الرب".

 

وعن (الصدقة الخفية) قال الشاعر:

استثمر الخَيرَ في دُنياكَ واجتهدِ

ولا تُبالِ بداعي الشرِ والحَسدِ

واعْمَل ليومٍ جَميعُ الناسِ تَرْقُبُهُ

فيهِ القَضاءُ قَضاءُ الواحِدِ الأحَدِ

أعْطِ الفَقيرَ ولا تَبْخَلْ بمَكْرَمِةٍ

يَومٌ عَلَيْكَ وَيَومٌ أنتَ في سَعْدِ

لَكِن عَلَيْكَ بِتَقوىٰ اللهِ في عَمَلٍ

فالْخَيرُ يَبْقىٰ وَعَيْنُ الشَرِ في كَمَدِ

فَكُنْ عَزيزاً كَريماً ذا مُثابَرةٍ

تُخْفي يَمينُكَ عَنْ يُسْراكَ وَالْوَلَدِ

 

أحبتي.. في الإسرار بالصدقة مُطلقاً تربيةٌ للنفس على الإخلاص لله تعالى، واعتياد طلب مرضات الله دائماً دون مرضات الناس. وقد لخَّص أحد العارفين موضوع (الصدقة الخفية) فقال: أفضل الصدقات ما كان خالصاً لله، سواءً أُخفيتَ أم أُعلنتَ، لكن الأصل أن صدقة السر أرجى للقبول وأبعد عن الرياء، بشرط صفاء النية؛ فهي المعيار الحقيقي لقبول العمل.

اللهم قِنا شُح أنفسنا، واجعلنا من المُتصدقين، ويَسِّر لنا أن نُخفي صدقاتنا لتكون أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء، وأكثر صيانةً لكرامة الفقير والمُحتاج، إنك سُبحانك على كل شيءٍ قدير.

 

https://www.facebook.com/share/1ESD3kW6bT/?mibextid=wwXIfr

الجمعة، 19 يونيو 2026

المال الحرام

 

خاطرة الجمعة /556

الجمعة 19 يونيو 2026م

(المال الحرام)

 

أرسلت إحداهن رسالةً إلى مُحرر باب بريد القُراء الأُسبوعي بصحيفةٍ مصريةٍ مشهورةٍ، تقول فيها:

عملتُ مُمرضةً عند طبيبٍ طيب القلب مُدة عشرين عاماً، وكان لا يشك في أخلاقي، إلا أنني كنتُ أسرق باستمرارٍ من دُرج مكتبه مبالغ كبيرةً، كان لا يشعر بها، واستطعتُ بهذه الأموال أن أشتري شقةً في أحد الأحياء الشعبية، كما استطعتُ أن أضع في دفتر التوفير مبلغاً آخر. رزقني الله بولدٍ وبنتٍ، ثم تُوفي زوجي، وأتقن ابني فن السباكة؛ فاستأجرتُ له محلاً، واشتُهر في الحي بأنه سباكٌ مُمتازٌ، أما البنت فتخرجت في المدرسة المُتوسطة ولم أرغب في خروجها للعمل لتحسن حالتنا المادية، وزوجتُ ابني وأنفقتُ في مشروع زواجه وإنشاء محله نصف ما ادخرته. وفي يومٍ من الأيام أُصيب ابني ببحةٍ في صوته، وترددنا على الأطباء لنكتشف أنه مُصابٌ بسرطان الحُنجرة، وتعذَّب ابني عاماً كاملاً من عملياتٍ وعلاجٍ بالأشعة، ثُم تُوفي بعد هذا العذاب الشديد، واستولت زوجته على محله وأمواله بعدما أنفقتُ أنا كل ما ادخرته في أثناء رحلة علاجه. أما ابنتي فتزوجت بعد وفاة أخيها بخمسة أعوامٍ، ولأني بقيتُ بعد زواجها في منزلي وحيدةً فقد عملتُ لنوافذ ولباب البيت أسياخاً حديديةً لتأمينه، وأُصبتُ بمرضٍ نفسيٍ يحتاج للعلاج والتردد على الأطباء النفسيين؛ وبسبب هذا المرض تبرأت ابنتي مِني وطردتني من على سُلَم بيتها. أعيش الآن في بيتي وحيدةً، لا أنام طوال الليل من الحُزن والخوف والمرض النفسي، وأنظر حولي فإذا بيتي كالسجن تماماً؛ له بابٌ ونوافذ من الحديد، وليس فيه أثاثٌ؛ فأنا أنام على الأرض. هكذا أضاع (المال الحرام) أولادي وصحتي، وتسبَّب في دخولي سجناً أسستُه أنا بنفسي.

أُرسل لكَ هذه الرسالة ليقرأها قراؤك؛ ولتكون عبرةً لمن يعتبر.

 

أحبتي في الله.. ردَّ الصحفي مُحرر باب بريد القُراء على هذه الرسالة بقوله:

أُوقن تماماً أنكِ نادمةٌ على ما فعلتِ، ولستِ في حاجةٍ مني إلى تفسير لماذا حدث ذلك، ولكن دعيني أُذكِّركِ وأُذكِّر نفسي وأصدقائي بأن المال خادمٌ جيدٌ لكنه سيدٌ فاسدٌ؛ فإذا استعبد إنساناً أهلكه. وإذا آمنّا بأن أحداً مِنّا لن يموت قبل أن يستوفي رزقه الذي يُطارده حتى يُدركه كما يُدركه الموت؛ ما اقترب من مالٍ حرامٍ. وهنا أتذكر تفسيراً لأحد عُلمائنا بأن اللص عندما يسرق يحصل على رزقه، الذي كان سيحصل عليه بالحلال، لكنه تعجَّل وجناه حراماً!

يقول الشاعر:

وَلاَ تَقْرَبِ الأَمْرَ الحَرامَ فإنَّهُ

حَلاوَتُهُ تَفْنَى وَيَبْقَى مَرِيرُها

تلك المرارة هي التي ورثتِها يا سيدتي، بفقدكِ لابنكِ، وعُقوق ابنتكِ التي نبتت في أحضانكِ من (المال الحرام)، ودخولكِ سجنكِ بكامل إرادتكِ؛ فما يُكتسب بطريقٍ غير مشروعةٍ يضيع، ويضيع صاحبه مهما طال به الزمن.

سيدتي.. أدعو الله لكِ بالمغفرة والعفو عنكِ، وأدعوكِ أن تتوجهي إلي الله بتوبتكِ، وتذهبي إلي الطبيب الذي كنتِ تعملين لديه، تطلبي عفوه ومُسامحته، فهو له حقٌ لديكِ، وهو الذي يستطيع أن يتجاوز عنه ويغفر لكِ ما ارتكبتِه.

أما ابنتكِ العاقة فإني أدعوها إلى تأمل ما ألمَّ بكِ، لتفهم أنها ستشرب من نفس الكأس التي تُذيقكِ إياها الآن، وأنها ترتكب معصيةً كُبرى، وواحدةً من الكبائر بعُقوقها وقسوتها عليكِ، فهل تفيق قبل أن تندم في وقتٍ لا يُجدي فيه الندم؟

 

وعن (المال الحرام) هذه قصةٌ أُخرى يرويها واحدٌ من أشهر الدُعاة السوريين المُعاصرين؛ قال في إحدى مُحاضراته: "كان بدويٌّ يعيش في مدينة «جدة»، وعندما توسعت المدينة اقتربت حدودها الجديدة من أرضه؛ فارتفع سعرها، واشتراها منه مكتبٌ عقاريٌ يملكه ثلاثة شُركاء، اشتروها بثمنٍ بخسٍ، أقل كثيراً من السعر الذي تستحقه هذه الأرض، ثم قاموا ببناء عمارةٍ مُكونةٍ من عشرة طوابق على تلك الأرض. بعد الانتهاء من بناء العمارة وقع أول الشُركاء من الطابق العاشر فمات، أما الثاني فدهسته سيارةٌ؛ فانتبه الثالث وبحث عن البدويّ صاحب الأرض الأصلي حتى وجده؛ فأعطاه ثلاثة أمثال ما سبق أن دفعوه له، بما يُعادل الثمن الحقيقي لأرضه". الشاهد من القصة أنَّ هؤلاء الثلاثة قد اشتروا من البدويّ أرضه بالباطل بثمنٍ بخسٍ وهُم يعلمون قيمتها الحقيقة، فطاردتهم لعنة (المال الحرام) فلم يهنئوا بها إلى أن أرجعوا الحق لصاحبه.

 

وهذا أُستاذٌ جامعيٌّ ذو مكانةٍ مرموقةٍ كتب يقول: لقد جربتُ (المال الحرام) مرةً واحدةً في حياتي؛ كان طعمه في البداية يبدو حُلواً، لكن عاقبته كانت مريرةً ومُؤلمةً؛ ففي عام 1985م، كنتُ أُجري تجارب الماجستير، واحتجتُ إلى شراء جهازٍ لاستكمال أبحاثي، استعلمتُ عن سعره، وحصلتُ على عروض أسعارٍ كان أقلها 350 جُنيهاً. اقترضتُ هذا المبلغ كسلفةٍ من الكُلية، وسافرتُ إلى «القاهرة» لشراء الجهاز. عندما قُمتُ بالشراء، وجدتُ الفاتورة مُحررةً بمبلغ 365 جُنيهاً، استفسرتُ من المدير عن السبب؛ إذ أن عرض السعر هو 350 جُنيهاً فقط، فلماذا الزيادة؟ فأجابني المُدير مُبتسماً: "لن تدفع شيئاً من جيبك، فالسعر الحقيقي للجهاز هو 275 جُنيهاً شاملاً الضرائب، والفارق هو لك لتغطية مُواصلاتك ومصاريفك". وعندما لاحظ استغرابي، أضاف: "يا بُني، كُل زملائك يفعلون ذلك، وإلا فكيف ستتحمل تكاليف سفرك؟"، في تلك اللحظة، فرحتُ بهذا الفارق الذي بلغ 90 جُنيهاً -وهو مبلغٌ كان يتجاوز مُرتبي لشهرٍ كاملٍ وقتها- صرفته في الترفيه عن نفسي وتناول وجبةٍ من الكباب، وبينما كنتُ في المطعم أتناول وجبتي بما تبقى من المبلغ، شعرتُ بألمٍ شديدٍ في أسناني؛ فذهبتُ إلى طبيبٍ كانت عيادته مُجاورةً للمطعم؛ فأخبرني أنني بحاجةٍ إلى حشو عصبٍ لثلاثة ضُروس، الأمر الذي سيتطلب ثلاث أو أربع جلساتٍ علاجيةٍ. حين انتهيتُ من الجلسة الأخيرة، قمتُ بحساب تكاليف الكشف والعلاج والأدوية فكانت 90 جُنيهاً بالضبط! في تلك اللحظة وعيتُ الدرس، وحمدتُ الله أنَّ الأمر اقتصر على هذا القدْر، وقررتُ فوراً ردَّ المبلغ إلى الكُلية؛ ولصعوبة ردَّ المبلغ نقداً قمتُ بإصلاح ثلاجتين في المعمل، وشراء أسطوانة غازٍ كُنا نحتاجها، وتوفير محاليل تعقيمٍ ببقية المبلغ، كلفتني كُلها أكثر من 100 جُنيهٍ من مالي الخاص. ومنذ تلك اللحظة -والفضل لله سُبحانه وتعالى- لم تمتد يدي إلى أي مالٍ حرامٍ، أو حتى مشكوكٍ في حُرمته.

 

يُعرَّف (المال الحرام) بأنه كلُّ مالٍ اكتسبه الإنسانُ بطريقةٍ تُخالف أحكام الشريعة الإسلامية، أو كان في أصله مُحرَّماً، أو تم الحصول عليه عن طريق التعدي على حقوق الآخرين أو المصلحة العامة. ويشمل ذلك كل ما أُخذ بغير رضا صاحبه، أو عن طريق الغش، أو التدليس، أو الرشوة، أو الربا، أو السرقة، أو الاختلاس.

 

ولقد اشتمل القُرآن الكريم في أكثر من موقعٍ على التحذير من أكل أموال الناس بالباطل؛ ومن ذلك يقول تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ويقول سُبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾. ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ وتخص هذه الآية أشد صور (المال الحرام) قُبحاً، وهي استغلال ضعف اليتيم، وتتوعد الآية آكل مال اليتيم بوعيدٍ شديدٍ، واصفةً المال الذي يدخل جوفه بأنه وقودٌ للنار في الآخرة.

 

كما أن الأحاديث النبوية الشريفة تنهى عن أكل (المال الحرام)، ومنها؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [كُلُّ المُسلِمِ على المُسلِمِ حَرامٌ؛ دَمُه، ومالُه، وعِرضُه]، ويقول عليه الصلاة والسلام: [إنَّ رِجالًا يَتَخَوَّضونَ في مالِ اللهِ بغيرِ حَقٍّ، فلَهمُ النَّارُ يَومَ القيامةِ] "يَتَخَوَّضونَ" أي يتصرفون في المال العام بغير وجه حقٍ، والحديث يُحذِّر بشكلٍ مُباشرٍ من التلاعب بالمال العام أو الاستيلاء عليه، ويتوعد من يقوم بذلك بالعقاب الشديد. ويقول كذلك: [لا يحِلُّ مالُ امرئٍ مُسلِمٍ إلَّا بطِيبِ نَفْسٍ منه] يؤكد الشُرَّاح على أن هذا الحديث يُمثِّل القاعدة الذهبية في المُعاملات؛ وهي أن طيب النفس والرضا التام هو الشرط الأساسي الذي يجعل المال حلالاً. وكان من أعظم ما بيَّنه صلى الله عليه وسلم أن الإنسان سيُحاسب على ماله لا محالة، من أين اكتسبه وفيما أنفقه؛ بقوله: [لا تَزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القيامةِ، حتَّى يُسأَلَ عن ....] وذكر من ذلك [وعن مالِه؛ من أين اكتسَبَه؟ وفيم أنفَقَه؟].

 

يقول أهل العِلم إن من صُور (المال الحرام) أخذ الرشوة لتسهيل أمرٍ ممنوعٍ، أو إعطاء حقٍ لغير مُستحقٍ، أو إرساء مُناقصةٍ على غير مُكتمل الشُروط، أو إعطاء وظيفةٍ أو عملٍ لغير مُتأهل، وفي هذا من الشر على الأُمة ومن الضرر على الناس ما لا يخفى. ومن صوره أيضاً، الغش والخداع في البيوع والمُعاملات، وإخفاء عيب السلعة، أو التطفيف في الكيل والميزان، والحلف الكاذب لترويج السلعة، وغيرها من طُرق الغش والخداع. ومنها كذلك بيع المُحرمات: كالخُمور والمخدرات والدُخان. ومنها أكل أموال الميراث -خاصةً ميراث النساء-، وأكل أموال اليتامى والقُصَّر، وأكل أموال الزوجات والبنات العاملات بغير حقٍ، ومنع البنات من الزواج أو تأخيره للانتفاع بأموالهن، وهو ظُلمٌ وعضلٌ مع كونه خسةً ودناءةً وقلة مُروءة. ومنها أكل أموال العُمال والخدم في البيوت، وتأخير الرواتب، أو إنقاصها، أو التحايل في تقليلها، أو منعها. وهناك أناسٌ يدفعهم الفقر لمد أيديهم إلى ما لا حق لهم فيه؛ فيتقاضى الرشوة ويُبررها لنفسه تحت اسم هدية، أو مُساعدة، أو إكرامية، أو حُلوان؛ فيأخذ مالَ غيره بالمُحايلة، وبسيف الحياء من المُعطي. والبعض ممن اعتاد أخذ المال من غير حِله يستمرئ هذا السلوك حتى ولو اغتنى بعد فقرٍ. والبعض استهواه حُب المال وجمعُه حتى زلَّت به القدمُ، ومالت به النفسُ الأمَّارة بالسُّوء، فراح يجمع الدُّنيا بكلِّ طريقٍ، ويستكثِر منها بأيِّ سبيلٍ، فليس له همٌ إلا تكديس الأموال وتضخيم الثروات وتكثير الأصفار من أي وجهٍ جاءت، الحلال عندهم ما حَلَّ في أيديهم، ووصل إليهم أياً كانت الوسيلة، والحرام هو ما حُرموا منه ولم يستطيعوا الوصول إليه، حتى صدَق على الكثيرينِ إخبارُ النبي عليه الصلاة والسلام بقولِه: [لَيَأتيَنَّ على النَّاسِ زَمانٌ لا يُبالي المَرءُ بما أخَذَ المالَ: أمِن حَلالٍ أم مِن حَرامٍ]. ونسي كثيرٌ من هؤلاء أن (المال الحرام) خبيث الأصل، ممحوق البركة، وهو وبالٌ على الفرد وعلى الأُمة، حين يكسبه الفرد من ربا أو رشوةٍ أو ظلمٍ أو غشٍ أو أكلٍ لأموال الناس بالباطل؛ فعند ذلك يتنزل سخط الله وتنتشر المُوبقات وتكثر المصائب، ويدعو الناس فلا يُستجاب لهم؛ يقول عليه الصلاة والسلام: [إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طَيِّبًا].. [وذَكرَ الرَّجلَ يُطيلُ السَّفرَ أشعثَ أغبرَ يمدُّ يدَه إلى السَّماءِ يا ربِّ يا ربِّ، ومطعمُه حرامٌ، ومشربُه حرامٌ، وملبسُه حرامٌ، وغُذِّيَ بالحرامِ؛ فأنَّى يُستجابُ لذلِك]. كما أن (المال الحرام) شؤمٌ ووبالٌ على صاحبه، وضررٌ على جامعه وكاسبه؛ إن أنفقه صاحبه في بِرٍ لم يُقبل، وإن بذله في نفعٍ لم يُشكر؛ ورد في الأثر: "ولا يكسِبُ عبدٌ مالًا مِن حرامٍ، فيُنفِقَ منه فيُبارَكَ له فيه، ولا يَتصدَّقُ به فيُقبَلَ منه، ولا يترُكُ خَلفَ ظَهرِه إلَّا كان زادَه إلى النَّارِ".

 

ويُحذِّر العُلماء من أنَّ أكل (المال الحرام) سببٌ في عدم قبول عمل آكله؛ فلا يُقبل منه فرضٌ ولا نفلٌ؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تُقبَلُ صَلاةٌ بغيرِ طُهورٍ، ولا صَدَقةٌ مِن غُلُولٍ]، فمن حجَّ أو اعتمر بمالٍ حرامٍ لا يُقبل منه، ومن تصَدَّق بمالٍ حرامٍ لا يُقبل منه؛ بل هو مأزورٌ غير مأجورٍ؛ ورد في الأثر: "مَن جَمَعَ مالًا حرامًا ثم تَصَدَّقَ بِهِ لم يكنْ لَهُ فيهِ أَجْرٌ، وكانَ إِصْرُهُ عليهِ". والأكل من الحرام كبيرةٌ لا تُغْفَر؛ ورد في الأثر: "إياكَ والذنوبَ التي لا تُغْفَرُ" وذُكِر منها: "الغُلولُ، فمَنْ غَلَّ شيئًا أَتَى بِهِ يومَ القيامةِ".

وآكل الحرام ملعونٌ ومطرودٌ من رحمة الله؛ يقول صلى الله عليه وسلم: [لَعَنَ اللهُ مَنْ سَرَقَ مَنارَ الأرضِ]، وفي روايةٍ: [مَنْ غَيَّرَ مَنارَ الأرضِ]، و[مَنارَ الأرضِ] أي: العلامات التي تُميز الأملاك وتُحددها. ويقول صلى الله عليه وسلم: [لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسرِقُ البَيضةَ فتُقطَعُ يَدُه، ويَسرِقُ الحَبلَ فتُقطَعُ يَدُه]. ويقول أيضاً: [لعَنَ اللهُ الخَمْرَ، ولَعَنَ شارِبَها، وساقيَها، وعاصِرَها، ومُعتَصِرَها، وبائِعَها، ومُبتاعَها، وحامِلَها، والمَحمولةَ إليه، وآكِلَ ثَمَنِها].

وآكل الحرام متوعَّدٌ بالنار؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [لا يدخُلُ الجنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ من سُحْتٍ؛ النَّارُ أَوْلى به]. وآكل الحرام موعودٌ بغضب الله؛ يقول صلى الله عليه وسلم: [مَن حَلَفَ يَمينَ صَبرٍ ليَقتَطِعَ بها مالَ امرِئٍ مُسلِمٍ، لَقيَ اللهَ وهو عليه غَضبانُ]. ويقول عليه الصلاة والسلام: [إنَّ رِجالًا يَتَخَوَّضونَ في مالِ اللهِ بغيرِ حَقٍّ، فلَهمُ النَّارُ يَومَ القيامةِ]؛ فالمال العام حقٌ لجميع المُسلمين، فمن يعمل في الوظائف العامة عليه أمانةٌ عظيمةٌ، وحِملٌ ثقيلٌ، فمَن خان عمله، وقصَّر فيه، وضيَّعه؛ فقد تعرض للوعيد الشديد.

وأكل الحرام سببٌ للخراب والدمار؛ ففي الحديث المُرسل: [اليَمينُ الفاجِرةُ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ]، والْيَمِينُ الفَاجِرَة هِيَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ، يَقْتَطِعُ الرَّجُلُ بِهَا مَالَ غَيْرِهِ، ووصف الديار بأنها بَلاقِع يعني أنها تصير خاليةً من سُكَّانها، كالأرض القفر التي لا شيء بها؛ فالحالف باليمين الكاذبة مصيره الفقر، ويذهب ما في بيته من الرزق.

والمال الحرام سببٌ لمحق البركة؛ فالغش في البيع والشراء سببٌ لذهاب بركة المبيع؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [البَيِّعانِ بالخيارِ ما لَم يَتَفَرَّقا، فإن صَدَقا وبَيَّنا بورِك لهما في بَيعِهما، وإن كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكةُ بَيعِهما].

وأكل الحرام سببٌ للإفلاس يوم القيامة؛

يقول صلى الله عليه وسلم: [أتَدرونَ ما المُفلِسُ؟] قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهَمَ له ولا مَتاعَ، فقال: [إنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتي يَأتي يَومَ القيامةِ بصَلاةٍ، وصيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَك دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعطى هذا مِن حَسَناتِه، وهذا مِن حَسَناتِه، فإن فنيَت حَسَناتُه قَبلَ أن يُقضى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهم فطُرِحَت عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ].

 

ويرى أهل الاختصاص أن من أهم أسباب أكل (المال الحرام) غياب الخوف من الله، وضعف الوازع الديني والأخلاقي، وافتقاد الرقابة الذاتية، والطمع والجشع، والرغبة في التكسب السريع دون تعبٍ، وغياب النُظم الرقابية وضعف المُحاسبة في المُؤسسات، وتَوَهُم البعض بأن المال العام هو مالٌ بلا صاحبٍ، أو أن قلة مُرتباتهم وشدة حاجتهم تُبرر السرقة من ذلك المال.

 

يقول أحد العارفين إن مشقة الطاعة تذهب ويبقى ثوابها، ولذة المعصية تذهب ويبقى عقابها وألمها، ويقول الشاعر عن هذا المعنى:

المالُ ينفدُ حِلُّهُ وحَرامُهُ

يوماً ويَبقى بَعدَ ذا آثامُهُ

ليسَ التَقيُ بمُتقٍ لإلهِهِ

حتى يطيبَ طَعامُهُ وشَرابُه

 

وعن (المال الحرام) يقول الشاعر:

وَلا تَأكُلِ المالَ الحَرامَ فَإِنَّهُ

زُؤامٌ إِذا ما كُنتَ لَستَ بِعائِفِ

فَما في حَرامٍ كَسُبْتَ بَرَكَةٌ

وَلا في حَلالٍ لَو قَنِعْتَ بِتَالِفِ

 

أحبتي.. لا شك في أن كلَّ واحدٍ منا يُدرك أنَّ البركةَ في القليلِ الحلالِ، أعظمُ من الكثيرِ الحرامِ الذي يزولُ ويتركُ وراءه وبالاً؛ لذا يتوجب علينا جميعاً أن نستشعر تقوى الله في كل عملٍ نقوم به. لابد أن يلتزم كلٌ منا بالنزاهة، وأن نُربي أنفسنا وأبناءنا على مخافة الله عزَّ وجلَّ، وعلى عزة النفس، والقناعة بما رزقنا الله، مُتذكرين دائماً أنَّ النجاة في الدُنيا والآخرة لا تكون إلا باليد النظيفة والقلب السليم؛ فلنتقِ الله، ولا يحملنا استبطاء الرزق أن نطلبه بمعصية الله؛ فإن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته. وإن كان أحدنا وقع في إثم أكل (المال الحرام) فعليه أن يقضي ما عليه في الدُنيا قبل فوات الأوان؛ بأن يُعيد لمن وضع يده على أموالهم حقوقهم، ويُعوضهم عما أصابهم من ضررٍ، ويطلب منهم السماح والعفو والصفح.

اللهم اكْفِنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.

 

https://www.facebook.com/share/193CmL4c3L/?mibextid=wwXIfr

 

الجمعة، 12 يونيو 2026

قلب الأُمِّ

 

خاطرة الجمعة /555

الجمعة 12 يونيو 2026م

(قلب الأُمِّ)

 

لأن رقم هذا العدد من خواطر الجمعة مُميزٌ؛ فإن قصة ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏هذه الخاطرة مُميزةٌ هي الأُخرى، جَهِّزوا محارم تمسحون بها دموعكم، وإن كانت قُلوبكم ضعيفةً فأنصحكم بعدم مُتابعة القراءة.

إنها قصة أُمٍ مشت اثني عشر يوماً لتُعيد البصر لابنها، بدأت أحداث هذه القصة في قرية «أُم كدادة» النائية في شمال «دارفور» ب«السودان»، حيث الرمال تمتد كبحرٍ أصفرٍ لا نهاية له، وحيث الشمس تلسع كأنها جمرٌ، عاشت الحاجة «مريم» مع ابنها الوحيد «الطيب». كان «الطيب» في السابعة عشرة من عُمره، شاباً وسيماً، ذا بشرةٍ سمراء مائلةٍ للاحمرار، يملأ القرية ضحكاً وجمالاً. كان عُكاز أُمه في كبرها، وعائلها الوحيد بعد وفاة والده. وفي ليلةٍ مُقمرةٍ، بدأ «الطيب» يشكو من ضبابٍ في عينيه. في البداية ظنّت أُمه أنه مُجرد تعبٍ عابرٍ، لكن بعد أُسبوعٍ، صرخ «الطيب» في الفجر: "أُمي.. ما عُدتُ أراكِ، ما عُدتُ أرى أي شيءٍ". فقد «الطيب» بصره بالكامل، وأصبح يعيش في عتمةٍ تامةٍ. بكت «مريم» سبعة أيامٍ بلا توقفٍ، لكنها في اليوم الثامن، مسحت دموعها بطرف ثوبها، وحملت عصاها، وذهبت إلى حكيم القرية حكت له ما حدث لابنها؛ قال لها الحكيم: "في «الخُرطوم» طبيب عيونٍ مصريٌ اسمه دكتور «مجدي»، سمعتُ أنه يُرجع البصر للناس، لكن «الخُرطوم» بعيدةٌ؛ يحتاج الرجل القوي اثني عشر يوماً ليصل إليها، فما بالك بامرأةٍ كبيرةٍ"، عندها وقفت «مريم»، وكانت في الخامسة والستين، وقالت كلمتها التي صارت مثلاً: "المسافة بيني وبين «الخُرطوم» هي المسافة بين «الطيب» والدُنيا، وأنا سأُعيد له الدُنيا بإذن الله". لم تكن «مريم» تملك مالاً لتستأجر سيارةً، ما كان عندها إلا حِمارٌ هزيلٌ اسمه «صابر»، وقربةُ ماءٍ، و(قلب أُم).

تركت «مريم» ابنها «الطيب» لدى أقارب لها ليعتنوا به، وخرجت قبل الفجر هي وحمارها. لمدة يومين كاملين سارت في رمالٍ ناعمةٍ تغوص فيها أرجل الحمار، مشت ومشت، والسماء فوقها صافيةٌ، والشمس تصب لهيباً من نارٍ. كانت تُغني ل «الطيب» أُغنيةً قديمةً: "يا طير طاير في السما... بلّغ سلامي ل «الطيب».. قُل له أُمك جاية".

في اليوم الثالث: نفد الماء، وتوقف الحمار عن المشي، رفعت يَدَيّها إلى السماء وقالت: "يا فاطر السماوات أنا عطشانةٌ، لكن «الطيب» أكثر عطشاً مني للنور". بعد ساعةٍ، وجدت شجرة سَنطٍ ضخمةً، وفي جِذعها تجويفٌ مليءٌ بماء المطر، شربت وسقت الحمار.

في اليوم الرابع: عبرت منطقةً تُعرف باسم «وادي الموت»، هيكلٌ عظميٌ لجملٍ على الرمال، وآثار ضباعٍ. ربطت الحمار في شجرةٍ، ونامت تحته، مُمسكةً بعصاها. في الليل سمعت عُواءً قريباً، فظلت تهمس: "يا رب؛ إن كنتَ سُبحانك قد كتبتَ الموت لي، فأجِّلُه حتى أُرجع البصر لابني بإذنك".

في اليوم الخامس: تورمت قدمها اليُمنى. خلعت نعلها المُمزق ومشت حافيةً على الرمل الحارق، تصرخ من الألم، والدموع تنزل على خديَّها المُتجعدين.

أما في اليوم السادس: فقد قابلت قافلة تجارٍ من قبيلة «الزغاوة» يسيرون عكس اتجاهها، قادمون من «الخُرطوم» سألها كبيرهم: "إلى أين يا حاجة؟"، قالت: "إلى النور" وأخبرته بقصتها. أعطاها بعض تمراتٍ وقال لها: "أنتِ مجنونةٌ بحُب «الطيب».. لكن مجنون الحُب يصل".

في اليوم السابع: هبَّت عاصفةٌ ترابيةٌ؛ التفَّت بعباءتها، وجلست تحت بطن الحمار. يدخل الرمل في عينيها وفمها وأُذنيها. اختنقت، وسعلت، لكنها ظلت تضغط على صدرها وتقول: "لا يهم.. المُهم عيون «الطيب»".

في اليوم الثامن: عبرت «مريم» نهراً جافاً، مملوءاً بالحجارة الحادة. جُرح قدمها جُرحاً كبيراً. نزفت بشدةٍ. مزقت طرف ثوبها وربطت الجُرح، وأكملت مسيرها.

في اليوم التاسع: سقط الحمار «صابر» من التعب ولم يقم، ظلَّت تُحاول إيقاظه ساعةً، ثم بكت بحُرقةٍ، وقبَّلت جبهته، وقالت: "نم يا «صابر».. أديتَ الأمانة، ولم تُقصِّر"، وتركت جثته وراءها، وأكملت طريقها نحو «الخُرطوم» وحدها.

في اليومين العاشر والحادي عشر: مشت وهي تُهلوس. ترى «الطيب» صغيراً، ترى زوجها المُتوفى يُناديها، لكنها لم تتوقف. رجلاها كأنهما خشبتان تتحركان آلياً بإرادةٍ كأنها قادمةٌ من خارج هذا العالَم!

في اليوم الثاني عشر: وعند الغُروب، رأت أضواء «الخُرطوم» من بعيدٍ. كانت ترى تلك الأضواء لأول مرةٍ في حياتها. جثت على رُكبتيها، وسجدت على الرمال، وقبَّلت التُراب، وظلَّت تبكي كثيراً.

أما في صباح اليوم الثالث عشر، فكانت «مريم» قد حققت المُعجزة ووصلت إلى مدينة «الخُرطوم»، سألت عن المُستشفى التي يعمل بها الطبيب المصري، دلَّها الناس على مُستشفى «النور». تحاملت على نفسها حتى وصلت إليها، دخلتها، وكانت تبدو كشبحٍ؛ ثوبها مُمزقٌ، قدمها غارقةٌ في الدماء اليابسة، وجهها مُغطىً بالغُبار، وعيناها غائرتان. تجمهرت المُمرضات حولها، سألتها إحداهن: "يا حاجة.. من أين أنتِ؟"، أجابت بصوتٍ مُرتعشٍ: "من «دارفور»، أُريد مُقابلة الدكتور المصري.. أريده أن يُرجع البصر لابني «الطيب»". حضر الدكتور «مجدي»، ونظر إلى المرأة فلم يتمالك نفسه؛ قال لها: "يا حاجة.. أين ابنك؟"، قالت بكل براءةٍ: "تركته في القرية"، تعجب الطبيب وسألها: "هل حضرتِ وحدكِ من «دارفور»؟!"، قالت: "نعم يا بُنيّ.. أرجو أن ترجع معي؛ «الطيب» مُنتظر". حكت له عن حالة ابنها، كما حكت له تفاصيل رحلتها من قرية «أُم كدادة» إلى مدينة «الخُرطوم»، لم يتمالك الطبيب نفسه فراح يبكي في غُرفة الكشف، وقال للمُمرضات: "على مدار ثلاثين سنةً، لم أرَ امرأةً تمشي من «دارفور» إلى «الخُرطوم»".

قام أحد الأطباء السودانيين الذين يعملون بالمُستشفى بنشر القصة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي الشهيرة، وكتب: "هذه أُمٌ سودانيةٌ مشت اثني عشر يوماً في الصحراء بلا حذاءٍ، ومعها حمارٌ مات في الطريق، لتصل إلى طبيبٍ تقول له: أُريدك أن تُرجع البصر لابني".

ما حدث بعد النشر كان إعصاراً محلياً وعربياً:

في «السودان»: أرسل وزير الصحة طائرةً مروحيةً لنقل الدكتور «مجدي» وفريقٍ طبيٍ كاملٍ إلى «دارفور».

في «مصر»: تبرعت نقابة الأطباء بعلاج «الطيب» بالكامل، كما أن الدكتور «مجدي» أجرى العملية مجاناً.

في «المملكة العربية السعودية»: عرض أميرٌ سعوديٌ أن يُرسل طائرةً خاصةً لنقل «الطيب» وأُمه إلى أفضل مُستشفى في «الرياض» لمُتابعة العلاج.

في «دولة قطر»: تكفلت مؤسسة «أيادي الخير» ببناء مُستشفى لطب العُيون في «دارفور» باسم «مُستشفى الحاجة مريم».

في «دولة الإمارات»، وفي «دولة الكويت»: انهالت التبرعات لإنشاء طريقٍ يربط القرية بالمدينة.

أجرى الدكتور «مجدي» العملية، وبعد أُسبوعين قام بفك اللفافات عن عينيّ «الطيب». فتح «الطيب» عينيه ببطءٍ. أول ما رأى كان وجه أُمه المُتعب، المُغطى بالتجاعيد، والذي أضاء بالدُموع، سألته بصوتٍ مُرتعشٍ: "أتراني يا حبيبي؟"، فقال «الطيب» وهو يبكي: "أراكِ يا أمي.. أراكِ.. والله أراكِ"، تعانقا طويلاً.. بكى كُل مَن في الغُرفة؛ بكى الدكتور «مجدي»، بكت المُمرضات، وبكى الصحفيون. قالت «مريم» للطبيب: "الآن، أستطيع أن أموت وأنا مُرتاحةٌ"؛ فرَدَّ عليها الدكتور «مجدي» بلهجةٍ مصريةٍ: "لا يا حاجة... إنتِ ماتموتيش... إنتِ هاتعيشي أُسطورة.. وإنتِ اللي هتحكيها للأجيال".

اليوم، في قرية «أم كدادة» بُنيت مُستشفى «الحاجة مريم لطب العُيون»، وكُل من يدخله يقرأ على بابه: "مِن هُنا مشت أُمٌ اثني عشر يوماً لترى عيون ابنها النور".

عاد «الطيب» مُبصراً، والتحق بكلية الطب، وأصبح طبيب عيونٍ. وعندما سُئل في وسائل الإعلام: "لماذا اخترتَ طب العُيون؟"، قال: "لأنها العُيون التي بكت اثني عشر يوماً لأجل عُيوني".

وفي «دارفور»، صارت قصة «مريم» تُروى للأطفال قبل النوم، وتقول الأمهات: "ناموا يا صغار.. ناموا مُطمئنين وأنتم تعرفون أن أُمهاتكم يمشين اثني عشر يوماً لأجلكم".

وفي كل عامٍ، في ذكرى وصولها إلى «الخُرطوم»، تجلس الحاجة «مريم» تحت شجرة "السَنط التي سقتها من ماء المطر في طريقها، وتحكي لحفيدها الصغير -الذي سمّته «صابر» على اسم الحمار الذي مات في الطريق- قصة الرحلة، وتختم دائماً بجملتها الشهيرة: "يا ولدي، المسافة الحقيقية بينك وبين أي حلمٍ هي المسافة بين خوفك وإرادتك، وأنا يوم خفتُ على عُيون «الطيب» صارت الصحراء شارعاً، وصار المُستحيل طريقاً".

 

أحبتي في الله.. يقول ناشر القصة: في زمنٍ أصبحنا نعجز فيه عن المشي إلى المسجد القريب، خرجت من «دارفور» امرأةٌ في الخامسة والستين، حافية القدمين، تمشي اثني عشر يوماً في صحراء الموت، لتُعيد البصر لابنها، ليس لأنها أقوى من غيرها، بل لأن (قلب الأُمِّ) حين يُحب يمشي في الصحراء فيراها جنةً، ويعبر المُستحيل فيراه سهلاً، ويقف بين يديّ الرحمن ويقول: "برحمتك ربي.. إما أن تُعيد له النور.. أو تأخذني إليك".

 

ولقد أوصى القرآن الكريم بالأُم، لفضلها ومكانتها؛ يقول تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾؛ مما يُبَيِّن أن فضل الأُم على الأب له مُوجباته وهو الحمل والرضاع والرعاية.

ومن أمثلة اهتمام القُرآن بالأُم، ما ورد به عن أُم موسى -عليه السلام- يقول تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، كما قال: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يقول المفسرون: فلما كان حالها كذلك رعى الله سُبحانه تلك العاطفة -عاطفة الأُمومة- حق رعايةٍ، وامتنَّ بذلك على موسى -عليه السلام- لعظيم تلك المِنة وأهميتها؛ يقول تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾.

والأحاديث النبوية الشريفة عن الأُم كثيرةٌ؛ منها إنه جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: يا رَسولَ اللهِ، مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسنِ صَحابَتي؟ قال: [أُمُّكَ]، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: [ثُمَّ أُمُّكَ]، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: [ثُمَّ أُمُّكَ]، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: [ثُمَّ أبوكَ].

ومن الإحسان إلى الأُم بعد وفاتها قضاءُ ما كان عليها من دَيْنٍ لله أو للناس؛ فقد سأل أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نذرٍ كان على أُمه، وتُوفيت قبل أن تقضيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [فاقْضِهِ عَنْها]. وجاءت امرأةٌ تسأله عن أُمها التي ماتت وعليها صوم شهر رمضان، فقال عليه الصلاة والسلام: [أرأيتِ لو كان على أُمك دَيْنٌ أكُنتِ قاضيَتَه؟] قالت: نعم. قال: [فدَيْنُ اللهِ أحقُ بالقضاء]. وكذلك سألت امرأةٌ عن أُمها ماتت ولم تحجّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [حُجيّ عنها].

 

وعن (قلب الأُمِّ) قال الشاعر:

أغرى امرؤٌ يوماً غُلاماً جاهلاً

بنقودِه حتى ينالَ به الوَطَرْ

قال: ائتني بفؤادِ أمّكَ يا فتًى

ولكَ الجواهرُ واللآلئُ والدُّرَرْ

فمضى وأغمدَ خِنجراً في صَدْرِها

والقلبُ أخرَجَه وعادَ على الأثَرْ

يا هَوْلَ ما فَعَلَ الغُلامُ كأنّهُ

من دونِ قَلْبٍ أو له قَلْبٌ حَجَرْ

ولِفَرْطِ سُرعَتهِ هَوى فتَدَحْرَجَ الْـ

قَلْبُ المُعَنّى في التُرابِ كما عَثَرْ

ناداه ذاكَ القَلْبُ وهُو مُعَفَّرٌ

وَلَدِي حَبيبي هَلْ أصابكَ مِن ضَرَرْ

قد كانَ هذا الصَوتُ رَغْمَ حُنُوِّهِ

غَضَبَ السَماءِ بِهِ على الوَلَدِ انْهَمَرْ

ورأى فَظيعَ جِنايةٍ لمْ يأتِها

أحدٌ سِواه مُنْذُ تاريخِ البَشَرْ

فارتدَّ نَحْوَ القَلْبِ يَغْسِلْهُ بما

فاضَت بِهِ عَيناه من سَيلِ العِبَرْ

ويَصيحُ مُرْتَعِداً: أيا قَلْبُ انْتَقِمْ

منّي فإنَّ جَريمَتي لا تُغْتَفَرْ

واستلَّ خِنجرَه ليَطْعَنَ قَلبَهُ

طَعْناً سَيَبقى عِبْرةً لمنِ اعتَبَرْ

ناداه (قلبُ الأُمِّ): كُفَّ يَداً ولا

تَذْبَحْ فؤادي مَرّتيْن عَلى الأثَرْ

 

أحبتي.. أختم بما كتبته إحداهن لأُمها، كتبت تقول: تتضاءل الكلمات أمامكِ خجلاً؛ لأنه لا توجد كلمةٌ توفيكِ حقكِ.. أتوسل ذاكرتي كي تجود عليّ؛ لعلها تمدني ولو بكلمةٍ تُعبر عمّا في قلبي تجاهك.. لكن الذاكرة تخذلني وتهرب من ملاحقتي.. أُماه في قلبي أطنانٌ وأطنانٌ من مشاعر الحُب والعرفان والامتنان والشُكر، وحتى هذه الجملة الصماء لم تستطع مع الأسف أن تُعبِّر عما أحمله لكِ في قلبي.. أُماه أكتب لك هذه الكلمات المُتواضعة؛ لأقول لكِ إنني أغرق في بحر جميلك.. هذا الجميل الذي يُخرسني ويعقد لساني.. هذا الجميل الذي لن أستطيع رده في يومٍ من الأيام؛ فمهما فعلتُ، ومهما قلتُ فلن يُساوي شيئاً بجانب عطائك الواسع.. أُماه لن أقول إنكِ حملتِ وربَّيتِ وأرضعتِ وسهرتِ وتعبتِ وتحمَّلتِ من أجلنا الكثير الكثير، وتخليتِ عن رغباتٍ كثيرةٍ لتُحققي لنا رغباتنا.. فما قدَّمتِهِ لنا أكثر من ذلك بكثيرٍ.. لقد علمتينا أهم دروس الحياة.. علمتينا معنى الحياة.. ولم تكتفِ بذلك؛ بل كُنتِ وما زلتِ لنا شمعةً تحترق لتُنير لنا دروب الحياة.

اللهم احفظ الأحياء من أُمهاتنا؛ أَطِل في أعمارهن ومتعهن بالصحة والسعادة. وارحم اللهم من مات منهن واجعل مثواهن الفردوس الأعلى من الجنة، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقاً.

 

https://www.facebook.com/share/1C7ZafgLPt/?mibextid=wwXIfr