الجمعة 20 فبراير
2026م
(مقام
الإحسان)
كتب وهو يُقسم بالله: واللهِ الذي لا إله إلا هو، إن التفاصيل التي سأرويها
لكم قد حدثت كما هي تماماً. ثم استطرد يروي التفاصيل فقال: في اليوم الأول من شهر
رمضان المبارك، كُنتُ أتشارك وجبة الإفطار مع والدي ووالدتي، وقُبيل الفجر بقليلٍ
دخلتُ لأفرد ظهري قليلاً على سرير والداي، وما إن استلقيتُ على ظهري حتى شعرتُ
بصعوبةٍ بسبب مرتبة السرير؛ إذ لم تكن مُريحةً، أو على الأقل لم تكن كراحة المرتبة
الموجودة في بيتي! لقد اعتدتُ الجلوس على تلك المرتبة، لكني لم أنم عليها مُنذ
فترةٍ طويلةٍ. أخبرتُ زوجتي أنني أشعر بالحُزن لعدم انتباهي لهذا الأمر، وأكدتُ
لها أن هذه ستكون آخر مرةٍ ينام فيها والداي على سريرهما وهُما غير مرتاحين، وأنني
سأشتري لهما مرتبةً جديدةً غداً بإذن الله. بعد ظهر الغد، اصطحبتُ معي أخي وذهبنا
إلى السوق لشراء المرتبة. بعد أن مررنا على عددٍ من المحلات وعرفنا الأسعار،
اخترتُ أفضل ما هو موجود. قال لي أخي: "لماذا لا نأخذ شيئاً مُتوسطاً وجيداً
في الوقت نفسه؟" فأجبته: "إننا نسعى إلى (مقام الإحسان)، حتى نُكتب عند
الله من المُحسنين لوالدينا"؛ وبالفعل اشترينا أفضل مرتبةٍ ووصلتها إلى والدي
ووالدتي. انتهت القصة هنا بيني وبين والداي، لكنها لم تنتهِ عند الله عزَّ وجلَّ!
بالأمس، وبدون سابق إنذارٍ، رزقني الله بمبلغٍ كبيرٍ تجاوز -واللهِ- عشرة
أضعاف المبلغ الذي اشتريتُ به المرتبة! وكأنها رسالةٌ واضحةٌ لي، تتكرر في تعاملي
مع والدي ووالدتي: "الجنيه بعشرة!"؛ كأن هذا من قوانين البِر، أن
تُكرَّم وتُعوَّض رغماً عنك، وأن تُرزق ويُفتح عليك من حيث لا تحتسب.
تذكرتُ وقتها قول أحد التابعين: "دُعاء الوالدين يُنبت المال والولد
من العدم"؛ لهذا السبب، أقول دائماً لأصدقائي والمُقربين مني: "أفضل ما
أستثمر فيه، وأقوى تجارةٍ أعمل بها، هي بِر والداي وصلة الرحم، فهما يجلبان صفقاتٍ
ماديةٍ ومعنويةٍ عظيمةٍ جداً".
أحبتي في الله.. هذه قصةٌ من قصصٍ كثيرةٍ عن الإحسان إلى الوالدين، ومنها
هذه التي ترقى فيها مُعاملة الابن إلى (مقام الإحسان)؛ قال أحدهم: قصةٌ حقيقيةٌ
حدثت معي؛ كان هناك شيخٌ نحسبه من أهل الصلاح، سألته مرةً: "هل أغضبتَ والداك
يوماً؟"، فطأطأ رأسه وقال: "نعم مرةً واحدةً أغضبتُ أبي، وأنا نادمٌ على
ذلك طول عُمري"، فتعجبتُ على هذا الندم الذي يستمر طول العُمر! إنه أغضب أباه
مرةً واحدةً! فربما فعل فعلةً من الكبائر تستحق هذا الندم طول العُمر، فأردتُ أن
أستفسر عن سبب إغضابه ﻷبيه، فسألته عن ذلك، فروى لي القصة؛ قال: "كنتُ يومها
صبياً، وقد عُدت إلى البيت وأنا أحمل في يدي كيساً فيه تمرٌ، والكيس مفتوحٌ من اﻷعلى
بشكلٍ يُظهر التمر، وعند وصولي إلى الباب خرج أبي فرآني أحمل كيس التمر فسألني:
"ما هذا؟"، فأجبته على الفور: "ألا تراه تمراً". ذهب أبي
لقضاء بعض أشغاله وأنا دخلتُ إلى البيت وكأن شيئاً لم يكن، وبعد فترةٍ عاد أبي
فدعاني قُربه وبدأ يحدثني فقال: "الله سبحانه وتعالى عندما خاطب «موسى» عليه
السلام قائلاً: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ﴾، ألم يكن يعلم سُبحانه أن
ما في يد «موسى» هي عصا؟"، قلتُ: "بلى"، قال: "وأنا عندما
سألتك عن التمر كنتُ أعرف أنه تمرٌ، لكني وددتُ أن أُكلمك". قال الشيخ:
"كانت تلك هي المرة الوحيدة في حياتي التي أغضبتُ فيها والدي، وكلما أتذكرها
أكاد أبكي على ما فعلتُ". يقول راوي القصة: "ما أعظم اﻷب، وما أروع اﻹبن،
وعندما نسمع عن قصص هؤﻻء الناس نخجل من أنفسنا على ما نفعله تجاه آبائنا وأمهاتنا،
اللهم اجعلنا من البارين بهم".
وعلى العكس من ذلك؛ كم من قصةٍ من قصص عقوق الوالدين وعدم البِر بهما أو
الإحسان إليهما؛ ومن ذلك هذه القصة التي يرويها أحد تُجار الذهب، يقول فيها: دخل
عليّ في المحل رجلٌ ومعه زوجته وخلفه أُمه العجوز تحمل ولده الصغير، أخذت زوجته
تشتري من الذهب والمُجوهرات، ثمُّ قال الرجل للبائع: "كم حسابك؟"، فقال
له: "عشرون ألف ريالٍ ومئة"، فقال الرجل: "ومن أين أتت هذه المئة؛
نحن حسبنا ما اشترينا بعشرين ألفاً، من أين أتت هذه المئة؟"، قال له البائع:
"أُمك العجوز اشترت خاتماً صغيراً بمئة ريالٍ"، قال الرجل: "أين
هذا الخاتم؟"، قال له البائع: "هذا هو"؛ فأخذ الابن الخاتم ثم رده
إلى البائع وقال: "العجائز ليس لهنّ الذهب"، وعندما سَمِعتْ العجوز تلك
الكلمات، بَكَتْ وذهبتْ إلى السيارة؛ فضحكت الزوجة وقالت لزوجها: "ماذا
فعلتَ؟ لعلَّها لا تقبل أن تحمل ابننا بعد هذا!"، فذهب الرجل إلى السيارة، وقال
لأُمه: "خُذِي الخاتم إذا كُنتِ تريدينه"، فقالت أُمه: "لا والله
لا أريدُ الذهب ولا أريدُ الخاتم، ولكنِّي أردتُ أنْ أفرح بالعيد كما يفرحُ الناس،
فقتلتَ سعادتي، سامحك الله".
عن بِر الوالدين يقول تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا
إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ
أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ
لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ حيث أن وقت الكِبَر أحوج
ما يكون الوالدان فيه إلى الأبناء. لا توجد كلمةٌ أصغر من ﴿أُفٍّ﴾ ومع ذلك فإن
قولها للوالدين عقوقٌ، بل ويُعَد كبيرةً من الكبائر.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [رِضى اللَّهِ في رِضى الوالِدَينِ،
وسَخَطُ اللَّهِ في سَخَطِ الوالدينِ]، ويقول عليه الصلاة والسلام: [مَن سرَّهُ أن
يُمَدَّ لهُ في عُمرِه ويُزادُ في رزقِه فليبِرَّ والدَيهِ وليصِلْ رحمَه]، وعندما
سُئل عن أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قال: [الصَّلاةُ علَى وقْتِها] ثم
[برُّ الوالِدَيْنِ] ثم [الجِهادُ في سَبيلِ اللَّهِ].
وجاء في الأثر: "بِرِّوا آباءَكم تُبِرُّكم أبناؤكم".
يقول أهل العِلم إن الإحسان إلى الوالدين يُعد أعلى درجات البِر، وإن (مقام
الإحسان) هو أن تُعاملهما بأرقى أنواع الكرم والتواضع والرحمة، لا مُجرد أداءٍ
للواجب. إن بِر الوالدين واجبٌ على الأبناء، فيجب عليهم أن يحرصوا على هذا المقام
العظيم، وأن يُدركوا أن هذا البِر لن يفي للوالدين حقهما، وأن يُدركوا أن حق
الوالدين لا يفضله ولا يفوقه حق أي إنسانٍ آخر كالزوجة والولد وغيرهما.
وإن من (مقام الإحسان) في بِر الوالدين:
-السمع والطاعة؛ فإذا أمرك والداك في غير معصيةٍ فطاعتهما واجبةٌ، لا
تُفضِّل زوجتك أو ولدك عليهما، وأعطِ كل ذي حقٍ حقه.
-التوقير والاحترام؛ أي اللين اللطيف المُشتمل على العطف والاستمالة،
وموافقة مُرادهما وميلهما ومطلوبهما ما أمكن، لا سيما عند الكِبَر، فلا يُغْلِظُ
لهما في الجواب، ولا يُحِدُّ النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما، ويُقبِّل رأسهما
ويديهما، ويُحسن الاستماع لهما، بل ويكون بين يديهما مثلَ العبد بين يدي السيد،
تذللاً.
-الدُعاء لهما؛ اجعل الدُعاء لهما مُلازماً لك، تذكرهما في سجودك، في
وِتْرِك، اُدع لهما بالرحمة، بالمغفرة، بالعافية، بطول العمر على الطاعة، بحُسن
الخاتمة، بدخول الجنة والنجاة من النار، بأن يجزيهما الله عنك خير الجزاء. واحرص
على دُعائهما لك، واحذر من دعائهما عليك؛ فإن دعوة الوالد لولده أو على ولده
مُستجابةٌ.
-الصدقة عنهما؛ بالتبرع عنهما، أو إشراكهما في أجر الصدقات، وبناء المساجد،
وحفر آبار المياه، وطباعة المصاحف، والأوقاف الخيرية، ولو بالقليل.
-الإنفاق عليهما وخدمتهما وقضاء حوائجهما؛ لا تستصغر خدمة والديك، كُن
لمَّاحاً وحاول أن تعرف ما يحتاجان، أو اسألهما عنه، تفقد أحوالهما؛ خاصةً إن كانا
من المرضى أو كبار السن.
-الترويح عنهما وإدخال السرور عليهما؛ بأخذهما في رحلةٍ إلى مكانٍ جميلٍ،
في حديقةٍ، في زيارةِ بعض الأقارب، أو بدعوتهما إلى غداءٍ أو عشاءٍ في أحد
المطاعم.
-مدحهما والثناء عليهما؛ امدح والديك في حُضورهما وأمام الآخرين، افتخر
بهما، تشرَّف بالانتساب إليهما، ولا تتحرج من إدخال السُرور عليهما بالكلمات
اللطيفة.
-مُشاورتهما وتقديم رأيهما؛ شاورهما وخُذ برأيهما، واعلم أن فيه الخير
والبركة، شاورهما في اختيار تخصصك الجامعي، واختيار الزوجة، والسكن، وأسماء
الأولاد، ونوع السيارة، واختيار الوظيفة، وسترى التوفيق بإذن الله.
أحبتي.. إن إحسانك لوالديك، لا سيما عند العجز أو الكِبَر، هو تجارةٌ
رابحةٌ مع الله لا تضيع أبداً. ومن (مقام الإحسان) لوالديك ألا ينقطع إحسانك لهما
بعد موتهما؛ زِد من صلاحك ودُعائك لهما، وتصدَّق عنهما، واحرص على إنفاذ وصيتهما،
وإكرام صديقهما، وبصلة الرحم التي لا صلة لك بها إلا بهما.
اللهم اجعلنا من أهل البِر والإحسان، خاصةً لوالدينا، واغفر لنا ولهما
ولإخواننا في الإيمان، يا رحيم يا رحمن، يا كريم يا منان.
https://bit.ly/46k2UI1