الجمعة، 31 يوليو 2026

قصر في الجنة

 

خاطرة الجمعة /562

الجمعة 31 يوليو 2026م

(قصر في الجنة)

 

تروي إحدى السيدات قصةً عجيبةً؛ تقول:

كُنتُ في زيارةٍ لصديقةٍ لي في بيتها، وأتت طفلتها إلينا، لم تُكمل الطفلة عامها الثالث.. تتلعثم بالحروف.. ووقفت خلف أُمها تشد فستانها قائلةً: "أُمي لم نبنِ اليوم قصراً في الجنة؟"، اعتقدتُ أنني سمعتُ ما قالت بالخطأ، إلا أن الطفلة كررَّت نفس العبارة، ثم وقف إخوتها إلى جانبها وأخذوا يُرددون ما قالته أختهم الصغيرة! رأت الأُم الفضول في عينيّ؛ فابتسمت وقالت لي: "أُتحبين أن تُشاهدي كيف أبني قصراً في الجنة أنا وأبنائي؟"، فأجبتُ باندهاشٍ: "نعم!" ووقفتُ أُراقب ما سيفعلونه.

جلست الأُم وجلس أولادها حولها.. أعمارهم تتراوح بين الثالثة إلى العاشرة.. جلسوا جميعهم مُستعدين ومُتحمسين، بدأت الأُم وبدأوا معها في قراءة سورة الإخلاص (قل هو الله أحد.. الله الصمد.. لم يلد ولم يولد.. ولم يكن له كفواً أحد) ثم كرروها عشر مراتٍ، وعندما انتهوا صرخوا بصوتٍ واحدٍ فرحين: "الحمد لله بنينا بيتاً في الجنة"، سألتهم الأُم: "وماذا تُريدون أن تضعوا في هذا البيت؟"، ردَّ الأطفال: "نُريد كُنوزاً يا أُمي"؛ فبدأوا يُرددون (لا حول ولا قوة إلا بالله.. لا حول ولا قوة إلا بالله)، ثم عادت فسألتهم: "مَن منكم يُريد أن يرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم السلام ويشرب من يده شربةً لا يظمأ بعدها أبداً؟"، فشرعوا جميعهم يقولون: "اللهم صلِ على مُحمدٍ وعلى آل مُحمدٍ.. كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.. وبارِك على مُحمدٍ وعلى آل مُحمدٍ.. كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ"، تابعوا بعدها التسبيح والتكبير والتهليل.. ثم انفضوا كُلٌ إلى عمله؛ فمنهم من تابع مُذاكرة دروسه.. ومنهم من عاد إلى مُكعباته يُعيد بناءها.

قُلتُ لصديقتي: "كيف فعلتِ ذلك؟"، قالت: "أبنائي يُحبون جُلوسي بينهم، ويفرحون عندما أجمعهم وأجلس وسطهم؛ فأحببتُ استغلال ذلك بأن أُعوِّدهم على ذِكر الله، بأن أنقل لهم هذه الأحاديث وأُعلِّمها لهم بطريقةٍ يُمكن لعقولهم الصغيرة أن تفهمها؛ فهُم يرون القصور في برامج الأطفال ويتمنون أن يكون من ساكنيها.. ويُشاهدون أبطال الكرتون وهُم يتصارعون للحصول على الكنز؛ فأردت أن يكون حُلمهم (قصر في الجنة)".

 

أحبتي في الله.. عقَّبت راوية القصة عليها بما يلي: "هذه الأُم ستُثاب عندما يُردد أحد أبنائها هذه الأذكار، حتى بعد ممات الأُم.. فإنها صدقةٌ جاريةٌ.. وهي أفضل استثمارٍ لها في الدُنيا والآخرة".

 

وعن (قصر في الجنة) كتبت إحداهن:

مُنذ أيامٍ قليلةٍ كُنتُ أُشاهد صوراً لقصرٍ في مدينة «دبي»، يبلغ ثمنه مئة مليون دولار، ومع ذلك لم يكن القصر كبيراً جداً؛ فأثار ذلك فضولي لأتعرّف على أعظم القُصور في العالم؛ فوجدتُ أن أكبر قصرٍ سكنيٍ في العالم هو قصر سُلطان «بروناي»، قصر «إستانا نور الإيمان»؛ إذ تبلغ مساحته -بما فيه من أجنحةٍ وحدائق- نحو 2100 متراً مُربعاً، ويضم 1,788 غُرفةً، حتى إنك لو أردتَ مُشاهدة كُل غُرفةٍ منها لمدة دقيقةٍ واحدةٍ فقط لاحتجتَ إلى أكثر من تسعٍ وعشرين ساعةً كاملةً لتتم مُشاهدتك! ويبقى السؤال: هل يُعَد هذا القصر عظيماً حقاً إذا قارنّاه بقصرٍ من قُصور أقل أهل الجنة منزلةً؟ الإجابة: إن هذا القصر لا يُساوي حجراً واحداً في شُرفةٍ من شُرفات قُصور الجنة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم عن أقل أهل الجنة منزلةً: [إنَّ أدنى أهلِ الجنَّةِ منزلةً الَّذي له ثمانونَ ألفَ خادمٍ، واثنانِ وسبعونَ زوجًا، ويُنصَبُ له قبَّةٌ مِن لؤلؤٍ وزبرجدٍ وياقوتٍ كما بَيْنَ الجَابِيَةِ إلى صنعاءَ] أي يُبنى له قصرٌ قُبته من لؤلؤٍ وياقوتٍ وزبرجدٍ -وهي جواهر لم ترها عينك قط، تمتد -قبته فقط- لمسافةٍ تزيد عن 2000 كيلو متر! العجيب أن هذا قصر أقل أهل الجنة منزلةً، فما بالك بما أعدّه الله لأحبائه وأوليائه من قُصور؟ إن هذا القصر من قُصور الجنة يفوق جميع قُصور الدُنيا مُجتمعةً، ولا مجال للمقارنة؛ فقصر الجنة هو من إبداع الله سُبحانه وتعالى.

 

يقول أهل العِلم إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن أعمالٍ وأقوالٍ إذا عملها العبد أو قالها بنى الله له بيتاً أو قصراً في الجنة، ومعلومٌ أن بيوت الجنة وقُصورها ليست كبيوت الدُنيا، وإنما كما قال صلى الله عليه وسلم: [الجنةُ بناؤها لَبِنَةٌ من فضةٍ، ولَبِنَةٌ من ذهبٍ، ومِلاطُها المسكُ الأذفرُ، وحصباؤها اللؤلؤُ والياقوتُ، وتربتُها الزَّعفرانُ، من يدخلُها ينعَمْ لا يبْأَسُ، ويخلدْ لا يموتُ، لا تَبلى ثيابُهم، ولا يَفنى شبابُهم]. من تلك الأعمال والأقوال: الإيمان بالله عزَّ وجلَّ وتصديق المُرسلين؛ قال صلى الله عليه وسلم: [إنَّ أهلَ الجَنَّةِ يَتَراءَونَ أهلَ الغُرَفِ مِن فوقِهم كما يَتَراءَونَ الكَوكَبَ الدُّرِّيَّ الغابِرَ في الأُفُقِ مِنَ المَشرِقِ أوِ المَغرِبِ؛ لتَفاضُلِ ما بينَهم]. قالوا: يا رَسولَ اللهِ، تلك مَنازِلُ الأنبياءِ لا يَبلُغُها غَيرُهم؟ قال: [بَلى، والذي نَفسي بيَدِه، رِجالٌ آمَنوا باللهِ وصَدَّقوا المُرسَلينَ].

ومن ذلك أيضاً تقوى الله؛ يقول تعالى: ﴿لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾.

ومن ذلك كذلك الصبر، والتوكل على الله؛ يقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ . الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. كما أن من ذلك مُوالاة المؤمنين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله تعالى وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام؛ يقول سُبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.

ومن ذلك أيضاً سد الفُرَج في الصلاة؛ قال صلى الله عليه وسلم: [مَنْ سَدَّ فُرْجَةً بَنَى اللهُ لهُ بَيْتًا في الجنةِ، ورفعَهُ بِها درجةً].

ومن ذلك المُحافظة على السُنن الرواتب؛ قال عليه الصلاة والسلام: [من صلَّى في اليومِ والليلةِ اثنتي عشرةَ ركعةً تطوُّعًا، بنى اللهُ له بيتًا في الجنَّةِ: أربعًا قبلَ الظُّهرِ، وركعتَين بعدها، وركعتَين بعد المغربِ، وركعتَينِ بعد العشاءِ، وركعتَينِ قبلَ صلاةِ الغَداةِ].

ومن ذلك أيضاً المُحافظة على أربع ركعاتٍ من الضُحى، وأربعٍ قبل صلاة الظُهر؛ قال صلى الله عليه وسلم: [مَنْ صَلَّى الضُّحَى أَرْبَعًا، وَقَبْلَ الْأُولَى أَرْبَعًا بُنِيَ لَهُ بِهَا بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ]، ومعنى [الْأُولَى] صلاة الظهر.

وكذلك ترك المِراء، وترك الكذب ولو كان المرء مازحاً، والأخلاق الحسنة؛ قال عليه الصلاة والسلام: [أنا زعيمٌ ببيتٍ في رَبَضِ الجنَّةِ لمَن تَرَكَ المِراءَ وإن كان مُحِقًّا، وببيتٍ في وسطِ الجنَّةِ لمَن تركَ الكذبَ وإن كان مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنَّةِ لمَن حَسُنَ خُلُقُه].

ومن ذلك بِناء المساجد؛ قال صلى الله عليه وسلم: [مَنْ بَنَى للهِ مَسْجِدًا يُذْكَرُ فيهِ؛ بَنَى اللهُ لهُ بَيْتًا في الجنةِ].

ومن ذلك أيضاً إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وقيام الليل؛ قال عليه الصلاة والسلام: [إنَّ في الجنَّةِ غرفًا يُرى ظاهرُها من باطنِها وباطنُها من ظاهرِها أعدَّها اللهُ لمَنْ أطعم الطَّعامَ وأفشى السَّلامَ وصلَّى بالليلِ والنَّاسُ نيامٌ].

كما أن من ذلك قراءة سورة الإخلاص عشر مراتٍ؛ قال صلى الله عليه وسلم: [من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى يختِمَها عشرَ مراتٍ بنى اللهُ له قصرًا في الجنَّةِ].

ومن ذلك الصبر والحمد والاسترجاع عند فقد أحد الأبناء؛ قَالَ عليه الصلاة والسلام: [إذا ماتَ ولَدُ العبدِ قالَ اللَّهُ لملائِكتِهِ: قبضتم ولدَ عبدي؟ فيقولونَ: نعم، فيقولُ: قبضتُم ثمرةَ فؤادِهِ؟ فيقولونَ: نعم، فيقولُ: ماذا قالَ عبدي؟ فيقولونَ: حمِدَكَ واسترجعَ، فيقولُ اللَّهُ: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنَّةِ وسمُّوهُ بيتَ الحَمْدِ].

كما أن من ذلك زيارة المريض، وزيارة الإخوة في الله؛ قَالَ صلى الله عليه وسلم: [مَن عادَ مريضًا، أو زارَ أخًا لَهُ في اللَّهِ ناداهُ مُنادٍ: أن طِبتَ وطابَ مَمشاكَ، وتبوَّأتَ مِنَ الجنَّةِ منزلًا].

 

يقول الشاعر:

اِعْمَلْ لِدَارِ الْبَقَاءِ رِضْوَانُ خَازِنِهَا

الْجَارُ أَحَمْدٌ وَالرَّحْمَنُ بَانِيهَا

أَرَضُّهَا ذَهَبٌ وَالْمِسْكُ طِينَتُهَا

وَالزَّعْفَرَانُ حَشِيشٌ نَابِتٌ فِيهَا

أَنُهَّارُهَا لَبَنٌ مَحْضٌ وَمِنْ عَسَلٍ

وَالْخَمْرُ يَجْرِي رَحِيقَاً فِي مَجَارِيِهَا

وَالطَّيْرُ تَجَرَي عَلَى الْأَغْصَانِ عَاكِفَةً

تُسَبِّحُ اللَّهَ جَهْرًا فِي مَغَانِيِهَا

مَنْ يَشْتَرِي الدَّارَ بِالْفِرْدَوْسِ يُعَمِّرُهَا

بِرَكْعَةٍ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ يُخْفِيهَا

أَوْ سَدِّ جُوْعَةِ مِسْكِينٍ بِشبْعَتِهِ

فِي يَوْمِ مَسْغَبَةٍ عَمَّ الْغَلَا فِيهَا

لَا دَارَ للمَرءِ بَعْدَ الْمَوْتِ يَسْكُّنُهَا

إِلَّا الَّتِي كَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ يَبْنِيهَا

فَمَنْ بَنَاِهَا بِخَيْرٍ طَابَ مَسْكَنُهُ

وَمَنْ بَنَاهَا بِشَرٍّ خَابَ بَانِيهَا

فَاغْرِسْ أُصولَ الْتُقَى مَا دُمّْتَ مُقْتَدِرًا

وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَاقِيهَا

تَجْنِي الثِّمَارَ غَدَاً فِي دَارِ مَكْرَمَةٍ

لَا مَنَّ فِيهَا وَلَا التَّكْديرُ يَأْتِيهَا

الْأُذُنُ وَالْعَيْنُ لَمْ تَسْمَعْ وَلَمْ تَرْهُ

وَلَمْ يَجْرِ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ مَا فِيهَا

فِيَا لَهَا مِنْ كَرَامَاتٍ إِذَا حَصُلَتْ

وَيَا لَهَا مِنْ نُفُوسٍ سَوْفَ تَحْوِيهَا

 

أحبتي.. الكثير منا يُضيِّع سنواتٍ من عُمره ليُعمِّر بيتاً في الدُنيا، ويفرح إن أنجز ذلك، رغم أن متاع الدُنيا زائلٌ، وفراق الدُنيا محتومٌ؛ فهلَّا فكَّرنا في تعمير ما هو دائمٌ ومُقيمٌ لا يزول في الآخرة؟ يقول تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾.

اللهم حبِّب إلينا الإيمان، وزيِّنه في قلوبنا، ويسِّر لنا أن نعمل من الصالحات ما ننال به رضاك، وتقبَّل أعمالنا خالصةً لوجهك الكريم، وارزقنا اللهم الجنة وما قرَّب إليها من قولٍ أو عملٍ، واستجب لدعوتنا: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾.

https://tinyurl.com/26w73k52

الجمعة، 24 يوليو 2026

قُوة العزيمة

 

خاطرة الجمعة /561

الجمعة 24 يوليو 2026م

(قُوة العزيمة)

 

قصة اليوم قصةٌ فريدةٌ من نوعها، شغلت الرأي العام في «مِصر» مطلع الشهر الحالي، وظلت موضوعاً مُستمراً في العديد من مواقع التواصل الاجتماعي؛ فتحت عنوان: "تحدَّت المرض والعُمر.. «آمال إسماعيل» تحصل على الدُكتوراه من جامعة «المنصورة» في سن الـ83 بعد أن هزمت مرض السرطان" نشرت إحدى الصحف المصرية المُتميزة تفاصيل هذا العنوان فقالت:

في مشهدٍ استثنائيٍ امتزجت فيه دموع الفرح بالفخر، نجحت الباحثة «آمال إسماعيل متولي عبده» في الحُصول على درجة الدُكتوراه من كُلية الآداب بجامعة «المنصورة» في عُمر الـ 83 عاماً، لتكتب واحدةً من أكثر قصص الإصرار إلهاماً، وتؤكد أن تحقيق الأحلام لا يرتبط بعُمرٍ، وإنما بإرادةٍ لا تعرف المُستحيل. لم تكن رحلة «آمال» نحو الدكتوراه طريقاً مُمهداً، بل كانت مليئةً بالتحديات التي كان من المُمكن أن تُنهي حُلمها مُبكراً؛ فبعد حُصولها على الشهادة الإعدادية وهي في الثامنة والثلاثين من عُمرها، اضطرتها الإصابة بمرض السرطان إلى التوقف عن استكمال تعليمها لسنواتٍ طويلةٍ، لتُكرِّس وقتها للعلاج ومُواجهة المرض. لكن بعد أن انتصرت على المرض، قررت أن تبدأ من جديدٍ؛ فالتحقت بالمرحلة الثانوية وهي في الثامنة والستين من عُمرها، ثم واصلت طريقها إلى كلية الآداب بجامعة «المنصورة»، حيث درست عِلم الاجتماع، ولم تكتفِ بالحصول على الليسانس، بل واصلت رحلتها الأكاديمية حتى نالت درجتي الماجستير والدُكتوراه.

خلال إعداد رسالة الدُكتوراه، واجهت الباحثة «آمال» تحدياتٍ صحيةً جديدةً، بعدما تعرضت لكسرٍ في الحوض وأزمةٍ صحيةٍ استدعت إجراء تدخلاتٍ علاجيةٍ، الأمر الذي أدى إلى تأجيل مُناقشة الرسالة، إلا أن تلك الظُروف لم تنل من عزيمتها، لتعود مرةً أُخرى وتستكمل أبحاثها. تم إعداد رسالة الدُكتوراه بعنوان: "الشيخوخة النشطة وعلاقتها ببعض المُتغيرات السوسيولوجية - دراسةٌ لبعض الحالات المُختارة بجامعة «المنصورة»"، والتي تناولت العلاقة بين الشيخوخة النشطة وعددٍ من المُتغيرات الأُسرية والاجتماعية والصحية والمهنية والاقتصادية، والعوامل المُؤثرة في استمرار مُشاركة كبار السن واندماجهم في المُجتمع، وهو موضوعٌ يعكس اهتماماً بقضايا كبار السن وجودة حياتهم، ويُجسِّد ارتباط تجربتها الشخصية بالبحث العلمي. وشهدت قاعة المناقشة أجواءً مُؤثرةً، حيث حرص أفراد أُسرتها وأبناؤها وأحفادها على الحضور لمُشاركتها لحظة تتويج سنواتٍ طويلةٍ من الصبر والكفاح، فيما أشادت لجنة المُناقشة بجهدها العلمي وإصرارها على استكمال مسيرتها الأكاديمية رغم ما واجهته من تحديات.

تحولت قصة الدكتورة «آمال» إلى مصدر إلهامٍ داخل الأوساط الأكاديمية والمُجتمعية، باعتبارها نموذجاً يؤكد أن طلب العِلم لا يتأثر بسنوات العُمر، وأن الإرادة قادرةٌ على تجاوز أصعب الظروف، لتُصبح صاحبة الـ83 عاماً مصدر أملٍ لكل من تأخر عن تحقيق حُلمه أو ظنَّ أن الوقت قد فات؛ فلم يكن حصولها على الدُكتوراه مُجرد إنجازٍ أكاديميٍ، بل كان شهادةً جديدةً على أن النجاح يبدأ بالإيمان بالهدف، وأن الإنسان يستطيع أن يكتب فصلاً جديداً في حياته مهما تقدم به العُمر، لتبقى قصة «آمال» نموذجاً إنسانياً مُلهِماً يروي كيف ينتصر الأمل على المرض، وكيف يهزم الإصرار كُل العقبات.

تم تكريم الدكتورة «آمال» من قِبل جامعة «المنصورة» بمنحها درع الجامعة وشهادة تقدير؛ تتويجاً لمسيرتها العلمية والإنسانية المُلهِمة، بعد رحلةٍ حافلةٍ بالإصرار والمثابرة، لتُقدم نموذجاً مُشرفاً، يؤكد على أن الإرادة قادرةٌ على تحقيق الأهداف وتجاوز الصعاب. لم يكن ذلك التكريم احتفاءً بحصولها على درجة الدُكتوراه فحسب، وإنما تقديراً لرحلة كفاحٍ استثنائيةٍ أثبتت خلالها أن الطموح لا يتأثر بسنوات العُمر، وأن الإيمان بالهدف والإرادة الصادقة قادران على تحقيق النجاح. إن ما حققته الدكتورة «آمال» ليس إنجازاً شخصياً فحسب، بل هو رسالةٌ إنسانيةٌ ووطنيةٌ تؤكد أن بناء الإنسان يبدأ بالإيمان بقُدراته، وبقيمة العلم التي تمنح الإنسان القُدرة على تجاوز التحديات وصناعة مُستقبلٍ يليق بطُموحه؛ إذ أصبحت الدكتورة «آمال» نموذجاً مُلهِماً في الإصرار والعزيمة، ورسالةً تؤكد على أن التعلم رحلةٌ لا تتوقف ما دام الإنسان مُتمسكاً بحُلمه. لقد تم تكريمها كنموذجٍ مُشرفٍ يُقدِّم قصة نجاحٍ مُلهمةٍ تُسهم في ترسيخ ثقافة الاجتهاد والمُثابرة.

لم تخمد شُعلة العزيمة والإرادة بعد حصول «آمال» على هذه الدرجة العلمية الرفيعة، بل ما تزال هذه الشُعلة مُتوهجةً؛ حيث قالت «آمال» فى تصريحٍ خاصٍ للجريدة: "أتمنى الالتحاق بكُلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية؛ لأتعلم هذه اللغة حيث يُفيدني ذلك لو سافرتُ إلى حفيدتي فى «أمريكا»، علينا ألا نتوقف أبداً عن التعلم؛ فنحن أُمة إقرأ".

 

أحبتي في الله.. لقد كانت كلمة السر في نجاح الدكتورة «آمال» هي (قُوة العزيمة)، والعزيمة مُشتقةٌ من العزم. وردت لفظة "عَزْم" ومُشتقاتها في القرآن الكريم تسع مراتٍ، في مقام المدح يقول تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، وفي مقام الذم يقول سُبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. وفي جميع الأحوال يكون معنى "العَزْم" هو الإرادة الصلبة الجازمة، وتوطين القلب على إمضاء الأمر، والصبر والثبات في تنفيذه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ أي إذا عزمتَ على أمرٍ من الأمور فأَمْضِه مُعتمداً على الله وحده، ومُتوكلاً عليه. وقوله سُبحانه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وفيه الحث على الصبر على الأذى؛ فإن الحياة مليئةٌ بالشدائد والمحن، و﴿عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أعاليها ومكارمها. وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ أي: لو صدقوا الله بالاستعانة به، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ فالعبد ناقصٌ من كل وجهٍ، لا قُدرة له إلا إن أعانه الله، وبقدر نشاط العبد وعُلو همته بقدر ما يكون التوفيق والتسديد من الله سُبحانه وتعالى.

 

وعن (قُوة العزيمة) قال الرسول صلى الله عليه وسلم: [احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ]، والمُراد بعبارة [مَا يَنْفَعُكَ] ما يعود على الإنسان بخيري الدُنيا والآخرة من العبادات والأعمال الصالحة، ومعنى الحرص هو الأخذ بالأسباب مع الاعتماد على مُسبب الأسباب وهو الله سُبحانه وتعالى؛ ولهذا قال بعد ذلك: [وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ]؛ لأن الإنسان إذا أخذ بالأسباب ولم يحصل له عونٌ وتوفيقٌ من الله تعالى، فلن يُحصِّل ما يُريده؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله. أما [وَلاَ تَعْجِزْ] فمعناها لا تتكاسل ولا تتثاقل عمَّا لا ينبغي التثاقل عنه مع وجود القُدرة عليه؛ ولذلك كان من دُعاء النبي صلى الله عليه وسلم [اللهُمَّ إنِّي أعوذُ بك مِنَ العَجزِ والكَسَلِ].

 

يقول أهل العِلم إن "العزم" لابد وأن تسبقه "الإرادة" التي هي تصميمٌ واعٍ على أداء فعلٍ مُعينٍ لتحقيق هدفٍ ما، يأتي بعد ذلك العزم بالعمل على تجاوز كُل الصُعوبات والتحديات والعوائق للوصول إلى ذلك الهدف. ثم يأتي "الإصرار" مُكملاً ومُثبتاً للإرادة والعزم، ويظهر في الاستمرار في التقدم وعدم الاستسلام حتى يتحقق الهدف.

 

ويرى العُلماء إن من الوسائل المُعينة على (قُوة العزيمة) التوكل على الله وحُسن الظن به؛ فمن آثار عقيدة التوحيد في نفس المؤمن قُوة الإرادة والصبر والثبات؛ لعلمه أن الله معه وأنه مُؤيده وناصره. وكذلك الدُعاء؛ فقد كان من دُعاء النبي صلى الله عليه وسلم [اللَّهمَّ! إنِّي أسألُك الثَّباتَ في الأمرِ، والعزيمةَ على الرُّشدِ]. وكذلك الاقتداء بأقوياء العزيمة وذوي الهمم العالية ومُصاحبتهم؛ فالمرء على دِين خليله.

وأيضاً المُسارعة في التنفيذ، وعدم التردد بعد عقد العزم على العمل.

 

يُقال: إن الإرادة هي ما يدفعك للخُطوة الأولى على طريق الكفاح، و(قُوة العزيمة) هي ما يُبقيك على هذا الطريق حتى النهاية. ويُقال أيضاً: لا تجعل العوائق تُوقف مسيرتك، إذا واجهتَ حائطاً فلا تستدر لتعود خائباً، عليك أن تُحاول تسلقه، أو المرور من خلاله، أو حتى الالتفاف من حوله. ويُقال كذلك لا تتحقق الأعمال بالتمنيات، إنما بالإرادة تُصنَع المُعجزات.

 

ويقول الشاعر:

بِقَدْرِ الكَدِّ تَكْتَسِبُ المَعَالي

ومَن طَلَبَ العُلا سَهَرَ الليالي

ومَن رَامَ العُلا مِن غَيرِ كَدٍ

أضَاعَ العُمْرَ في طَلَبِ المُحَالِ

تَرُومُ العِزَ ثُمَّ تَنَامُ لَيْلاً

يَغُوصُ البَحْرُ مَن طَلَبَ اللآلي

ويقول آخر:

ومَا نَيْلُ المَطالِبِ بِالتَمَني

ولَكِنْ تُؤخَذُ الدُنْيا غِلابَا

ومَا استَعْصَى عَلَى قَوْمٍ مَنالٌ

إذا الإقْدَامُ كَانَ لَهُم رِكَابَا

 

أحبتي.. أنصح نفسي وإياكم بأن نظل دائماً -مهما كانت أعمارنا- في حالة بحثٍ عن عملٍ مُفيدٍ لنا، في دِيننا ودُنيانا، نجعله هدفاً لنا ونضع خطةً لتنفيذه، ونتوكل على الله؛ ليكون لنا مُعيناً وموفِّقاً، لا نتردد ولا نُسوِّف، لا نجعل كِبَر السن عائقاً لنا، ولا نتعلل بمرضٍ، ولتكن لنا عبرةٌ في قصة الدكتورة «آمال» وأمثالها من الذين كانت (قُوة العزيمة) سر نجاحهم، وسبب تفوقهم.

اللهم اجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآتنا ما وعدتنا وبَشَّرتنا به في قولك: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.

https://tinyurl.com/2c9g6umc

الجمعة، 17 يوليو 2026

شر الحسد

 

خاطرة الجمعة /560

الجمعة 17 يوليو 2026م

(شر الحسد)

 

هذه قصةٌ حقيقيةٌ ترويها صاحبتها فتقول:

أنا فتاةٌ أبلغ من العُمر اثنين وعشرين عاماً، طالبةٌ بكلية التجارة، كُنتُ مُتفوقةً حتى أن مجموع درجاتي في الثانوية العامة كان عالياً للغاية؛ وكان يؤهلني لدخول كُلية الطب، لكني اخترتُ كُلية التجارة بسبب سوء أحوالنا المادية؛ فأنا الابنة الكبرى، ولدي أربعة إخوةٍ غيري، يعمل والدي حارس عمارةٍ بإحدى المناطق الراقية بمدينة «القاهرة»، أما عن والدتي فهي تُساعده في تحمل تكاليف المعيشة الباهظة، تُنظف شُقق العمارة، وكثيراً ما كُنتُ أذهب معها لأُساعدها في ذلك، لكني لم أذهب يوماً معها للتخفيف عنها، بل كُنتُ أذهب معها لأشعر -ولو لساعاتٍ محدودةٍ- أنني مثل هؤلاء الأشخاص الذين يعيشون حياة الترف؛ فقد كُنتُ أعيش ذلك في أحلامي، وكُلما ذهبتُ مع والدتي لأُنظف معها تهيأ لي أننا مُلاك الشقة الأصليين، وأننا نُنظف منزلنا ليس إلا. كُنتُ دائماً أُؤرق عيشي بالسؤال: لماذا هُم يعيشون ويرفهون، ونحن لا نمتلك قُوت يومنا؟ نحن لأيامٍ كثيرةٍ لا نمتلك حقاً قُوت يومنا، لماذا أتعب وأُنهك كُل طاقتي وأحصل على مجموعٍ يؤهلني لدخول كُليةٍ من كُليات القمة كالطب ولا أتمكن من تحقيق حُلم عُمري بسبب الظروف المادية؟ دائماً ما كانت تجول بخاطري هذه الأفكار، لدرجة أنني كُنتُ أحقد على الناس جميعاً!

في أحد الأيام تلقى والدي اتصالاً يُفيد بأن أصحاب العمارة سيعودون للبلاد، حيث كانوا مُقيمين بإحدى الدول العربية لمدة طويلةٍ، وقرروا العودة للوطن للاستقرار فيه؛ فذهبنا -أنا ووالدتي- لتنظيف شقتهم، ويا لها من شقةٍ، لقد كان كُل شيءٍ بها يعجز عقلي عن تصديقه، كُل شيءٍ بها تتمناه أي نفسٍ بشريةٍ. وكان لصاحب العمارة وزوجته ابنٌ وابنةٌ، رتبنا غُرف الأبناء أولاً، ثُم رتبنا ونظفنا بقية الغُرف. كان كُل شيءٍ جميلاً وبراقاً، لم أرَ طوال حياتي غرفةً جميلةً مثل غرفة تلك الفتاة. عبأت والدتي الثلاجة الصغيرة الخاصة بالفتاة بأنواعٍ مُتعددةٍ من الفاكهة والشوكولاتة والعصائر، إضافةً إلى الثلاجة الكبيرة الخاصة بالمنزل تنفيذاً للأوامر. كما قامت والدتي بطهو طعامٍ يحرم علينا تناول أي شيءٍ منه، وعندما انتهت من إعداده نادت عليّ فوجدتني نائمةً على سرير الفتاة، أيقظتني بعدما نفضت جسدي كاملاً، وأول ما استيقظتُ وبختني كثيراً وقالت لي: "ارضِ بما قسمه الله لكِ، ولا تُتعبي عينيكِ بالنظر طويلاً للأعلى!”. أعادت والدتي ترتيب السرير وكأن من ستنام عليه أفضل مني. وأول ما انتهينا رجعنا منزلنا، والذي هو حجرةٌ واحدةٌ وصالةٌ ومطبخٌ وحمَّامٌ، لا يوجد لدينا إلا سريرٌ واحدٌ؛ سرير والدايّ، وأريكةٌ واحدةٌ إذا جلستَ عليها تجد عظامكَ تشكو منكَ وتدعو عليكَ في آنٍ واحدٍ! وقبل أن نستريح سمعتُ صوت سيارةٍ، خرج على الفور والدي، بالتأكيد هو مالك العمارة وأُسرته، أحببتُ أن أراه لا حباً فيه، بل بدافع الفُضول، خرجتُ مُسرعةً وجدتُ والدي يُنزِّل الحقائب من السيارة، ووجدتُ رجلاً يُناهز عُمره الستين عاماً وزوجته عُمرها يُقارب الخمسين أو يزيد، ولديه ابنٌ في العشرينات من عُمره، وابنةٌ جميلةٌ للغاية، لا أستطيع أن أصف روعة الملابس التي ترتديها، وعلى الرغم من جمال ملابسها، والمُجوهرات التي ترتديها، إلا أن جمال الفتاة يُغطي على كُل ذلك، فجمالها يُزيِّن ما ترتدي وليس العكس. حقيقةً كانت «حسناء» وأخوها «حسن» اسمين على مُسمىً، وكانا في قمة التواضع، فعلى الرغم من كُل أموال والدهما وحياة الترف التي يتمتعان بها، إلا أنهما يمتلكان طيبة القلب والعفوية والبراءة. كانت «حسناء» كُل يومٍ يمر تُقربني فيه إليها أكثر فأكثر، كانت تُعطيني من ملابسها، وتُطعمني مما تأكل، خاصةً أنها عندما عادت للبلاد التحقت بكُلية التجارة -نفس الكُلية التي ارتادها- لقد كُنا ندرس بنفس القسم أيضاً. كانت كُل يومٍ تُخزي نفسي اللئيمة بطيبة قلبها وحُسن خلقها، ولكني ما زلتُ أشعر بنيران الحقد والحسد بداخلي تجاهها. وفي أحد الأيام جاءت تحمل لي بُشرى سارةً -على حد قولها- أخبرتني بخبرٍ قصم روحي وكان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير؛ لقد أخبرتني بأن المُعيد الذي يُدرِّس لنا صارحها بمشاعره تجاهها، ويُريد أن يعرف رأيها فيه قبل أن يتقدم بطلب الزواج منها، إنه الشخص الذي لطالما أحببتُه أنا ورسمتُ أحلاماً كثيرةً معه، لقد ضاقت بيّ الحياة ذرعاً، واشتعلت نار الحقد والحسد في صدري، لم يعد هناك شيءٌٍ يمنعني من إيذائها، حتى وإن كان لن يتقدم المُعيد الذي أُحبه بطلب الزواج بي؛ فكيف يقبل بالارتباط بابنة حارس عمارة؟ وبدأت نفسي الأمارة بالسوء في تحويل طاقة الحسد المشتعلة في صدري إلى خطةٍ لإيذاء «حسناء»؛ تحججتُ بحجةٍ واهيةٍ وأخذتُ منها هاتفها وأنشأتُ صفحةً على «الفيس بوك» برقم هاتفها وباسمها الحقيقي، بل وبالإشارة إلى الحي الذي تعيش فيه أيضاً، جعلتُ الصفحة تبدو وكأنها خاصةً بفتاة ليلٍ، ألصقتُ بها الكثير من الصور الجريئة والمُخلة أيضاً، وانهالت الرسائل على الصفحة، وكُنتُ أرد أنا على تلك الرسائل بردودٍ جريئةٍ باسم «حسناء»، وهي غافلةٌ لا تعلم شيئاً من كل ذلك. لم أكتفِ بذلك؛ بل قُمتُ بنسخ كُل المُحادثات وأرسلتها للمُعيد الذي يُريد أن يتزوجها، وكانت الفضيحة قويةً، خاصةً أنني قبلتُ -باسم «حسناء»- صداقات شبابٍ من الحي الذي نسكن به؛ فكانت تصل إليها رسائل نصيةٍ فاجرةٌ على هاتفها الذي أنشأتُ به الصفحة، وكانت كُل يومٍ تنهار أكثر من اليوم الذي يسبقه، ونظراً لسوء حالتها النفسية اضطُر والدها لترك العمارة، بل وغادر مع أُسرته الحي كُله، وذهبوا إلى مكانٍ بعيدٍ لا يعرفهم فيه أحدٌ للعيش به، كما أن «حسناء» اضطُرت إلى ترك الدراسة كُلياً، واضطُررتُ أنا للعمل لتحمل مصاريفي الشخصية؛ فعندما كُنتُ معها لم أكن أحمل أي همٍ بالحياة؛ فقد كانت تتحمل جميع مصاريفي. اضطُررتُ للعمل بعد إنهائي جميع مُحاضراتي بالجامعة. وبمرور الأيام نسيتُ «حسناء» تماماً، ونسيتُ كل تفاصيل حياتي معها، وتعايشتُ مع واقعي الجديد، كُنتُ مُجدةً للغاية في دراستي وفي عملي، الأغرب من كُل ذلك أنني لم أشعر بالذنب حيالها بالمرة، لقد كان شعوري بمثابة الانتصار عليها، وتحقيق رغبتي الدفينة في أن أحرم هذه الفتاة من شيءٍ واحدٍ تمنته ولم تحصل عليه!

وفي أحد الأيام تأخرتُ في عملي وأنا عائدةٌ في طريقي للمنزل، لاحظتُ سيارةً بها مجموعةٌ من الشباب تتبعني، وفجأةً توقفت السيارة وخرج منها ثلاثة من الشباب فاقدي الوعي مُغيبين تحت تأثير المُخدرات، اقتربوا مني، شُلَّت حركتي، ولم أتذكر حينها إلا ذنب الفتاة البريئة التي لطختُ شرفها ووصمتُها بالعار، أيقنتُ حينها أن الله سُبحانه وتعالى سينتقم مني ومن كُل أفعالي الشنيعة، وما إن ألقوا بي على الأرض وأشبعوني ضرباً إلا وأجد سيارةً تقترب على صوت صرخاتي العالية، ويخرج منها شابٌ بيده سلاحٌ أطلق منه رصاصةً في الهواء؛ فتركني هؤلاء الشباب ولاذوا بالفرار. عندما اقترب مني الشاب ليطمئن عليّ فوجئتُ أنه «حسن» أخو «حسناء»، اشتد عليّ تعذيب ضميري؛ أنا أُلطخ سمعة أُخته، وهو يُنقذ سُمعتي وشرفي من الضياع! فقدتُ صوابي من هول المُفاجأة، ذهب «حسن» بي إلى أقرب مُستشفى، وهناك قدمت «حسناء» التي تعتبرني أُختها الوحيدة التي لم تُرزق بها من والديها، ظلت بجواري هي وأخوها طوال الليل، وكُلما استيقظتُ وجدتُها بجواري، والتمستُ منها الحنان الحقيقي الخارج من قلبها دون تكلفٍ. ساءت حالتي أكثر من السابق، وقد كان اعتقاد الجميع أن سُوء حالتي مما تعرضتُ له، لكنه كان بسبب ضميري الذي استيقظ مُؤخراً، فقد أعمت قلبي نيران الحسد والغيرة والحقد على فتاةٍ طيبة القلب لا تستحق إلا كُل الخير، بفعلتي جعلتها تخشى أن تُواجه المُجتمع، والآن هي الوحيدة التي تقف بجانبي، ولا أجرؤ على الاعتراف لها بفعلتي القبيحة وإعلان براءتها. عُدتُ إلى دراستي، أما عن العمل فقد منعتني هي من الذهاب إليه مُجدداً خوفاً مما يمكن أن يحدث لي مرةً أُخرى، كانت تبعث لي براتبٍ شهريٍ يكفيني ويزيد عن كُل احتياجاتي. وذات يومٍ اتصلت عليّ والدتها وطلبت مني الحضور إليها على الفور، وعندما وصلتُ إلى منزلهم الجديد وجدتُ «حسناء» تُصلي، وأطالت السجود حتى أنها لم ترفع رأسها منه، قلقنا عليها فذهبتُ مُسرعةً إليها ورفعتها وجدتها فاقدةً للوعي، لقد استدعتني والدتها نظراً لأن ابنتها الوحيدة كانت حزينةً للغاية؛ فظنت أن بإمكاني إخراجها من حالة الحُزن التي استولت عليها. بعدها علمتُ أن الفتاة كانت مُصابةً بمرضٍ خطيرٍ، كان لديها سرطانٌ بالدم، وتعالجت منه في الخارج قبل عودتها إلى البلاد، وشفيت منه تماماً، لكن نظراً للظروف الأخيرة التي مرَّت بها، وما عانته من مآسٍ وأحزانٍ كنتُ أنا السبب فيها عاد إليها المرض من جديدٍ. تقطع قلبي عليها، يا ليتني لم أفعل بها مكروهاً، لقد كانت هذه الفتاة المسكينة تُصارع الحياة، وكُنتُ أحسدها على ما لا تُحسد عليه. تُوفيت «حسناء» وهي في حُضني بعدما اعترفت لي بكمية الحُب الذي كان في قلبها للمُعيد، وأنها تمنت أن تتزوج به وتُنجب طفلاً وتسمع كلمة ماما، ويا لتعاسة قلبي عندما علمتُ أنها أوصت بكُل مُجوهراتها وأموالها بالبنك لي! رغم أنني كُنتُ السبب الأساسي في موتها!

 

أحبتي في الله.. أنهت صاحبة القصة روايتها بالقول: "الحقيقة أن الحاسد يأكل نفسه أولاً قبل أن يأكل من يحسده، إن الحسد أعظم آفةٍ يُمكن أن تأكل قلب الإنسان. وأنا أكتب لكم الآن قصتي لتأخذوا منها العبرة؛ فأنا في أشد حالات الندم، وأدعو الله في كل لحظةٍ أن يتقبل توبتي ويغفر لي ويرحمني، وأن يُخفف عني عذاب الضمير الذي يلازمني ويُفسد عليّ حياتي".

 

يقول العُلماء إن الحسد هو أن يتمنى الحاسد زوال نعمة المحسود، وهو حرامٌ بإجماع الأُمة، لأن فيه اعتراضاً على الله سُبحانه وتعالى، ومُعاندةً له، ومُحاولةً لنقض ما فعله وإزالة فضل الله عمن أهلَّه له. والحسد من أسوأ الطباع؛ يقول تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ . مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ . وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ . وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ . وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ قال المُفسرون إن الله سُبحانه وتعالى أمرَّ نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالتعوذ من شر الحاسد ومن (شر الحسد)؛ فقد جَمَعَ الشُرور في هذه الآيات، وختمها بالحسد لِيُعْلَمَ أنَّه أخسُّ الطباع؛ فما أضعف الحاسد؛ يُذيب الغِل قلبه كما تُذيب النار الحديد وتصهره، يتمنى زوال النعمة عن أخيه، وينسى أن الأرزاق مقسومةٌ، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء؛ يقول سُبحانَه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وهذا هو الحَسَدُ الذي ذمَّه اللَّهُ؛ بقوله عَزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ فهو نهيٌ عن أن يتمَنَّى الإنسانُ ما فضَّل اللَّهُ به غيرَه من النَّاسِ عليه؛ فإنَّ في ذلك نوعاً من عَدَمِ الرِّضا بالقِسمةِ التي قسَمَها اللَّهُ بَيْنَ عبادِه على مُقتضى إرادتِه وحِكمتِه البالغةِ، وفيه أيضاً نوعٌ من الحَسَدِ المنهيِّ عنه إذا صَحِبته إرادةُ زوالِ تلك النِّعمةِ عن الغيرِ.

 

قيل إن الحَسَدُ أوَّلُ ذَنبٍ عُصِيَ اللَّهُ به في السَّماءِ، وأوَّلُ ذَنبٍ عُصِيَ به في الأرضِ؛ فأمَّا في السَّماءِ فحَسَدُ إبليسَ لآدَمَ، وأمَّا في الأرضِ فحَسَدُ قابيلَ لهابيلَ. وإن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب، فيه ضررٌ على الحاسد في الدُنيا والدِين؛ فالحاسد سخط بحسده على قضاء الله تعالى، وكَرِهَ نعمته التي قسمها بين عباده، وعدله الذي أقامه في مُلكه بخَفيّ حكمته، فاستنكر ذلك وكفى بهذا جنايةً على الدِين. والحاسد يتضرر في الدُنيا؛ فهو يتألم بحسده، ولا يزال في كمدٍ وغمٍ، ولا يزال يتعذب بكل نعمةٍ يراها عند مَن حسدهم.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تَحاسَدوا، ولا تَناجَشوا، ولا تَباغَضوا، ولا تَدابَروا، ..]، وعندما سُئل: يا رَسولَ اللهِ! أيُّ النَّاسِ أفضَلُ؟ قال عليه الصلاة والسلام: [كلُّ مخمومِ القلبِ صدوقِ اللسانِ]، قالوا: صَدوقُ اللِّسانِ نَعرِفُه، فما مخمومُ القَلبِ؟ قال: [هو التقيُّ النقيُّ، لا إثمَ فيه، ولا بغيَ، ولا غِلَّ، ولا حسدَ].

 

ويقول أهل العِلم إن كان الحسد مجازياً، بمعنى الغِبْطَة، فإنه محمودٌ في الطاعة، ويبدو ذلك واضحاً في قوله صلى الله عليه وسلم: [لا حَسَدَ إلَّا في اثنَتَينِ: رَجُلٌ عَلَّمَه اللهُ القُرآنَ، فهو يَتلوه آناءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ، فسَمِعَه جارٌ له، فقال: لَيتَني أوتيتُ مِثلَ ما أوتيَ فُلانٌ، فعَمِلتُ مِثلَ ما يَعمَلُ، ورَجُلٌ آتاه اللهُ مالًا فهو يُهلِكُه في الحَقِّ، فقال رَجُلٌ: لَيتَني أوتيتُ مِثلَ ما أوتيَ فُلانٌ، فعَمِلتُ مِثلَ ما يَعمَلُ].

ويقول أحد العارفين: إن الحسد لا يضر المحسود، بقدر ما يفتك بصاحبه؛ يملأ صدره ضِيقاً، ويغمر قلبه ظُلمةً، حتى يُطفئ فيه نور الرضا والإيمان؛ فكيف يهنأ الحاسد بعيشٍ، وقد جعل قلبه سجناً للنقمة على غيره وسُوء الظن بربه جلَّ في عُلاه؟!

 

وعن (شر الحسد) يقول الشاعر:

ألَا قُلْ لمَن كان لي حاسِدًا

أتدري على مَن أسأتَ الأدَبْ

أسأتَ على اللَّهِ في فِعْلِهِ

لأنَّك لم تَرْضَ لي ما وَهَبْ

فأخزاكَ عنه بأنْ زادني

وسَدَّ عليكَ وجوهَ الطَّلَبْ

وقال آخر:

اصبِرْ على حَسَدِ الحَسودِ

فإنَّ صَبْرَك قاتِلُه

النَّارُ تأكُلُ بَعضَها

إنْ لم تجِدْ ما تأكُلُه

 

أحبتي.. يقالُ إن الحسد داءٌ عُضالٌ يفتك بالصدور، ويُدمِّر العلاقات، ويُميت القلوب، ويشحن النفوس بالبغضاء، وهو صفةٌ مذمومةٌ شرعاً وعقلاً. والحاسد شخصٌ بغيضٌ مكروهٌ ينفر منه الجميع، حتى أقرب الناس إليه لا يُجالسونه ولا يقعدون معه، ويجتنبونه إذا تكلموا ولا يُسرِّون إليه بحديثٍ من أحاديثهم أبداً، ولا يتقرب منه أحدٌ خشيةً على نفسه من أن يحسده؛ فعلى الحاسد أن يتوقف عن الحسد فوراً، ويتوب إلى الله توبةً نصوحاً، ويتقي الله في نفسه وفي غيره، عسى أن يقبل الله توبته، ويبدِّل سيئاته حسنات؛ يقول تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾.

أما المحسود، ومن يخاف على نفسه وأهله من (شر الحسد)، فعليه الإكثار من التعوذ، بقراءة المُعوذتين، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وقراءة القرآن بصفةٍ عامةٍ، والإكثار من الدُعاء والأذكار والتعوذات النبوية من نحو: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.

نسأل الله تعالى أن يُطهِّر قلوبنا جميعاً من الحسد، وأن يُبعد عنا شر الحاسدين، و(شر الحسد).

 

https://www.facebook.com/share/198t8X9fdH/?mibextid=wwXIfr

 

الجمعة، 10 يوليو 2026

سُنة الابتلاء

 

خاطرة الجمعة /559

الجمعة 10 يوليو 2026م

(سُنة الابتلاء)

 

هذه الخاطرة أهديها إلى كُل مَن قهرته الظُروف، وأحس أن البلاء قد أحاط به من كُل جانبٍ. إلى كُل مَن صارت أحواله تسير من سيءٍ إلى أسوأ. إلى مَن يظن أنه لا يوجد على وجه الأرض مَن يُعاني مثله، ومَن يُظلَم مثله، ومَن يقف وحيداً يُواجه القسوة والظُلم والإهانة والذُل بلا حدودٍ مثله.

طفلةٌ يتيمةٌ مرَّت بحياةٍ أليمةٍ تُخبرنا بقصتها من البداية فتقول:

عشتُ يتيمة الأُم مُنذ كنتُ في الرابعة من عُمري، فعرفتُ طعم الفقد ووجع الحرمان وانكسار الروح، حين أرى كُل طفلةٍ تُمسك بيد والدتها في المُناسبات الاجتماعية والأعياد، أو حين تمسح أُمٌ فوق رأس ابنتها بحنانٍ بالغٍ، أو حين تُزيد البنت الدلال على والدتها فتحضنها بكُل حُبٍ. لم يؤثر رحيل والدتي كثيراً على والدي؛ فقد تزوج بعد وفاتها بشهرٍ واحدٍ بامرأةٍ، لو كان لي الخيار لما صنفتها من عالم البشر، ذُقتُ على يديها كُل ألوان العذاب في ظل صمتٍ مُطبقٍ من والدي! من فرط قسوتها كُنتُ أتمنى الموت كُل ساعةٍ حتى صار من أجمل أحلامي. كُنتُ آخر فردٍ ينام ليلاً، وأول من ينهض من فراشه صباحاً، حتى الشاي والفطور كُنتُ أقوم بإعدادهما قبل ذهابي إلى المدرسة.

لم تكن عقارب الساعة تمر سريعاً؛ بل كُنتُ في أحيانٍ كثيرةٍ أشك أن نفس اليوم يتكرر ثلاث مراتٍ من طول ساعاته التي لم تكن تمضي أبداً. كُنتُ أشعر كأن أضلعي يجثم فوقها ألف جبلٍ وجبلٍ، وأن صدى صرخاتي التي تتلوى وجعاً ترتد نحو حلقي فلا يسمعها سواي. كُنتُ حقاً أختنق. لكن ورغم كُل ما كُنتُ أُعانيه من ظلمٍ وقسوةٍ ويُتْمٍ، كان عزائي الوحيد الدراسة؛ حيث تفوقتُ فيها إلى الدرجة التي أثارت غيرة أخواتي من أبي؛ مما دفع زوجته لإخراجي من المدرسة وأنا في الصف الأول ثانوي. انكسرت روحي كما ينكسر فنجان قهوةٍ إلى أشلاء صغيرةٍ! انسلختُ عن نفسي حتى لم أعد أدري من أنا، أحسستُ أن جزَّاراً سلخ جلدي مثلما يسلخ جلد الذبيحة ورمى به بعيداً فأصبحتُ لا أعرفني! انكسار روحٍ، انسلاخ نفسٍ! ماذا تبَّقى لي حتى أتمسك بحياتي البائسة؟ فكرتُ بالانتحار لكني خفتُ من غضب الله.

لم تتوقف مُحاولات زوجة أبي في إذلالي، وزرع الإحساس في داخلي بأني لستُ إنسانةً، كأنما وظيفتها في الحياة مُحاولة وأْدي. وكان لها شقيقٌ يُعاني من تخلفٍ عقليٍ وعاهةٍ بدنيةٍ ولا يستطيع النُطق، لا أدري كيف أقنعتْ والدي والمأذون والناس جميعاً بمُوافقتي على الارتباط به؟! حاولتُ بشتى السُبل الاعتراض، ولكن لا حياة لمن تُنادي. هددتُها بالهرب فهددتني بالقتل، ولأني كُنتُ مُجرد فتاةٍ يتيمةٍ خائفةٍ مُستضعفةٍ لا يُنصتُ إليها أحدٌ، ولا يستمع لصدى صُراخها أحدٌ؛ فقد استسلمتُ، لأنه الخيار الوحيد المُتاح لي في ذلك الوقت. وتم زفافي إليه في ملحمةٍ إنسانيةٍ بائسةٍ كان فيها الزوج لا يعلم حتى عما يدور حوله، عُش الزوجية مُجرد غُرفةٍ في سطح منزلنا كان في الأصل عُشة حمامٍ! لم تكن مُعاملتها لشقيقها تتصف بالإنسانية إطلاقاً؛ فقد كانت تضربه بشدةٍ وبلا أدني رحمةٍ، حين يُبعثر الطعام أو يصرخ بقوةٍ أو يُضايق إحدى بناتها المُدللات. لم يكن اهتمامها به بعد وفاة والديها ناتجاً من محبتها له، بل حتى لا يتكلم الناس عنها بسوءٍ، هذا ما ظننته في البداية قبل أن أكتشف الحقيقة التي صعقتني فيما بعد. سوء مُعاملتها له دفعني للإشفاق عليه، شعرتُ أنني وإياه نتقاسم قسوة الحياة وظُلم البشر وسوداوية الظُروف وبؤس الأيام وعدم وجود السند والحضن الدافئ والمشاعر الإنسانية. بدأتُ في تقبله، لا كزوجٍ بل كطفلٍ كبيرٍ يحتاجني ويشعر بالأمان بقُربي؛ فقمتُ بمحاولاتٍ لتهذيب عاداته وطبائعه، وشعرتُ بمشاعر الأمومة نحوه! ومرَّت خمس سنواتٍ من عُمري وشبابي الضائع ومشاعري المُستنزفة قبل أن يحدث التغيير الأول في حياتي؛ فذات مساءٍ أُصيب زوجي بتشنجٍ حادٍ لم تنفع معه كل مُحاولات الأطباء، فتُوفي خلال أُسبوعٍ، واختلطتْ مشاعري؛ فلم أعد أعرف هل أحزن على رحيله؟ أم أفرح لنهاية قصتي معه؟ وعرفتُ فيما بعد سر تمسك زوجة والدي ببقاء أخيها عندها؛ فقد علمتُ أن زوجي المُتخلف عقلياً قد ورث عن والديه مبلغاً كبيراً، وقد استماتت لإخفاء هذه المعلومة عني وعن الجميع، ثم استماتت من أجل حرماني من الميراث، ونجحت في ذلك؛ فأصبحتُ أنا مثل الفاشل الذي عاد بخفيّ حُنين، فقدتُ كُل شيءٍ! أُصبتُ بالاكتئاب الشديد وأنا أرى حياتي مثل مسبحةٍ بيد أحدهم يهزها يميناً وشِمالاً فتتأرجح في كل اتجاهٍ! أصبحتْ أسوار السوداوية والفشل والحُزن والإحباط ترتفع من حولي يوماً بعد يومٍ حتى تكاد تخنقني، مرَّت سنةٌ بائسةٌ أُخرى بعد وفاة زوجي، كانت فيها كل أحلامي بإكمال دراستي تتهاوى أمام ناظري، أصبحتُ مُجرد خادمةٍ لزوجة أبي وبناتها، إلى أن حدث التغيير الرئيسي في حياتي؛ إذ تقدم لخطبتي أرملٌ في الستين من عُمره يفصل بيني وبينه 39 عاماً، وسبعةٌ من الأبناء أصغرهم في مثل عُمري! رفضتُ وصرختُ ولكن كما ذهب صدى صوتي أدراج الرياح المرة السابقة هكذا حدث في المرة الثانية. أمواله وعقاراته كانت الطُعم الذي أسال لُعاب أبي وزوجته، وتم زفافي إليه وكُنتُ أشعر أني مثل نعجةٍ تُساق إلى المذبح. وفي ليلة الزفاف ذهبتُ معه إلى منزله ودخلته لأول مرةٍ. لم يلفت نظري فخامة منزله وأثاثه، وجمال اللوحات والإضاءات المُذهبة، ولا السجاد الثمين، والتحف الغريبة! كُنتُ أُنصتُ لحظتها لضجيج الألم في داخلي، للأفكار السوداوية التي تعتصر عقلي، للغُبن الذي يضج بين أضلعي، لشريط حياتي البائس وهو يمر بالحركة البطيئة أمام ناظري. وحين أصبحتُ معه وحدنا في الغُرفة تحدث معي بحنانٍ بالغٍ ومشاعر دافئةٍ افتقدتها، حتى أصبحتُ أشك في كوني كائناً بشرياً، فشعرتُ بدموعي تتدافع سراعاً، وجسدي يرتجف بخوفٍ، ولأول مرةٍ في حياتي يحتضني أحدٌ بمثل هذا الحُب والرفق والصدق، عرفتُ منه أنه ظل وفياً لزوجته طوال فترة مرضها التي امتدت لعشر سنواتٍ، أخبرته بكل حكايتي، كانت دموعه تختلط بلحيته البيضاء القصيرة، ونظرات الذُهول ترتسم بعينيه وهو يقول: "كيف صبرتِ على كُل هذا الأذى؟!". مرَّت الأيام، وفي كل يومٍ كانت العلاقة تزداد متانةً بيني وبينه، حتى أحببته من كُل قلبي، وشكرتُ الله تعالى الذي أرسله لي بعد كُل العناء والألم الذي مررتُ به في حياتي. وكان من دروس الحياة التي تعلمتها في تلك اللحظة التي تشعر فيها أن الجميع تخلى عنك، وأنك تقبع في دهليزٍ مُظلمٍ وحيداً تلعق جراحك بكثيرٍ من المرارة؛ سيمسح الله على قلبك برفقٍ، وسينير لك طريقاً مُظلماً ما ظننتَ يوماً أنه سينير. أحببتُ أبناءه وأحبوني وكأني أختٌ لهم، ولأول مرةٍ أيضاً أشعر بروح العائلة وجمال الدفء فيها؛ تَشاركنا مع بعضنا جمال الأيام ولحظات السعادة وساعات الإنصات والاهتمام. عرفتُ مع زوجي وأبنائه معنى ليالي رمضان الجميلة ولذة الإفطار مع بعضنا، وبهجة الأعياد، ولمة العائلة، واجتماع الأهل، وروعة السفر مع أُناسٍ أُحبهم ويحبوني. ومرَّت السنوات مع زوجي الحبيب مثل حلمٍ جميلٍ لم أرغب أبداً في أن أصحو منه. كُنتُ أحياناً أضع يدي أمام أنفه لأرى إن كان يتنفس أم لا؟ خشيتُ أن أفقده، وأن أعود إلى تلك النُقطة السوداء التي لا تُشعرني بإنسانيتي، لم يكن مُجرد زوجٍ؛ بل كان مُلهمي ومُعلمي وأبي وحبيبي وكل شيءٍ لي في هذه الحياة، أنجبتُ منه ثلاثة أبناء، وبمُساندته أكملتُ تعليمي الثانوي والجامعي، ثم حصلتُ على الماجستير والدكتوراه! لكن من قال إن تلك السنوات التي نرتشف منها السعادة تدوم؟ وأن تلك اللحظات التي نقضيها بجوار من نُحب يُمكن أن تستمر إلى الأبد؟ إنها حكمة الله، وسُنته في الحياة؛ لا يجعلها تسير على وتيرةٍ واحدةٍ، وأقداره التي يجب أن نكون راضين بها تمام الرضى، سيُرسل الله لكَ لحظاتٍ صعبةٍ يختبر فيها قُدرتكَ على الصُمود، وحُسن ظنكَ به، وثقتكَ فيه، وجاءت تلك اللحظة التي كُنتُ أخاف فيها أن أفقده. مرِضَ زوجي مرضاً لم يُمهله سوى شهرٍ واحدٍ، وقبل أن يرحل عن عالمنا بعد 17 عاماً من زواجنا طلب مني أن أقطع له وعداً بأن أكون قويةً ولا تكسرني الظُروف والأيام، وأن أكون تلك المرأة التي عرفها، التي تحدَّت نفسها بفضل الله ونهضت من جديدٍ، تلك المرأة التي كانت مُجرد حُطامٍ حين اقترن بها، وها هي اليوم بعد كُل ما حصلتْ عليه وحققته تقف على قدميها من جديدٍ. وعدتُه بكُل صدقٍ. ورحل زوجي، ووفيتُ بوعدي له، وطاردتُ أحلامي، لم أعد تلك اليتيمة المُستضعفة؛ افتتحتُ مشروعي التعليمي الخاص، ونجحتُ نجاحاً باهراً، والآن أبناء زوجي وأبنائي هُم الثروة الحقيقية لي، لقد عوضني الله خيراً. وحين أستعرض أحياناً حياتي السابقة البائسة، أعود من جديدٍ لأتذكر جيداً أني طوال فترة وجودي في منزلنا القديم لم أفقد أبداً حُسن ظني بالله سُبحانه وتعالى، نعم كُنتُ أحياناً أضعف لكني كُنتُ دوماً -وبلا قنوطٍ أو توقفٍ- أدعو، وأدعو، وأدعو. وكُلما احتدمتْ الغيوم السوداء في سماء حياتي كُنتُ أشعر أن الله عزَّ وجلَّ يُدبِّر لي خيراً في قادم أيامي، كُنتُ أثق بعدالة ربي، وأن كُل الظُلم الذي وقع عليّ من زوجة والدي وبناتها، وحياة اليُتم المريرة التي عشتُها، سيُبدِّلها الله حياةً خيراً منها، وسيمسح على روحي برحمته، وسيرسل فرحاً يغشى قلبي حتى يُنسيه ما كان.

 

أحبتي في الله.. عقَّبت صاحبة القصة على حكايتها بقولها:

مهما كُنتَ تعيش أحداثاً سيئةً الآن، سواءً انكساراً داخلياً، أو فقداناً لعزيزٍ، أو شُحاً بالمال، أو تعثراً نفسياً، أو فشلاً لمشروعٍ، أو انهياراً لعلاقةٍ ما، أو تشعر أن زمام الأُمور يُفلتُ من بين يديك؛ فلا تيأس من رحمة ربك، ادعُ دُعاء المُضطر من قلبك، وأحسِن الظن به، وحدِّثه عن مشاعرك، أحاسيسك، خيبات أملك، عن الضيق الذي تمر به، عن أحلامك المكسورة، عن أُمنياتك الضائعة، عن الوجع الذي بداخلك، فضفض له بكُل ما تشعر به، وحين تنتهي توَّسل إليه أن يُرمِّم روحك، أن يُعوضك خيراً، أن يفتح لك خزائن رزقه ورحمته، وستشعر بعدها بالراحة التامة، والهدوء والسكينة يتسللان إلى قلبك المُتعَب، ولا تيأس إن تأخرتْ الإجابة؛ فأشد أوقات الليل ظُلمةً هي قبل انبلاج الفجر وانتشار ضيائه.

 

يقول العُلماء إن لفظ "الابتلاء" بمُشتقاته ورد في القُرآن الكريم في ثمانيةٍ وثلاثين موضعاً؛ جاء في ثلاثين منها بصيغة الفعل؛ من ذلك قوله عزَّ وجلَّ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وورد في ثمانية مواضع بصيغة الاسم؛ من ذلك قوله سُبحانه: ﴿وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾، وإن أكثر ما ورد في القُرآن الكريم منها كان بمعنى الاختبار والامتحان، وورد بدرجةٍ أقل بمعنى النعمة والمنحة، وجاء في بعض المواضع بما يحتمل المعنيين.

والدُنيا دار بلاءٍ واختبارٍ وامتحانٍ؛ يقول تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ﴾. ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.

 

يرى أهل العِلم أن (سُنة الابتلاء) يُجريها الله في خَلقه؛ يقول تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ فيبتلي العباد بالخير والشر، وبالشدة والرخاء، وبالصحة والسِقم، وبالغنى والفقر، وبالحلال والحرام، وبالطاعة والمعصية، وبالهدى والضلال، فالعباد يتقلبون بين فتنتين: فتنة الخير، وفتنة الشر؛ لينظر سُبحانه وتعالى إلى صبر عباده وشُكرهم، وليعلم الصادق من الكاذب؛ يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾؛ فالبلاء فيه تمحيصٌ واختبارٌ لمن لزم طريق الحق، وأراد الوصول إلى الجنة، فهي سُنَّةٌ إلهيةٌ مُقدرةٌ على العباد إلى يوم الميعاد، والعبد المؤمن في هذه الحياة الدُنيا، حياته كُلها مليئةٌ بالابتلاءات؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم مُبشرِّاً المؤمن بما يُصيبه: [ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه]. ويقول عليه الصلاة والسلام: [ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسِهِ وولدِهِ ومالِهِ حتَّى يَلقى اللَّهَ وما عليْهِ خطيئةٌ]. وورد في الأثر: "يَودُّ أهلُ العافِيةِ يومَ القيامةِ، حينَ يُعطى أهلُ البلاءِ الثَّوابَ، لو أنَّ جلودَهم كانت قُرِضَت في الدُّنيا بالمَقاريضِ"، كما ورد كذلك: "إنَّ اللهَ إذا أحبَّ عبدًا وأراد أنْ يُصافِيَهُ؛ صبَّ عليهِ البلاءَ صبًّا، وثَجَّهُ عليهِ ثَجًّا؛ فإذا دعا العبدُ قال: يا ربَّاُه! قال اللهُ: لبَّيكَ عبدي! لا تسألُني شيئًا إلا أعطيتُكَ؛ إمَّا أنْ أُعَجِّلَهُ لكَ، وإمَّا أنْ أدَّخرَهُ لكَ".

 

يقول عُلماؤنا إن رب العالمين، له الأمر والتدبير والحكمة والتبديل، يبلوا العباد بما شاء من أمره؛ ليعلم الصادق من الكاذب، والمؤمن من المُنافق، وإن الله تعالى جعل الدُنيا دار ممرٍ وامتحانٍ، وجعل فيها (سُنة الابتلاء) من سُننه الربانية الجارية؛ ذلك أن طبيعة الحياة الدُنيا، وطبيعة البشر فيها تقتضي ألا يخلو المرء فيها من كوارث تُصيبه، وشدائد تحل بساحته؛ فكم منا لم يُخفِق في عملٍ، أو يخيب له أملٌ، أو يُبتلى بموت حبيبٍ، أو يَمرض له بدنٌ، أو يُفقَد منه مالٌ أو ولدٌ، أو يُبتلىَ في قوة تمسكه بدينه، أو غير ذلك مما تفيض به الحياة الدنيا من ابتلاءاتٍ وشدائد وتمحيصات؟

وإذا كان هذا البلاءُ سُنةَ اللهِ تعالى في حياة الناس كافةً، فإن أصحاب الرسالات خاصةً أشدُّ تعرضاً لنكبات الحياة الدُنيا ومحنها؛ فإن رسالة الدعوة التي يحملونها ويدعون إليها تُحارَب من كل اتجاهٍ، فهم يُنادون بالحق فيُقاومهم أنصار الباطل، ويهْدون إلى الخير فيُعاديهم أنصار الشر، ويأمرون بالمعروف فيُخاصمهم أهل المُنكر، وبذلك فهُم يحيون في دوامة الابتلاءات والمحن؛ يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ﴾. وعندما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشد الناس بلاءً؛ قال: [الأنبياءُ ثمَّ الأمثلُ فالأمثَلُ، فيُبتلىَ الرَّجلُ على حسْبِ دينِه، فإن كانَ في دينهِ صلبًا اشتدَّ بلاؤُهُ، وإن كانَ في دينِهِ رقَّةٌ ابتُليَ على حسْبِ دينِه، فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ حتَّى يترُكَهُ يمشي على الأرضِ ما عليْهِ خطيئةٌ]؛ فهذا إبراهيم عليه السلام ابتُليَ من قومه بالمشقة والعنت، وأرادوا قتله بحرقه بالنار، لكن الله تعالى حفظه وأخرجه سليماً؛ لصبره، وثباته على الحق. وقد ابتلاه ربه في ذبح ابنه إسماعيل عليه السلام، فصدق وعده، ووفى مع ربه؛ فنال أعلى الدرجات. وهذا يوسف عليه السلام ابتُليَ بحسد إخوته له، وإبعادهم إياه عن أبيه، وإلقائهم له في الجُب، وبيعه بثمنٍ بخسٍ، واتهامهم له بالسرقة، واستعباده بمصر، وابتلائه بمحنة تَعَلُق قلب امرأة العزيز به واتهامها إياه، وبقائه في السجن بضع سنين. وهذا أيوب عليه السلام يُبتلىَ بالمرض ويُصيبه الضُر ثم يكشف الله بلواه ويشفيه من مرضه. وهذا يونس عليه السلام يلتقمه الحوت، وييقى في بطنه مُدةً حتى أنجاه الله. وهذا مُوسى عليه السلام مرَّ بأصنافٍ من الأذى مُنذ مولده، وإلقائه في اليَم، ثم تربيته في بيت عدو الله وعدوه فرعون، ثم هُروبه من مصر خوفاً من فرعون وملئه، ثم صار أجيراً عند الرجل الصالح لمدة عشر سنين، ثم عاد إلى فرعون يدعوه، وما لاقى أثناء ذلك من الخوف فثبت؛ فأراه الله تعالى من آياته ومُعجزاته، وأغرق أعداءه أمام عينيه، وأنجاه بفضله ورحمته. وهذا عيسى عليه السلام ابتلاه الله بطعن اليهود في أُمه الشريفة العفيفة، وسعي اليهود في صلبه وقتله، لولا أن شُبِّه لهم، وأنجاه الله سُبحانه. ولو كانت الدُنيا تصفو لأحدٍ لصفاها الله لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإنما كانت حياته مليئةً بالمشقة والشدة والبلاء، لكنه صبر على ما ابتُليَ به من الجوع والإخراج من بلده وغير ذلك؛ رغبةً فيما عند الله، لأنه يعلم أن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وأن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم.

 

أحبتي.. يقول العارفون إن الله تعالى هو الذي قدَّر (سُنة الابتلاء) على عباده؛ ليرى منهم التسليم بقضائه، وصِدق التوجه إليه في رد بلائه، وهذا يحتاج إلى إيمانٍ وصبرٍ؛ فبدون الإيمان لا يُمكن أن يصبر العبد على ما يعتريه من محنٍ وابتلاءاتٍ؛ لذا وجب على المُسلم الذي يُبتلىَ في دِينه، أو نفْسه، أو ولده، أو ماله، أو غير ذلك من أنواع الابتلاءات أن يرضى بقضاء الله وقدَره، وأن يصبر، وأن يحمد الله تعالى على تدبيره. وحين يُدرك المرء أن الابتلاء بابٌ للرفعة، وأن الدُنيا ليست دار إقامةٍ بل محطة عبور ، يهدأ قلبه، وتطمئن نفسه، ويعلم أن لكل ضيقٍ نهايةً، ولكل صبرٍ أجراً، ومن يصبر ويحتسب يُعينه الله ويُثبته، ويجعل له بعد العُسر يُسراً، فعلينا جميعاً أن نتواصى بالتقوى، وبالصبر على ما ابتلانا الله به من أمور الدُنيا والآخرة، ولنعلم أن التقوى والصبر مفتاحان لكل خيرٍ؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ فليحرص كلٌ منا على أن يكون من الأتقياء ويكون من الصابرين؛ عسى أن ننال أجر المُحسنين، وعسى أن يُختَم لنا بعاقبة المُتقين؛ يقول عزَّ وجلَّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

اللهم اجعلنا من الشاكرين وقت النِعم، الصابرين وقت المحن، الحامدين لك على كُل حال.

https://bit.ly/4yfJUGG)

 

https://bit.ly/4yfJUGG

الجمعة، 3 يوليو 2026

ميراث النساء

 

خاطرة الجمعة /558

الجمعة 3 يوليو 2026م

(ميراث النساء)

 

كُنتُ أتصفح أحد مواقع التواصل الاجتماعي فاطَّلعتُ على منشورٍ مُقتضبٍ، ظننتُ مع أول كلمتين فيه أنه منشورٌ خاصٌ بتهنئةٍ، خاصةً وأن نتائج امتحانات آخر العام الدراسي قد بدأت بالظهور، لكني فوجئتُ واندهشتُ حد الذُهول عندما أكملت قراءة المنشور؛ إذ كان نصه: "ألف مبروك السقوط لبنت خالي في امتحان الشهادة الإعدادية! نحن شمتانين؛ لأنها كانت تحصل على الدروس الخصوصية بميراث أُمي، الذي استحله أبوها لنفسه، وحرم أُمي منه، ظُلماً وعُدواناً"!

 

ولم يمر سوى يومين إلا واطَّلعتُ على خبرٍ منشورٍ في إحدى الصُحف يقول: "تعرضت طالبةٌ لا تتجاوز التاسعة عشرة من عُمرها، تدرس في كُلية العلاج الطبيعي بمدينة «فاقوس» بمُحافظة الشرقية، للاعتداء بالضرب في مكانٍ عامٍ على يد بعض أقاربها؛ لخلافاتٍ تتعلق بالميراث، بحسب ما ورد في البيانات الرسمية، قبل أن تُعلن السلطات الأمنية القبض على أربعةٍ من أقاربها بتهمة التعدي عليها".

وقبل ذلك بعدة شُهورٍ نُشِرَت قصةٌ عن أحد أعيان قريةٍ من قُرى مدينة «ديروط» بوسط الصعيد قرَّر أن يهب ثروته وجميع أملاكه لأبنائه الذُكور حارماً بناته، وقام بتجهيز الأوراق والمُستندات، وفور الانتهاء من نقل الملكية اشتدت الصراعات بينه وبين أبنائه الذُكور؛ فترك المنزل ووجد سلواه في الإقامة بدار المُسنين. الغريب أنه أثناء فترة إقامته بالدار كانت زيارات بناته لا تنقطع وسط بُكائهن وإلحاحهن عليه أن يعود للعيش معهن، مع تجاهلٍ تامٍ من أبنائه الذين أعطاهم ثروته وأملاكه!

 

وكُنتُ قبل فترةٍ قرأتُ قصةً رواها أحد الدُعاة عن شابٍ حَرَم أخواته الثلاث من الميراث، وحين طلبنَّ منه حقَّهنَّ من أبيهنَّ المُتوفى وَعَدَهُنَّ بأن يُعطيهُنَّ حُقوقهنَّ، وحددَّ لهُنَّ موعداً. جاءت أخواته على الموعد، وكان قد جهَّز جميع الأوراق، وحينما دخلنَّ أمَرهُنَّ بالتوقيع ووَضْعِ بصماتِهُنَّ على الأوراق؛ فوَقَّعنَّ وبَصَمنَّ بحُسن نيةٍ، بعدها وضع الأوراق في حقيبته وقال لهُنَّ: "اخرجن؛ فليس لَكُنَّ شيءٌ عندي! فقد أخذتُنَّ حُقوقكُنَّ كاملةً، وهذه هي المُستندات"، فقالت إحداهُنَّ بعد أن رفعت يديها إلى السماء: "حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا أخي؛ اللهم خُذ لي حقي من أخي؛ اللهم أرني فيه يوماً". لم تتأخر إجابة الدعاء؛ إذ سقط الشاب على الأرض يصرخ ويستغيث، فحملنه إلى المُستشفى، حيث تبين أنه أُصيب بشللٍ في يده، بدعوة أخته المسكينة المظلومة. قرَّر الأطباء أن حالته ميئوسٌ منها، وظَلَّ عشرة أيامٍ يصرخ من شدة الألم. وشكته أُخته إلى أحد الشيوخ الدُعاة، فجاء إلى منزلهم وأخذ يُذكِّر الشاب بالله وبأهمية رد الحُقوق حتى قال الشاب: "يأخذن كُل مالي"، وأمَر الأخ وكيله المُحامي بإعطائهنَّ حُقوقهنَّ غير منقوصةٍ، وتم تسليمهنَّ حُقوقهنَّ كاملةً؛ فسُرَّ وجه أُخته التي دعت عليه قبلُ، ورفعت يديها إلى السماء وقالت: "اللهم اشفِ أخي ابن أُمي وأبي"، يُقسم الشيخ، بأنه وفي نفس اللحظة وقف أخوهم الشاب على قدميه بقُدرة الله، واحتضن أُخته التي دعت له وبكى، وبكت أُخته الأخرى وبكى الجميع.

 

أحبتي في الله.. إن حجب (ميراث النساء) عنهن هو مُمارسةٌ سلبيةٌ تتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية وأحكامها، وتُعد من صور الظُلم الاجتماعي التي توارثتها بعض الثقافات والعادات المذمومة، وهي امتدادٌ لأعرافٍ جاهليةٍ تُعطي الأولوية للذُكور في تملك الأراضي والعقارات، خوفاً من خروج المال إلى عائلات أزواج الإناث.

 

يقول علماء الاجتماع إن هذه الظاهرة تنتشر في المُجتمعات الريفية والقبلية أكثر من المُجتمعات المدنية الأكثر تطوراً؛ حيث يُمارَس ضغطٌ اجتماعيٌ أو نفسيٌ على النساء للتنازل عن حُقوقهنَّ، أو يتم تعويضهنَّ بشكلٍ غير عادلٍ، أو يتم تجاهلهنَّ تماماً عند تقسيم التركة.

ويُرجعون انتشار هذه الظاهرة السلبية لعدة أسبابٍ؛ من أهمها: ضعف الإيمان، قلة الوعي الديني وغياب المعرفة الدقيقة بأحكام المواريث في الإسلام، تغليب الأعراف المحلية على أحكام الشرع في بعض المناطق، طمع الأقارب في ميراث المرأة، ورغبة البعض في الاستحواذ على كامل التركة وتكديس الثروة.

 

وقبل عشرين عاماً قامت إحدى عالمات الاجتماع المصريات بنشر دراسةٍ أكاديميةٍ بعنوان "ميراث المرأة في صعيد مصر بين الواقع والمأمول، دراسة سوسيو إنثروبولوجية في مُحافظتي سوهاج وقنا" قالت فيها إن أكثر من 95 في المئة من نساء هاتين المُحافظتين لم يحصلن على ميراثهنَّ. كما تم إجراء دراساتٍ أُخرى أثبتت أن ظاهرة حرمان المرأة من ميراثها لا تقتصر على مُحافظات الصعيد فقط بل تشمل الوجه البحري أيضاً. وفي تلك الدراسة يرى الخُبراء أن أصل المُشكلة يكمن في عدم حصر التركة بعد وفاة المُورّث مُباشرةً، وبمرور الزمن يظن الإخوة الذكور أن الأرض التي اعتادوا رؤية آبائهم يعملون فيها هي مِلكٌ خاصٌ لهم من بعدهم. كما أشارت الدراسة إلى أن المسار القضائي طويل الأمد، ومُرهِقٌ ومُكلّفٌ بالنسبة للمرأة التي تُريد الحصول على ميراثها؛ فقد تستمر القضية في المحكمة لعشر سنواتٍ، ما بين درجات التقاضي والإحالة للخُبراء، تُحرَم المرأة خلالها من ريع أرضها، وحتى في حالة صُدور حُكمٍ لصالحها تُواجه عقباتٍ عند التنفيذ الفعلي وتمكينها من أرضها، كما أن رفعها دعوى يتطلب أن يكون لديها مُستندات مِلكيةٍ، وعادةً ما تكون هذه المُستندات في أيدي الإخوة الذُكور، يستحوذون عليها مثلما أنهم يستحوذون على الأرض.

ويرى عُلماء الاجتماع أن لحرمان الإناث من الإرث آثاراً اجتماعيةً وخيمةً لعل أهمها أنها تؤدي إلى تفكك الروابط الأُسرية، وانتشار الضغينة، وتفشي الطمع والحقد والحسد، وضعف أواصر المودة والمحبة بين أفراد المجتمع، وإضعاف وشائج القُربى، مما يُهدد تماسك المجتمع ويُضعف بنيانه.

 

أما أهل العِلم الشرعي فيقولون إن الله سُبحانه وتعالى قد تولى بنفسه تقسيم المواريث، ولم يتركها لاجتهاد البشر، ليقطع بذلك أي مطمعٍ أو ظُلمٍ؛ يقول تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾، قال المُفسرون إن الله جعل للمرأة -سواءً كانت أُماً أو أُختاً أو زوجةً أو بنتاً- نصيباً مُقدَّراً لا يجوز لأحدٍ تجاوزه، سواءً كان هذا المال قليلاً أو كثيراً، والمُتعدي على حدود الله في الميراث مُتوعدٌ بنار جهنم؛ إذ يقول الله تعالى في ختام آيات المواريث: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾.

ويُعد حرمان الإناث من الإرث نوعاً من أكل أموال الناس بالباطل، وهذا من كبائر الذنوب؛ نهى الله عنه في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾.

 

كما يترتب على حرمان النساء من حُقوقهنَّ في الإرث قطيعةٌ للأرحام، والله تعالى يُجازي أهل القطيعة بالقطيعة في الدنيا والآخرة؛ فالجزاء من جنس العمل، يقول النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ما مِن ذنبٍ أجدَرَ أنْ يُعجِّلَ اللهُ لصاحبِه العقوبةَ في الدُّنيا مع ما يدَّخِرُ له في الآخرةِ مِن البغيِ وقطيعةِ الرَّحمِ]؛ فإذا قطع المسلم رحمه حجبه الله من جنته؛ يقول النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ].

 

كما أن آكل (ميراث النساء) سيكون من المُفلسين يوم القيامة؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [إنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتي يَأتي يَومَ القيامةِ بصَلاةٍ، وصيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَك دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعطى هذا مِن حَسَناتِه، وهذا مِن حَسَناتِه، فإن فنيَت حَسَناتُه قَبلَ أن يُقضى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهم فطُرِحَت عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ].

ويقول صلى الله عليه وسلم: [اللَّهمَّ إنِّي أحرِّجُ حقَّ الضَّعيفينِ: اليتيمِ، والمرأَةِ]. كما يقول وهو الصادق الذي لا ينطق عن الهوى: [مَن أخَذَ شِبرًا مِنَ الأرضِ ظُلمًا فإنَّه يُطَوَّقُه يَومَ القيامةِ مِن سَبعِ أرَضينَ]، وورد في الأثر: "مَن فرَّ مِن ميراثِ وارثِهِ، قَطعَ اللَّهُ ميراثَهُ مِنَ الجنَّةِ يومَ القِيامَةِ" وفي هذا تحذيرٌ شديدٌ من الحيل التي يستخدمها البعض لحرمان الإناث من حُقوقهنَّ المشروعة في الإرث.

 

إن أكلة ميراث اليتامى -ومنهم إناثٌ يتيماتٌ- يتوعدهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ سمَّاه الله تعالى أكلاً إذ يقصد آكل الميراث تنمية ماله كما يُنَّمي جسمه بالأكل، ولكنها تنميةٌ آثمةٌ مآلها الخسران والبوار؛ يقول المُصطفى صلى الله عليه وسلم: [كلُّ جَسَدٍ نبتَ مِنْ سُحْتٍ فالنارُ أولَى بِهِ]. كما أن أكل ميراث اليتيم يدخل في السبع المُوبقات؛ يقول صلى الله عليه وسلم: [اجتَنِبوا السَّبعَ الموبِقاتِ] وذَكَر منها: [وأكلُ مالِ اليَتيمِ].

 

قال الشاعر:

أَمِنْ عَجَبٍ أَنْ تَأْكُلَ الإِرْثَ ظَالِماً

وَتَحْسَبَ أَنَّ الْمَالَ فِي الْبَطْنِ يَطِيبُ

أَتَأْكُلُ مَالَ النَّاسِ ظُلْماً وَعُدْوَانًا

فَتَعْجَبُ مِنْ ذَنْبٍ بِهِ الْعَبْدُ يُصِيبُ

أَلَا إِنَّمَا الدُّنْيَا غُرُورٌ وَبَاطِلٌ

وَأَنْتَ بِهَا بَيْنَ الْوَرَى لَغَرِيبُ

وقال آخر:

وَيْلٌ لِآكِلِ مِيرَاثٍ وَمَا عَلِمُوا

أَنَّ الْحُقُوقَ بِهَا الأَوْزَارُ تَنْتَصِبُ

لَا تَظْلِمَنَّ ضَعِيفًا فِي مَوَارِيثٍ

فَظُلْمُ أَهْلِ التُّقَى لِلْمَرْءِ يَحْتَسِبُ

يَأْتِي بِهِ يَوْمَ لَا مَالٌ وَلَا وَلَدٌ

إِلَّا عَمَلٌ بِحُكْمِ اللهِ مُكْتَسِبُ

 

أحبتي.. لقد قَسَم الله سُبحانه وتعالى الميراث قسمة عدلٍ لا جور فيها ولا ‏حيف، حتى أنَّ نظام المواريث في الإسلام كان سبباً في اعتناق كثيرين للإسلام؛ لوضوح هذا النظام وعدالته "انظر كيف كان هذا النظام الشامل والدقيق سبباً في إسلام أحد المُسلمين الجُدد https://bit.ly/3yjPIC4".

و(ميراث النساء) حقٌ للمرأة كما أنه حقٌ للرجل، فرضه الله عزَّ وجلَّ، وبيَّن تفاصيله وحدوده في كتابه الكريم، وتوَّعَد من يتعدى هذه الحدود بالخُلود في النار وبالعذاب المُهين. إن (ميراث النساء) ليس منحةً من الرجال، وإنما هو من الحُقوق الشرعية للنساء التي ينبغي احترامها والوفاء بها؛ فليُراجع كلٌ منا نفسه فيما يتعلق بإرث النساء؛ فإن كان من المُتعدين حدود الله، آكلين حُقوق غيرهم -رجالاً أو نساءً أو يتامى- فهو في خطرٍ عظيمٍ؛ فليُبادر إلى توبةٍ نصوحٍ لا تُقبل إلا بإعادة الحُقوق لأصحابها، دُون تباطؤٍ أو تأجيلٍ أو تسويفٍ أو تأخيرٍ، وبغير تحايلٍ أو إنكارٍ أو تهربٍ، وإنما بمحبةٍ وصفاء نيةٍ وصلة رحمٍ وتوادٍ وتراحمٍ، عسى الله أن يَمُّن عليه بالصفح والغُفران. ولكل مُبتلىً بهذا الذنب أقول: صَفِّ حسابك في الدُنيا، ما دام الله ما يزال يُمهلك ويُطيل في عُمرك، قبل أن تقف للحساب بين يدي الله العزيز الجبار المُنتقم شديد العقاب؛ فتقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ فيأتيك الرد حازماً: ﴿كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.

ومَن لَم يكن مِنَّا مِمَّن أكلوا ميراث غيرهم، فليحمد الله، ويُعاهده أن يكون من المُدافعين عن حُقوق الضُعفاء في الإرث، وأن يُعلَّم أبناءه أن حُقوق النساء في الإرث هي حدود الله التي لا يجوز تجاوزها بأي شكلٍ من الأشكال.

ولنُلزِم أنفسنا وأقرب الناس إلينا بسرعة توزيع الإرث بالعدل على المُستحقين رجالاً ونساءً بعد وفاة المُورِّث مُباشرةً. كما يتوجب على كلٍ منا ألا يصمت أمام أي ظُلمٍ يقع على قريباته من النساء في الميراث، وينبغي أن نلتزم بنظام المواريث الذي أمرنا به الخالق، عسى أن نكون ممن حفظوا الأمانات وأقاموا العدل في الأرض.

والله من وراء القصد.

https://socxly.me/ohexc0

الجمعة، 26 يونيو 2026

الصدقة الخفية

 

خاطرة الجمعة /557

الجمعة 26 يونيو 2026م

(الصدقة الخفية)

 

يقول صاحب القصة: مُنذ سنواتٍ طويلةٍ كُنتُ أعمل عامل نظافةٍ في أحد الأحياء الراقية؛ كُنا ستة عُمّالٍ نخرج كل صباحٍ بسيارة جمع القمامة التي نجمعها من الحاويات الموضوعة أمام البيوت، كان العمل شاقاً والرائحة الكريهة مُتعِبةً، والناس تمر من أمامنا وخلفنا وبجوارنا وكأننا غير موجودين؛ لا أحد يعبأ لوجودنا، لكنني كُنتُ أقول دائماً: "اللقمة الحلال مهما كانت مُتعبةً أكرم من سُؤال الناس". وفي صباح أحد الأيام، وفي يومٍ لن أنساه ما حييتُ، توقفتُ أمام إحدى حاويات القمامة بعدما رأيتُ مشهداً هزَّ قلبي؛ كانت هناك امرأةٌ تقف بجوار الحاوية تُفتش بيديها المُرتجفتين في بقايا الطعام، وخلفها سبعة أطفالٍ؛ أربعة أولادٍ وثلاث بناتٍ، وجوههم شاحبةٌ، وعيونهم مُعلقةٌ بأُمهم، كأنهم ينتظرون مُعجزةً صغيرةً تخرج من بين القمامة، تجمّدتُ في مكاني لم أُرد أن أقترب منهم حتى لا أُحرجهم، ولم أُرد أن يرى أحدٌ من زملائي هذه الأُم وأطفالها فيكسر ما تبقى من كرامتها بنظرةٍ أو كلمةٍ. وقفتُ بعيداً أُراقبها ودموعي تحرق عينَيّ، كانت تلتقط قطع الخُبز اليابسة، وبقايا الخُضار والطعام، ثم تنظر حولها بخوفٍ كأن الفقر خطيةٌ يجب أن تُخفيها عن العالم! وعندما انتهت أمسكت بأيدي أطفالها ومشت بسرعةٍ كأنها تهرب من نظرات الناس أكثر مما تهرب من رائحة القمامة الكريهة، اقتربتُ بعدها من الحاوية وشعرتُ أن قلبي انكسر؛ فأنا أبٌ وأعرف معنى أن ينظر الطفل إلى أُمه وهو جائعٌ.

في اليوم التالي عُدنا إلى الحي نفسه؛ فنزلتُ من سيارة القمامة مُسرعاً نحو تلك السلة قبل أن يصل إليها أحدٌ، ووجدتها هناك مرةً أُخرى نفس المرأة، نفس الأطفال، ونفس الجوع الصامت، في تلك اللحظة شعرتُ بأن الله سُبحانه وتعالى يهمس في قلبي: "كما رزقتك فافعل ما تستطيع وتتمكن"؛ فعُدتُ إلى بيتي، وقُلتُ لزوجتي: "حضِّري لي غداً طعاماً كثيراً لأُمٍّ تبحث بين القمامة عن لُقمةٍ تُطعم بها أولادها السبعة"، وحكيتُ لزوجتي ما رأيته. في الصباح أعطتني زوجتي -جزاها الله خيراً- كيساً أسود مليئاً بالطعام النظيف والخُبز، ووضعتُ أنا بداخله مبلغاً صغيراً من المال على قدر استطاعتي. وصلتُ إلى الحي مُبكراً قبل أن يصل زملائي، ووضعتُ الكيس داخل تلك الحاوية التي اعتادت المرأة أن تُفتش فيها عن بقايا الطعام، ثم اختبأتُ بعيداً كي لا تراني أُراقب، بعد دقائق جاءت المرأة مع أطفالها، وبدأت تُفتش كعادتها، ثم وجدت الكيس الأسود، فتحته بحذرٍ، وما إن رأت الطعام النظيف حتى توقفت يدها في الهواء، ثم ضمّت الكيس إلى صدرها وبدأت تبكي بصمتٍ، أما الأطفال فقد كانت نظراتهم للطعام وكأن السماء فتحت أبوابها لهم. في ذلك اليوم لم تأخذ شيئاً من الحاوية، وغادرت هي وأطفالها مُسرعين كي لا يراهم أحد. ومُنذ ذلك الصباح صار الكيس الأسود رسالتي اليومية إليها، كُنتُ أضع الطعام والمال في المكان نفسه كل يومٍ، دُون أن تعرف من أنا، ودُون أن أعرف حتى اسمها، كُنتُ أراها من بعيدٍ، وأشعر أن الله قد سمح لي أن أكون سببَ رحمةٍ صغيرةٍ لعائلةٍ سحقتها الحياة.

مع مُرور الشهور بدأ الخير يهبط علينا من الله عزَّ وجلَّ؛ ترقيتُ في وظيفتي من عاملٍ الى مُراقبِ عملٍ، وبعدها ترقيتُ إلى مسؤول قسمٍ بالبلدية، وزادت بركات الله في بيتي من حيث لا أدري؛ لي ولزوجتي وأولادي. وبالرغم من كوني لم أعد عامل نظافةٍ أخرج مع العُمال للحي، لكني استمريتُ كعادتي أخرج صباحاً مُبكراً، وقبل ذهابي إلى مقر عملي في البلدية، ومعي الكيس الأسود وبداخله ما قسمه الله من طعامٍ ومالٍ. وبمرور الأيام بدأتُ أُلاحظ أن الأطفال لم يعودوا يأتون مع أُمهم؛ ففرحتُ وقُلتُ رُبما التحقوا بالمدارس، أو رُبما لم تعد تُريد لهم أن يروها عند سلة القمامة. استمر الأمر هكذا سنواتٍ طويلةٍ، حتى بعد تقاعدي من الوظيفة، لم أتوقف عما اعتدتُ عليه يومياً؛ أذهب كل صباحٍ، أضع الكيس الأسود وأقف بعيداً، وتأتي الأُم لتحمل الكيس وتذهب، لقد صار هذا العمل أجمل ما أفعله في حياتي، خاصةً وأن الله تبارك وتعالى بارك لنا في كل شيءٍ في حياتنا، وبأمورٍ لم تخطر ببالي. الحمد لله استمريتُ على هذا الحال يومياً لأكثر من ثماني عشرة سنةً دُون توقفٍ، لكن ذات يوم لم تأتِ المرأة؟! مرَّ يومٌ ثم أُسبوعٌ ثم شهرٌ ثم شهران والكيس يبقى في مكانه كما هُو. شعرتُ بخوفٍ شديدٍ في قلبي، وبعد بحثٍ طويلٍ دلّني أحد سُكان الحي على بيت أُم خالد، وكانت هذه أول مرةٍ أعرف اسمها، وأخبرني أن بيتها يقع في أحد المناطق السكنية العشوائية القريبة من ذلك الحي الراقي؛ طرقتُ الباب ففتح لي شابٌ في أوائل العشرينات، نظيف الهيئة، هادئ الملامح، قُلتُ له: "هل هذا بيت أُم خالد؟"، تغيّر وجهه فجأةً وقال: "هل أنت تعرف أُمي؟"، قُلتُ بصوتٍ مُرتجفٍ: "كُنتُ أُساعدها من بعيدٍ"، فقال لي الشاب: "ادخل يا عم"، دخلتُ ذلك المكان، الذي هو قصرٌ بالنسبة لهؤلاء، وهناك رأيتُ صورتها مُعلقةً على الجدار يُحيط بها شريطٌ أسود؛ فهمتُ قبل أن يتكلم، قال الشاب بحزنٍ: "أُمي تُوفيت مُنذ شهرين"، جلستُ أبكي كطفلٍ، ثم قال الشاب: "قبل أن تموت، كانت دائماً تتحدث عن رجلٍ لا تعرفه، يضع لها الطعام والمال في كيسٍ أسود، وكانت تقول لنا هذا ملاكٌ أرسله الله لكم يا أولادي". بعد قليلٍ جاءت فتاةٌ تحمل صندوقاً قديماً وقالت: "أُمي تركت هذا للرجل صاحب الكيس الأسود"، فتحتُ الصندوق فوجدتُ بداخله صورةً قديمةً للأطفال كما كُنت أُشاهدهم في تلك الأيام والسنين التي مرَّت، ورسالةً مطويةً؛ فتحتها وقرأتُ ما كان مكتوباً فيها: "إلى الرجل الذي حفظ كرامتي قبل أن يُطعم أطفالي، أنا لا أعرف اسمك، لكن الله يعرفك. كُنتُ أبحث في القمامة وأنا أكاد أموت من الخجل؛ فجعلتني أعود إلى بيتي وكأنني اشتريتُ الطعام بنفسي، أنت لم تُشبع جوع أولادي فقط، بل حفظتَ قلوبهم من الانكسار، سامحني لأنني لم أشكرك في حياتي، واذكرني في صلاتك بعد موتي". لم أستطع إكمال قراءة الرسالة من شدة البكاء، لكن المفاجأة الأكبر كانت عندما أمسك الشاب بيدي وقال: "يا عمي المال الذي كُنتَ تُعطيه لأُمي جعلنا نُكمل تعليمنا؛ أنا أصبحتُ مُعلّماً، وأُختي صارت مُمرضةٌ، وأخي تخرج من كلية الهندسة، وباقي إخوتي يذهبون إلى مدارسهم، وكُلنا كبرنا ونحن نسمع أُمي تقول: "لا تنسوا صاحب الكيس الأسود"، حينها فقط فهمتُ أن الرحمة الصغيرة التي تُصنع بمحبةٍ، قد تُغيّر مصير عائلةٍ كاملةٍ. خرجتُ من بيتهم يومها وأنا إنسانٌ آخر. لم أكن غنياً، ولا صاحب منصبٍ، ولا أملك شيئاً عظيماً في نظر العالم، لكنني تعلّمتُ أن عمل الخير لا يحتاج إلى أيدٍ مُمتلئةٍ مالاً، بل إلى قلوبٍ مُمتلئةٍ حُباً. ومُنذ ذلك اليوم، كُلما رأيتُ سلة قمامةٍ، لا أرى قمامةً فقط، بل أرى أُماً كانت تبحث عن الحياة لأطفالها، وأقول في نفسي: “رُبما لا يستطيع الإنسان أن يُغيِّر العالم كله، لكنّه يستطيع أن يكون نوراً صغيراً في عتمة شخصٍ واحدٍ أو أُسرةٍ صغيرةٍ؛ فالرحمة التي تُقدَّم في الخفاء يراها الله ويفرح بها، ومن يحفظ كرامة إنسانٍ، لن ينساه الله برحمته أبداً".

 

أحبتي في الله.. الصدقة مشروعةٌ سِراً وعلانيةً، وهي الإحسان إلى الفُقراء والمساكين ومُواساتهم؛ لقوله جلَّ وعلا: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فإذا كانت العلانيةُ أصلح شُرعت، وإذا لم تكن هناك حاجةٌ للعلانية فالسرّ أفضل.

و(الصدقة الخفية) هي ما يُفعل من الخير في الخفاء؛ يقول تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، قال المُفسرون لهذه الآية إن المقصود إخفاء التصدق بالمال أو غيره، وعدم إعلانه عند التصدق، وإنها تضمنت ترغيباً وترهيباً، وعداً لمن عَمِل خيراً، ووعيداً لمن عَمِل شراً؛ فيُجازىٰ المُحسن على أعماله الحسنة، والمُسيء على أعماله السيئة.

 

و(الصدقة الخفية) سببٌ من أسباب حُبِّ الله؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [ثلاثةٌ يُحِبُّهم اللهُ] وذَكر منهم: [رَجُلٌ أتى قومًا فسأَلَهم باللهِ، ولم يَسأَلْهم بقَرابةٍ بينَهم فمَنَعوه، فتخلَّفَ رَجُلٌ بأعْقابِهم، فأَعْطاهُ سِرًّا، لا يَعلَمُ بعَطيَّتِه إلَّا اللهُ، والذي أَعْطاه].

ويقول عليه الصلاة والسلام: [سَبعةٌ يُظِلُّهمُ اللهُ يَومَ القيامةِ في ظِلِّه يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه] وذَكَر منهم: [ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقةٍ فأخفاها حتَّى لا تَعلَمَ شِمالُه ما صَنَعَت يَمينُه]، يقول شُرَّاح الحديث إنه

رجلٌ تصدَّق صدقة التطوع، فبالغ في إخفاء صدقته، وسترها عن كل شيءٍ حتى عن نفسه؛ فلا تعلم شِماله ما تُنفق يمينه، وإنما ذَكَرَ اليمين والشِمال للمُبالغة في الإخفاء والإسرار بالصدقة، وضَرْبُ المَثَل بهما لقُرب اليمين من الشِمال ولمُلازمتهما، ومعنى المثل: لو كان شِماله رجلاً مُتيقظاً ما علمها؛ لمُبالغته في الإخفاء، وهذا هو الأفضل في الصدقة، فلا يعلم أحدٌ عنها، لا قريبٌ ولا بعيدٌ، ولا صديقٌ ولا غريبٌ.

 

يقول العُلماء إن إخفاء صدقة التطوع خيرٌ من إعلانها؛ وذلك أن فعل الخير في الخفاء أقرب إلى الإخلاص في العمل، وأبعد عن الرياء، وأقل إحراجاً للفُقراء؛ حيث لا يتعرض الفقير إلى ذُل المسألة أمام الناس، فيكون ذلك أحفظ لماء وجهه، وأصوَّن له عن الانكسار والامتهان؛ لذا فإن إخفاء المُتصدق صدقته عن جميع الناس، وجعلها بينه وبين الفقير فقط أولى وأفضل، ويكون أكثر قبولاً عند الله. والإسرار بالعمل الصالح، وخاصةً صدقة التطوع، أفضل من العلانية، مع استثناء الزكاة الواجبة؛ فالإعلان بها أفضل لأنها شعيرةٌ ورُكنٌ من أركان الإسلام ينبغي إظهارها.

وليست الصدقة مالاً فقط؛ فقد تكون الصدقة بغير المال؛ ففي الحديث: أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله ذَهَبَ أهلُ الدُّثورِ بالأُجورِ "أي: استَأثَر أَصحابُ الأَموالِ الكثيرةِ بمَزيدٍ مِن الأجرِ مِن اللهِ سُبحانه، وأَخَذوهَا عنَّا ممَّا يَحصُلُ لَهم مِن أَجرِ الصَّدقةِ بأَموالِهم"؛ يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، ويَصومونَ كما نَصومُ، ويَتَصَدَّقونَ بفُضولِ أموالِهم، قال: [أوليسَ قد جَعَلَ اللهُ لَكُم ما تَصَّدَّقونَ؟] وذَكر من ذلك [وأمرٌ بالمَعروفِ صَدَقةٌ] ما يجعل الإسرار في الأمر بالمعروف لبعض الناس أفضل من الإعلان به، إلا أن يكون في الإعلان والمجاهرة مصلحةٌ شرعيةٌ مُعتبرةٌ.

 

يقول أهل العِلم إن عدداً كبيراً من الناس يبحثون عن أفضل تجارةٍ تجلب لهم ثروةً طائلةً وأرباحاً كبيرةً، ولكن قد لا يعرف كثيرون أن الصدقة هي أفضل تجارةٍ؛ فهي مع الله سُبحانه وتعالى، وأفضل أبواب هذه التجارة هي (الصدقة الخفية) حيث بيَّن الشرع الشريف فضل الصدقة؛ إذ أنها من الأعمال الصالحة، وهي عبادةٌ يُحبها الله، وورد في الأثر أنها "تُطفئ غضب الرب".

 

وعن (الصدقة الخفية) قال الشاعر:

استثمر الخَيرَ في دُنياكَ واجتهدِ

ولا تُبالِ بداعي الشرِ والحَسدِ

واعْمَل ليومٍ جَميعُ الناسِ تَرْقُبُهُ

فيهِ القَضاءُ قَضاءُ الواحِدِ الأحَدِ

أعْطِ الفَقيرَ ولا تَبْخَلْ بمَكْرَمِةٍ

يَومٌ عَلَيْكَ وَيَومٌ أنتَ في سَعْدِ

لَكِن عَلَيْكَ بِتَقوىٰ اللهِ في عَمَلٍ

فالْخَيرُ يَبْقىٰ وَعَيْنُ الشَرِ في كَمَدِ

فَكُنْ عَزيزاً كَريماً ذا مُثابَرةٍ

تُخْفي يَمينُكَ عَنْ يُسْراكَ وَالْوَلَدِ

 

أحبتي.. في الإسرار بالصدقة مُطلقاً تربيةٌ للنفس على الإخلاص لله تعالى، واعتياد طلب مرضات الله دائماً دون مرضات الناس. وقد لخَّص أحد العارفين موضوع (الصدقة الخفية) فقال: أفضل الصدقات ما كان خالصاً لله، سواءً أُخفيتَ أم أُعلنتَ، لكن الأصل أن صدقة السر أرجى للقبول وأبعد عن الرياء، بشرط صفاء النية؛ فهي المعيار الحقيقي لقبول العمل.

اللهم قِنا شُح أنفسنا، واجعلنا من المُتصدقين، ويَسِّر لنا أن نُخفي صدقاتنا لتكون أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء، وأكثر صيانةً لكرامة الفقير والمُحتاج، إنك سُبحانك على كل شيءٍ قدير.

 

https://www.facebook.com/share/1ESD3kW6bT/?mibextid=wwXIfr