خاطرة الجمعة /549
الجمعة 1 مايو 2026م
(إعانة الأبناء ليكونوا بررة)
يقول أحد الآباء والدمعة تترقرق في عينيه: أَحَبَ ابني زميلةً له في العمل،
واتفق معها على الزواج، وعندما أخبرنا بهذا الأمر اعترضت أُمه على هذا الارتباط
ورفضته رفضاً قاطعاً، وأصبح البيت مسرحاً للمشادات الوسائل لكنها كانت عنيدةً
ومُتسلطةً، كانت تقول إنها لا تُحب هذا النوع من النسب؛ ناسٌ بسطاء وعاديين جداً،
وأنها كانت تحلم بأن تختار له هي عروسه، وأنه صدمها عندما اختار هذه البنت. وفي
لحظةٍ فاصلةٍ، قرَّر ابني المُضي قُدُماً، فتزوج مَن اختارها قلبه. وفي ليلة
الزفاف، بدلاً من الزغاريد، خيم صمت القبور على منزلنا؛ فقد منعت الأُم أخواته من
الحضور بتهديداتٍ قاسيةٍ، فمضى ابني إلى قدره وحيداً، مطروداً من جنة أُمه، ليسكن
في حيٍ شعبيٍ بعيدٍ.
مرَّت ثلاث سنواتٍ، ولم يقطع ابننا صلته بنا؛ كان يزورنا وحده من حينٍ
لآخر، يجلس في صمتٍ لبعض دقائق ثم يُغادر بدون أن يُعرِّفنا على زوجته. كان يأتي
كطيفٍ عابرٍ؛ يدخل بوقارٍ يحمل بعض الهدايا أو الفواكه أو الحلويات، يُقبِّل يد
أُمه التي تُولي وجهها عنه، ويجلس دقائق صامتاً يرقب في عينيها ذرة حنانٍ لا
يجدها، ثم ينسحب بقلبٍ مكسور.
في ذات يومٍ، كنتُ مُتوجهاً لزيارة صديقٍ لي من أصدقاء مقهى المُتقاعدين
الذي أدمنتُ ارتياده، وكانت مُناسبة الزيارة تهنئته بأداء فريضة الحج، وكان صديقي
يسكن حياً شعبياً بعيداً لم أعتد دخوله من قبل، كنتُ ما زلتُ أبحث عن بيته حين
شاهدتُ ابني واقفاً أمام باب بيتٍ مُتواضعٍ، يا لها من مفاجأة! تسمرت قدماي ووقفتُ
مُندهشاً من هذه الصُدفة العجيبة! حين وقعت عينا ابني عليّ، لم يتجاهلني وإنما
ابتسم ابتسامةً تدل على سعادته، واندفع نحوي بلهفة المحروم، وأقسم ألا أُغادر الحي
قبل أن أدخل بيته. دخلتُ وأنا في حالة ذُهولٍ، البيت بسيطٌ لكنه نظيفٌ يُشع راحةً
وطُمأنينة، نادى زوجته، فأقبلت بوجهٍ يفيض حياءً وأدباً، ثم جاءت المُفاجأة التي
هزَّت أركان نفسي: طفلةٌ صغيرةٌ، كأنها قطعةٌ من نورٍ، أدرجتُ فوراً أنها حفيدتي!
بمُجرد أن رأتني ركضت نحوي وتعلقت بقميصي وهي تضحك بصفاء، وارتمت في أحضاني
بعفويةٍ وكأنها تقول لي: "جدي أنا هُنا، لماذا لم تأتِ من قبل لتراني؟"،
صدقوني؛ هذه الطفلة ابنة الثلاث سنواتٍ أذابت كل الجليد بابتسامةٍ واحدةٍ، ما
أغباني! كيف حرمتُ نفسي من هذه النعمة، وانسقتُ وراء عجرفة زوجتي وعنادها؟!
خرجتُ من بيت ابني وأنا شخصٌ آخر؛ أصبحتُ جَدَّاً! يا لها من نعمةٍ، يا له
من إحساسٍ، أجمل إحساسٍ في الحياة.
عُدتُ إلى البيت وأنا كُلي تصميمٌ على إقناع زوجتي بهذا الواقع مهما كلفني
الأمر معها من إرهاقٍ ومشاداتٍ. فكرتُ ملياً في خطةٍ وقمتُ بتنفيذها؛ فبعد عدة
أيامٍ قمتُ بزيارةٍ لبيت ابني وطلبت منه أن أصطحب حفيدتي معي إلى البيت؛ فوافق على
الفور وهو يستبشر الخير. لم أكن قد أخبرتُ زوجتي، وأردتُ أن يكون الأمر مُفاجئاً
لها، وبالفعل بمجرد أن رأت الطفلة راقت لها، واستلطفت ابتسامتها، واحتضنتها،
وأُعجبت بفستانها المُلون الجميل، ثم التفتت إليّ لتسألني: "ابنة مَنْ
هذه؟!"، نظرتُ ملياً في عينيها بعتابٍ واضحٍ، نظرةً اختصرت ثلاث سنواتٍ من
القطيعة والظُلم، ثم قلتُ بصوتٍ مخنوقٍ: "هذه ابنة مَن رفضتِ نسبهم، هذه ثمرة
الشجرة التي حاولتِ اقتلاعها"، سقطت كلماتي عليها كالصاعقة، فاهتزت أركان
كبريائها، وضمَّت الطفلة إلى صدرها وهي تبكي وتنتحب بشكلٍ مريرٍ، وذاب في تلك
اللحظة جليد السنين أمام حرارة غريزة الأُمومة.
مُنذ تلك اللحظة تغيَّر كُل شيءٍ؛ فقد أطاحت ابتسامات هذه الطفلة بالقساوة
التي سكنت قلب زُوجتي، وتغلبت على عنادها الذي حرمنا من الاستمتاع بحلاوة اللعب مع
الأحفاد والأُنس بهم.
أحبتي في الله.. إن موضوع العُقوق غالباً ما يُطرح من زاوية الأبناء تجاه
الوالدين، لكن الواقع الإنساني يُبين أن العُقوق قد يكون أيضاً من طرف الوالدين
تجاه الأبناء، وذلك حين يُقصِّر الوالد أو الوالدة في أداء حقوق الأبناء، أو يُسيء
مُعاملتهم، أو يظلمهم، مما يُضعف دوافع البِرّ لديهم.
إن بعض الآباء والأُمهات لم يُعينوا أبناءهم على البِر بهم؛ أرهقوهم
بالتعنت والعجرفة والتسلط المُبالغ فيه. البر بالوالدين شيءٌ مُقدسٌ لكن بعض
الوالدين يُبالغون في استغلال هذه السُلطة العاطفية التي أكرمهم الله بها. وتُجسد
هذه القصة فريضةً غائبةً عن بعض البيوت، وهي فريضة (إعانة الأبناء ليكونوا بررة)،
فالإسلام كما أمر الأبناء بالبِر بالوالدين، أمر الآباء بالرفق والرحمة وعدم
التعنت. وكما أن الإسلام يُقرر أن البِرّ بالوالدين واجبٌ مُطلقٌ، فإنه لا يُبرر
للوالدين عُقوق أبنائهم، بل ويُحاسبهم الله على ظُلمهم؛ يقول تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ فالأبناء مأمورون بالبِر، والوالدان مأموران بالعدل
والرحمة؛ وهذا يعني أن على الوالد ألا يضع ابنه في ضيقٍ يضطره فيه للعِصيان أو
النفور.
إن البِر ليس صك ملكيةٍ للوالدين يتصرفون في حياة أبنائهم كعبيدٍ، بل هو
علاقةٌ قائمةٌ على المودة؛ يقول تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا
مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾، وقُرة العين لا تأتي
بالإكراه والتسلط، بل بالتفاهم والاحتواء.
يقول أهل العِلم إن الأساس القُرآني لحقوق الأبناء يقوم على دعائم واضحةٍ
منها:
• العدل في المُعاملة؛ يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ
كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ والآية تؤكد على أن العدل واجبٌ حتى مع الأقربين، ومنهم
الأبناء، فلا يجوز للوالد أن يظلم ولده أو يحرمه حقاً من حقوقه.
• الوصية بالرحمة والشفقة؛ يقول تعالى عن دُعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا هَبْ
لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ وهذا يدل على أن
الأصل أن يكون الأبناء مصدر سعادةٍ ورحمةٍ، لا محل عُقوقٍ وظُلم.
• النهي عن قتل الأولاد أو إيذائهم؛ يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا
أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ﴾ وهذا يشمل كل صور الإيذاء المادي والمعنوي؛
فالتقصير في التربية أو الحرمان العاطفي صورةٌ من صور العُقوق.
أما في السُنة المُشرفة فإن دعائم مُعاملة الوالدين لأبنائهم تقوم على:
• العدل بين الأبناء؛ إذ قال النبي ﷺ:
[اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ] وهذا الحديث أصلٌ في
تحريم عُقوق الوالدين لأبنائهم بالتمييز أو الظُلم.
• الرحمة بالأبناء؛ فقد ورد أن النبي ﷺ قبَّل الحسن بن علي، فقال الأقرع بن
حابس: إنَّ لي عشرةً من الولد ما قبّلتُ منهم أحداً؛ فقال النبي ﷺ: [مَنْ لا
يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ] فغياب الرحمة من الوالد تجاه أبنائه صُورةٌ من صُور
العُقوق.
• وجوب النفقة والرعاية؛ حيث قال النبي ﷺ: [كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ
يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ]؛ فالتقصير في النفقة والرعاية عقوقٌ صريح.
وعن عُقوق الوالدين لأبنائهما ورد حديثٌ ضعيفٌ نَصه: "رحِمَ اللَّهُ
والدًا أعانَ ولدَهُ علَى برِّهِ"، قالوا: كيفَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ:
"يقبَلُ إحسانَهُ، ويتجاوزُ عن إساءتِهِ"، ورغم ضَعف الحديث إلا أن
معناه صحيح؛ فإنه يعني (إعانة الأبناء ليكونوا بررة) فكما أن للوالد حقاً في بِر
ابنه به، كذلك فإن للابن حقاً في أن يبره والده، بأن يُحسن الوالد إلى ولده، ولا
يُكلفه ما لا يطيق، ويتغافل عن هفواته، ويشكر له إحسانه، ولا يُقصِّر في حقوقه،
وأن تكون صُحبته له بالمُداراة، وحُسن الخُلق، وسعة الصدر، وتمام الشفقة، والصفح عن
عثراته، والتجاوز عن أخطائه ما لم تكن إثماً أو معصية؛ وذلك حتى لا يدفعه التشدد
إلى العُقوق؛ فمتى كان الوالد جافياً جرَّ ولده إلى القطيعة والعُقوق.
ويرى العُلماء أن من صُور عُقوق الوالدين لأبنائهم: التمييز بينهم في
العطاء أو المُعاملة، الحرمان العاطفي وعدم إظهار الرحمة والحنان، القسوة المُفرطة
في التربية واستخدام العُنف، إهمال التربية وترك الأبناء بلا توجيهٍ أو رعايةٍ،
والظُلم في حقوقهم مثل حرمانهم من التعليم أو الميراث.
ومن الآثار السلبية للعُقوق من الوالدين: ضَعف دافع البِرّ عند الأبناء،
انتشار القطيعة الأُسرية، فقدان الثقة بين الأجيال، وانحراف الأبناء بسبب غياب
القُدوة الصالحة.
أحبتي.. إن عُقوق الوالدين لأبنائهم في ميزان الشرع ظُلمٌ وإثمٌ، يُنافي
مقاصد الرحمة والعدل التي جاء بها الإسلام. والواجب على الوالدين أن يكونوا قُدوةً
في البِرّ، ويكون هدفهم (إعانة الأبناء ليكونوا بررة).
إن الرزق بالأبناء هو نعمةٌ كبيرةٌ، محرومٌ منها البعض، وهي منحةٌ من الله
سُبحانه وتعالى للوالدين، كما أنها أمانةٌ يُسألون عنها؛ يقول النبي صلى الله عليه
وسلم: [إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استرعاه: أحفِظ أم ضيَّع حتَّى يسأَلَ
الرَّجلَ عن أهلِ بيتِه].
فلنتناصح فيما بيننا كآباءٍ وأُمهاتٍ بأن نحرص على مُعاملة أبنائنا بالرحمة
والعدل والرفق، وأن نُعينهم على أن يبرونا، بأن نستخدم الحكمة لا القوة، والاحتواء
لا الإقصاء.
ولنُذِّكر أنفسنا بأن الأحفاد هُم الجسور التي تُبنى فوق أنهار القطيعة؛
فلا نجعل العناد يحرمنا من ضمهم وتقبيلهم، فالعُمر أقصر من أن نُضيعه في خصام.
اللهم اجعلنا من البارين بأبنائنا، واجعل أبناءنا من البارين بنا، وألهمنا
اللهم رشدنا، واهدنا سواء الصراط.
https://bit.ly/4cLCzGw