الجمعة، 19 يونيو 2026

المال الحرام

 

خاطرة الجمعة /556

الجمعة 19 يونيو 2026م

(المال الحرام)

 

أرسلت إحداهن رسالةً إلى مُحرر باب بريد القُراء الأُسبوعي بصحيفةٍ مصريةٍ مشهورةٍ، تقول فيها:

عملتُ مُمرضةً عند طبيبٍ طيب القلب مُدة عشرين عاماً، وكان لا يشك في أخلاقي، إلا أنني كنتُ أسرق باستمرارٍ من دُرج مكتبه مبالغ كبيرةً، كان لا يشعر بها، واستطعتُ بهذه الأموال أن أشتري شقةً في أحد الأحياء الشعبية، كما استطعتُ أن أضع في دفتر التوفير مبلغاً آخر. رزقني الله بولدٍ وبنتٍ، ثم تُوفي زوجي، وأتقن ابني فن السباكة؛ فاستأجرتُ له محلاً، واشتُهر في الحي بأنه سباكٌ مُمتازٌ، أما البنت فتخرجت في المدرسة المُتوسطة ولم أرغب في خروجها للعمل لتحسن حالتنا المادية، وزوجتُ ابني وأنفقتُ في مشروع زواجه وإنشاء محله نصف ما ادخرته. وفي يومٍ من الأيام أُصيب ابني ببحةٍ في صوته، وترددنا على الأطباء لنكتشف أنه مُصابٌ بسرطان الحُنجرة، وتعذَّب ابني عاماً كاملاً من عملياتٍ وعلاجٍ بالأشعة، ثُم تُوفي بعد هذا العذاب الشديد، واستولت زوجته على محله وأمواله بعدما أنفقتُ أنا كل ما ادخرته في أثناء رحلة علاجه. أما ابنتي فتزوجت بعد وفاة أخيها بخمسة أعوامٍ، ولأني بقيتُ بعد زواجها في منزلي وحيدةً فقد عملتُ لنوافذ ولباب البيت أسياخاً حديديةً لتأمينه، وأُصبتُ بمرضٍ نفسيٍ يحتاج للعلاج والتردد على الأطباء النفسيين؛ وبسبب هذا المرض تبرأت ابنتي مِني وطردتني من على سُلَم بيتها. أعيش الآن في بيتي وحيدةً، لا أنام طوال الليل من الحُزن والخوف والمرض النفسي، وأنظر حولي فإذا بيتي كالسجن تماماً؛ له بابٌ ونوافذ من الحديد، وليس فيه أثاثٌ؛ فأنا أنام على الأرض. هكذا أضاع (المال الحرام) أولادي وصحتي، وتسبَّب في دخولي سجناً أسستُه أنا بنفسي.

أُرسل لكَ هذه الرسالة ليقرأها قراؤك؛ ولتكون عبرةً لمن يعتبر.

 

أحبتي في الله.. ردَّ الصحفي مُحرر باب بريد القُراء على هذه الرسالة بقوله:

أُوقن تماماً أنكِ نادمةٌ على ما فعلتِ، ولستِ في حاجةٍ مني إلى تفسير لماذا حدث ذلك، ولكن دعيني أُذكِّركِ وأُذكِّر نفسي وأصدقائي بأن المال خادمٌ جيدٌ لكنه سيدٌ فاسدٌ؛ فإذا استعبد إنساناً أهلكه. وإذا آمنّا بأن أحداً مِنّا لن يموت قبل أن يستوفي رزقه الذي يُطارده حتى يُدركه كما يُدركه الموت؛ ما اقترب من مالٍ حرامٍ. وهنا أتذكر تفسيراً لأحد عُلمائنا بأن اللص عندما يسرق يحصل على رزقه، الذي كان سيحصل عليه بالحلال، لكنه تعجَّل وجناه حراماً!

يقول الشاعر:

وَلاَ تَقْرَبِ الأَمْرَ الحَرامَ فإنَّهُ

حَلاوَتُهُ تَفْنَى وَيَبْقَى مَرِيرُها

تلك المرارة هي التي ورثتِها يا سيدتي، بفقدكِ لابنكِ، وعُقوق ابنتكِ التي نبتت في أحضانكِ من (المال الحرام)، ودخولكِ سجنكِ بكامل إرادتكِ؛ فما يُكتسب بطريقٍ غير مشروعةٍ يضيع، ويضيع صاحبه مهما طال به الزمن.

سيدتي.. أدعو الله لكِ بالمغفرة والعفو عنكِ، وأدعوكِ أن تتوجهي إلي الله بتوبتكِ، وتذهبي إلي الطبيب الذي كنتِ تعملين لديه، تطلبي عفوه ومُسامحته، فهو له حقٌ لديكِ، وهو الذي يستطيع أن يتجاوز عنه ويغفر لكِ ما ارتكبتِه.

أما ابنتكِ العاقة فإني أدعوها إلى تأمل ما ألمَّ بكِ، لتفهم أنها ستشرب من نفس الكأس التي تُذيقكِ إياها الآن، وأنها ترتكب معصيةً كُبرى، وواحدةً من الكبائر بعُقوقها وقسوتها عليكِ، فهل تفيق قبل أن تندم في وقتٍ لا يُجدي فيه الندم؟

 

وعن (المال الحرام) هذه قصةٌ أُخرى يرويها واحدٌ من أشهر الدُعاة السوريين المُعاصرين؛ قال في إحدى مُحاضراته: "كان بدويٌّ يعيش في مدينة «جدة»، وعندما توسعت المدينة اقتربت حدودها الجديدة من أرضه؛ فارتفع سعرها، واشتراها منه مكتبٌ عقاريٌ يملكه ثلاثة شُركاء، اشتروها بثمنٍ بخسٍ، أقل كثيراً من السعر الذي تستحقه هذه الأرض، ثم قاموا ببناء عمارةٍ مُكونةٍ من عشرة طوابق على تلك الأرض. بعد الانتهاء من بناء العمارة وقع أول الشُركاء من الطابق العاشر فمات، أما الثاني فدهسته سيارةٌ؛ فانتبه الثالث وبحث عن البدويّ صاحب الأرض الأصلي حتى وجده؛ فأعطاه ثلاثة أمثال ما سبق أن دفعوه له، بما يُعادل الثمن الحقيقي لأرضه". الشاهد من القصة أنَّ هؤلاء الثلاثة قد اشتروا من البدويّ أرضه بالباطل بثمنٍ بخسٍ وهُم يعلمون قيمتها الحقيقة، فطاردتهم لعنة (المال الحرام) فلم يهنئوا بها إلى أن أرجعوا الحق لصاحبه.

 

وهذا أُستاذٌ جامعيٌّ ذو مكانةٍ مرموقةٍ كتب يقول: لقد جربتُ (المال الحرام) مرةً واحدةً في حياتي؛ كان طعمه في البداية يبدو حُلواً، لكن عاقبته كانت مريرةً ومُؤلمةً؛ ففي عام 1985م، كنتُ أُجري تجارب الماجستير، واحتجتُ إلى شراء جهازٍ لاستكمال أبحاثي، استعلمتُ عن سعره، وحصلتُ على عروض أسعارٍ كان أقلها 350 جُنيهاً. اقترضتُ هذا المبلغ كسلفةٍ من الكُلية، وسافرتُ إلى «القاهرة» لشراء الجهاز. عندما قُمتُ بالشراء، وجدتُ الفاتورة مُحررةً بمبلغ 365 جُنيهاً، استفسرتُ من المدير عن السبب؛ إذ أن عرض السعر هو 350 جُنيهاً فقط، فلماذا الزيادة؟ فأجابني المُدير مُبتسماً: "لن تدفع شيئاً من جيبك، فالسعر الحقيقي للجهاز هو 275 جُنيهاً شاملاً الضرائب، والفارق هو لك لتغطية مُواصلاتك ومصاريفك". وعندما لاحظ استغرابي، أضاف: "يا بُني، كُل زملائك يفعلون ذلك، وإلا فكيف ستتحمل تكاليف سفرك؟"، في تلك اللحظة، فرحتُ بهذا الفارق الذي بلغ 90 جُنيهاً -وهو مبلغٌ كان يتجاوز مُرتبي لشهرٍ كاملٍ وقتها- صرفته في الترفيه عن نفسي وتناول وجبةٍ من الكباب، وبينما كنتُ في المطعم أتناول وجبتي بما تبقى من المبلغ، شعرتُ بألمٍ شديدٍ في أسناني؛ فذهبتُ إلى طبيبٍ كانت عيادته مُجاورةً للمطعم؛ فأخبرني أنني بحاجةٍ إلى حشو عصبٍ لثلاثة ضُروس، الأمر الذي سيتطلب ثلاث أو أربع جلساتٍ علاجيةٍ. حين انتهيتُ من الجلسة الأخيرة، قمتُ بحساب تكاليف الكشف والعلاج والأدوية فكانت 90 جُنيهاً بالضبط! في تلك اللحظة وعيتُ الدرس، وحمدتُ الله أنَّ الأمر اقتصر على هذا القدْر، وقررتُ فوراً ردَّ المبلغ إلى الكُلية؛ ولصعوبة ردَّ المبلغ نقداً قمتُ بإصلاح ثلاجتين في المعمل، وشراء أسطوانة غازٍ كُنا نحتاجها، وتوفير محاليل تعقيمٍ ببقية المبلغ، كلفتني كُلها أكثر من 100 جُنيهٍ من مالي الخاص. ومنذ تلك اللحظة -والفضل لله سُبحانه وتعالى- لم تمتد يدي إلى أي مالٍ حرامٍ، أو حتى مشكوكٍ في حُرمته.

 

يُعرَّف (المال الحرام) بأنه كلُّ مالٍ اكتسبه الإنسانُ بطريقةٍ تُخالف أحكام الشريعة الإسلامية، أو كان في أصله مُحرَّماً، أو تم الحصول عليه عن طريق التعدي على حقوق الآخرين أو المصلحة العامة. ويشمل ذلك كل ما أُخذ بغير رضا صاحبه، أو عن طريق الغش، أو التدليس، أو الرشوة، أو الربا، أو السرقة، أو الاختلاس.

 

ولقد اشتمل القُرآن الكريم في أكثر من موقعٍ على التحذير من أكل أموال الناس بالباطل؛ ومن ذلك يقول تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ويقول سُبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾. ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ وتخص هذه الآية أشد صور (المال الحرام) قُبحاً، وهي استغلال ضعف اليتيم، وتتوعد الآية آكل مال اليتيم بوعيدٍ شديدٍ، واصفةً المال الذي يدخل جوفه بأنه وقودٌ للنار في الآخرة.

 

كما أن الأحاديث النبوية الشريفة تنهى عن أكل (المال الحرام)، ومنها؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [كُلُّ المُسلِمِ على المُسلِمِ حَرامٌ؛ دَمُه، ومالُه، وعِرضُه]، ويقول عليه الصلاة والسلام: [إنَّ رِجالًا يَتَخَوَّضونَ في مالِ اللهِ بغيرِ حَقٍّ، فلَهمُ النَّارُ يَومَ القيامةِ] "يَتَخَوَّضونَ" أي يتصرفون في المال العام بغير وجه حقٍ، والحديث يُحذِّر بشكلٍ مُباشرٍ من التلاعب بالمال العام أو الاستيلاء عليه، ويتوعد من يقوم بذلك بالعقاب الشديد. ويقول كذلك: [لا يحِلُّ مالُ امرئٍ مُسلِمٍ إلَّا بطِيبِ نَفْسٍ منه] يؤكد الشُرَّاح على أن هذا الحديث يُمثِّل القاعدة الذهبية في المُعاملات؛ وهي أن طيب النفس والرضا التام هو الشرط الأساسي الذي يجعل المال حلالاً. وكان من أعظم ما بيَّنه صلى الله عليه وسلم أن الإنسان سيُحاسب على ماله لا محالة، من أين اكتسبه وفيما أنفقه؛ بقوله: [لا تَزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القيامةِ، حتَّى يُسأَلَ عن ....] وذكر من ذلك [وعن مالِه؛ من أين اكتسَبَه؟ وفيم أنفَقَه؟].

 

يقول أهل العِلم إن من صُور (المال الحرام) أخذ الرشوة لتسهيل أمرٍ ممنوعٍ، أو إعطاء حقٍ لغير مُستحقٍ، أو إرساء مُناقصةٍ على غير مُكتمل الشُروط، أو إعطاء وظيفةٍ أو عملٍ لغير مُتأهل، وفي هذا من الشر على الأُمة ومن الضرر على الناس ما لا يخفى. ومن صوره أيضاً، الغش والخداع في البيوع والمُعاملات، وإخفاء عيب السلعة، أو التطفيف في الكيل والميزان، والحلف الكاذب لترويج السلعة، وغيرها من طُرق الغش والخداع. ومنها كذلك بيع المُحرمات: كالخُمور والمخدرات والدُخان. ومنها أكل أموال الميراث -خاصةً ميراث النساء-، وأكل أموال اليتامى والقُصَّر، وأكل أموال الزوجات والبنات العاملات بغير حقٍ، ومنع البنات من الزواج أو تأخيره للانتفاع بأموالهن، وهو ظُلمٌ وعضلٌ مع كونه خسةً ودناءةً وقلة مُروءة. ومنها أكل أموال العُمال والخدم في البيوت، وتأخير الرواتب، أو إنقاصها، أو التحايل في تقليلها، أو منعها. وهناك أناسٌ يدفعهم الفقر لمد أيديهم إلى ما لا حق لهم فيه؛ فيتقاضى الرشوة ويُبررها لنفسه تحت اسم هدية، أو مُساعدة، أو إكرامية، أو حُلوان؛ فيأخذ مالَ غيره بالمُحايلة، وبسيف الحياء من المُعطي. والبعض ممن اعتاد أخذ المال من غير حِله يستمرئ هذا السلوك حتى ولو اغتنى بعد فقرٍ. والبعض استهواه حُب المال وجمعُه حتى زلَّت به القدمُ، ومالت به النفسُ الأمَّارة بالسُّوء، فراح يجمع الدُّنيا بكلِّ طريقٍ، ويستكثِر منها بأيِّ سبيلٍ، فليس له همٌ إلا تكديس الأموال وتضخيم الثروات وتكثير الأصفار من أي وجهٍ جاءت، الحلال عندهم ما حَلَّ في أيديهم، ووصل إليهم أياً كانت الوسيلة، والحرام هو ما حُرموا منه ولم يستطيعوا الوصول إليه، حتى صدَق على الكثيرينِ إخبارُ النبي عليه الصلاة والسلام بقولِه: [لَيَأتيَنَّ على النَّاسِ زَمانٌ لا يُبالي المَرءُ بما أخَذَ المالَ: أمِن حَلالٍ أم مِن حَرامٍ]. ونسي كثيرٌ من هؤلاء أن (المال الحرام) خبيث الأصل، ممحوق البركة، وهو وبالٌ على الفرد وعلى الأُمة، حين يكسبه الفرد من ربا أو رشوةٍ أو ظلمٍ أو غشٍ أو أكلٍ لأموال الناس بالباطل؛ فعند ذلك يتنزل سخط الله وتنتشر المُوبقات وتكثر المصائب، ويدعو الناس فلا يُستجاب لهم؛ يقول عليه الصلاة والسلام: [إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طَيِّبًا].. [وذَكرَ الرَّجلَ يُطيلُ السَّفرَ أشعثَ أغبرَ يمدُّ يدَه إلى السَّماءِ يا ربِّ يا ربِّ، ومطعمُه حرامٌ، ومشربُه حرامٌ، وملبسُه حرامٌ، وغُذِّيَ بالحرامِ؛ فأنَّى يُستجابُ لذلِك]. كما أن (المال الحرام) شؤمٌ ووبالٌ على صاحبه، وضررٌ على جامعه وكاسبه؛ إن أنفقه صاحبه في بِرٍ لم يُقبل، وإن بذله في نفعٍ لم يُشكر؛ ورد في الأثر: "ولا يكسِبُ عبدٌ مالًا مِن حرامٍ، فيُنفِقَ منه فيُبارَكَ له فيه، ولا يَتصدَّقُ به فيُقبَلَ منه، ولا يترُكُ خَلفَ ظَهرِه إلَّا كان زادَه إلى النَّارِ".

 

ويُحذِّر العُلماء من أنَّ أكل (المال الحرام) سببٌ في عدم قبول عمل آكله؛ فلا يُقبل منه فرضٌ ولا نفلٌ؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تُقبَلُ صَلاةٌ بغيرِ طُهورٍ، ولا صَدَقةٌ مِن غُلُولٍ]، فمن حجَّ أو اعتمر بمالٍ حرامٍ لا يُقبل منه، ومن تصَدَّق بمالٍ حرامٍ لا يُقبل منه؛ بل هو مأزورٌ غير مأجورٍ؛ ورد في الأثر: "مَن جَمَعَ مالًا حرامًا ثم تَصَدَّقَ بِهِ لم يكنْ لَهُ فيهِ أَجْرٌ، وكانَ إِصْرُهُ عليهِ". والأكل من الحرام كبيرةٌ لا تُغْفَر؛ ورد في الأثر: "إياكَ والذنوبَ التي لا تُغْفَرُ" وذُكِر منها: "الغُلولُ، فمَنْ غَلَّ شيئًا أَتَى بِهِ يومَ القيامةِ".

وآكل الحرام ملعونٌ ومطرودٌ من رحمة الله؛ يقول صلى الله عليه وسلم: [لَعَنَ اللهُ مَنْ سَرَقَ مَنارَ الأرضِ]، وفي روايةٍ: [مَنْ غَيَّرَ مَنارَ الأرضِ]، و[مَنارَ الأرضِ] أي: العلامات التي تُميز الأملاك وتُحددها. ويقول صلى الله عليه وسلم: [لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسرِقُ البَيضةَ فتُقطَعُ يَدُه، ويَسرِقُ الحَبلَ فتُقطَعُ يَدُه]. ويقول أيضاً: [لعَنَ اللهُ الخَمْرَ، ولَعَنَ شارِبَها، وساقيَها، وعاصِرَها، ومُعتَصِرَها، وبائِعَها، ومُبتاعَها، وحامِلَها، والمَحمولةَ إليه، وآكِلَ ثَمَنِها].

وآكل الحرام متوعَّدٌ بالنار؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [لا يدخُلُ الجنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ من سُحْتٍ؛ النَّارُ أَوْلى به]. وآكل الحرام موعودٌ بغضب الله؛ يقول صلى الله عليه وسلم: [مَن حَلَفَ يَمينَ صَبرٍ ليَقتَطِعَ بها مالَ امرِئٍ مُسلِمٍ، لَقيَ اللهَ وهو عليه غَضبانُ]. ويقول عليه الصلاة والسلام: [إنَّ رِجالًا يَتَخَوَّضونَ في مالِ اللهِ بغيرِ حَقٍّ، فلَهمُ النَّارُ يَومَ القيامةِ]؛ فالمال العام حقٌ لجميع المُسلمين، فمن يعمل في الوظائف العامة عليه أمانةٌ عظيمةٌ، وحِملٌ ثقيلٌ، فمَن خان عمله، وقصَّر فيه، وضيَّعه؛ فقد تعرض للوعيد الشديد.

وأكل الحرام سببٌ للخراب والدمار؛ ففي الحديث المُرسل: [اليَمينُ الفاجِرةُ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ]، والْيَمِينُ الفَاجِرَة هِيَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ، يَقْتَطِعُ الرَّجُلُ بِهَا مَالَ غَيْرِهِ، ووصف الديار بأنها بَلاقِع يعني أنها تصير خاليةً من سُكَّانها، كالأرض القفر التي لا شيء بها؛ فالحالف باليمين الكاذبة مصيره الفقر، ويذهب ما في بيته من الرزق.

والمال الحرام سببٌ لمحق البركة؛ فالغش في البيع والشراء سببٌ لذهاب بركة المبيع؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [البَيِّعانِ بالخيارِ ما لَم يَتَفَرَّقا، فإن صَدَقا وبَيَّنا بورِك لهما في بَيعِهما، وإن كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكةُ بَيعِهما].

وأكل الحرام سببٌ للإفلاس يوم القيامة؛

يقول صلى الله عليه وسلم: [أتَدرونَ ما المُفلِسُ؟] قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهَمَ له ولا مَتاعَ، فقال: [إنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتي يَأتي يَومَ القيامةِ بصَلاةٍ، وصيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَك دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعطى هذا مِن حَسَناتِه، وهذا مِن حَسَناتِه، فإن فنيَت حَسَناتُه قَبلَ أن يُقضى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهم فطُرِحَت عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ].

 

ويرى أهل الاختصاص أن من أهم أسباب أكل (المال الحرام) غياب الخوف من الله، وضعف الوازع الديني والأخلاقي، وافتقاد الرقابة الذاتية، والطمع والجشع، والرغبة في التكسب السريع دون تعبٍ، وغياب النُظم الرقابية وضعف المُحاسبة في المُؤسسات، وتَوَهُم البعض بأن المال العام هو مالٌ بلا صاحبٍ، أو أن قلة مُرتباتهم وشدة حاجتهم تُبرر السرقة من ذلك المال.

 

يقول أحد العارفين إن مشقة الطاعة تذهب ويبقى ثوابها، ولذة المعصية تذهب ويبقى عقابها وألمها، ويقول الشاعر عن هذا المعنى:

المالُ ينفدُ حِلُّهُ وحَرامُهُ

يوماً ويَبقى بَعدَ ذا آثامُهُ

ليسَ التَقيُ بمُتقٍ لإلهِهِ

حتى يطيبَ طَعامُهُ وشَرابُه

 

وعن (المال الحرام) يقول الشاعر:

وَلا تَأكُلِ المالَ الحَرامَ فَإِنَّهُ

زُؤامٌ إِذا ما كُنتَ لَستَ بِعائِفِ

فَما في حَرامٍ كَسُبْتَ بَرَكَةٌ

وَلا في حَلالٍ لَو قَنِعْتَ بِتَالِفِ

 

أحبتي.. لا شك في أن كلَّ واحدٍ منا يُدرك أنَّ البركةَ في القليلِ الحلالِ، أعظمُ من الكثيرِ الحرامِ الذي يزولُ ويتركُ وراءه وبالاً؛ لذا يتوجب علينا جميعاً أن نستشعر تقوى الله في كل عملٍ نقوم به. لابد أن يلتزم كلٌ منا بالنزاهة، وأن نُربي أنفسنا وأبناءنا على مخافة الله عزَّ وجلَّ، وعلى عزة النفس، والقناعة بما رزقنا الله، مُتذكرين دائماً أنَّ النجاة في الدُنيا والآخرة لا تكون إلا باليد النظيفة والقلب السليم؛ فلنتقِ الله، ولا يحملنا استبطاء الرزق أن نطلبه بمعصية الله؛ فإن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته. وإن كان أحدنا وقع في إثم أكل (المال الحرام) فعليه أن يقضي ما عليه في الدُنيا قبل فوات الأوان؛ بأن يُعيد لمن وضع يده على أموالهم حقوقهم، ويُعوضهم عما أصابهم من ضررٍ، ويطلب منهم السماح والعفو والصفح.

اللهم اكْفِنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.

 

https://www.facebook.com/share/193CmL4c3L/?mibextid=wwXIfr

 

الجمعة، 12 يونيو 2026

قلب الأُمِّ

 

خاطرة الجمعة /555

الجمعة 12 يونيو 2026م

(قلب الأُمِّ)

 

لأن رقم هذا العدد من خواطر الجمعة مُميزٌ؛ فإن قصة ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏هذه الخاطرة مُميزةٌ هي الأُخرى، جَهِّزوا محارم تمسحون بها دموعكم، وإن كانت قُلوبكم ضعيفةً فأنصحكم بعدم مُتابعة القراءة.

إنها قصة أُمٍ مشت اثني عشر يوماً لتُعيد البصر لابنها، بدأت أحداث هذه القصة في قرية «أُم كدادة» النائية في شمال «دارفور» ب«السودان»، حيث الرمال تمتد كبحرٍ أصفرٍ لا نهاية له، وحيث الشمس تلسع كأنها جمرٌ، عاشت الحاجة «مريم» مع ابنها الوحيد «الطيب». كان «الطيب» في السابعة عشرة من عُمره، شاباً وسيماً، ذا بشرةٍ سمراء مائلةٍ للاحمرار، يملأ القرية ضحكاً وجمالاً. كان عُكاز أُمه في كبرها، وعائلها الوحيد بعد وفاة والده. وفي ليلةٍ مُقمرةٍ، بدأ «الطيب» يشكو من ضبابٍ في عينيه. في البداية ظنّت أُمه أنه مُجرد تعبٍ عابرٍ، لكن بعد أُسبوعٍ، صرخ «الطيب» في الفجر: "أُمي.. ما عُدتُ أراكِ، ما عُدتُ أرى أي شيءٍ". فقد «الطيب» بصره بالكامل، وأصبح يعيش في عتمةٍ تامةٍ. بكت «مريم» سبعة أيامٍ بلا توقفٍ، لكنها في اليوم الثامن، مسحت دموعها بطرف ثوبها، وحملت عصاها، وذهبت إلى حكيم القرية حكت له ما حدث لابنها؛ قال لها الحكيم: "في «الخُرطوم» طبيب عيونٍ مصريٌ اسمه دكتور «مجدي»، سمعتُ أنه يُرجع البصر للناس، لكن «الخُرطوم» بعيدةٌ؛ يحتاج الرجل القوي اثني عشر يوماً ليصل إليها، فما بالك بامرأةٍ كبيرةٍ"، عندها وقفت «مريم»، وكانت في الخامسة والستين، وقالت كلمتها التي صارت مثلاً: "المسافة بيني وبين «الخُرطوم» هي المسافة بين «الطيب» والدُنيا، وأنا سأُعيد له الدُنيا بإذن الله". لم تكن «مريم» تملك مالاً لتستأجر سيارةً، ما كان عندها إلا حِمارٌ هزيلٌ اسمه «صابر»، وقربةُ ماءٍ، و(قلب أُم).

تركت «مريم» ابنها «الطيب» لدى أقارب لها ليعتنوا به، وخرجت قبل الفجر هي وحمارها. لمدة يومين كاملين سارت في رمالٍ ناعمةٍ تغوص فيها أرجل الحمار، مشت ومشت، والسماء فوقها صافيةٌ، والشمس تصب لهيباً من نارٍ. كانت تُغني ل «الطيب» أُغنيةً قديمةً: "يا طير طاير في السما... بلّغ سلامي ل «الطيب».. قُل له أُمك جاية".

في اليوم الثالث: نفد الماء، وتوقف الحمار عن المشي، رفعت يَدَيّها إلى السماء وقالت: "يا فاطر السماوات أنا عطشانةٌ، لكن «الطيب» أكثر عطشاً مني للنور". بعد ساعةٍ، وجدت شجرة سَنطٍ ضخمةً، وفي جِذعها تجويفٌ مليءٌ بماء المطر، شربت وسقت الحمار.

في اليوم الرابع: عبرت منطقةً تُعرف باسم «وادي الموت»، هيكلٌ عظميٌ لجملٍ على الرمال، وآثار ضباعٍ. ربطت الحمار في شجرةٍ، ونامت تحته، مُمسكةً بعصاها. في الليل سمعت عُواءً قريباً، فظلت تهمس: "يا رب؛ إن كنتَ سُبحانك قد كتبتَ الموت لي، فأجِّلُه حتى أُرجع البصر لابني بإذنك".

في اليوم الخامس: تورمت قدمها اليُمنى. خلعت نعلها المُمزق ومشت حافيةً على الرمل الحارق، تصرخ من الألم، والدموع تنزل على خديَّها المُتجعدين.

أما في اليوم السادس: فقد قابلت قافلة تجارٍ من قبيلة «الزغاوة» يسيرون عكس اتجاهها، قادمون من «الخُرطوم» سألها كبيرهم: "إلى أين يا حاجة؟"، قالت: "إلى النور" وأخبرته بقصتها. أعطاها بعض تمراتٍ وقال لها: "أنتِ مجنونةٌ بحُب «الطيب».. لكن مجنون الحُب يصل".

في اليوم السابع: هبَّت عاصفةٌ ترابيةٌ؛ التفَّت بعباءتها، وجلست تحت بطن الحمار. يدخل الرمل في عينيها وفمها وأُذنيها. اختنقت، وسعلت، لكنها ظلت تضغط على صدرها وتقول: "لا يهم.. المُهم عيون «الطيب»".

في اليوم الثامن: عبرت «مريم» نهراً جافاً، مملوءاً بالحجارة الحادة. جُرح قدمها جُرحاً كبيراً. نزفت بشدةٍ. مزقت طرف ثوبها وربطت الجُرح، وأكملت مسيرها.

في اليوم التاسع: سقط الحمار «صابر» من التعب ولم يقم، ظلَّت تُحاول إيقاظه ساعةً، ثم بكت بحُرقةٍ، وقبَّلت جبهته، وقالت: "نم يا «صابر».. أديتَ الأمانة، ولم تُقصِّر"، وتركت جثته وراءها، وأكملت طريقها نحو «الخُرطوم» وحدها.

في اليومين العاشر والحادي عشر: مشت وهي تُهلوس. ترى «الطيب» صغيراً، ترى زوجها المُتوفى يُناديها، لكنها لم تتوقف. رجلاها كأنهما خشبتان تتحركان آلياً بإرادةٍ كأنها قادمةٌ من خارج هذا العالَم!

في اليوم الثاني عشر: وعند الغُروب، رأت أضواء «الخُرطوم» من بعيدٍ. كانت ترى تلك الأضواء لأول مرةٍ في حياتها. جثت على رُكبتيها، وسجدت على الرمال، وقبَّلت التُراب، وظلَّت تبكي كثيراً.

أما في صباح اليوم الثالث عشر، فكانت «مريم» قد حققت المُعجزة ووصلت إلى مدينة «الخُرطوم»، سألت عن المُستشفى التي يعمل بها الطبيب المصري، دلَّها الناس على مُستشفى «النور». تحاملت على نفسها حتى وصلت إليها، دخلتها، وكانت تبدو كشبحٍ؛ ثوبها مُمزقٌ، قدمها غارقةٌ في الدماء اليابسة، وجهها مُغطىً بالغُبار، وعيناها غائرتان. تجمهرت المُمرضات حولها، سألتها إحداهن: "يا حاجة.. من أين أنتِ؟"، أجابت بصوتٍ مُرتعشٍ: "من «دارفور»، أُريد مُقابلة الدكتور المصري.. أريده أن يُرجع البصر لابني «الطيب»". حضر الدكتور «مجدي»، ونظر إلى المرأة فلم يتمالك نفسه؛ قال لها: "يا حاجة.. أين ابنك؟"، قالت بكل براءةٍ: "تركته في القرية"، تعجب الطبيب وسألها: "هل حضرتِ وحدكِ من «دارفور»؟!"، قالت: "نعم يا بُنيّ.. أرجو أن ترجع معي؛ «الطيب» مُنتظر". حكت له عن حالة ابنها، كما حكت له تفاصيل رحلتها من قرية «أُم كدادة» إلى مدينة «الخُرطوم»، لم يتمالك الطبيب نفسه فراح يبكي في غُرفة الكشف، وقال للمُمرضات: "على مدار ثلاثين سنةً، لم أرَ امرأةً تمشي من «دارفور» إلى «الخُرطوم»".

قام أحد الأطباء السودانيين الذين يعملون بالمُستشفى بنشر القصة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي الشهيرة، وكتب: "هذه أُمٌ سودانيةٌ مشت اثني عشر يوماً في الصحراء بلا حذاءٍ، ومعها حمارٌ مات في الطريق، لتصل إلى طبيبٍ تقول له: أُريدك أن تُرجع البصر لابني".

ما حدث بعد النشر كان إعصاراً محلياً وعربياً:

في «السودان»: أرسل وزير الصحة طائرةً مروحيةً لنقل الدكتور «مجدي» وفريقٍ طبيٍ كاملٍ إلى «دارفور».

في «مصر»: تبرعت نقابة الأطباء بعلاج «الطيب» بالكامل، كما أن الدكتور «مجدي» أجرى العملية مجاناً.

في «المملكة العربية السعودية»: عرض أميرٌ سعوديٌ أن يُرسل طائرةً خاصةً لنقل «الطيب» وأُمه إلى أفضل مُستشفى في «الرياض» لمُتابعة العلاج.

في «دولة قطر»: تكفلت مؤسسة «أيادي الخير» ببناء مُستشفى لطب العُيون في «دارفور» باسم «مُستشفى الحاجة مريم».

في «دولة الإمارات»، وفي «دولة الكويت»: انهالت التبرعات لإنشاء طريقٍ يربط القرية بالمدينة.

أجرى الدكتور «مجدي» العملية، وبعد أُسبوعين قام بفك اللفافات عن عينيّ «الطيب». فتح «الطيب» عينيه ببطءٍ. أول ما رأى كان وجه أُمه المُتعب، المُغطى بالتجاعيد، والذي أضاء بالدُموع، سألته بصوتٍ مُرتعشٍ: "أتراني يا حبيبي؟"، فقال «الطيب» وهو يبكي: "أراكِ يا أمي.. أراكِ.. والله أراكِ"، تعانقا طويلاً.. بكى كُل مَن في الغُرفة؛ بكى الدكتور «مجدي»، بكت المُمرضات، وبكى الصحفيون. قالت «مريم» للطبيب: "الآن، أستطيع أن أموت وأنا مُرتاحةٌ"؛ فرَدَّ عليها الدكتور «مجدي» بلهجةٍ مصريةٍ: "لا يا حاجة... إنتِ ماتموتيش... إنتِ هاتعيشي أُسطورة.. وإنتِ اللي هتحكيها للأجيال".

اليوم، في قرية «أم كدادة» بُنيت مُستشفى «الحاجة مريم لطب العُيون»، وكُل من يدخله يقرأ على بابه: "مِن هُنا مشت أُمٌ اثني عشر يوماً لترى عيون ابنها النور".

عاد «الطيب» مُبصراً، والتحق بكلية الطب، وأصبح طبيب عيونٍ. وعندما سُئل في وسائل الإعلام: "لماذا اخترتَ طب العُيون؟"، قال: "لأنها العُيون التي بكت اثني عشر يوماً لأجل عُيوني".

وفي «دارفور»، صارت قصة «مريم» تُروى للأطفال قبل النوم، وتقول الأمهات: "ناموا يا صغار.. ناموا مُطمئنين وأنتم تعرفون أن أُمهاتكم يمشين اثني عشر يوماً لأجلكم".

وفي كل عامٍ، في ذكرى وصولها إلى «الخُرطوم»، تجلس الحاجة «مريم» تحت شجرة "السَنط التي سقتها من ماء المطر في طريقها، وتحكي لحفيدها الصغير -الذي سمّته «صابر» على اسم الحمار الذي مات في الطريق- قصة الرحلة، وتختم دائماً بجملتها الشهيرة: "يا ولدي، المسافة الحقيقية بينك وبين أي حلمٍ هي المسافة بين خوفك وإرادتك، وأنا يوم خفتُ على عُيون «الطيب» صارت الصحراء شارعاً، وصار المُستحيل طريقاً".

 

أحبتي في الله.. يقول ناشر القصة: في زمنٍ أصبحنا نعجز فيه عن المشي إلى المسجد القريب، خرجت من «دارفور» امرأةٌ في الخامسة والستين، حافية القدمين، تمشي اثني عشر يوماً في صحراء الموت، لتُعيد البصر لابنها، ليس لأنها أقوى من غيرها، بل لأن (قلب الأُمِّ) حين يُحب يمشي في الصحراء فيراها جنةً، ويعبر المُستحيل فيراه سهلاً، ويقف بين يديّ الرحمن ويقول: "برحمتك ربي.. إما أن تُعيد له النور.. أو تأخذني إليك".

 

ولقد أوصى القرآن الكريم بالأُم، لفضلها ومكانتها؛ يقول تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾؛ مما يُبَيِّن أن فضل الأُم على الأب له مُوجباته وهو الحمل والرضاع والرعاية.

ومن أمثلة اهتمام القُرآن بالأُم، ما ورد به عن أُم موسى -عليه السلام- يقول تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، كما قال: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يقول المفسرون: فلما كان حالها كذلك رعى الله سُبحانه تلك العاطفة -عاطفة الأُمومة- حق رعايةٍ، وامتنَّ بذلك على موسى -عليه السلام- لعظيم تلك المِنة وأهميتها؛ يقول تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾.

والأحاديث النبوية الشريفة عن الأُم كثيرةٌ؛ منها إنه جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: يا رَسولَ اللهِ، مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسنِ صَحابَتي؟ قال: [أُمُّكَ]، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: [ثُمَّ أُمُّكَ]، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: [ثُمَّ أُمُّكَ]، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: [ثُمَّ أبوكَ].

ومن الإحسان إلى الأُم بعد وفاتها قضاءُ ما كان عليها من دَيْنٍ لله أو للناس؛ فقد سأل أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نذرٍ كان على أُمه، وتُوفيت قبل أن تقضيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [فاقْضِهِ عَنْها]. وجاءت امرأةٌ تسأله عن أُمها التي ماتت وعليها صوم شهر رمضان، فقال عليه الصلاة والسلام: [أرأيتِ لو كان على أُمك دَيْنٌ أكُنتِ قاضيَتَه؟] قالت: نعم. قال: [فدَيْنُ اللهِ أحقُ بالقضاء]. وكذلك سألت امرأةٌ عن أُمها ماتت ولم تحجّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [حُجيّ عنها].

 

وعن (قلب الأُمِّ) قال الشاعر:

أغرى امرؤٌ يوماً غُلاماً جاهلاً

بنقودِه حتى ينالَ به الوَطَرْ

قال: ائتني بفؤادِ أمّكَ يا فتًى

ولكَ الجواهرُ واللآلئُ والدُّرَرْ

فمضى وأغمدَ خِنجراً في صَدْرِها

والقلبُ أخرَجَه وعادَ على الأثَرْ

يا هَوْلَ ما فَعَلَ الغُلامُ كأنّهُ

من دونِ قَلْبٍ أو له قَلْبٌ حَجَرْ

ولِفَرْطِ سُرعَتهِ هَوى فتَدَحْرَجَ الْـ

قَلْبُ المُعَنّى في التُرابِ كما عَثَرْ

ناداه ذاكَ القَلْبُ وهُو مُعَفَّرٌ

وَلَدِي حَبيبي هَلْ أصابكَ مِن ضَرَرْ

قد كانَ هذا الصَوتُ رَغْمَ حُنُوِّهِ

غَضَبَ السَماءِ بِهِ على الوَلَدِ انْهَمَرْ

ورأى فَظيعَ جِنايةٍ لمْ يأتِها

أحدٌ سِواه مُنْذُ تاريخِ البَشَرْ

فارتدَّ نَحْوَ القَلْبِ يَغْسِلْهُ بما

فاضَت بِهِ عَيناه من سَيلِ العِبَرْ

ويَصيحُ مُرْتَعِداً: أيا قَلْبُ انْتَقِمْ

منّي فإنَّ جَريمَتي لا تُغْتَفَرْ

واستلَّ خِنجرَه ليَطْعَنَ قَلبَهُ

طَعْناً سَيَبقى عِبْرةً لمنِ اعتَبَرْ

ناداه (قلبُ الأُمِّ): كُفَّ يَداً ولا

تَذْبَحْ فؤادي مَرّتيْن عَلى الأثَرْ

 

أحبتي.. أختم بما كتبته إحداهن لأُمها، كتبت تقول: تتضاءل الكلمات أمامكِ خجلاً؛ لأنه لا توجد كلمةٌ توفيكِ حقكِ.. أتوسل ذاكرتي كي تجود عليّ؛ لعلها تمدني ولو بكلمةٍ تُعبر عمّا في قلبي تجاهك.. لكن الذاكرة تخذلني وتهرب من ملاحقتي.. أُماه في قلبي أطنانٌ وأطنانٌ من مشاعر الحُب والعرفان والامتنان والشُكر، وحتى هذه الجملة الصماء لم تستطع مع الأسف أن تُعبِّر عما أحمله لكِ في قلبي.. أُماه أكتب لك هذه الكلمات المُتواضعة؛ لأقول لكِ إنني أغرق في بحر جميلك.. هذا الجميل الذي يُخرسني ويعقد لساني.. هذا الجميل الذي لن أستطيع رده في يومٍ من الأيام؛ فمهما فعلتُ، ومهما قلتُ فلن يُساوي شيئاً بجانب عطائك الواسع.. أُماه لن أقول إنكِ حملتِ وربَّيتِ وأرضعتِ وسهرتِ وتعبتِ وتحمَّلتِ من أجلنا الكثير الكثير، وتخليتِ عن رغباتٍ كثيرةٍ لتُحققي لنا رغباتنا.. فما قدَّمتِهِ لنا أكثر من ذلك بكثيرٍ.. لقد علمتينا أهم دروس الحياة.. علمتينا معنى الحياة.. ولم تكتفِ بذلك؛ بل كُنتِ وما زلتِ لنا شمعةً تحترق لتُنير لنا دروب الحياة.

اللهم احفظ الأحياء من أُمهاتنا؛ أَطِل في أعمارهن ومتعهن بالصحة والسعادة. وارحم اللهم من مات منهن واجعل مثواهن الفردوس الأعلى من الجنة، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقاً.

 

https://www.facebook.com/share/1C7ZafgLPt/?mibextid=wwXIfr

الجمعة، 5 يونيو 2026

أضعافاً مُضاعفة

 

خاطرة الجمعة /554

الجمعة 5 يونيو 2026م

(أضعافاً مُضاعفة)

 

كان هناك مُعلمٌ للقُرآن، بسيطٌ يعيش حياةً مُتواضعةً، يجلس كُل يومٍ بعد صلاة العصر ليُحفِّظ الأطفال، ومن هؤلاء الطُلاب كان هناك طفلٌ فقيرٌ دائم الغياب، ملابسه قديمةٌ، ووجهه شاحبٌ، لكنه شديد الأدب، كلما حضر جلس في آخر الصف صامتاً، وفي يومٍ سأله المُعلم: "لماذا تتغيب كثيراً يا بُنيّ؟"، خفض الطفل رأسه وقال: "أعمل بعد المدرسة في محلٍ حتى أُساعد أُمي، وأحياناً لا أستطيع الحضور"، تأثر المُعلم بكلامه لكنه لم يُظهِر شيئاً، ومن يومها صار يضع لهذا الطفل طعاماً ومالاً بسيطاً في حقيبته دون أن يعرف أحدٌ.

مرَّت السنوات، وكبر الطفل واختفى عن المسجد تماماً، أما المُعلم فقد شاخ ومرض وأصبح بالكاد يستطيع الحركة، وذات يومٍ طرق بابه رجلٌ أنيقٌ يرتدي ثياباً فاخرةً، ويحمل حقيبة يدٍ، فتح المُعلم الباب ولم يعرف الرجل الطارق، احتضنه الرجل وهو يبكي، وقال: "أنا الطفل الذي كُنتَ تضع الطعام في حقيبته"، ثم أخرج ورقةً قديمةً جداً وقال: "كُنتُ أجد معها دائماً هذه الجملة 'لا تخجل من فقرك؛ فالله لا ينسى عباده'، كُنتُ كلما ضعفتُ قرأتُ الورقة وأكملتُ طريقي، واليوم أنا طبيبٌ والحمد لله، وقد اشتريتُ لك بيتاً، وسأتكفل بعلاجك وخدمتك ما حييت"، بكى المُعلم وقال: "كُل هذا بسبب لُقيماتٍ قليلةٍ؟!"، فرَّد الرجل: "لا؛ بل لأن عمل الخير يعود لصاحبه (أضعافاً مُضاعفة)".

 

أحبتي في الله.. تعقيباً على هذه القصة كتب ناشرها يقول: قد تُغيِّر كلمةٌ طيبةٌ أو صدقةٌ خفيةٌ حياةً كاملةً لإنسانٍ؛ فازرع الخير حتى لو لم ترَ ثماره الآن؛ يقول تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، المُهم أن يكون لديك يقينٌ تامٌ بأن عمل الخير لا يضيع أبداً، وإن تأخر موعد رجوعه لك وعودته إليك، وإن رجع وعاد في صورةٍ مُختلفةٍ عما قدمت.

 

وهذه قصةٌ أُخرى توضح أن عمل الخير يعود لصاحبه (أضعافاً مُضاعفة)؛ تقول صاحبة القصة:

قبل عشرين سنةً كنتُ أعمل بإحدى المكتبات المُتخصصة في بيع الكُتب ومُستلزمات الدراسة قُرب كلية الطب، اعتاد الكثير من الطلبة أن يأتوا إلى المكتبة لشراء الكُتب أو طباعة الأبحاث أو تصوير الأوراق. من بين هؤلاء الطلبة شابٌ طموحٌ، تُظهِر ملامحه أنه فقير الحال، وكان كُلما أراد أن يشتري كتاباً يسأل أولاً عن ثمنه، وغالباً ما كان يطلب الكُتب المُستعملة. ظلَّ على هذه الحال مدة خمس سنواتٍ، كُنتُ أتعامل معه طوالها بلُطفٍ، وأُخبره بكل العُروض المُتوفرة لكي يكون سَبَّاقاً لشرائها قبل أن تنفد؛ فهي كُتبٌ علميةٌ طبيةٌ في الأصل باهظة الثمن لا يستطيع شراءها إلا في العُروض الاستثنائية التي تُقدِّمها مكتبتنا كُل فترة. ذات يومٍ -قبل نهاية العام الدراسي- وجدتُ هذا الطالب ينتظر أمام المكتبة، ساعدني في فتح الباب، سألته عن سبب قُدومه للمكتبة في هذا الوقت المُبكر، أجابني وعيناه تدمعان: "إن الامتحانات وشيكةٌ ولم أُراجع دروسي بسبب الكُتب الغالية التي ستُكلّفني الكثير من المال"، وأضاف: "إننا في نهاية العام الدراسي، لم يتبقَ لي من المصروف إلا القليل، لن يكفيني حتى لشراء الخُبز، ولا أريد أن أُفوِّت فُرصة العُمر وأُحقق حلمي أن أكون طبيباً جراحاً، وأطلب منكِ أن تُعيريني هذه الكُتب، وبعد تخرجي سأدفع لكِ ثمنها ضعفين". وقع هذا الكلام على مسامعي كالصاعقة، بعد لحظاتٍ دخل صاحب المكتبة، وصرخ في وجهي لعدم إتمامي لعملي وانشغالي بالحديث مع هذا الطالب، فقلتُ له إنه مسكينٌ ويُريد كُتباً لا يملك ثمنها، ونحن أمله الوحيد، قال صاحب المكتبة: "نحن لسنا جمعيةً خيريةً لنعطي الكُتب مجاناً للطُلاب الفُقراء، لدينا الكثير من المصاريف في انتظارنا، إن كنتِ تُشفقين عليه ادفعي له ثمن الكُتب من مالكِ الخاص"؛ فقُلتُ له: "حسناً؛ سأدفع له ثمنها خصماً من مُرتبي الشهري". وهذا ما تم بالفعل، بل وأعطيتُ الطالب بعضاً من النقود لشراء ما يسد جوعه.

مرَّت الأيام والسنوات، تزوجتُ وانتقلتُ إلى مدينةٍ أُخرى، وانشغلتُ بتربية أطفالي والاهتمام بأُسرتي، تقدمتُ في السن وأُصبتُ بمرضٍ مُزمنٍ، وفي كل مرةٍ أزور الطبيب يُعطيني وصفةً طبيةً تحمل مجموعةً من الأدوية باهظة الثمن. استمرت الأيام على هذا الحال دُون جدوى. بدأ الألم يزداد ولم أعد أتحمل، وقمتُ ببيع الكثير من مُستلزماتي كي أتمكن من دفع ثمن الأدوية والتحاليل والأشعة، وفي آخر زيارة لي للطبيب فاجأني بضرورة سُرعة إجراء عمليةٍ جراحيةٍ، لم أكن أملك تكاليفها رغم احتياجي لها. في طريق عودتي صادفتُ مُستشفىً توجهتُ إليها لأعرف كم هي تكلفة هذه العملية، صعدتُ إلى الطابق العُلوي، فوجدتُ قاعة الانتظار مُكتظةً عن آخرها بالمُراجعين، أخذتُ ورقةً تحمل رقم دُوري في الدخول على الطبيب الجرَّاح، لكني لم أتحمل ألم الوقوف وطول الانتظار فقرَّرتُ المُغادرة، بعد لحظةٍ ناداني المُمرض باسمي! فالتفتُّ إليه، قال: "الطبيب يُريدك في غُرفته" فاستغربتُ وسألته: "كيف عرفني الطبيب؟!"، قال: "القاعة مليئةٌ بكاميرات المُراقبة والطبيب يُلِّح بضرورة حضورك إلى غُرفته"، دخلتُ غُرفة الطبيب وأنا في ذهولٍ، طلب مني الجلوس في مقعده وقبَّل رأسي؛ فزادت حيرتي! سألني: "ما بكِ سيدتي؟"، قُلتُ له: "أنا مريضةٌ وأحتاج لإجراء عمليةٍ جراحيةٍ، أريد فقط أن أعرف كم تُكلِف" وسلمته ملفاً كاملاً عن حالتي، فلمّا اطلَّع عليه قال: "ستدخلين لغُرفة العمليات الآن"، قُلتُ له: "سيدي؛ ليس لديّ ما أدفع به تكلفة العملية، كنتُ فقط أُريد أن أعرف تكلفتها"، قال لي: "لا تحملي هَمَّ تكلفة العملية؛ سأُجريها لكِ مجاناً!"، زادت دهشتي، لكنهم أدخلوني بالفعل لإجراء العملية وأنا لا أُصدق ما يحدث. بعد ساعاتٍ وجدتُ نفسي في غُرفةٍ مليئةٍ بالمُمرضات، وبعد لحظاتٍ طلب الطبيب من الكُل المُغادرة، وبقي معي وقال: "هل تذكرين يوم ساعدتك في فتح المكتبة، ودفعتِ عني ثمن الكُتب وأعطيتيني بعض النُقود في نهاية العام الدراسي حين كنتُ طالباً قبل عشرين عاماً؟"، قُلتُ له: "هل أنتَ الطالب الذي كان يسأل عن موعد التخفيضات والكُتب المُستعملة؟"، أومأ برأسه وقال: "نعم أنا هُو، وبفضل الله ثم بسبب تلك النُقود والكُتب التي دفعتِ ثمنها من مالكِ الخاص استطعتُ التخرج بتفوقٍ، عملتُ بعدها فترةً بالمُستشفى العام ثم قُمتُ بافتتاح هذه المُستشفى الخاص بي، والفضل يعود لله سُبحانه وتعالى ثم لكِ، ومهما فعلتُ لن أُوفيك حقكِ، لقد بحثتُ عنك كثيراً لأرد لكِ دَيْنكِ ولم أُفلح في ذلك، حتى رأيتك اليوم". لم يكتفِ الطبيب بإجراء العملية ومتابعة حالتها الصحية مجاناً، بل قام بتأجير مسكنٍ مُناسبٍ لها ولأُسرتها، وجعل لهم معاشاً شهرياً يعيشون به حياةً كريمةً.

 

يقول العُلماء إنَّ فعل الخير فريضةٌ على كُلّ إنسانٍ مُسلمٍ؛ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ومن صفات الله تعالى العدل الحقّ؛ فهو الحَكَمُ العدلُ، لطيفٌ بعباده، والجزاء عنده من جنس العمل.

وإن كانت أعمال الخير تندرج تحت مُسمّى الإحسان إلى الناس، إلا أنه في الواقع إحسانٌ إلى الشّخص المُحسن نفسه؛ يقول تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾، وأيّ مُساعداتٍ يقوم بها المرء -سواءً ماليّةً أو معنويّةً- ستعود له فإن أعمال الخير تعود لصاحبها (أضعافاً مضاعفة)؛ يقول سُبحانه: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، يقول المفسرون لهذه الآية إن حبة القمح التي ضرب الله المثل بها تُعطي سبعمائة حبةٍ من نفس صنفها، أما الله سُبحانه وتعالى فيُضاعِف أكثر في الكم،

ومعنى قوله: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ أنّ المُضاعفة درجاتٌ كثيرةٌ تترتّب على أحوال المُتصدِّق وأحوال المُتصدَّق عليه؛ فللإخلاص وقصد الامتثال ومحبة الخير للناس والإيثار على النفس وغير ذلك تأثيرٌ في تضعيف الأجر. أما لفظة ﴿وَاسِعٌ﴾ فهي تُفيد تنوع رزق الله أكثر في الكيف؛ فلا يكون الرزق مالاً وحسب، بل يشمل أيضاً الأبناء، الصحة، الاطمئنان وراحة البال، النجاة من المصائب، وغير ذلك.

 

إنّ عمل الخير بغير انتظار مُقابلٍ له، يُفرِح قلب صاحبه؛ لأنَّه يعلم يقيناً أنّ ما يُقدِّمه من خيرٍ يقصد به وجه الله تعالى لن يضيع ثوابه، بل سيأتيه من ﴿عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾. إنّ لعمل الخير طعمٌ مُميّزٌ، لا يعرف مذاقه إلا من يُقدِّمه، فيشعر بحلاوة الإيمان ولذّة القُرب من الله تعالى، لما له من آثارٍ طيّبةٍ على النّفوس، تنعكس نوراً في القُلوب، وضياءً في الوجوه، وسعةً في الرّزق، ومحبّةً من النّاس، رغم أنّ بعض من يُقدَّم لهم الخير لا يُقدِّرون ما يُقدَم لهم من مُساعدةٍ، بل يعدّون ذلك واجباً على الآخرين، فيتسلَّل شعورٌ غريبٌ لمُقدِّم الخير بأنّ جهده ضاع سُدىً، أو بأنّ المُساعدة وُضعت في غير أهلها، لكن هذا الشعور يتلاشى، ليحل محله اليقين بأن الاستمرار في عمل الخير ومُساعدة الناس هو لوجه الله تعالى، وليس لمرضاة أحدٍ من عباده، وأن لا قيمة للحياة من دون عمل الخير، وأن عمل الخير يعود لصاحبه (أضعافاً مُضاعفة) ويكون سبباً في راحةٍ نفسيّةٍ، وسعادةٍ تغمر القلب، مع الثقة الكاملة بأنها سبيلٌ للحصول على رضوان الله تعالى والفوز بالجنّة.

 

لقد صدق الشاعر حين قال:

الناسُ بالناسِ مادامَ الحياءُ بهمُ

والسعدُ لاَ شَكَ تاراتٌ وهباتُ

وأفضلُ الناسِ ما بينَ الوَرى رجلٌ

تُقضى على يدهِ للناسِ حاجاتُ

لا تَمنعنَ يدَ المعرُوفِ عن أحدٍ

ما دُمتَ مٌقتَدِراً فالسعدُ تاراتُ

واشكُر فَضَائِلَ صُنعِ اللهِ إذْ جُعِلَت

إليكَ لاَ لكَ عند الناسِ حاجاتُ

قد ماتَ قومٌ وما ماتَتْ مَكارِمُهم

وعاشَ قومٌ وهُم في الناسِ أمواتُ

وهذا شاعرٌ آخر قال:

خيرُ أيامِ الفتى يومَ نَفَعْ

واصطناعُ الخيرِ أبقى ما صَنَعْ

ونظيرُ المَرءِ في مَعْروفِهِ شافِعٌ

بِتُّ إليه فَشَفَعْ

ما يُنالُ الخَيرُ بالشَرِ

ولا يَحْصِدُ الزارِعُ إلا ما زَرَعْ

 

أحبتي.. على كُلّ مُسلمٍ منا أن يجعل فعل الخير في حياته -كوصف أحدهم- كنهرٍ جارٍ، يرتوي منه المّارّة؛ فيرتدّ هذا الخير على صاحبه، ويُثقِّل ميزان أعماله؛ يقول تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾، فلنكُن دائماً مفاتيح للخير مغاليق للشّر، ولنفعل كل خيرٍ مُمكنٍ ونحن على يقينٍ تامٍ بأن عمل الخير لا يضيع أبداً.

ومن صور وأشكال عمل الخير: إخراج زكاة المال، الإكثار من الصدقات، إطعام الطعام، سُقيا الماء، كُسوة المحتاجين، السعي على الأرامل والمُطلقات، كفالة الأيتام، المُشاركة في الأعمال التطوعية، الدعم النفسي والنُصح والإرشاد، الكلمة الطيبة وحُسن التعامل، الدُعاء لتخفيف الكرب والهُموم عن الغير ورفع البلاء والمصائب عنهم، وغير ذلك.

وفقَّنا الله لكل خيرٍ، وجعلنا سبباً في سعادة الآخرين، وتخفيف غُمومهم وأحزانهم.

 

https://bit.ly/3PIacjN

الجمعة، 29 مايو 2026

الدُعاء بيقين

 

خاطرة الجمعة /553

الجمعة 29 مايو 2026م

(الدُعاء بيقين)

 

تحكي امرأةٌ سوريةٌ قصتها فتقول: "تزوجتُ وأنجبتُ أربع أولادٍ، ولم أتفق في حياتي كُلها مع زوجي؛ صبرتُ وصبرتُ ثم انفصلنا وعُمري خمسين سنة! حزنتُ وأصابني الكدر، وشعرتُ بالوحدة؛ فالأولاد مع طليقي لأني لا أستطيع إعالتهم للفقر وضيق الحال. وجدتُ خلال فترة عِدتي أُنساً بربي، سألتُ الله واستأنستُ به وناجيته كثيراً، طلبتُ منه الحج! "الحج الحج يا رب"، طلبته بصدقٍ ويقينٍ في السر والعلن، استغرب أهلي وقالوا: "أنتِ مُطَّلقةٌ، وحالنا فقيرٌ، وليس لديكِ مَحرمٌ، فكيف ذلك!"، قُلتُ لهم: "دعوني أنا وربي، لا شيء عليه عسيرٌ، أطلب طلبي من الكريم الغني". انقضت مُدة العِدة، وزارتني صديقةٌ تحمل معها صورة رجلٍ من أهل «المدينة المُنورة»، ماتت زوجته ويُريد الاقتران بأُخرى، رفضتُ بشدةٍ؛ لستُ بصغيرةٍ، وأولادي شبابٌ، والأهم أن عُمر ذلك الرجل قد جاوز التسعين! قالت لي صديقتي: "أما تودين الحج؟! اجعليه سبباً لذلك"؛ فوافقت.

تقول: "نزل إلى «الشام» لأيامٍ قليلةٍ، زارانا في يومٍ، وأتممنا عقد الزواج في اليوم التالي، ثم كان سفره عائداً لبلده فجر اليوم الثالث! وقبل سفره بعدة ساعاتٍ أوصلني أهلي لغُرفته بالفُندق لأقضي معه تلك الليلة الوحيدة!".

أطرقَتْ رأسها خجلاً وهي تُكمل رواية قصتها، قالت: "دخلتُ على الرجل الغريب، وكان مُتعباً جداً؛ يُعاني من ربوٍ وضيقٍ في التنفس، وعزا ذلك إلى اختلاف الجو. صلينا العِشاء وقال لي: اسمعي يا بنت الناس أنا مُتعبٌ وصدري يؤلمني، سأرحل غداً وأُسجل الزواج رسمياً في بلدي، وسأستحصل لك على تأشيرة دخولٍ، وخلال أسبوعٍ تكونين عندي بإذن المولى، في بيتنا سنأخذ راحتنا! صدقوني أنه لم يلمس يدي حتى! نمنا، وفي الفجر سافر. بعد خمسة أيامٍ وصلتني التأشيرة مع تذكرة الطائرة، ودَّعتُ أهلي وسافرتُ لزوجي. كان ابنه البكر في انتظاري في المطار، قال لي الجميع في انتظارك في البيت الكبير، وصلتُ لبيت زوجي، استقبلتني وجوهٌ كثيرةٌ وغريبةٌ! أولاده وبناته وأحفاده إلا هو! سألتُ عنه، قالوا: تُوفي بعد عودته بثلاثة أيامٍ! أصابتني الدهشة! ولِمَ لَم تُخبروني؟! أجابوا: سألنا شيوخنا وأفادونا أن الزواج شرعيٌ وكاملٌ، والأفضل أن تأتي وتقضي العِدة في بيت زوجك وبيتك، وتأخذي ميراثك كاملاً! ولكم أن تتخيلوا الدهشة ووَقْع الأمر عليّ! المُهم، كانت العِدة سجناً داخل سجنٍ داخل سجنٍ: فقدٌ وحَبسٌ وغُربةٌ! للأمانة؛ عاملني أبناء زوجي بكل حُبٍ وإنسانيةٍ، ولما انقضت العِدة كُنا على أبواب شهر ذي الحِجة، سألتُ ابنه البكر أن يُرافقني للحج إنْ تكرَّم؛ فأجابني لطلبي، حججتُ ذلك العام، بعدها خيروني بين العيش بينهم أو العودة لبلدي؛ فاخترتُ العودة. كان زوجي -رحمه الله- لا يملك سوى البيت الكبير، قدَّروا ثمنه وأعطوني حقي ومؤخر صداقي وطقم ذهبٍ كان قد اشتراه لي قبل وفاته، وضعتهم في كيسٍ داخل كيسٍ داخل كيسٍ، وحملتهم في حقيبة يدي. في المطار، كيف؟! والله لا أعرف كيف سُرقت تلك الحقيبة! وعُدتُ إلى بلدي كما خرجتُ، ولم أحظَ من تلك التجربة إلا بأداء فريضة الحج! وهذا بالضبط ما كنتُ أسأل الله بصدقٍ ويقينٍ أن يُعطني إياه، كنتُ أطلب عن ضعفٍ، وهو سِبحانه يُعطي من فضلٍ. بعد فترةٍ من عودتي إلى بلادي اتصل بي ابن زوجي وأخبرني أن الوالد كان مُوظفاً، وله راتبٌ تقاعديٌ يؤول بعد وفاته لزوجته؛ فبتُّ أستلم كل شهرٍ راتب زوج الليلة الواحدة! وهو مالٌ حفظني من سؤال الناس، وأعانني على العيش بكرامةٍ. وما زلتُ للآن، وبعد ثلاثين سنةً أُساعد به أهلي وأولادي وأحبابي! صدقوني أني أترحم عليه كل يومٍ، وأذكره كل يومٍ، ولا أكاد أذكر أبا أبنائي الذي عشتُ معه دهراً!".

في نهاية حديثها قالت: "تخيَّروا أوقات استجابة الدُعاء، واطلبوا من الله بصدقٍ ويقينٍ كاملين، وألِّحوا عليه في الدُعاء، وهو سيُعطيكم من كرمه وفضله ما يُدهشكم!".

 

أحبتي في الله.. إنه (الدُعاء بيقين)، لا يُمكن أن يرجع قائله خائباً أبداً؛ فعطاء الله سُبحانه وتعالى -لمن يدعوه بيقينٍ- مُذهلٌ ومُدهشٌ.

وهذه قصةٌ أخرى حدثت مع إحدى الزوجات؛ حيث أخبرها الطبيب أن زوجها يُعاني من العُقم الشديد، وفي حالته هذه يصعب حدوث الحمل حتى مع التدخل الطبي وإجراءات التخصيب المخبري وزراعة الأجنة؛ حتى أنها قالت لصديقتها بكل يأسٍ: "لن أُصبح أماً أبداً!"، ردَّت عليها صديقتها مُستهجنةً: "وهل يأتي الطفل من الطبيب أم من رب الطبيب؟ واللهِ، إنَّ الذي خلق آدم بغير أبٍ وأمٍ، وخلق عيسى بغير أبٍ، لهو قادرٌ على أن يخلق في أحشائك ما يشاء؛ فإنما أمره إذا أراد لشيءٍ أن يكون أن يقول له كُن فيكون". تقول صديقة الزوجة: "أخبرتُها عن اليقين، وسر استجابة الدعاء، وتحري وقت قيام الليل، وأخبرتها بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: [يَنزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى كُلَّ لَيلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا حينَ يَبقى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدعوني، فأستَجيبَ له؟ مَن يَسألُني فأُعطيَه؟ مَن يَستَغفِرُني فأغفِرَ له؟]. تقول الصديقة: "فنقلتُها إلى مرحلة الإيمان التام المليء باليقين، فالتزَمَتْ بالدُعاء والرجاء؛ ليرزقها الله بعد ذلك بفترةٍ بسيطةٍ بطفلٍ من دون أي تدخلٍ طبيٍ رغم عجز الأطباء عن ذلك!".

 

إنه (الدُعاء بيقين) أقوى سببٍ لإجابة الدُعاء بإذن الله؛ كتب أحدهم عنه فقال: إنه الكنز العظيم الذي لم ينتبه إليه كثيرٌ منا، لقد أمضيتُ سنواتٍ أدعو ولا أرى الإجابة! إلا في بعض الدعوات، لكن لما اكتشفتُ (الدُعاء بيقين) تغيَّر كل شيءٍ! أصبحتُ أرى الإجابة تأتي بسرعةٍ خاطفةٍ.. واللهِ واللهِ إنه لفضلٌ من الله أن دلَّني على هذا السر؛ أتدرون ما اليقين؟ ليس الإخلاص، ولا البُكاء، ولا الإلحاح وكثرة الدُعاء فقط، کلا، إنه أن تعتقد بغير أدنى شكٍ أن الله مُجيب دُعائك.. أن تمزج مع الدُعاء التوكل على الله لتأكيد اليقين.. أن تعتقد أن الأمر انتهى بمجرد أن دعوتَ، ليكتمل يقينك بأنه سُبحانه ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

إذا كان [الدُّعاءُ هو العبادةُ] كما أخبرنا الحبيب المصطفى، فإن (الدُعاء بيقين) في استجابة الله عزَّ وجلَّ للدُعاء يكون تسليماً وإيماناً صادقاً بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وبقوله سُبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.

 

وعن هذا المعنى يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [القلوبُ أوعيةٌ، وبعضُها أوْعى مِن بعضٍ؛ فإذا سألتُمُ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أيُّها النَّاسُ فسَلُوه وأنتم مُوقنون بالإجابةِ؛ فإنَّ اللهَ لا يستجيبُ لعبدٍ دعاه عن ظَهْرِ قَلْبٍ غافلٍ]، وفي روايةٍ: [ادْعُوا اللهَ وأنتمْ مُوقِنُونَ بالإجابةِ، واعلمُوا أنَّ اللهَ لا يَستجيبُ دُعاءً من قلْبٍ غافِلٍ لَاهٍ]. يقول شُرَّاح الأحاديث إن معنى مُوقنون بالإجابة أي: يغلب على ظنكم أن الله تعالى يتقبل دُعاءكم، ويُحقق مُرادكم، وهذا من إحسان الظن بالله تعالى؛ وقد جاء في الحديث القُدسي: {أنا عند ظنِّ عبدي بي؛ فليظُنَّ بي ما شاء} وفي روايةٍ: {أنا عند ظنِّ عبدِي بي؛ إنْ ظنَّ خيرًا فلهُ، وإنْ ظنَّ شرًّا فلهُ}. ومعنى ظن عبدي بي هو: ظن الإجابة عند الدُعاء، وظن القُبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار؛ لذلك ينبغي على المرء أن يجتهد في الدُعاء، مُوقناً بأن الله يقبله، ويغفر له، لأنه وَعَدَ بذلك، وهو سُبحانه لا يُخلف الميعاد.

ويُوجهنا النبي إلى (الدُعاء بيقين) بأن نعزم في الدُعاء؛ يقول صلى الله عليه وسلم: [لا يقولُ أحدُكم اللَّهمَّ اغفِر لي إن شِئتَ، اللَّهمَّ ارحَمني إن شِئتَ، ليَعْزِم المسألةَ فإنَّه لا مُكرِهَ لهُ]، وفي روايةٍ: [إذا دَعا أحَدُكُم فليَعزِمِ المَسألةَ، ولا يَقولَنَّ: اللهُمَّ إن شِئتَ فأعطِني؛ فإنَّه لا مُستَكرِهَ له].

 

وفي لطيفةٍ من لطائف الدُعاء قال سيدنا عُمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إني لا أحمل هَمَّ الإجابة، ولكن أحمل هَمَّ الدُعاء"؛ فإذا أراد الله بعبدٍ خيراً ألهمه الدُعاء، ومُجرد أن يفتح الله على عبده باب التضرع فإن في ذلك إشارةٌ إلى محبة الله له.

 

يقول أهل العِلم إننا ما دُمنا ندعو الله، فلنتيقن أنه إما أن يستجيب لنا مسألتنا، أو يدَّخرها لنا في الآخرة، أو يدفع عنا بها سُوءاً. إن الدُعاء هو العبادة، والإلحاح فيه بيقينٍ كاملٍ، والافتقار إلى الله وحده هو جوهر الطريق إليه سُبحانه. والله عزَّ وجلَّ يُعطي باليقين ولا يُعطي بالتجربة؛ فقد يقول قائلٌ: "لقد جربتُ ولم تُفلح تجربتي؛ طلبتُ من الله فلم يُستَجب لي، دعوتُ فلم أجد ثمرةً لدُعائي" فنقول له: "إن الله لا يُجرَّب، إن عطاءه قائمٌ على اليقين لا على التجربة؛ وكم من مرةٍ دُهشنا لاستجابة الله عزَّ وجلَّ لأدعيةٍ ظنناها مُستحيلةً عندما قيلت بيقينٍ تام".

 

وعن (الدُعاء بيقين) قال الشاعر:

لا تَسْأَلَنْ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً

وَسَلِ الَّذِي أَبْوَابُهُ لا تُغْلَقُ

اللَّهُ يَغْضبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ

وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضبُ

يا مَن يَرَى ما في الضَّمِيرِ ويَسْمَعُ

أنتَ المُعَدُّ لكُلِّ ما يُتَوَقَّعُ

يا مَن يُرجَّى في الشَّدائدِ كُلِّها

يا مَن إليهِ المَشْتَكَى والمَفْزَعُ

يا مَن خَزائنُ رِزْقِهِ في قَوْلِهِ امْنُنْ

فإنَّ الخَيْرَ عِنْدَكَ أجْمَعُ

ما لي سِوى فَقْرِي إليكَ وسيلةٌ

فَبِالافْتِقَارِ إليكَ فَقْرِي أدْفَعُ

ما لي سِوى قَرْعِي لِبابِكَ حِيلَةٌ

فلئن رُدِدْتُ فأيَّ بابٍ أقْرَعُ؟

 

أحبتي.. إنَّ مَن رُزق اليقين جمع خيريّ الدُنيا والآخرة، وانهالت عليه البركات بلا توقف؛ فلنكُن مُتيقنين، وليقل الداعي منا: "يا ربِ وكلتك أمري، استودعتك حاجتي"، وسيرى العجب العُجاب بإذن الله؛ فاللهم بجلال وجهك، وعظيم عفوك، ارزقنا الإيمان التام، واليقين في الدُعاء.

 

https://bit.ly/4u3Buza

الجمعة، 22 مايو 2026

العبادة الخفية

 

خاطرة الجمعة /552

الجمعة 22 مايو 2026م

(العبادة الخفية)

 

عاش خياطٌ عجوزٌ في قريةٍ صغيرةٍ، وكان يقوم بتفصيل ملابس في غاية الجمال ويبيعها بسعرٍ جيّد. في يومٍ من الأيام أتاه شخصٌ فقيرٌ من أهل القرية وقال له: "أنت تكسب مالاً كثيراً من أعمالك، لماذا لا تُساعد الفُقراء في القرية؟! اُنظر لجزار القرية الذي لا يملك مالاً كثيراً مثلك ومع ذلك يُوزّع كل يومٍ قطعاً من اللحم مجّاناً علىٰ الفُقراء"، لم يردّ عليه الخياط وابتسم بهدوء. خرج الفقير مُنزعجاً من عند الخياط، وأشاع في القرية بأنّ الخياط ثريٌ ولكنّه بخيلٌ، فنقم أهل القرية عليه. بعد مُدّةٍ من الزمن مرِض الخياط العجوز، فلم يُعِرْهُ أحدٌ من أبناء القرية اهتماماً ومات وحيداً.

مرَّت الأيّام ولاحظ أهل القرية بأنّ الجزار لم يعد يُرسل للفُقراء لحماً مجّانياً كل يومٍ؛ وعندما سألوه عن السبب قال إنّ الخياط العجوز الذي كان يُعطيه كل شهرٍ مبلغاً من المال ليُرسل لحماً للفقراء مات؛ فتوقّف ذلك بموته.

 

أحبتي في الله.. لقد كان بين ذلك الخياط وبين ربه سُبحانه وتعالى خبيئةٌ لم يكن يرغب في إظهارها للناس، حتى وإن كان ثمن ذلك سوء ظن الناس به، لقد آثر ألا يُفسد هذه الخبيئة بينه وبين ربه، وظلَّ الأمر كذلك حتى أتاه اليقين. لم تظهر للناس هذه الخبيئة إلا بعد وفاته، ومثل هذه الخبيئة هي (العبادة الخفية) التي لها ثوابٌ عظيم.

 

وهذه قصةٌ أُخرى لخبيئةٍ بدأت عندما ذهبت امرأةٌ عجوزٌ بثيابٍ رثةٍ إلى إحدى الصيدليات لتشتري دواءها، فشاهدها مُحاسب الصندوق، وكان شاباً بشوشاً لطيفاً خلوقاً، شعر بمدى ما تُعانيه هذه المرأة من فقرٍ ظاهرٍ على ثيابها، وأدرك مدى احتياجها؛ فأحسن تعامله معها، واعتبرها بمثابة أُمه، الأمر الذي جعلها -ولمدة ثلاث سنواتٍ- تتوجه في بداية كُل شهرٍ إلى ذات الصيدلية لتشتري الدواء؛ تستلم الدواء من الصيدلي وتذهب إلى هذا الشاب المُحاسب لدفع عشرين جُنيهاً ثمناً للدواء كما أخبرها. وفي بداية أحد الشهور، توجهت العجوز إلى الصيدلية وطلبت دواءها، وذهبت للصندوق لدفع الحساب كما اعتادت، لم تجد المُحاسب الذي كانت تدفع له ثمن الدواء على مدى السنوات السابقة، وقبل أن تسأل عنه قدَّمت العشرين جُنيهاً للمُحاسب الجديد فسألها: "ما هذا يا خالة؟!"، قالت: "هذا ثمن الدواء!"، ردَّ عليها: "لكن هذا الدواء ثمنه مائتا جُنيه!"، قالت بتعجبٍ: "من أكثرَ من ثلاث سنواتٍ وأنا أشتريه بـعشرين جُنيهاً من الشاب الذي كان مكانك، أين هو؟ هل هو في إجازةٍ؟"، ردَّ عليها الشاب: "لا يا خالة؛ زميلنا تُوفي إلى رحمة الله منذ عدة أيامٍ، انتظري قليلاً يا خالة"، وقفت المرأة ذاهلةً ما بين حُزنها على المُحاسب المُتوفى وتَرَحُمِها عليه، وتعجبها من هذا السعر المُرتفع الذي أخبرها به المُحاسب الجديد، واعتقدت بينها وبين نفسها أن المُحاسب لأنه جديدٌ قد أخطأ في تحديد سعر الدواء. في هذه الأثناء كان المُحاسب الجديد قد قام بمُراجعة الدفاتر؛ فتبين له أن زميله المُحاسب الذي تُوفي كان يُسدد عن المرأة العجوز مائةً وثمانين جُنيهاً شهرياً من راتبه، ويأخذ منها عشرين جُنيهاً فقط، ظنَّ أنها تقدر عليها، ولم يكن يُخبرها بذلك، بل ولم يُخبر صاحب الصيدلية ولا أي زميلٍ له بذلك؛ لتظل هذه خبيئةً بينه وبين ربه سُبحانه وتعالى. أخبر المُحاسب الجديد صاحب الصيدلية بالأمر فقرَّر استمرار البيع لهذه السيدة بنفس السعر الذي تعودت أن تدفعه؛ صدقةً جاريةً عسى أن يكتب الله عزَّ وجلَّ ثوابها له؛ فهو ليس أقل من المُحاسب صاحب الخبيئة -رحمه الله- احتياجاً لرضا الله عزَّ وجلَّ.

 

لقد حثَّ الله عباده على أعمال الخير، ما هو ظاهرٌ منها وما هو خفيٌ، ورغبَّ في (العبادة الخفية)؛ فقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، وقال سُبحانه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾. وقال عزَّ وجلَّ: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.

وعن هذه (العبادة الخفية) قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [مَنِ استطاعَ منكم أنْ يكونَ لَهُ خَبْءٌ مِنْ عمَلٍ صالِحٍ فلْيَفْعَلْ]. وقال عليه الصلاة والسلام: [إنَّ اللهَ يُحِبُّ العَبدَ التَّقيَّ، الغَنيَّ، الخَفيَّ]، المراد بالغني غنيُّ النفس، والعبد الخفيُّ: هو الذي عرف ربه، وحرَص على أن يكون بينه وبين الله أسرارٌ لا يعلمها أحدٌ.

وعن بعض صور هذه العبادة قال عليه الصلاة والسلام: [صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ]. كما قال الحبيب المُصطفى: [عجِب ربُّنا مِن رجُلينِ: رجلٍ ثار عن وِطائِه ولحافِه مِن بينِ حِبِّه وأهلِه إلى صلاتِه فيقولُ اللهُ جلَّ وعلا لملائكتِه: انظُروا إلى عبدي ثار عن فراشِه ووِطائِه مِن بينِ حِبِّه وأهلِه إلى صلاتِه رغبةً فيما عندي وشفقةً ممَّا عندي]. وقال أيضاً: [سَبعةٌ يُظِلُّهمُ اللهُ يَومَ القيامةِ في ظِلِّه يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه] وَذَكَرَ مِنْهُم: [ورَجُلٌ تَصَدَّقَ، أخفى حتَّى لا تَعلَمَ شِمالُه ما تُنفِقُ يَمينُه، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خاليًا ففاضَت عَيناه].

 

يقول أهل العِلم إن الأعمال الصالحة هي ميدانٌ فسيحٌ؛ وذلك لسعة فضل الله تبارك وتعالى على عباده؛ حيث شرع لهم أعمالاً وأقوالاً يتقربون بها إليه عزَّ وجلَّ، وهذه الأعمال فيها ما هو مُشاهَدٌ للآخرين؛ كالصلوات الخمس، وأعمال المناسك من حجٍ وعُمرةٍ، والدعوة إلى الله، ومنها ما هو خفيٌّ بين العبد وربه، لا يعلم به إلا الله، فهو من خفايا الأعمال، وهذا هو ما يُقصد به (العبادة الخفية) أو الخبيئة؛ وهي العمل الصالح الخفي بين العبد وربه، لا يعلم به الناس. وهي أقرب إلى الإخلاص والقبول، وهي مما يُصلِح الله عزَّ وجلَّ بها القلوب، ويُزكي بها النفوس، وهي من أهم الأسباب للثبات على دِين الله تبارك وتعالى؛ بأن يجعل العبد بينه وبين الله تعالى طاعةً أو عبادةً من غير الفريضة، أو عملاً صالحاً لا يطلع عليه أحدٌ حتى أهله، إلى أن يَلْقَى الله ربه. والخبيئة الصالحة هي زينة العبد في خلوته، وزاده لآخرته، بها تُفرَّج الكُربات وتُرفع الدرجات، وتُكفَّر السيئات، دافعها الإخلاص، يُزيِّنها الصدق، ويلفُّها الكتمان، يفعلها العبد بعيداً عن العيون والأنظار، في موقفٍ إيمانيٍ صافٍ لا يشوبه طلب سُمعةٍ ولا شُهرةٍ، ولا يتعلَّق بمدحٍ أو ثناءٍ، ولا يكون بدافع النفاق أو الرياء. هي كنزٌ من كنوز الحسنات، يوفِّق الله لها بعض عباده الصالحين الذين أخلصت قلوبهم له، فلا يستطيعها المنافقون ولا المُراؤون. إن (العبادة الخفية)، والطاعة في السِر زاد العبد من دُنياه لآخرته، ولا تخرج إلا من قلبٍ سليمٍ يُوقن بأن الله وحده يعلم سره ونجواه، وما أعلنه وما أخفاه؛ فأهل الصدق والإخلاص يعملون لوجه الله تعالى، أما المُرائي فيعمل ليراه الناس ويُحْسِن ليمدحوه ويحمدوه.

يقول أحد العُلماء: إن أعمال الخُلوات من أسباب الرفعة والنجاة يوم القيامة؛ تأمل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ يقول المفسرون إنَّ في التعبير عن الأعمال بالسر لطيفةً؛ هي أن الأعمال نتائج السرائر الباطنة، فمن كانت سريرتُه صالحةً كان عملُه صالحاً، فتبدو سريرته على وجهه نوراً وإشراقاً وحياءً.

 

ويُعدِّد العارفون بعض صور (العبادة الخفية) منها:

صلاة الليل؛ حيث يقوم العبد في ظُلمة الليل لا يعلم به إلا الله، يُصلي والناس نيامٌ، يقف أمام الله تبارك وتعالى قائماً وراكعاً، ساجداً داعياً ومُبتهلاً، فهو في عبادة سِرٍّ بينه وبين الله عزَّ وجلَّ، فما أسعده بمعية الله.

وصدقة السرِّ التي لا يطلع عليها الناس؛ فهي من الغني إلى الفقير مُباشرةً، وربما وصلت إلى الفقير من حيث لا يعلم من أين هي.

وذِكرُ الله تبارك وتعالى والإنسان خالٍ وحده، في بيته أو سيارته أو متجره أو طريقه، راجلاً كان أو راكباً؛ فهذا الذِكر على تلك الحال لا يعلم به إلا الله عزَّ وجلَّ، فهو خبيئة عملٍ يرجو بِرها وذُخرها، وما أيسرها وأسهلها على المُوفَقين، وما أعسرها على من حُرِمَها؛ فهي فقط تحريك اللسان بذِكر الله تبارك وتعالى، ولا تحتاج إلى جُهدٍ أو تعبٍ، لكنها تحتاج إلى نوعٍ من المُجاهدة، إذا اعتادها العبد صارت سهلةً له في جميع أحواله.

التأمُّل في خَلْق الله تعالى، فهو ينظر إلى نفسه، وإلى السماء والأرض والجبال والنجوم والشمس والقمر، وغيرها من المخلوقات، نظرة تأملٍ وتفكُّرٍ ليَقوى إيمانه، ويزداد يقينه بعظمة الخالق، يفعل ذلك من غير أن يشعر الناس به؛ فهو عملٌ خفيٌّ عنهم.

تلاوة القُرآن الكريم بعيداً عن الناس، حتى يخشع قلب العبد، وتدمع عيناه خوفاً ورجاءً من الله عزَّ وجلَّ، فلا يرى أحدٌ من الناس تلك الدمعات الساخنة النازلة من عينيه، فهذه خبيئة عملٍ صالحٍ.

صيام بعض أيام النفل؛ كالإثنين والخميس، والأيام البيض، ونحو ذلك من صيام التطوع، لا يتحدث به، فهو صامَ حيث أفطر الناس، يُخالطهم وهو صائمٌ، فلا يعلمون عن حاله، فقد أخفى هذا العمل عن أعينهم وأنظارهم، فما أسعده بتلك الخبيئة الصالحة بينه وبين الله عزَّ وجلَّ.

والنية الصادقة من الخبايا الصالحة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: [مَن هَمَّ بحَسَنةٍ فلَم يَعمَلْها كَتَبَها اللهُ له عِندَه حَسَنةً كامِلةً]، وقال: [ومَن هَمَّ بسَيِّئةٍ فلَم يَعمَلْها كَتَبَها اللهُ له عِندَه حَسَنةً كامِلةً].

وسُقيا الماء ببئرٍ يحفره العبد أو يُساهم في حفره، أو طُلمبة ماءٍ يُثَبِّتها، أو مواسير مياهٍ يُوصِّلها لمن يحتاجها؛ فسقْيُ الماءِ من أعظم الصدقات.

ومسجدٌ يبنيه، أو يُساهم في بنائه، أو يقوم بعمارته، أو يُوفر له تجهيزاته، أو يُتابع صيانته واحتياجاته، يُكتب له أجر ذلك كلما صلى مصلٍ أو قرأ مُسلمٌ في مُصحف من مصاحف المسجد.

 

ومن ذلك أيضاً: أن يجعل له وِرداً من القُرآن لا يدري عنه أحدٌ، أو أن يُناجي الله بالأسحار مُستغفراً ومُسبحاً وداعياً بقلبٍ مُخلصٍ وبدموع الخوف والرجاء، أو أن يدعو للغير بالخير بظهر الغيب.

وكذلك من تلك الأعمال أن يكفل يتيماً، أو يُساعد أرملةً، أو يعود مريضاً لا يعرفه، أو يُسدد ديناً عن غارمٍ أو مدينٍ، أو يقضي حاجةً لمن يحتاج إلى مُساعدةٍ، أو يُسهم في إطعام جائعٍ، أو إيواء مشردٍ، شريطة أن تكون هذه الأعمال في الخفاء دون أن يعلم بها حتى المُستفيد منها.

 

إن هذه العبادات وأمثالها من عبادات السر كان السلف الصالح يعتنون بها أشد العناية؛ لأنها من أهم أسباب الثبات، ولأنها الوقود للأعمال الأُخرى الظاهرة؛ فإذا كان العبد مُكثراً من هذه الأعمال في السر والخفاء، فيُرجى له أن يكون إخلاصه في الأعمال الظاهرة أقوى من غيره؛ لأن لديه من أعمال السر ما يزيده إخلاصاً وقصداً حسناً لوجه الله تعالى.

 

قيل عن (العبادة الخفية): "لئن كانت ذُنوب الخُلوات من أعظم مُفسدات القلب؛ فإن الأعمال الصالحات في الخُلوات من أعظم أسباب صلاحه".

وقيل: "كان الصحابة والتابعون يستحبون أَن يكون للرجل خبيئةٌ من عملٍ صالحٍ لا تعلم به زوجته، ولا غيرها". وقيل كذلك: "عبادة الخفاء أصل الثبات". كما قيل: "لا يُحسِن عبدٌ فيما بينه وبين ربه، إلا أحسن الله ما بينه وبين العباد". وقيل أيضاً: "المُوفَّقُ مَن ادَّخر لنفسه عملاً صالحاً لا يطَّلع عليه أحدٌ حتى أقرب الناس إليه".

 

وعن (العبادة الخفية) قال الشاعر:

وإذا أظهرتَ شيئاً حَسَناً

فَلْيَكُنْ أحْسَنَ مِنْهُ مَا تُسِرُّ

وقال آخر:

إِذا ما خَلَوتَ الدَهرَ يَوماً فَلا تَقُل

خَلَوتُ وَلَكِن قُل عَلَيَّ رَقيبُ

وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفُلُ سَاعَةً

وَلَا أَنَّ مَا تُخْفَي عَلَيْه يَغِيبُ

 

أحبتي.. من كمال الإيمان أن يجعل المؤمن لنفسه خبيئةً؛ تكون له ذُخراً يوم القيامة؛ فمَن استطاع منا أنْ يعمل عملاً خفيّاً خالصاً لله تبارك وتعالى، لا يطَّلع عليه أحدٌ من الناس، خالياً من الرياء، فليفعل تأكيداً لمعنى الإخلاص، وطلباً للأجر من الله وحده.

لنجعل لأنفسنا أعمالاً خفيةً بيننا وبين الله عزَّ وجلَّ، تكون أدعى وأقرب للقبول، وأزكى للنفس، وأبعد عن الرياء والسُمعة والعُجب بالنفس، وأبقى وأنقى.

لنغتنم أعمارنا، ونُعمِّر أوقاتنا بما ينفعنا؛ فنحن في دار العمل، وغداً نُوَفَّى أجورنا عند ربنا، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾.

ولتكن لنا خبايا صالحةٌ ندّخرها ليومٍ يظهر فيه فقرُنا وذُلُّنا، ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾، ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. ولتكن تلك الخبيئة مُغلّفةً بالصدق، مُعطّرةً بالإخلاص، مُحاطةً بالكتمان، حتى لا نفقد أجرَها وثوابَها.

وفقنا الله لما يُحبه ويرضاه.

 

https://bit.ly/4v8eG2e