الجمعة، 28 أغسطس 2026

ما أسوأ الغفلة

 

خاطرة الجمعة /566

الجمعة 28 أغسطس 2026م

(ما أسوأ الغفلة)

 

قصة أُختٍ مع أُختها التوأم.. ترويها إحدى الفتيات؛ فتقول:

بدت أختي شاحبة الوجه، نحيلة الجسم، ولكنها كعادتها تقرأ القرآن الكريم، بحثتُ عنها فوجدتها في مُصلاها راكعةً ساجدةً، رافعةً يديها إلى السماء، هكذا حالها في الصباح وفي المساء، وفي جوف القصصي، أُشاهد الفيديو والتلفاز بكثرةٍ، لا أُؤدي واجباتي كاملةً، ولستُ مُنضبطةً في صلواتي. في تلك الليلة، وبعد ثلاث ساعاتٍ مُتواصلةٍ في مُشاهدة التلفاز أغلقتُه، وأذان الفجر يرتفع من المسجد المُجاور لمنزلنا، فإذا بأُختي تُناديني من مُصلاها، قلتُ: "ماذا تريدين يا «نورة»؟"، ردَّت عليَّ: "لا تنامي قبل أن تُصلي الفجر"، قُلتُ: "أوه! باقي ساعةٌ على صلاة الفجر، والذي سمعتيه كان الأذان الأول"، فنادتني بنبرةٍ حنونةٍ، وقالت: "تعالي بجانبي يا «هناء»!"، كُنتُ لا أستطيع إطلاقاً ردَّ طلبها، فكم كُنتُ أشعر بصفائها وصدقها! سألتها: "ماذا تريدين؟"، قالت: "اجلسي"، قُلتُ: "ها قد جلستُ، ماذا لديك؟"، فقرأت بصوتٍ عذبٍ رخيمٍ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، وسكتت بُرهةً ثم سألتني: "ألا تؤمنين بالموت؟"، قُلتُ: "بلى، ولكن الله غفورٌ رحيم"، قالت لي: "ألستِ تؤمنين بأنكِ ستُحاسَبين على كل صغيرةٍ وكبيرةٍ؟"، قُلتُ: "بلى، ولكن الله غفورٌ رحيمٌ، والعمر طويلٌ"، قالت: "ألا تخافين من الموت بغتةً؟ أليست «هند» أصغر منكِ وقد تُوفيت في حادث سيارةٍ، وفلانةٌ وفلانةٌ؟! الموت لا يعرف عُمراً، وليس له مقياسٌ، وليس له سببٌ مُعينٌ، ولا وقتٌ محددٌ، ولا مكانٌ خاصٌ، يأتي بغتةً ونحن لا نشعر"، فأجبتها: "إني أخاف من الظلام، ولقد أخفتيني من الموت، فكيف أنام الآن؟ كُنتُ أظن أنكِ ستقولين: إنكِ وافقتِ على السفر معنا في هذه الإجازة"، فقالت بصوتٍ مُتحشرجٍ اهتز له قلبي: "لعلي أُسافر هذه السنة سفراً بعيداً! أُسافر ربما إلى مكانٍ آخر يا «هناء»! وسكتت ثم قالت: "الأعمار بيد الله"؛ ففكرتُ في مرضها الخبيث، وأن الأطباء أخبروا أبي سراً أن المرض ربما لن يُمهلها طويلاً، ولكن مَن أخبرها بذلك؟ أم أنها تتوقع هذا الشيء؟ قالت لي: "فيما تُفكرين؟ هل تعتقدين أني أقول هذا لأنني مريضةٌ؟ كلا، ربما أكون أطول عُمراً من بعض الأصحاء؛ فكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ، وكم من سقيمٍ عاش حيناً من الدهر، وأنتِ إلى متى ستعيشين؟ رُبما عشرين سنةً، رُبما أكثر، ثم ماذا؟ لا فرق بيننا؛ فالكُل سيرحل، وسنُغادر الدنيا إما إلى الجنة وإما إلى النار، ألم تسمعي قول الواحد القهار: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾، تُصبحين على خير"، هرولتُ مُسرعةً وصوتها يطرق أذني: "هداكِ الله، لا تنسي الصلاة". في الثامنة صباحاً سمعتُ طَرقاً على الباب، وهذا ليس موعد استيقاظي، وسمعتُ بُكاءً وأصواتٍ، يا إلهي! ماذا جرى؟ قالوا لي: "لقد تردَّت حالة «نورة»، وذهب بها أبي إلى المُستشفى"، قُلتُ متأففةً: "إنا لله وإنا إليه راجعون؛ لا سفر؛ مكتوبٌ علينا البقاء هذه السنة في بيتنا!". بعد انتظارٍ طويلٍ إلى الواحدة ظُهراً، اتصل أبي من المُستشفى قائلاً: "تستطيعون زيارتها الآن؛ فأتوا بسُرعةٍ"، فانطلقنا إلى المُستشفى وأُمي تدعو لها. دخلنا المُستشفى، ورأينا مناظر عجيبةً! هذا يتأوه، وذاك يتألم، وثالثٌ يصيح، وغيرهم: لا ندري هل هو من أهل الدُنيا أم من أهل الآخرة؟، ولا يعرف قيمة الصحة إلا من فقدها، فصعدنا درجات السُلم، وكانت «نورة» في غُرفة العناية المُركزة، وأخبرتنا المُمرضة أنها في تحسنٍ بعد الغيبوبة التي حصلت لها، ولم يسمحوا إلا بدخول شخصٍ واحدٍ فقط، فدخلت أُُمي، ووقفتُ أنظر من نافذة الغُرفة الصغيرة، فرأيتُ عينيها وهي تنظر إلى أُُمي وهي واقفةٌ بجوارها، خرجت أُُمي ولم تستطع إخفاء دموعها، ثم سمحوا لي بالدخول والسلام عليها، بشرط أن لا أمكث طويلاً؛ فحالتها لا تسمح بذلك، فدخلتُ وسألتها: "كيف حالك يا «نورة»؟! لقد كُنتِ بخيرٍ البارحة، فماذا جرى لك؟!"، أجابتني بعد أن ضغطت على يدي: "أنا الآن -ولله الحمد- بخيرٍ"، فقُلتُ: "الحمد لله، لكن يدك باردةٌ"، وكُنتُ جالسـةً على حافة السرير، ولامست يدي ساقها فأبعدت يدي، فقُلتُ لها: "آسفةٌ إن كُنتُ قد ضايقتك"، قالت: "كلا، ولكني تذكرتُ قوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ . إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾، ثم قالت: "عليكِ يا «هناء» بالدُعاء لي، فرُبما أستقبل عن قريبٍ أول أيام الآخرة: سفري بعيدٌ وزادي قليلٌ لن يُبلغني، وقوتي ضعفت، والموت يطلبني، ولي بقايا ذنوبٍ لستُ أعلمها، الله يعلمها في السر والعلن"، سقطت دمعةٌ من عينيّ بعد أن سمعتُ ما قالت، وبكيتُ، ولم أعِ أين أنا، استمرت عيناي في البُكاء، أصبح أبي خائفاً عليّ أكثر من «نورة»، لم يتعودوا مني هذا البُكاء. عُدنا إلى البيت وانطويتُ في غُرفتي، ومع غُروب شمس ذلك اليوم الحزين، ساد صمتٌ طويلٌ في بيتنا، دخلت عليّ ابنة خالتي، ثم ابنة عمتي، وحصلت أحداثٌ سريعةٌ مُتتاليةٌ؛ كثُر القادمون، واختلطت الأصوات، شيءٌ واحدٌ عرفته هو قولهم: «نورة» ماتت! لم أعد أُُميِّز من جاء، ولا أعرف ماذا قالوا، يا أللّه! أين أنا؟ وماذا يجري؟ عجزتُ حتى عن البُكاء، وأخبروني فيما بعد أن أبي ودَّع أُختي الوداع الأخير بيده، وأني قبلتها، ثم لم أعد أتذكر إلا شيئاً واحداً: نظرتي حين نظرتُ إليها وهي مُمددةٌ على فراش الموت، وتذكرتُ قولها وهي تتلو قوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ فقد عرفتُ عندها حقيقة ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾. في تلك الليلة ذهبتُ إلى مُصَّلاها المُظلِم، وجلستُ فيه، تذكرتُ من قاسمتني رحم أمي، فنحن توأمان، وتذكرتُ من شاركتني هُمومي، وتذكرتُ من نفَّست عني كُربتي، وتذكرتُ تلك التي كانت تدعو لي بالهداية، فكم ذرّفت عيناها من الدُُموع في ليالٍ طويلةٍ وهي تُحدثني عن الموت والحساب! هذه أول ليلةٍ لها في قبرها، اللهم ارحمها، اللهم اغفر لها، اللهم نوِّر لها قبرها، نظرتُ حولي فرأيتُ مُصحفها وسجادتها، ورأيتُ الفستان الوردي الذي قالت لي عنه: "سأُخبئه لزواجي"، تذكرتها، وبكيتُ على أيامي الضائعة، بكيتُ بُكاءً مُتواصلاً، ودعوتُ الله أن يرحمني، وأن يتوب عليّ ويعفو عني، دعوتُ الله أن يُثبِّتها في قبرها كما كانت تُكثر أن تدعو، وفجأةً سألتُ نفسي: "ماذا لو كُنتُ أنا الميتة؟ ما هو المصير؟" تقول: "لم أبحث عن الإجابة من الخوف الذي أصابني، بكيتُ بحرقةٍ، وقلتُ لنفسي: (ما أسوأ الغفلة)، فإذا بصوت المؤذن يُردد: "الله أكبر، الله أكبر"، ها هو أذان الفجر قد ارتفع، وما أعذبه هذه المرة! أحسستُ بطُمأنينةٍ وراحةٍ، وأنا أُردد ما يقوله المُؤذن، لففتُ ردائي وقُمتُ واقفةً أُصلي صلاة الفجر، صليتُ صلاة المُودِّع كما صلتها أُختي من قبل، والتي كانت آخر صلاةٍ لها.

 

أحبتي في الله.. (ما أسوأ الغفلة) فهي من أسباب الندم وتفويت الأجر والحرمان من الثواب، وهي داءٌ حذرنا منه الله سُبحانه وتعالى في أكثر من موضعٍ في كتابه الكريم، وأوضح لنا صفات وسمات الغافلين؛ يقول تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾، وفي التفسير أن الغافل هو مَن طَبع اللهُ على قلبه وسمعه وبصره؛ فتراه يتخبَّط في دروب الضلالة على غير هدىً، وهو الذي رضي واطمأن بالحياة الدُنيا الفانية الزائلة، وقدَّمها وآثرها على الآخرة الباقية.

 

فهل الغفلة نتيجةٌ للجهل؟ يقول تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾، يقول المفسرون: لا فرقَ بين جاهلٍ وعالمٍ؛ فالعالِم بشُؤون الدُنيا لا يعلم عن آخرته شيئاً ماذا سينفعه عِلمُه ومصيره جهنَّم في الحياة الأخرى؟ إن العقل إذا كمل أورث صاحبه صحة المُعتقد وسلامة العمل، فمن غفل ودعا غير الله من المعبودات الباطلة أو الأموات في أجداثهم فقد كشف عن جهله وقلَّة عقله، ولو كان لديه أرقى الشهادات العِلميَّة.

 

(ما أسوأ الغفلة) انظر إلى أحوال الغافلين يوم القيامة؛ يقول تعالى: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. يقول أهل العِلم: إذا دنا يوم القيامة وبدَت أهواله ترى أبصار الكُفَّار من شدَّة الفزع مفتوحةً لا تكاد تَطرِف، يدعون على أنفسهم بالويل، ويعترفون عليها بالغفلة والظُلم، ففي هذا تحفيزٌ للصالحين بالاستعداد للثواب، وإنذارٌ للمُعرضين بدُنوِّ العقاب.

 

(ما أسوأ الغفلة) فهل لها من علاجٍ؟ نعم؛ تدبَّر قوله تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ يقول العارفون: فلتكُن هِمَّتُك عاليةً، وغايتُك المَرجُوَّة ساميةً، فلا تَرضَ لنفسك بحياةٍ ناقصةٍ مُكدَّرةٍ زائلةٍ، بل اطلب لها حياةً باقيةً صافيةً كاملةً. البهجةُ بالحياة الدُنيا والرضا بها والتوغُّل في مُلهِياتها يَصرِف عن الاستعداد للآخرة. إن رجاء لقاء الله واستشعار الانتقال إليه يُزهِّد العبد في الدُنيا ويُرغِّبُه في الآخرة. إنَّ مَن لا يخاف اللهَ دأبُه الغفلة عن آيات ربِّه التي فيها نَجاتُه وسعادته، لكنَّه ليس بغافلٍ عن الشهوات والشُبُهات التي فيها هلاكه وشقاؤه! علينا إذن أن نتأمَّل معاني الذِّكر الذي تلهج به ألسنتنا، ونستحضِر جلال من نذكُره في قُلوبنا؛ لئلَّا نُكتب من الغافلين.

 

(ما أسوأ الغفلة) وما أشقى الغافلون؛ قال النبي صلى اللهُ عليه وسلم عمن يغفلون ويتركون صلاة الجُمعة: [لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ]. وقال عليه الصلاة والسلام: [مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ].

 

وعن الغفلة قال الشاعر:

أمَا وَاللهِ لَوْ عَلِمَ الأنَامُ

لِمَ خُلِقُوا لِمَا غَفَلُوا وَنَامُوا

لَقَدْ خُلِقُوا لِمَا لَوْ أَبْصَرَتْهُ

عُيُونُ قُلُوبِهِم تَاهُوا وَهَامُوا

مَمَاتٌ ثُمَّ قَبْرٌ ثُمَّ حَشْرٌ

وَتَوْبِيخٌ وَأَهْوَالٌ عِظَامُ

وعن علاج الغفلة قال آخر:

إنَّ للهِ عِبَادَاً فُطنَاً

طَلَّقُوا الدُنْيَا وَخَافُوا الفِتَنَا

نَظَرُوا فِيهَا فَلَمَّا عَلِمُوا

أنَّهَا لَيْسَتْ لِحَيٍّ وَطَنَا

جَعَلُوهَا لُجَّةً وَاتَخَذُوا

صَالِحَ الأعْمَالِ فِيهَا سُفُنَا

 

أحبتي.. يقول سُبحانه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾، إنَّ كل يومٍ يمر يُقرِّبنا من يوم الحساب، فماذا أعددنا له؟، فليُراجِع كُلٌ منا نفسه، ويشتد في حسابها، ويُحدِّد مواطن غفلته، ومجالات تقصيره، ويقول في نفسه بيقينٍ كاملٍ (ما أسوأ الغفلة)؛ فلا يركن إلى أملٍ كاذبٍ ويُؤجِّل ويُسوِّف، إن الذكي الفطن هو الذي يبدأ من فوره بغير إبطاءٍ، ويُبادر بالاستعداد ليوم الحساب ولا يتأخر؛ فإن الدُنيا إلى ذهابٍ، والآخرة على اقترابٍ، والمصير معروفٌ: إما جنةٌ ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، أو نارٌ للخاسرين ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.

اللهم اجعلنا من أصحاب الجنة الفائزين، ولا تجعلنا من الغافلين الخاسرين.

 

*لقراءة الخاطرة كاملة*

https://tinyurl.com/2ctbrhvc

*للاستماع الصوتي للخاطرة*

https://drive.google.com/file/d/1oJJKgaIFKxwMAs1gBwdDYqhXvuuzjlCX/view?usp=drivesdk

الجمعة، 21 أغسطس 2026

دعوة مشبوهة

 

خاطرة الجمعة /565

الجمعة 21 أغسطس 2026م

(دعوة مشبوهة)

 

لا أجد من الكلمات ما يُعبِّر عن شعوري -وشعور الملايين من المصريين- بالأسى على الحال الذي وصل إليه البعض من مُقدمي البرامج التلفزيونية، ممن أُتيحت لهم فرصة توعية الناس ونقل المعارف المُفيدة لهم ومناقشة القضايا التي تهمهم وتثقيفهم والإسهام في تعليمهم، فبدلاً من ذلك يقومون بتجهيلهم، والتدليس عليهم، وتلبيس الأمور عليهم، وتشويه أفكارهم، والنيل من مُعتقداتهم، وتشكيكهم في أصول دينهم؛ فهذا واحدٌ من هؤلاء، فوجيء المشاهدون لبرنامجه اليومي بإحدى القنوات التلفزيونية الرسمية المصرية، بإشادته بتجربةٍ سيئةٍ لإحدى الدول العربية، والتي تُعد انتكاسةً فاضحةً بكل المقاييس، بعد إقرار مجلس الوزراء بتلك الدولة لقانون يُساوي بين المرأة والرجل في الميراث مُخالفاً بذلك نَص الآية الكريمة: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. أطلق علينا هذا الشخص (دعوة مشبوهة) فقال نَصاً -وأعتذر لاستخدام العامية المصرية-: "لو كان لدينا مجلس نواب شُجاع وجريء وعادل ومُنصف، وأقر قانوناً يقول إن الميراث بالتساوي بين الرجل والمرأة.. يكون كده خالف شرع ربنا؟ ما اعتقدش إنه يكون خالف شرع ربنا؛ لأنه ببساطةٍ شديدةٍ محدش هييجي مثلاً يُغيِّر القُرآن، ناس تقول لك كده أنت بتغير القرآن.. لأ إحنا مُش بنغير القرآن! يعني مُش هييجي مثلاً في القرآن الذي نتعبد به إلى الله فتيجي تلاقي الإمام بيقرأ في صلاة المغرب ولا العِشا ولا في الفجر مثلاً من سورة النساء ويقول: «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل الأنثى» مُش هنُغيرها! مُش هتتغير، محدش هيغيرها، محدش يُزايد في الحتة دي. ولكن الحُكم نفسه، فأنت بتحتفظ بالنص المُقدس، ولكن يتم تعطيل العمل به لأنه لم يعد مناسباً للمجتمع الآن! خلينا نعقلها كده، لأنه إيه معنى إنك أنت تتشدق -كعالم دين ولا شيخ أزهر ولا مُفتي- تتشدق وتقول إن الإسلام ساوى بين المرأة والرجل في كل شيء، فتيجي تقول له طب الميراث؟ يقول لك: لأ ده وضع تاني"!

 

أحبتي في الله.. إلى هذه الدرجة وصلت الجُرأة على الله سُبحانه وتعالى، وإلى هذه الدرجة يتم الاستخفاف بعقول المُشاهدين حين يقول ما معناه "لن نغيِّر في القرآن لأنه نصٌ مُقدسٌ، لكننا سنقوم فقط بتعطيل حُكم الله؛ لأنه لم يعد مُناسباً لنا"! ولو أنه أكمل الآية التي يُريد تعطيل العمل بأحكامها لوجد خاتمتها: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ فهذا الحُكم الإلهي ليس انتقائياً، ولا يخضع للميول والأهواء، ولا علاقة له بتغير الزمان أو المكان، إنه ليس اجتهاداً بشرياً يمكن مُناقشته لتعديله أو التخلي عنه وتعطيل العمل به؛ لكونه ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مثله مثل الصلاة والزكاة وصوم رمضان والحج. وختام الآية بالقول ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يُعطي معنىً واضحاً لا يُخطئه فهمٌ؛ أن أحكام الميراث الواردة في هذه الآية -وفي غيرها- مُحكمةٌ وعادلةٌ، لا مُحاباة فيها لأحدٍ، وليس فيها ظلمٌ -كما يدَّعون- لأي طرفٍ؛ فالذي فرضها عليمٌ خبيرٌ، فهل مَن يُريد وقف العمل بها أكثر عِلماً أو أكثر حكمةً من الله؟! حاشا وكلا.

 

كانت هذه الدعوة قد ظهرت لأول مرةٍ في «مصر» عام 1928م حين جاهر بها أحد النصارى، ولاقت مُعارضةً شديدةً، ومن المُلفت للنظر وقتها أن رئيسة الاتحاد النسائي كانت من أشد المُعارضين لهذه الدعوة. ثم تجددت ذات الدعوة عام 1930م على يد دعيٍّ آخر ردَّ عليه أحد الشيوخ الأجلاء بقوله: "أمْرُ الدين ليس كأمر القوانين في جواز وضع نصوصه موضع البحث والنظر؛ لنترك ما لا نستحسنه منها ونُبقي ما نستحسنه، بل مُقتضى الدين قبول كل ما هو قطعيٌ منه، سواءً أدركنا وجه منفعته أم لا. والأحكام الشرعية ليست اختياريةً؛ فهذا ما لم يقل به عالمٌ من عُلماء المُسلمين المُتقدمين ولا المُتأخرين، وهو مُخالفٌ للكتاب والسُنة والإجماع، والقول به يُعد كُفراً صريحاً؛ إذ لا فرق عند العُلماء بين أحكام العبادات وأحكام المُعاملات في أدلة ثبوتها ووجوب العمل بها".

وفي (دعوة مشبوهة) مُماثلةٍ ظهر في «مصر» عام 2018م دعيٌ آخر، طالب بالمساواة في الميراث بين الذُكور والإناث، واقترح طرح الأمر في استفتاءٍ شعبيٍ! وقد ردَّ عليه آنذاك مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية مُؤكداً على أن: "تحليل الحرام أو تحريم الحلال جريمةٌ شرعيةٌ، ومُحاسبة من يدعو إليها واجبةٌ، ونصوص الميراث في الإسلام قطعية الثبوت والدلالة، لا تقبل الاجتهاد أو التلاعب، وإن الميراث ليس من المسائل الظنية التي تحتمل النقاش، بل هو حكمٌ شرعيٌ مُحكمٌ جاء في آياتٍ واضحةٍ، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾. إن قضايا الميراث ليست مجالاً للاستفتاء أو التفاوض الشعبي، فهي ليست وضعاً بشرياً، بل تشريعٌ إلهيٌ محفوظٌ بآياتٍ لا تقبل التأويل، ومن يتجرأ على تغييرها فإنه يُخالف صريح القرآن ويُعرِّض الأُمة للخطر. ونبَّه الأزهر إلى أن الادعاء الدائم بأن أحكام الشريعة لا تُناسب الزمان وتطور العصر؛ طرحٌ كريهٌ لا يُراد به إلا عزل الإسلام عن حياة الناس، فضلاً عن كونه فتنةً عظيمةً في دِينهم؛ لا يجني المُجتمع منها إلا الانحراف الفكري والتطرف". كما ردَّ عليه وقتها مُفتى «مصر»، وجاء في رده: "أنه لا اجتهاد في النصوص قطعية الدلالة وقطعية الثبوت، بدعوى تغيُّر السياق الثَّقافي الذي تعيشه الدُول والمُجتمعات الآن. والزعم بأنَّ الإسلامَ يُورِّثُ مُطلقاً الذكرَ أكثرَ من الأنثى، هي دعوى لا يُعتدُّ بها وزَعْمٌ باطِلٌ؛ فالمرأةُ في الإسلام لها أكثرُ من ثلاثينَ حالةً في الميراث، ونجدُ الشَّرعَ قد أعطاها في كثيرٍ من الأحيان أكثرَ مما أعطى الرجل".

 

المُفارقة التي فاتت هؤلاء الأدعياء ومن ناصروهم، قصداً أو جهلاً، أن الاستجابة لدعواهم لا تعني غير شيءٍ واحدٍ مؤكدٍ؛ وهو ظُلم المرأة، التي يزعمون أنهم يهدفون إلى رفع الظُلم عنها؛ ذلك أن النظام المالي الإسلامي -كما يقول العُلماء- يقوم على توازنٍ دقيقٍ يجعل المرأة إما مُساويةً للرجل، أو أوفر حظاً منه في المُجمل، وأن التفاوت المحدود في بعض الحالات هو تطبيقٌ لمبدأ "الغُرم بالغُنم"، ومُراعاةٌ للأعباء الاجتماعية والمالية المُلقاة على عاتق الرجل. إن التمايز في الميراث لا تحكمه الذُكورة والأنوثة، بل ثلاثة معايير أساسية؛ أولها: درجة القرابة؛ فكلما اقتربت الصلة بالميت زاد النصيب في الميراث. ثانيها: موقع الجيل الوارث؛ إذ أن الأجيال التي تستقبل الحياة -مثل الأبناء- يكون نصيبها أكبر غالباً من الأجيال التي تستدبر الحياة -مثل الآباء- بغض النظر عن الجنس. ثالثها: العبء المالي؛ ويُعَد المعيار الوحيد الذي يُثمر تفاوتاً بين الذَكر والأُنثى، نظراً لتكليف الرجل شرعاً بإعالة الأُنثى بينما تظل ذمة المرأة المالية مُستقلةً ومحمية.

ومن خلال استقراء حالات الميراث يتبين أن دعوى "المرأة ترث نصف الرجل دائماً" هي (دعوة مشبوهة) وباطلةٌ؛ يوضح أهل العِلم أن ليس كُل حالات ميراث المرأة "أنَّ لها نصف ما للرجل"؛ فهناك أربعٌ وثلاثون حالةً من أحوال الميراث ترث فيها المرأة بنِسَبٍ مُختلفةٍ: عشر حالاتٍ ترثُ فيها كالرَّجُلِ؛ مثل ميراث الأب والأم، ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾. وعشر حالاتٍ أُخرى ترث المرأة فيها أكثر من الرجل، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾؛ فلو مات شخصٌ وترك بنتاً وأباً، فنصيب البنت النصف ونصيب الأب السُدس مع بقية التركة، ومع ذلك لم يقل أحدٌ إنَّ كرامة الأب منقوصةٌ. وهناك عشر حالاتٍ تحجب فيها المرأة الرجل، مثل أن يموت شخصٌ عن ابنٍ وبنتٍ وأخوين شقيقين، فالابن والبنت يأخذان التركة كلها، فورثت البنت ولم يرث الأخ الشقيق. وهناك أربعُ حالاتٍ فقط هي التي يكون فيها للذَّكَرِ مثل حظ الأنثيين. وهذا يدل على إنصاف الإسلام للمرأة المُسلمة؛ بل إن الإسلام قد ميَّز الأُنثى في الميراث أحياناً لتكون لها ذمةٌ ماليةٌ خاصةٌ ومُستقلةٌ تحميها من تقلب الزمن، دون أن تُكلَف بالإنفاق على غيرها. ويُرجع أهل العِلم ذلك إلى التوازن بين الميراث والنفقة؛ فالنفقة واجبةٌ للمرأة: سواءً كانت بنتاً، زوجةً، أو أُماً، فهي مكفولةٌ مادياً من قِبَل الرجل "الأب أو الزوج أو الابن". كذلك فإن الشرع قد حافظ على إكرام المرأة في المأكل والملبس والمسكن، حتى في أدوات الرفاهية، مما يُفسِّر سبب زيادة نصيب الرجل في بعض حالات الميراث لمُواجهة هذه التكاليف.

 

وهناك أمثلةٌ كثيرةٌ لا تخلو كُتب المواريث وعِلم الفرائض من تفاصيلها، ولله الحكمة التامة فيما قدَّر وشرَّع.

 

أحبتي.. إن الدعوة لمُساواة الأُنثى بالذَكر في الميراث هي (دعوة مشبوهة) تبدو في ظاهرها كما لو كانت دعوة حقٍ؛ لكن الحقيقة أن المُراد منها باطلٌ؛ فأصحاب هذه الدعوة لديهم سبق إصرارٍ، وتعمدٌ، وسُوء طويةٍ، وهُم يعلمون أن ما يقومون به هو هدمٌ مقصودٌ لثوابت الدين، يقول عنهم سُبحانه وتعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، فيا من تعصون الله ورسوله وتزعمون أنكم أكثر حرصاً على صيانة حُقوق المرأة من خالقها، وتُطالبون بتعطيل حُكم الله، يتوعدكم الله سُبحانه وتعالى بالخزي في الحياة الدُنيا، وبأشد العذاب يوم القيامة؛ فأنتم في ضلالٍ مُبينٍ، تظلمون أنفسكم، وتظلمون المرأة التي تتشدقون بحمايتها من الظُلم!

اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام، ولك الشُكر أن جعلتَ فطرتنا سويةً سليمةً تُشعرنا بكل (دعوة مشبوهة)، وتقودنا للتفرقة بين الصواب والخطأ، بين النور والظلام، بين الإيمان والكُفر.‏

 

https://tinyurl.com/29srbmkm

الجمعة، 14 أغسطس 2026

والله غالبٌ على أمره

 خاطرة الجمعة /564

الجمعة 14 أغسطس 2026م

(والله غالبٌ على أمره)

 

قصةٌ حقيقيةٌ وعجيبةٌ؛ في سبعينيّات القرن العشرين قامت مجموعة طُلاب من جامعة النجاح في «نابلس» بالبحث عن أكبر مُعمّرٍ في «فلسطين» لإجراء مُقابلةٍ معه، ونشرها بمجلّة الجامعة. وجدوا في «الخليل» رجلاً مُسنَّاً عُمره 120 سنةً، وُلد قبل الحرب العالمية الأولى -التي نشبت سنة 1914م- بحوالي 60 سنةً، ولا يزال يتمتّع بذاكرةٍ قويّةٍ وبِنْيَةٍ سليمةٍ -وقد تُوفي في السّنة نفسها التي أجروا فيها المُقابلة معه- سأله الطُلاب: "يا عم، حدِّثنا عن أغرب قصّةٍ سمعتها في حياتك الطّويلة؟"، قال الرّجل المُسنّ: "بل أُحدثكم عن قصةٍ عشتها أنا شخصياً؛ عندما كُنتُ في السبعين من عُمري توفّيت زوجتي، وكان الله قد رزقني منها بعشرة أولادٍ ذُكوراً وإناثاً.. وكُنتُ أملك في «الخليل» مساحةً كبيرةً من الأراضي، وأموالاً كثيرةً؛ فأردتُ أن أتزوّج من امرأةٍ ترعى شُئوني، وما أن اشتمَّ أولادي خبر نيتي الزواج حتى اجتمعوا عليَّ، وبدأ كُل واحدٍ منهم يعرض خدماته عليّ، ويقولون لي: نحن وأزواجنا وأولادنا بخدمتك، نحن نطبخ لك، نحن نغسل لك، نحن نعتني بك!! طبعاً كُل هذا حتى لا تأتي امرأةٌ تُشاركهم في ميراث أبيهم. المُهم، منعوني بشتّى الطُّرق من الزّواج، خوفاً من أن ترثني زوجتي الجديدة وأولادي منها، فتذهب بعض الأراضي والأموال من حصّتهم في الميراث بعد موتي. وأصبح أولادي ينتظرون موتي ليرثوني في مُمتلكاتي وأموالي، لكن المُفاجأة الغريبة، أنّه ومُنذ كان عُمري 70 سنةً وحتى أصبح عُمري 80 سنةً، خلال تلك السنوات العشر، فقدتُ جميع أولادي العشرة واحداً بعد الآخر، أصبحوا تحت التُراب، ذُكوراً وإناثاً، ماتوا كُلهم موتاً طبيعياً، كُل 12 شهر تقريباً يموت واحدٌ، دفنتهم جميعهم بيديَّ هاتين!!! وعندما صار عُمري 80 سنةً وأصبحتُ بدون أبناءٍ، تزوّجتُ، وهي زوجتي التي معي مُنذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا، والأغرب من هذا كُله أن الله رزقني منها عشرة أولادٍ جُدد! مازالوا معي كُلهم حتى هذه اللحظة ولله الحمد".

يقول ناشر هذه القصة إنه لا تعليق عليها سوى بقوله تعالى: (والله غالبٌ على أمره).

 

أحبتي في الله.. نجد معنى هذه الآية الكريمة في موقفٍ عجيبٍ آخر حدث مع «فاطمة»، وهي امرأةٌ صُوماليةٌ مُسلمةٌ فقيرةٌ كانت تعيش في «إنجلترا»، اتصلت بمحطةٍ إذاعيةٍ تطلب الحُصول على مُساعدةٍ، وتصادف أن شخصاً مُلحداً كان يستمع إلى ذات المحطة في ذلك الوقت؛ فاتصل بالمسئولين بالمحطة وطلب منهم الحصول على رقم هاتف «فاطمة» وعنوانها، زاعماً أنه يُريد مُساعدتها، لكنه في الواقع كان ينوي أن يسخر منها؛ فبعد أن حصل على رقم الهاتف والعُنوان أعطى التعليمات لسكرتيرته الخاصة بأن تُجهِّز مواداً غذائيةً ومُساعداتٍ أُخرى وتوصلها إلى هذه المرأة، وقال للسكرتيرة: "إذا سألتكِ المرأة عن مصدر هذه المُساعدات فقولي لها أنها من الشيطان!"، فلمَّا وصلت السكرتيرة إلى منزل «فاطمة» فرحت بهذه المُساعدات، فسألتها السكرتيرة: "ألا تريدين أن تعرفي مصدر هذه المُساعدات ومَن أرسلها لك؟"، أجابت المرأة الأُمية بجوابٍ رائعٍ جعل المُلحد يعتنق الإسلام، الجواب الرائع كان: “لا أريد أن أعرف، ولا أهتم بذلك؛ لأن الله إذا أراد شيئاً حتى الشياطين تُطيعه"!!

 

وعن معنى (والله غالبٌ على أمره) كتب أحدهم: استمعتُ اليوم إلى حكايةٍ حقيقيةٍ؛ قبل عدة سنواتٍ قام أخٌ أكبر بالاستيلاء على حق أخيه الأصغر منه في ميراث أبيهم المُتوفى، وكانت قيمة ذلك الميراث وقتها تُعادل بسعر اليوم قُرابةٍ خمسمائة مليون جنيه. بعد تلك السنوات تُوفيَّ الأخ الأكبر، ثُم توفيَّ بعده ابنه الوحيد غير المُتزوج بسبب مرضٍ في القلب؛ فمن يرث الآن؟ الأخ الأصغر الذي أُكل إرثه من قبل! عاد الحق إلى صاحبه مُضاعفاً؛ إرثه من أبيه، وإرثه من أخيه الأكبر الذي كان قد حرمه من حقه! (والله غالبٌ على أمره) ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

يقول المفسرون إن الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ التي وردت في سُورة «يوسف»، تعني أن الله سُبحانه وتعالى فعّالٌ لما يشاء، لا يغلبه شيءٌ ولا يَرُدُ حُكمَه رادٍ، وإذا أراد شيئاً فلا يُمَانَع ولا يُخَالَف، بل هو الغالب على ما سواه. والهاء في لفظ "أَمْرِهِ" في قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ راجعةٌ إلى الله تعالى؛ أي أن الله غالبٌ على أمره لا يغلبه فيه أحدٌ؛ ﴿إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. وقيل: بل ترجع الهاء إلى «يوسف» -عليه السلام- بمعنى أن الله غالبٌ على أمر «يوسف» يُدبِّره كيفما شاء بما يؤدي إلى رفعته بعد إصابته بالضراء، ولا يكِله إلى غيره، حتى لا يصل إليه كيْدُ كائد. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ تعني: لا يدرون حكمة الله في خَلْقه، وتلطفه لما يُريد؛ فهُم لا يطِّلعون على غيب الله، وما فيه من الأسرار العظيمة، والحِكَم النافعة العميمة، والتدبيرات الكريمة؛ إذ هُم لا يعلمون ما خبأه الله له في الغيب المستور؛ وهكذا غلب أمر الله على من أرادوا الكيد والمكر بسيدنا «يوسف» عليه السلام؛ فكانت العاقبة الحسنة له.

 

يقول أهل العِلم إننا لو تتبعنا مسار التاريخ ومسيرة الإنسان لوجدنا أن حقيقة (والله غالبٌ على أمره) لا تشذ أبداً، ولا تتخلف مُطلقاً؛ فلا يقع في مُلكه إلا ما يُريد. والعباد -بمن فيهم الطواغيت المُتجبرون- ليسوا بضارين من أحدٍ إلا بإذن الله؛ وليسوا بنافعين أحداً إلا بأمر الله؛ فلن يكون إلا ما يُريده الله سُبحانه؛ فأمره تعالى نافذٌ، لا يُبطله مُبطلٌ، ولا يغلبه مُغالبٌ، وقُدرة الله وراء كل ما يخطر للبشر على أي حال.

 

وكُل الأمور بيد الله سُبحانه وتعالى؛ فلا رادَّ لقضاء الله ولا مُنازع له فيما يُريد ولا مانع له، فهو العزيز سُبحانه، والأمر كُله له؛ يقول تعالى: ﴿بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ فلا رادَّ لمُراده في أرضه وسمائه، ولا دافع لقضائه في ليله ونهاره.

 

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [اعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ، ولو اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ].

 

ويقول المُتخصصون في علم النفس إنه في لحظات الضعف، عندما تضيق الأسباب، وتتشابك الأحداث، ويشعر الإنسان أن كل شيءٍ خرج عن السيطرة، تأتي هذه الآية القصيرة كبلسمٍ عميقٍ للروح: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ فهي ليست مُجرد جملةٍ قُرآنيةٍ بل قانونٌ كونيٌ للطُمأنينة؛ فالمعنى العميق للآية أنه سُبحانه غالبٌ بالفعل على: المرض، الخوف، الظُلم، والكيد. وما نراه شراً هو في حقيقته خيرٌ؛ فهو لا يحدث خارج تدبير الله، حتى لو بدا عكس ما نراه. فقد نزلت هذه الآية في قلب المحنة؛ عندما أُلقيَ «يوسف» عليه السلام في غيابة الجُب، ثم بيع عبداً، ثم ظُلم وسُجن، ومع ذلك كانت كُل خُطوةٍ مُؤلمةٍ جُزءاً من طريق التمكين. إن هذه الآية تُعطي الإنسان طُمأنينةً حقيقيةً؛ (والله غالب على أمره) ليست تكراراً لفظياً بل إعادة برمجةٍ داخليةٍ، بمعنى "أنا لستُ وحدي، أنا في رعاية الله، في رعاية العزيز الحكيم".

 

أحبتي.. وراء كُل محنةٍ منحةٌ، وما يُقدّره الله لنا، وإن بدا مُؤلماً، قد يكون طريقاً إلى عزٍّ وكرامةٍ لا نتصورها؛ فكم هو مُطمئنٌ هذا المعنى: (والله غالبٌ على أمره). هكذا هي أحداث حياتنا لو تأملناها لوجدنا أن اختيارات الله لنا كانت خيراً من حيث لا ندري، وإن ظننا أنها شَرٌّ، ولو اجتمع علينا الماكرون ولو أحاط بنا الكائدون، فإن حفظ الله وعنايته أغلب؛ فالله عزيزٌ إذا أراد الله شيئاً، وأراد كُل الخَلْق شيئاً؛ كان ما أراد الله، ولا مُغالب لما أراد.

إن التسليم الكامل بمعنى (والله غالبٌ على أمره) هو من أصول الإيمان؛ فلنُحسن الظن بالله، ولا نتقاعس أو نتكاسل بل نأخذ بالأسباب، ونتوكل على الله، ونثق في أنه يختار لنا الأصلح حتى لو بدا لنا غير ذلك.

اللهم اجعل غلبة أمرك علينا خيراً، ورضِّنا به، وبارك لنا فيه.

 

https://tinyurl.com/2xsd6s3t

الجمعة، 7 أغسطس 2026

لُطف الله

 

خاطرة الجمعة /563

الجمعة 7 أغسطس 2026م

(لُطف الله)

 

استيقظ ملايين المصريين قبل فجر يوم الإثنين الماضي على زلزالٍ لم تكن له أية مُقدمات، ولم يُخبَروا بإمكانية وقوعه. كانت عقارب الساعة تُشير إلى الثالثة صباحاً وقت وقوع الزلزال، مُعظم الناس كانوا نياماً فاستيقظوا على هزةٍ قويةٍ حركت أسِرَّة نومهم، ومن كان مُستيقظاً شاهد ثُريات السقف تتحرك، وسمعوا أصوات أشياء تزحف من أماكنها؛ أبواب خزانات الملابس، مقاعد السُفرة، أطباق في المطبخ، وغير ذلك. في البداية لم يُدرك أحدٌ أنه زلزال؛ أنا عن نفسي ظننتُ أن التهاب الأُذن الوسطى -الذي يُسبب دُواراً واختلالاً بالتوازن- قد عاودني، لكني اكتشفتُ بعد لحظةٍ، عندما شاهدتُ أشياء حولي تتحرك، وسمعتُ أصواتاً ناتجةً عن حركة تلك الأشياء، أدركتُ على الفور أنه زلزال! بعض من أعرفهم ممن يمتلكون أجهزة هاتفٍ حديثةً وصلهم إنذارٍ قبل وقوع الزلزال بثوانٍ معدودة مع رنينٍ عالٍ ومُستمرٍ صادرٍ عن الهاتف. الغريب أن قلةً من الناس لم يُحسوا مُطلقاً بما حدث؛ أخبرني أكثر من شخصٍ أعرفه أنه كان نائماً وأيقظته زوجته التي أحست بالزلزال، وبعض الناس كان لسببٍ أو آخر في الشارع عائداً من عمله لم يشعر بشيءٍ غير عادي. وأخبرني أحد الأصدقاء أنه أحس وكأن السرير الذي ينام عليه يتحرك، فأدار ظهره وأكمل نومه ظانّاً أنه يحلم! وعلى عكس ذلك؛ نزل بعض الناس إلى الشارع هُم وأُسرهم فور شُعورهم بالزلزال -وأغلب هؤلاء كانوا من سُكان الأدوار العُليا الذين يتأثرون بالزلازل أكثر من غيرهم- ومنهم من أخذوا أبناءهم في أحضانهم واحتموا معهم تحت الطاولات، ومنهم من رددوا ما يحفظونه من القُرآن الكريم، ومنهم من كان يقول لأول مرةٍ مُنذ زمنٍ: "يا رب".

من (لُطف الله) ورحمته بخَلْقه، أن الزلزال لم يستمر إلا لثوانٍ معدودةٍ، عاد بعدها بعض من استيقظوا إلى نومهم! بينما ظل مُعظم الناس -ممن استيقظوا من نومهم مفزوعين، وممن كانوا مُستيقظين قبل وقوع الزلزال- في حالاتٍ مُختلفةٍ؛ بعضهم ظلَّ يترقب حدوث زلزالٍ آخر، وبعضهم من ظلَّ يدعو الله سُبحانه وتعالى بأن يحفظه وأُسرته وأهله وأحبابه ويُبعد عنهم الشر والأذى، والبعض ممن كان يُصلي التهجد وقيام الليل استمر في صلاته شاكراً الله عزَّ وجلَّ على لُطفه ورحمته، ومنهم من أمسك بهاتفه واتصل بأقرب الناس إليه يطمئن عليهم، ومنهم من أسرع إلى فتح شبكة الإنترنت ليُطالع تفاصيل ما حدث أو لينشر الدُعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم عند وقوع الزلازل، أو لمجرد أن يُثبت وجوده على الشبكة العنكبوتية بكتابة منشورٍ وتعميمه، أو رفع صورةٍ أو مقطع ڤيديو له علاقةٌ بالزلزال!

 

بعد دقائق من انتهاء الزلزال أكد المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية -في بيانٍ رسميٍ- أن الزلزال لم يُخلِّف خسائر في الأرواح أو المُمتلكات.

وقد أثار الزلزال قلقاً وفزعاً لدى كثيرٍ من المصريين بسبب قُوته؛ ففي كثيرٍ من المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، عبَّر بعض المُتابعين عن شُعورهم بقُوة الزلزال بشكلٍ أكثر من زلازل سابقةٍ، وأرجع الخُبراء ذلك إلى أمرين: الأول هو "عُمق الزلزال"؛ إذ حدث الزلزال على عُمق 10 كم، وهذا عُمقٌ ضحلٌ قريبٌ من سطح الأرض، ولذا يكون الشعور به أكثر قوةً. أما الأمر الثاني الذي ساهم في الشعور بقُوة الزلزال، فهو "قُرب مركزه" من المُحافظات المُتأثرة به.

وكان أكثر ما لفت انتباهي بعد انتهاء الزلزال تصريحٌ أدلى به أحد المسئولين؛ أعتقد أنه من أسخف وأغبى ما يُمكن أن يُقال بعد أن شملنا الله سُبحانه وتعالى برحمته فخفَّف عنا؛ قال ذلك المسئول إن الزلزال الأخير كان قريباً في شدته من الزلزال الشهير الذي ضرب «مصر» عام 1992م لكن تَقَدُّم الدولة في البنية التحتية والقضاء على العشوائيات أنقذ البلد من كارثةٍ حقيقيةٍ! فبدلاً من أن يشكر الله على رحمته بعباده، أرجع الفضل لغير الله سُبحانه وتعالى! صحيحٌ أنّ الدولة تمتلك اليوم استعداداتٍ وبنيةً تحتيةً أسهمت في تقليل الخسائر، لكنّ هذه كُلُّها أسبابٌ، والحقيقة التي يعرفها الجميع أن المُنَجِّي الحقّ هو الله سُبحانه وتعالى؛ فهو وحده مالك الأمر كُلِّه، وهو الذي ستر وحمى الناس من مُصيبةٍ كان يُمكن أن تكون أعظم بكثيرٍ لولا (لُطف الله)، وما حدث مُؤخراً كان رسالةً واضحةً: مهما تقدّمت التكنولوجيا، ومهما تطوّرت البنية التحتية، يجب أن نظلّ مُتذكّرين أنّنا ضعفاء أمام قُدرة الله عزَّ وجلَّ، وأنّ النجاة ليست بالأدوات ولا بالأجهزة، بل بفضل الله ورحمته. وقد يكون تصريح ذلك المسئول قد اجتُزأ من سياقه، أو قد يكون القصد منه على غير ما فهمناه؛ والله تعالى أعلم بالنوايا.

على كل حالٍ قرأتُ رداً منطقياً على نحو ما فهمنا من هذا التصريح قال فيه صاحبه: عدم وقوع خسائر في الأرواح، وقلة الخسائر في المُمتلكات لا تجوز نسبتها سوى لفضل الله سُبحانه وتعالى وستره ورحمته؛ فالزلزال لو استمر دقيقةً أُخرى لما بقي حجرٌ فوق حجرٍ. إنه (لُطف الله)، وإنها نعمةٌ من الله عزَّ وجلَّ لو نسبناها إلى غيره فربما فقدناها إلى الأبد؛ يقول تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، والبَطَر هو كُفران النعمة وجُحودها، وعدم نسبتها إلى الله، ومثل ذلك ما وقع لقارون؛ يقول سُبحانه: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ قال له قومه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ فقال مُتكبراً: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ فكانت النتيجة: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾. وكُل نعمةٍ نحن فيها هي من الله وحده؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، ومع ذلك يجوز أن يُذكَر إحسان البشر وأعمالهم وإنجازاتهم، ولكن بشرط أن يكون ذلك بعد نسبة النعمة إلى الله تعالى، وألا يكون ذلك على سبيل الفخر والكِبر والمنّة أو النفاق والتزلف، وأن تكون تلك الإنجازات موجودةً حقّاً وواقعةً بالفعل.

 

أحبتي في الله.. وردت في القرآن الكريم عدة كلماتٍ للتعبير عن الزلازل؛ منها: الزلزلة، الرجفة، الصيحة، الخسف، والصدع. ومن تلك الآيات؛ يقول تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا . وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، ويقول سُبحانه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾، ويقول أيضاً: ﴿إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾، ويقول كذلك: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾.

 

وعن الزلازل يرى العُلماء أن الله حكيمٌ عليمٌ فيما يقضيه ويُقدِّره، وفيما شرعه وأمر به، وهو يخلق ما يشاء من الآيات، ويُقدِّرها تخويفاً لعباده، وتذكيراً لهم بما يجب عليهم من حقه، وتحذيراً لهم من الشرك به ومُخالفة أمره وارتكاب نهيه؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾، ويقول سُبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. ثوانٍ معدودةٌ كانت كافيةً لتُذكِّرنا بمدى ضعفنا أمام قُدرة الله تعالى، نمشي على الأرض كل يومٍ ونحن نظنّ أنها ثابتةٌ، وأن الغد مضمونٌ، وأن العمر طويلٌ ومُمتدٌّ، غير أنّه -وفي لحظةٍ واحدةٍ- يُقدِّر الله سُبحانه أن يُبدِّل كل ما حولنا، فنشعر بأنّ الدُنيا بأسرها -لولا (لُطف الله)- قد تتغيّر في ثانيةٍ واحدةٍ أم أقل؛ يقول تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. اهتزّت الأرض لثوانٍ معدودةٍ، لكنّ زلزلة يوم القيامة ستكون مُختلفةً تماماً؛ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ . تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. ولا شك أن الزلزال الذي وقع هو من جُملة الآيات التي يُخوِّف الله بها عباده، وكُل ما يحدث في الوجود من الزلازل وغيرها مما يضر العباد ويُسبب لهم أنواعاً من الأذى، كُله بأسباب الشرك والمعاصي؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، كما يقول عن الأُمم الماضية: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾؛ فالواجب على جميع المُسلمين التوبة إلى الله، والاستقامة على دينه، والحذر من كُل ما نهى عنه من الشرك والمعاصي، حتى تحصل لهم النجاة في الدُنيا والآخرة من جميع الشرور، وحتى يدفع الله عنهم كل بلاءٍ، ويمنحهم كل خيرٍ.

إن زلازل الدُنيا بمثابة رسائل تحذيرٍ للعباد من الله العزيز الحكيم، وهي ابتلاءٌ للمؤمنين ونذيرٌ للكافرين؛ إنها من جنود الله؛ يُهلك بها من يشاء ويصرفها عمَّن يشاء. إنها من آيات الله تُذكِّر العباد بقدرته، وتدعوهم إلى التوبة والاستغفار والعودة إلى الطريق المستقيم. إن الزلازل لا تهز الأرض فقط، بل تهز القلوب الغافلة، وتُذكِّر الإنسان بأن الثبات الحقيقي ليس تحت قدميه، بل في إيمانه؛ فحين تهتز الأرض يُدرك الإنسان أن كل ما ظنه ثابتاً قد يزول في لحظةٍ، ولا يبقى إلا العمل الصالح. الزلازل رسالةٌ صامتةٌ تقول: لا تركن إلى الدُنيا، فما دام أساس الأرض يهتز، فكيف بما فوقها؟ قد تهتز الجبال، لكن القلب المُعلَّق بالله يبقى أثبت من كُل شيء. وعلى المُسلم عند حُدوث الزلازل الفزع إلى الدُعاء والاستغفار والتضرع إلى الله وسؤال العافية والإكثار من ذِكر الله، والمُبادرة إلى التوبة والإقلاع عن المعاصي والرجوع إلى طريق الهداية.

 

قال العارفون عن الزلازل إنها من مظاهر قُدرة الخالق عزَّ وجلَّ التي يُوقظ بها ضمائر الغافلين لينتبهوا إلى أن التكالب على الدُنيا لا يفيد؛ إذ هي مُعرضةٌ لأن تضيع في أية لحظةٍ، وأن السلامة فيها تكمن في الإذعان لأوامر الله ونواهيه وفقاً لمنهجه حتى نكون على استعدادٍ للقائه متى يشاء. والمُسلم الواعي هو الذي تكون الدُنيا -بما يُحققه فيها من نجاحٍ وازدهارٍ- بيديه، وتكون الآخرة في قلبه. ولعل في وقوع الزلازل خيراً لمن مات ولمن نجا؛ فالموتى شهداء عند ربهم ينعمون، أما الناجون الأحياء فلعلها لهم عظةً وتنبيهاً للرجوع إلى الله.

 

وهذا أحد الصالحين يقول: الزلزال هزَّ الأرض، فهل هزَّ قلبك؟ أيقظتك رجفته من نومك، فهل أيقظ قلبك من غفلته؟ الزلازل ليست مُجرد ظواهر طبيعيةٍ تنتهي بانقضائها، بل هي رسالةٌ واضحةٌ: عُودوا إلى ربكم قبل أن يفوت الأوان وتأتي ساعةٌ لا رجوع فيها؛ من طال به الهجران عن الصلاة شهوراً أو سنين فليستيقظ؛ ماذا تنتظر؟ احمد الله أن الزلزال أيقظك من غفلتك. ومن أكل حقّ غيره، أو ظلم أحداً، أو أخذ مالاً بغير حقٍ؛ فليُبادر بردّ الحقوق إلى أصحابها قبل أن يقف بين يدي الله، حيث لا مهرب ولا اعتذار. ومن قطع رحمه؛ فليصل رحمه. ومن عقّ والديه؛ فليعُد إليهما، وليُقبِّل أيديهما، ويطلب رضاهما. ومن غرق في المعاصي مُطمئناً أنّ العمر طويلٌ؛ فليتذكر أنّ الغد غير مضمونٍ؛ حين اهتزّت الأرض تحت أقدامنا، نسي كُل واحدٍ منا المال والمنصب والشُهرة، ولم يبقَ في القلب إلا دعاءٌ واحدٌ: "يا رب نجِّنا"، فإذا كان لسانك قد عرف أن يقول “يا رب” في ساعة الخوف، فليقلها أيضاً في ساعة الرخاء، قد يهزّ الزلزال الأرض لثوانٍ، لكن الكارثة الحقيقية أن يبقى القلب ساكناً لا يتحرك إلى الله، لا تجعل الزلزال مُجرد قصةٍ ترويها، أو مقطعاً تنشره على وسائل التواصل الاجتماعي، بل اجعله بدايةً جديدةً؛ ابدأ من اليوم: حافظ على صلاتك، تُب إلى ربك، سامِح الناس، رُد المظالم، أغلِق باب الحرام، وافتح صفحةً جديدةً مع الله.

 

وعن (لُطف الله) بأهل «مصر» في ذلك الزلزال قال الشاعر:

يا مِصْرُ يا زَهْرَةَ الدُنْيا وزِينَتَها

لكِ السَلامُ مِنَ الرَحْمَنِ فابْتَسِمي

حَمَاكِ رَبُّكِ مِنْ زِلْزالٍ قَدَّرَهُ

قَدْ أفْزَعَ الناسَ لَمَّا جاءَ في الظُّلَمِ

فأرسلَ اللهُ من عَليائهِ كَرَماً

لطائفاً قد سَرَتْ من بارئ النَّسَمِ

 

أحبتي.. ما أضعفنا؛ اهتزت الأرض لثوانٍ معدودةٍ؛ فضرب الخوف القلوب، وأصاب النفوسَ هلعٌ وجزعٌ، فكيف باليوم الذي قال عنه الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾؟ اهتزت الأرض تحت الأقدام؛ فكيف سيكون حالنا يوم تهتز القلوب والأبدان بين يدي الله؟ إن أقوى درسٍ يتعلَّمه المؤمن من الزلزال، هو أن موعد الرحيل قد يأتي بلا إنذارٍ. ومن (لُطف الله) أنه أعطانا فرصةً للإنابة والرجوع إليه، وفتح لنا باب أملٍ لإصلاح أخطائنا والتوبة من ذنوبنا والإكثار من عمل الصالحات؛ فلنتعاهد ألا نؤجل توبةً، ولا نؤخر صلاةً، ولا نُهمل زكاةً، ولا نجعل يوماً يمر وإلا ولنا فيه عملٌ صالحٌ؛ فالعُمر غير مضمونٍ، والدُنيا قد تتغير في لحظةٍ، ولا يبقى لنا إلا أعمالنا؛ فليكن شعارنا: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾. اللهم أيقظ قلوبنا قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه ندمٌ، واجعل ما نراه من آياتك سبباً في توبتنا ورجوعنا إليك. اللهم ارفع عنا البلاء والفتن، وابعد عنا الزلازل والمحن، واحفظنا بحفظك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا في ضمانك وأمانك وإحسانك، واحفظنا من كُلّ سوءٍ، واجعلنا دائماً من الشاكرين لنِعَمك، الموقنين بأنّك أنت وحدك المُنَجّي، وآمِنِّا اللهم يوم الفزع الأكبر.

https://tinyurl.com/2xs56qxa

الجمعة، 31 يوليو 2026

قصر في الجنة

 

خاطرة الجمعة /562

الجمعة 31 يوليو 2026م

(قصر في الجنة)

 

تروي إحدى السيدات قصةً عجيبةً؛ تقول:

كُنتُ في زيارةٍ لصديقةٍ لي في بيتها، وأتت طفلتها إلينا، لم تُكمل الطفلة عامها الثالث.. تتلعثم بالحروف.. ووقفت خلف أُمها تشد فستانها قائلةً: "أُمي لم نبنِ اليوم قصراً في الجنة؟"، اعتقدتُ أنني سمعتُ ما قالت بالخطأ، إلا أن الطفلة كررَّت نفس العبارة، ثم وقف إخوتها إلى جانبها وأخذوا يُرددون ما قالته أختهم الصغيرة! رأت الأُم الفضول في عينيّ؛ فابتسمت وقالت لي: "أُتحبين أن تُشاهدي كيف أبني قصراً في الجنة أنا وأبنائي؟"، فأجبتُ باندهاشٍ: "نعم!" ووقفتُ أُراقب ما سيفعلونه.

جلست الأُم وجلس أولادها حولها.. أعمارهم تتراوح بين الثالثة إلى العاشرة.. جلسوا جميعهم مُستعدين ومُتحمسين، بدأت الأُم وبدأوا معها في قراءة سورة الإخلاص (قل هو الله أحد.. الله الصمد.. لم يلد ولم يولد.. ولم يكن له كفواً أحد) ثم كرروها عشر مراتٍ، وعندما انتهوا صرخوا بصوتٍ واحدٍ فرحين: "الحمد لله بنينا بيتاً في الجنة"، سألتهم الأُم: "وماذا تُريدون أن تضعوا في هذا البيت؟"، ردَّ الأطفال: "نُريد كُنوزاً يا أُمي"؛ فبدأوا يُرددون (لا حول ولا قوة إلا بالله.. لا حول ولا قوة إلا بالله)، ثم عادت فسألتهم: "مَن منكم يُريد أن يرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم السلام ويشرب من يده شربةً لا يظمأ بعدها أبداً؟"، فشرعوا جميعهم يقولون: "اللهم صلِ على مُحمدٍ وعلى آل مُحمدٍ.. كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.. وبارِك على مُحمدٍ وعلى آل مُحمدٍ.. كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ"، تابعوا بعدها التسبيح والتكبير والتهليل.. ثم انفضوا كُلٌ إلى عمله؛ فمنهم من تابع مُذاكرة دروسه.. ومنهم من عاد إلى مُكعباته يُعيد بناءها.

قُلتُ لصديقتي: "كيف فعلتِ ذلك؟"، قالت: "أبنائي يُحبون جُلوسي بينهم، ويفرحون عندما أجمعهم وأجلس وسطهم؛ فأحببتُ استغلال ذلك بأن أُعوِّدهم على ذِكر الله، بأن أنقل لهم هذه الأحاديث وأُعلِّمها لهم بطريقةٍ يُمكن لعقولهم الصغيرة أن تفهمها؛ فهُم يرون القصور في برامج الأطفال ويتمنون أن يكون من ساكنيها.. ويُشاهدون أبطال الكرتون وهُم يتصارعون للحصول على الكنز؛ فأردت أن يكون حُلمهم (قصر في الجنة)".

 

أحبتي في الله.. عقَّبت راوية القصة عليها بما يلي: "هذه الأُم ستُثاب عندما يُردد أحد أبنائها هذه الأذكار، حتى بعد ممات الأُم.. فإنها صدقةٌ جاريةٌ.. وهي أفضل استثمارٍ لها في الدُنيا والآخرة".

 

وعن (قصر في الجنة) كتبت إحداهن:

مُنذ أيامٍ قليلةٍ كُنتُ أُشاهد صوراً لقصرٍ في مدينة «دبي»، يبلغ ثمنه مئة مليون دولار، ومع ذلك لم يكن القصر كبيراً جداً؛ فأثار ذلك فضولي لأتعرّف على أعظم القُصور في العالم؛ فوجدتُ أن أكبر قصرٍ سكنيٍ في العالم هو قصر سُلطان «بروناي»، قصر «إستانا نور الإيمان»؛ إذ تبلغ مساحته -بما فيه من أجنحةٍ وحدائق- نحو 2100 متراً مُربعاً، ويضم 1,788 غُرفةً، حتى إنك لو أردتَ مُشاهدة كُل غُرفةٍ منها لمدة دقيقةٍ واحدةٍ فقط لاحتجتَ إلى أكثر من تسعٍ وعشرين ساعةً كاملةً لتتم مُشاهدتك! ويبقى السؤال: هل يُعَد هذا القصر عظيماً حقاً إذا قارنّاه بقصرٍ من قُصور أقل أهل الجنة منزلةً؟ الإجابة: إن هذا القصر لا يُساوي حجراً واحداً في شُرفةٍ من شُرفات قُصور الجنة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم عن أقل أهل الجنة منزلةً: [إنَّ أدنى أهلِ الجنَّةِ منزلةً الَّذي له ثمانونَ ألفَ خادمٍ، واثنانِ وسبعونَ زوجًا، ويُنصَبُ له قبَّةٌ مِن لؤلؤٍ وزبرجدٍ وياقوتٍ كما بَيْنَ الجَابِيَةِ إلى صنعاءَ] أي يُبنى له قصرٌ قُبته من لؤلؤٍ وياقوتٍ وزبرجدٍ -وهي جواهر لم ترها عينك قط، تمتد -قبته فقط- لمسافةٍ تزيد عن 2000 كيلو متر! العجيب أن هذا قصر أقل أهل الجنة منزلةً، فما بالك بما أعدّه الله لأحبائه وأوليائه من قُصور؟ إن هذا القصر من قُصور الجنة يفوق جميع قُصور الدُنيا مُجتمعةً، ولا مجال للمقارنة؛ فقصر الجنة هو من إبداع الله سُبحانه وتعالى.

 

يقول أهل العِلم إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن أعمالٍ وأقوالٍ إذا عملها العبد أو قالها بنى الله له بيتاً أو قصراً في الجنة، ومعلومٌ أن بيوت الجنة وقُصورها ليست كبيوت الدُنيا، وإنما كما قال صلى الله عليه وسلم: [الجنةُ بناؤها لَبِنَةٌ من فضةٍ، ولَبِنَةٌ من ذهبٍ، ومِلاطُها المسكُ الأذفرُ، وحصباؤها اللؤلؤُ والياقوتُ، وتربتُها الزَّعفرانُ، من يدخلُها ينعَمْ لا يبْأَسُ، ويخلدْ لا يموتُ، لا تَبلى ثيابُهم، ولا يَفنى شبابُهم]. من تلك الأعمال والأقوال: الإيمان بالله عزَّ وجلَّ وتصديق المُرسلين؛ قال صلى الله عليه وسلم: [إنَّ أهلَ الجَنَّةِ يَتَراءَونَ أهلَ الغُرَفِ مِن فوقِهم كما يَتَراءَونَ الكَوكَبَ الدُّرِّيَّ الغابِرَ في الأُفُقِ مِنَ المَشرِقِ أوِ المَغرِبِ؛ لتَفاضُلِ ما بينَهم]. قالوا: يا رَسولَ اللهِ، تلك مَنازِلُ الأنبياءِ لا يَبلُغُها غَيرُهم؟ قال: [بَلى، والذي نَفسي بيَدِه، رِجالٌ آمَنوا باللهِ وصَدَّقوا المُرسَلينَ].

ومن ذلك أيضاً تقوى الله؛ يقول تعالى: ﴿لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾.

ومن ذلك كذلك الصبر، والتوكل على الله؛ يقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ . الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. كما أن من ذلك مُوالاة المؤمنين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله تعالى وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام؛ يقول سُبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.

ومن ذلك أيضاً سد الفُرَج في الصلاة؛ قال صلى الله عليه وسلم: [مَنْ سَدَّ فُرْجَةً بَنَى اللهُ لهُ بَيْتًا في الجنةِ، ورفعَهُ بِها درجةً].

ومن ذلك المُحافظة على السُنن الرواتب؛ قال عليه الصلاة والسلام: [من صلَّى في اليومِ والليلةِ اثنتي عشرةَ ركعةً تطوُّعًا، بنى اللهُ له بيتًا في الجنَّةِ: أربعًا قبلَ الظُّهرِ، وركعتَين بعدها، وركعتَين بعد المغربِ، وركعتَينِ بعد العشاءِ، وركعتَينِ قبلَ صلاةِ الغَداةِ].

ومن ذلك أيضاً المُحافظة على أربع ركعاتٍ من الضُحى، وأربعٍ قبل صلاة الظُهر؛ قال صلى الله عليه وسلم: [مَنْ صَلَّى الضُّحَى أَرْبَعًا، وَقَبْلَ الْأُولَى أَرْبَعًا بُنِيَ لَهُ بِهَا بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ]، ومعنى [الْأُولَى] صلاة الظهر.

وكذلك ترك المِراء، وترك الكذب ولو كان المرء مازحاً، والأخلاق الحسنة؛ قال عليه الصلاة والسلام: [أنا زعيمٌ ببيتٍ في رَبَضِ الجنَّةِ لمَن تَرَكَ المِراءَ وإن كان مُحِقًّا، وببيتٍ في وسطِ الجنَّةِ لمَن تركَ الكذبَ وإن كان مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنَّةِ لمَن حَسُنَ خُلُقُه].

ومن ذلك بِناء المساجد؛ قال صلى الله عليه وسلم: [مَنْ بَنَى للهِ مَسْجِدًا يُذْكَرُ فيهِ؛ بَنَى اللهُ لهُ بَيْتًا في الجنةِ].

ومن ذلك أيضاً إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وقيام الليل؛ قال عليه الصلاة والسلام: [إنَّ في الجنَّةِ غرفًا يُرى ظاهرُها من باطنِها وباطنُها من ظاهرِها أعدَّها اللهُ لمَنْ أطعم الطَّعامَ وأفشى السَّلامَ وصلَّى بالليلِ والنَّاسُ نيامٌ].

كما أن من ذلك قراءة سورة الإخلاص عشر مراتٍ؛ قال صلى الله عليه وسلم: [من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى يختِمَها عشرَ مراتٍ بنى اللهُ له قصرًا في الجنَّةِ].

ومن ذلك الصبر والحمد والاسترجاع عند فقد أحد الأبناء؛ قَالَ عليه الصلاة والسلام: [إذا ماتَ ولَدُ العبدِ قالَ اللَّهُ لملائِكتِهِ: قبضتم ولدَ عبدي؟ فيقولونَ: نعم، فيقولُ: قبضتُم ثمرةَ فؤادِهِ؟ فيقولونَ: نعم، فيقولُ: ماذا قالَ عبدي؟ فيقولونَ: حمِدَكَ واسترجعَ، فيقولُ اللَّهُ: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنَّةِ وسمُّوهُ بيتَ الحَمْدِ].

كما أن من ذلك زيارة المريض، وزيارة الإخوة في الله؛ قَالَ صلى الله عليه وسلم: [مَن عادَ مريضًا، أو زارَ أخًا لَهُ في اللَّهِ ناداهُ مُنادٍ: أن طِبتَ وطابَ مَمشاكَ، وتبوَّأتَ مِنَ الجنَّةِ منزلًا].

 

يقول الشاعر:

اِعْمَلْ لِدَارِ الْبَقَاءِ رِضْوَانُ خَازِنِهَا

الْجَارُ أَحَمْدٌ وَالرَّحْمَنُ بَانِيهَا

أَرَضُّهَا ذَهَبٌ وَالْمِسْكُ طِينَتُهَا

وَالزَّعْفَرَانُ حَشِيشٌ نَابِتٌ فِيهَا

أَنُهَّارُهَا لَبَنٌ مَحْضٌ وَمِنْ عَسَلٍ

وَالْخَمْرُ يَجْرِي رَحِيقَاً فِي مَجَارِيِهَا

وَالطَّيْرُ تَجَرَي عَلَى الْأَغْصَانِ عَاكِفَةً

تُسَبِّحُ اللَّهَ جَهْرًا فِي مَغَانِيِهَا

مَنْ يَشْتَرِي الدَّارَ بِالْفِرْدَوْسِ يُعَمِّرُهَا

بِرَكْعَةٍ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ يُخْفِيهَا

أَوْ سَدِّ جُوْعَةِ مِسْكِينٍ بِشبْعَتِهِ

فِي يَوْمِ مَسْغَبَةٍ عَمَّ الْغَلَا فِيهَا

لَا دَارَ للمَرءِ بَعْدَ الْمَوْتِ يَسْكُّنُهَا

إِلَّا الَّتِي كَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ يَبْنِيهَا

فَمَنْ بَنَاِهَا بِخَيْرٍ طَابَ مَسْكَنُهُ

وَمَنْ بَنَاهَا بِشَرٍّ خَابَ بَانِيهَا

فَاغْرِسْ أُصولَ الْتُقَى مَا دُمّْتَ مُقْتَدِرًا

وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَاقِيهَا

تَجْنِي الثِّمَارَ غَدَاً فِي دَارِ مَكْرَمَةٍ

لَا مَنَّ فِيهَا وَلَا التَّكْديرُ يَأْتِيهَا

الْأُذُنُ وَالْعَيْنُ لَمْ تَسْمَعْ وَلَمْ تَرْهُ

وَلَمْ يَجْرِ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ مَا فِيهَا

فِيَا لَهَا مِنْ كَرَامَاتٍ إِذَا حَصُلَتْ

وَيَا لَهَا مِنْ نُفُوسٍ سَوْفَ تَحْوِيهَا

 

أحبتي.. الكثير منا يُضيِّع سنواتٍ من عُمره ليُعمِّر بيتاً في الدُنيا، ويفرح إن أنجز ذلك، رغم أن متاع الدُنيا زائلٌ، وفراق الدُنيا محتومٌ؛ فهلَّا فكَّرنا في تعمير ما هو دائمٌ ومُقيمٌ لا يزول في الآخرة؟ يقول تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾.

اللهم حبِّب إلينا الإيمان، وزيِّنه في قلوبنا، ويسِّر لنا أن نعمل من الصالحات ما ننال به رضاك، وتقبَّل أعمالنا خالصةً لوجهك الكريم، وارزقنا اللهم الجنة وما قرَّب إليها من قولٍ أو عملٍ، واستجب لدعوتنا: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾.

https://tinyurl.com/26w73k52

الجمعة، 24 يوليو 2026

قُوة العزيمة

 

خاطرة الجمعة /561

الجمعة 24 يوليو 2026م

(قُوة العزيمة)

 

قصة اليوم قصةٌ فريدةٌ من نوعها، شغلت الرأي العام في «مِصر» مطلع الشهر الحالي، وظلت موضوعاً مُستمراً في العديد من مواقع التواصل الاجتماعي؛ فتحت عنوان: "تحدَّت المرض والعُمر.. «آمال إسماعيل» تحصل على الدُكتوراه من جامعة «المنصورة» في سن الـ83 بعد أن هزمت مرض السرطان" نشرت إحدى الصحف المصرية المُتميزة تفاصيل هذا العنوان فقالت:

في مشهدٍ استثنائيٍ امتزجت فيه دموع الفرح بالفخر، نجحت الباحثة «آمال إسماعيل متولي عبده» في الحُصول على درجة الدُكتوراه من كُلية الآداب بجامعة «المنصورة» في عُمر الـ 83 عاماً، لتكتب واحدةً من أكثر قصص الإصرار إلهاماً، وتؤكد أن تحقيق الأحلام لا يرتبط بعُمرٍ، وإنما بإرادةٍ لا تعرف المُستحيل. لم تكن رحلة «آمال» نحو الدكتوراه طريقاً مُمهداً، بل كانت مليئةً بالتحديات التي كان من المُمكن أن تُنهي حُلمها مُبكراً؛ فبعد حُصولها على الشهادة الإعدادية وهي في الثامنة والثلاثين من عُمرها، اضطرتها الإصابة بمرض السرطان إلى التوقف عن استكمال تعليمها لسنواتٍ طويلةٍ، لتُكرِّس وقتها للعلاج ومُواجهة المرض. لكن بعد أن انتصرت على المرض، قررت أن تبدأ من جديدٍ؛ فالتحقت بالمرحلة الثانوية وهي في الثامنة والستين من عُمرها، ثم واصلت طريقها إلى كلية الآداب بجامعة «المنصورة»، حيث درست عِلم الاجتماع، ولم تكتفِ بالحصول على الليسانس، بل واصلت رحلتها الأكاديمية حتى نالت درجتي الماجستير والدُكتوراه.

خلال إعداد رسالة الدُكتوراه، واجهت الباحثة «آمال» تحدياتٍ صحيةً جديدةً، بعدما تعرضت لكسرٍ في الحوض وأزمةٍ صحيةٍ استدعت إجراء تدخلاتٍ علاجيةٍ، الأمر الذي أدى إلى تأجيل مُناقشة الرسالة، إلا أن تلك الظُروف لم تنل من عزيمتها، لتعود مرةً أُخرى وتستكمل أبحاثها. تم إعداد رسالة الدُكتوراه بعنوان: "الشيخوخة النشطة وعلاقتها ببعض المُتغيرات السوسيولوجية - دراسةٌ لبعض الحالات المُختارة بجامعة «المنصورة»"، والتي تناولت العلاقة بين الشيخوخة النشطة وعددٍ من المُتغيرات الأُسرية والاجتماعية والصحية والمهنية والاقتصادية، والعوامل المُؤثرة في استمرار مُشاركة كبار السن واندماجهم في المُجتمع، وهو موضوعٌ يعكس اهتماماً بقضايا كبار السن وجودة حياتهم، ويُجسِّد ارتباط تجربتها الشخصية بالبحث العلمي. وشهدت قاعة المناقشة أجواءً مُؤثرةً، حيث حرص أفراد أُسرتها وأبناؤها وأحفادها على الحضور لمُشاركتها لحظة تتويج سنواتٍ طويلةٍ من الصبر والكفاح، فيما أشادت لجنة المُناقشة بجهدها العلمي وإصرارها على استكمال مسيرتها الأكاديمية رغم ما واجهته من تحديات.

تحولت قصة الدكتورة «آمال» إلى مصدر إلهامٍ داخل الأوساط الأكاديمية والمُجتمعية، باعتبارها نموذجاً يؤكد أن طلب العِلم لا يتأثر بسنوات العُمر، وأن الإرادة قادرةٌ على تجاوز أصعب الظروف، لتُصبح صاحبة الـ83 عاماً مصدر أملٍ لكل من تأخر عن تحقيق حُلمه أو ظنَّ أن الوقت قد فات؛ فلم يكن حصولها على الدُكتوراه مُجرد إنجازٍ أكاديميٍ، بل كان شهادةً جديدةً على أن النجاح يبدأ بالإيمان بالهدف، وأن الإنسان يستطيع أن يكتب فصلاً جديداً في حياته مهما تقدم به العُمر، لتبقى قصة «آمال» نموذجاً إنسانياً مُلهِماً يروي كيف ينتصر الأمل على المرض، وكيف يهزم الإصرار كُل العقبات.

تم تكريم الدكتورة «آمال» من قِبل جامعة «المنصورة» بمنحها درع الجامعة وشهادة تقدير؛ تتويجاً لمسيرتها العلمية والإنسانية المُلهِمة، بعد رحلةٍ حافلةٍ بالإصرار والمثابرة، لتُقدم نموذجاً مُشرفاً، يؤكد على أن الإرادة قادرةٌ على تحقيق الأهداف وتجاوز الصعاب. لم يكن ذلك التكريم احتفاءً بحصولها على درجة الدُكتوراه فحسب، وإنما تقديراً لرحلة كفاحٍ استثنائيةٍ أثبتت خلالها أن الطموح لا يتأثر بسنوات العُمر، وأن الإيمان بالهدف والإرادة الصادقة قادران على تحقيق النجاح. إن ما حققته الدكتورة «آمال» ليس إنجازاً شخصياً فحسب، بل هو رسالةٌ إنسانيةٌ ووطنيةٌ تؤكد أن بناء الإنسان يبدأ بالإيمان بقُدراته، وبقيمة العلم التي تمنح الإنسان القُدرة على تجاوز التحديات وصناعة مُستقبلٍ يليق بطُموحه؛ إذ أصبحت الدكتورة «آمال» نموذجاً مُلهِماً في الإصرار والعزيمة، ورسالةً تؤكد على أن التعلم رحلةٌ لا تتوقف ما دام الإنسان مُتمسكاً بحُلمه. لقد تم تكريمها كنموذجٍ مُشرفٍ يُقدِّم قصة نجاحٍ مُلهمةٍ تُسهم في ترسيخ ثقافة الاجتهاد والمُثابرة.

لم تخمد شُعلة العزيمة والإرادة بعد حصول «آمال» على هذه الدرجة العلمية الرفيعة، بل ما تزال هذه الشُعلة مُتوهجةً؛ حيث قالت «آمال» فى تصريحٍ خاصٍ للجريدة: "أتمنى الالتحاق بكُلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية؛ لأتعلم هذه اللغة حيث يُفيدني ذلك لو سافرتُ إلى حفيدتي فى «أمريكا»، علينا ألا نتوقف أبداً عن التعلم؛ فنحن أُمة إقرأ".

 

أحبتي في الله.. لقد كانت كلمة السر في نجاح الدكتورة «آمال» هي (قُوة العزيمة)، والعزيمة مُشتقةٌ من العزم. وردت لفظة "عَزْم" ومُشتقاتها في القرآن الكريم تسع مراتٍ، في مقام المدح يقول تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، وفي مقام الذم يقول سُبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. وفي جميع الأحوال يكون معنى "العَزْم" هو الإرادة الصلبة الجازمة، وتوطين القلب على إمضاء الأمر، والصبر والثبات في تنفيذه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ أي إذا عزمتَ على أمرٍ من الأمور فأَمْضِه مُعتمداً على الله وحده، ومُتوكلاً عليه. وقوله سُبحانه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وفيه الحث على الصبر على الأذى؛ فإن الحياة مليئةٌ بالشدائد والمحن، و﴿عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أعاليها ومكارمها. وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ أي: لو صدقوا الله بالاستعانة به، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ فالعبد ناقصٌ من كل وجهٍ، لا قُدرة له إلا إن أعانه الله، وبقدر نشاط العبد وعُلو همته بقدر ما يكون التوفيق والتسديد من الله سُبحانه وتعالى.

 

وعن (قُوة العزيمة) قال الرسول صلى الله عليه وسلم: [احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ]، والمُراد بعبارة [مَا يَنْفَعُكَ] ما يعود على الإنسان بخيري الدُنيا والآخرة من العبادات والأعمال الصالحة، ومعنى الحرص هو الأخذ بالأسباب مع الاعتماد على مُسبب الأسباب وهو الله سُبحانه وتعالى؛ ولهذا قال بعد ذلك: [وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ]؛ لأن الإنسان إذا أخذ بالأسباب ولم يحصل له عونٌ وتوفيقٌ من الله تعالى، فلن يُحصِّل ما يُريده؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله. أما [وَلاَ تَعْجِزْ] فمعناها لا تتكاسل ولا تتثاقل عمَّا لا ينبغي التثاقل عنه مع وجود القُدرة عليه؛ ولذلك كان من دُعاء النبي صلى الله عليه وسلم [اللهُمَّ إنِّي أعوذُ بك مِنَ العَجزِ والكَسَلِ].

 

يقول أهل العِلم إن "العزم" لابد وأن تسبقه "الإرادة" التي هي تصميمٌ واعٍ على أداء فعلٍ مُعينٍ لتحقيق هدفٍ ما، يأتي بعد ذلك العزم بالعمل على تجاوز كُل الصُعوبات والتحديات والعوائق للوصول إلى ذلك الهدف. ثم يأتي "الإصرار" مُكملاً ومُثبتاً للإرادة والعزم، ويظهر في الاستمرار في التقدم وعدم الاستسلام حتى يتحقق الهدف.

 

ويرى العُلماء إن من الوسائل المُعينة على (قُوة العزيمة) التوكل على الله وحُسن الظن به؛ فمن آثار عقيدة التوحيد في نفس المؤمن قُوة الإرادة والصبر والثبات؛ لعلمه أن الله معه وأنه مُؤيده وناصره. وكذلك الدُعاء؛ فقد كان من دُعاء النبي صلى الله عليه وسلم [اللَّهمَّ! إنِّي أسألُك الثَّباتَ في الأمرِ، والعزيمةَ على الرُّشدِ]. وكذلك الاقتداء بأقوياء العزيمة وذوي الهمم العالية ومُصاحبتهم؛ فالمرء على دِين خليله.

وأيضاً المُسارعة في التنفيذ، وعدم التردد بعد عقد العزم على العمل.

 

يُقال: إن الإرادة هي ما يدفعك للخُطوة الأولى على طريق الكفاح، و(قُوة العزيمة) هي ما يُبقيك على هذا الطريق حتى النهاية. ويُقال أيضاً: لا تجعل العوائق تُوقف مسيرتك، إذا واجهتَ حائطاً فلا تستدر لتعود خائباً، عليك أن تُحاول تسلقه، أو المرور من خلاله، أو حتى الالتفاف من حوله. ويُقال كذلك لا تتحقق الأعمال بالتمنيات، إنما بالإرادة تُصنَع المُعجزات.

 

ويقول الشاعر:

بِقَدْرِ الكَدِّ تَكْتَسِبُ المَعَالي

ومَن طَلَبَ العُلا سَهَرَ الليالي

ومَن رَامَ العُلا مِن غَيرِ كَدٍ

أضَاعَ العُمْرَ في طَلَبِ المُحَالِ

تَرُومُ العِزَ ثُمَّ تَنَامُ لَيْلاً

يَغُوصُ البَحْرُ مَن طَلَبَ اللآلي

ويقول آخر:

ومَا نَيْلُ المَطالِبِ بِالتَمَني

ولَكِنْ تُؤخَذُ الدُنْيا غِلابَا

ومَا استَعْصَى عَلَى قَوْمٍ مَنالٌ

إذا الإقْدَامُ كَانَ لَهُم رِكَابَا

 

أحبتي.. أنصح نفسي وإياكم بأن نظل دائماً -مهما كانت أعمارنا- في حالة بحثٍ عن عملٍ مُفيدٍ لنا، في دِيننا ودُنيانا، نجعله هدفاً لنا ونضع خطةً لتنفيذه، ونتوكل على الله؛ ليكون لنا مُعيناً وموفِّقاً، لا نتردد ولا نُسوِّف، لا نجعل كِبَر السن عائقاً لنا، ولا نتعلل بمرضٍ، ولتكن لنا عبرةٌ في قصة الدكتورة «آمال» وأمثالها من الذين كانت (قُوة العزيمة) سر نجاحهم، وسبب تفوقهم.

اللهم اجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآتنا ما وعدتنا وبَشَّرتنا به في قولك: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.

https://tinyurl.com/2c9g6umc