الجمعة، 13 مارس 2026

خيرٌ من ألف شهر

 

خاطرة الجمعة /542

الجمعة 13 مارس 2026م

(خيرٌ من ألف شهر)

 

كتب يقول: كان شهر رمضان يمرُّ ثقيلاً على جسدي المُتعب، فبينما يتقرب الناس إلى الله بالصيام، كنتُ أنا أُصارع الفشل الذي استوطن كليتي وأستعد لعملية نقل كلية لي. ورغم مُعارضة جميع العاملين بالمُستشفى ركبتُ عنادي قبل أن أركب سيارتي، وأصررتُ أن أرى ذلك الشاب الذي وافق على بيع قطعةٍ من جسده لي. كنتُ أُريد أن ألمس وجه المُنقذ الذي سأشتري منه حياتي بثمنٍ بخسٍ مهما بلغت آلافه.

أخذتُ اسم المُتبرع وعنوان سكنه من إدارة المُستشفى، وبدأتُ مشوار البحث عن سكنه بعد صلاة العصر؛ توغلتُ في أعماق قاع المدينة، حيث تزداد الأزقة ضيقاً، كأنها تختنق من وطأة الفقر، لأصل إلى حيث يسكن، أوقفتُ سيارتي على رأس زقاقٍ تقف على ناصيته بائعة مشروباتٍ رمضانيةٍ، نزلتُ من السيارة لأسأل عن ذلك الشاب، خطر لي أن أسأل عنه تلك المرأة بائعة المشروبات لعلها تعرفه، كانت امرأةٌ سمراء، يبدو في عينيها انكسارٌ عجيبٌ، حين سألتها عن اسم الشاب المُتبرع، ارتجفت وقالت بمرارةٍ: "إنه زوجي! أهذا أنت الرجل الذي جاء ليأخذ منه كليته؟"، قلتُ لها: "نعم، لا أريد سوى مُقابلته والتعرف عليه وشكره لشهامته"، اشتريتُ منها كل ما كانت تعرضه للبيع؛ لأكفيها مؤونة السعي في ذلك اليوم الرمضاني، وضعتُ ما اشتريته في السيارة، وعُدتُ إليها وقلتُ لها: "خذيني إلى زوجك"؛ قادتني إلى زُقاقٍ آخر قديمٍ تملؤه رائحة الرطوبة، وهناك كانت الصدمة!

لم يكن المُتبرع شاباً كما تصورتُ بل كان رجلاً مشلولاً استقبلني وهو يستند على عُكازين! جلستُ معه في فِناء منزله المُتواضع، ونظرتُ إلى عظام ترقوته البارزة من جلبابه المُهلهل، سألتُه بذهولٍ: "لماذا يا أخي تبيع كليتك وأنت في هذه الحالة؟"، رفع بصره إلى السماء وقال بدموعٍ محبوسةٍ: "يا سيدي، كنتُ أعمل حارساً في مصنعٍ تم بيعه؛ فقرر المالك الجديد أنني عالةٌ فاستغنى عني، طرقتُ أبواب الرزق كلها فلم يُفتح لي إلا باب جسدي، أبيع جُزءاً منه لأُطعم أطفالي في هذه الأيام المُباركة، ويعلم الله أنني ما أردتُ بيع أمانته إلا اضطراراً". حانت لحظة أذان المغرب، فجلسنا نُفطر معاً، شعرتُ حينها أن طعامه البسيط فيه بركةٌ لم أذقها في أفخر المطاعم، صلينا المغرب ثم شربنا الشاي، ثم ذهبنا معاً لصلاة التراويح في مُصلّى الحي الصغير، كانت الصفوف مُتراصةً بالمُصلى، والقلوب خاشعةٌ، والمصلون يرفعون أكف الضراعة بافتقارٍ حقيقيٍ إلى الله. صدح الإمام بصوته الرخيم يُذكرنا بأننا في العشر الأواخر من شهر رمضان الفضيل، وأن علينا تحري ليلة القَدْر التي هي (خيرٌ من ألف شهر)، وذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: [أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ يدْخِلُهُ على مسلمٍ، أوْ يكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً]. في تلك اللحظة، شعرتُ بنورٍ يغسل قلبي، وكأن غشاوةً سقطت عن عيني؛ أدركتُ أن الشفاء ليس في كليةٍ أنتزعها من جسدٍ مُنهكٍ، بل في سرورٍ أُنزله على قلبٍ مكسورٍ. عُدنا إلى بيت المُتبرع، فأخرجتُ دفتر الشيكات وحررتُ له شيكاً بثلاثين ألف جُنيه، وأعطيته إياه، وقلتُ له بقلبٍ يملأه اليقين: "يا صاحبي، كليتك لك.. وهذا المال لك ولأهلك صدقةً لوجه الله. لعلها ليلة القَدْر، ولعل الله يتقبل مني هذا السرور الذي أدخلته عليك"، ارتمى الرجل على قدمي يبكي، وتعالت صرخات زوجته بالدُعاء لي بالشفاء والستر. خرجتُ من عندهم وأنا أشعر بخفةٍ عجيبةٍ، وكأن الجبال التي كانت على صدري قد تلاشت. خرجتُ وأنا أبتسم لكل من أُقابله، شاعراً بأن رضا الله يُحيط بي من كل جانبٍ. في اليوم التالي ذهبتُ إلى المستشفى وأبلغتُ الطبيب بما بدر مني مع المُتبرع، وقمتُ بإجراء الفُحوصات الروتينية؛ عاد الطبيب ووجهه يُشع بِشراً وسُروراً، وقال وهو يُسبِّح الله: "يا سيدي، لا أجد تفسيراً طبياً لما حدث! نتائجك تؤكد أن كليتك سليمةٌ تماماً، وكأنها لم تمرض قط! وهذا معناه أنك لستَ في حاجةٍ للبحث عن مُتبرعٍ آخر؛ لأنك لستَ في حاجةٍ أصلاً لإجراء عملية زرع كلية!". سجدتُ لله شُكراً، وأيقنتُ حينها أن السبب في ذلك هو أنني قد اشتريتُ بمالي سُرور مُسلمٍ، عوضاً عن شراء كليته، فكان الجزاء من جنس العمل؛ شفاءٌ مُعجزٌ في ليلةٍ هي حقاً (خيرٌ من ألف شهر).

 

أحبتي في الله.. يقول العُلماء إن رمضان شهر التنافس في الخيرات والتزود من الطاعات، وفيه تُعظَّم الأجور وتُرفع الدرجات، والصدقة من أهم العبادات التي ينبغي على المُسلم أن يكون له منها نصيبٌ في هذا الشهر، وهي في رمضان أفضل منها في غيره؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام [أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجوَدُ ما يَكونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ]، وإكثار النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة في هذا الشهر دليلٌ واضحٌ على أنها فيه أفضل منها في غيره. والصدقة في رمضان ليست مُجرد مُساعدةٍ للمُحتاجين بل وسيلةٌ لتزكية النفس وتطهير المال؛ يقول تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾. وللصدقة ثوابٌ عظيمٌ ومنافع للعباد في دُنياهم وأُخراهم؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [صَدَقةُ السِّرِّ تُطفِئُ غضبَ الرَّبِّ]، ويقول عليه الصلاة والسلام: [الصَّدَقةُ تطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النَّارَ]، ويقول كذلك: [قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: يا ابْنَ آدَمَ أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ]، ويقول أيضاً: [ما نقصَ مالُ عبدٍ من صدقةٍ]. ويتميز أجر الصدقة في رمضان بأنه مُضاعفٌ مُقارنةً بالأوقات الأُخرى؛ لأن الشهر الكريم يُعدّ فرصةً عظيمةً للتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة؛ وقد جاء في الحديث الشريف: [قالَ اللَّهُ: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به"].

وجاء أيضاً [كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَجْتَهِدُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ، ما لا يَجْتَهِدُ في غيرِهِ]، ومن ذلك أنه كان يعتكف فيها ويتحرى خلالها ليلة القَدْر التي هي (خيرٌ من ألف شهر)، و[كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيَا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أهْلَهُ]، "شَدَّ مِئْزَرَهُ" كنايةٌ عن الاستعداد للعبادة والاجتهاد فيها زيادةً عن المُعتاد، وقيل هو كنايةٌ عن اعتزال النساء وترك الجماع. و"أَحْيَا لَيْلَهُ" أي استغرقه بالسهر في صلاة القيام والتهجد وغيرها. وكان إيقاظه صلى الله عليه وسلم لأهله في العشر الأواخر من رمضان أبرز منه في سائر السنة، ويدل ذلك على اهتمامه بطاعة ربه، واغتنامه الأزمنة الفاضلة.

ومن فضائل هذه العشر ومزاياها أن فيها ليلة القَدْر التي هي (خيرٌ من ألف شهر)، والتي يقول الله تعالى عنها: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ . فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ يقول المفسرون إن الله عزَّ وجلَّ أنزل القُرآن الكريم في ليلة القَدْر التي وصفها رب العالمين بأنها مُباركةٌ؛ يقول سُبحانه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أي تُقدَّر في تلك الليلة مقادير الخلائق على مدى العام، وكل ما أراده الله تعالى في تلك السنة. ومعنى ﴿القَدْر﴾ التعظيم، أي أنها ليلةٌ ذات قَدْرٍ؛ لهذه الخصائص التي اُختصت بها، أو أن الذي يُحييها يصير ذا قَدْرٍ. وقيل: القَدْر التضييق، ومعنى التضييق فيها: إخفاؤها عن العِلم بتعيينها، وقيل لأن الأرض تضيق بالملائكة لكثرتهم في تلك الليلة. وسُميت بذلك لعِظم قَدْرها وجلالة مكانتها عند الله ولكثرة مغفرة الذُنوب وستر العُيوب فيها؛ فهي ليلة المغفرة؛ قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: [مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ].

 

أحبتي.. يقول سُبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فينبغي على المُسلم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن فيه الأُسوة الحسنة، في الجِدّ والاجتهاد في العبادة، والكرم في الإنفاق، ومُساعدة المُحتاجين. كما أن علينا ألا نُضيِّع ساعات هذه الأيام والليالي من شهر رمضان المبارك، وأن نُضاعف من النوافل وأعمال الخير وإخراج الصدقات، في العشر الأواخر من الشهر الفضيل، عسى أن توافق أعمالنا ليلة القَدْر التي هي (خيرٌ من ألف شهر) فنكون من الفائزين المُفلحين. إن المرء لا يدري لعله لا يُدرك هذه الأوقات الطيبة مرةً أخرى.

اللهم بلِّغنا ليلة القَدْر واجعلنا فيها من المقبولين، واشملنا برحمتك ومغفرتك وأعتقنا من النار، واجعلنا اللهم ممن رضيتَ عنهم واستجبتَ دعاءهم وكتبتَ لهم الجنة.

https://bit.ly/40wbuA5

الجمعة، 6 مارس 2026

لذة الإيمان

 

خاطرة الجمعة /541

الجمعة 6 مارس 2026م

(لذة الإيمان)

 

ومن قصص رمضان كتب أحد الشيوخ الأفاضل يقول:

قبل مُدةٍ سألتُ أحد طُلابي: "كم مرَّ بِكَ مُنذ بكيتَ بين يديّ الله؟"، فكان جوابه بعد تذكُّر: "قُرابة سنةٍ؛ وبالضبط: من رمضان الماضي!"، لم يتحسّر، لم يندم، لم يتأوّه، والأمور طبيعيةٌ!

هذه بلا شك عقوبةٌ شديدةٌ أن يُحرَم مثل هذا الشخص (لذة الإيمان)، وما ذاك إلا لأن الران غطّى على قلبه لكثرة الذُنوب، فأصبح ينشط إلى السيئات ويتكاسل عن الطاعات، ولو أدّاها يوماً فلا يجد لها طعماً، ولا يرى لها أثراً؛ وبينما الله سُبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنهى عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنكَرِ﴾ نجد مثل هذا الشخص يُصلي لكنه يسب، يغتاب، يلعن، يكذب، بل وقد يرتكب الكبائر رغم أنه يُصلّي! ورُبما يتمنى البُكاء بين يديّ الله خالياً ليفوز بحديث السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: [ورجلٌ ذَكرَ اللَّهَ خاليًا ففاضت عيناهُ]، وحديث: [عَينانِ لا تمَسَّهما النَّارُ: عينٌ بكت من خشيةِ اللهِ، وعينٌ باتت تحرسُ في سبيل اللهِ] لكنه يرى صعوبةً بالغةً في ذلك، والسبب هو الحرمان الإلهي؛ بسبب معاصيه وذُنوبه، خاصةً ما ستر منها عن أعين الخلق وبارز بها الملك الحق عزَّ وجلَّ.

قال أحد التابعين: "لقد حُرمتُ قيام الليل ستة أشهرٍ لذنبٍ أذنبته!"، هذا ذنبٌ واحدٌ من أحد الصالحين، فما نقول نحن؟ وكم سنواتٍ نتخبّط في ظُلمات ذُنوبنا وما أفقنا بعد؟ ولم نفطن بعد إلى سبب نومنا الطويل، بل غيبوبتنا الشديدة عن الله والدار الآخرة! بل وللأسف لعلنا لم نتحسّر يوماً على تفريطنا، وبُعدنا عن جنب الله، وعن تلك الطاعات العظيمة؛ فتمر الطاعة تلو الطاعة ولا حسرة ولا ندم! فقيام الليل، والتهجد، وإحياء ليلة القدر، تمر دون وعيٍ وتفكيرٍ وعِظةٍ!

 

أحبتي في الله.. إنه افتقاد (لذة الإيمان) التي وَرَدَ عن معناها في الأثر أن رجلاً من بني إسرائيل قال: "يا رب، كم أعصيك وأنت لا تُعاقبني؟"، فأوحى الله إلى نبي زمانهم أن قُل له: "كم من عُقوبةٍ لي عليك وأنت لا تشعر؛ إن جمود عينيك وقساوة قلبك استدراجٌ مني وعُقوبةٌ لو عقلتَ".

 

يقول العُلماء إن (لذة الإيمان) الحقيقية هي في عبادة الرحمن، والسعي لنيل رضاه، وأن تكون الحياة كُلها له سُبحانه؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ؛ ويقول كذلك: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾؛ فما أعظم أن يكون العبد الضعيف مُرتبطاً بالله القوي! وأن يكون العبد العاجز مُرتبطاً بالله الذي لا مُنتهى لكماله! وأن يخضع العبد الفقير للرب الغني القاهر!

إنَّ أية لذةٍ يجدها العبد في غير طاعة الله وعبادته، هي لذةٌ تنقلب آلاماً وعذاباً في الدُنيا قبل الآخرة؛ إذ أن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته، ولم يجعل الله معصيته سبباً إلى خيرٍ قط، واللذَّة في غير طاعة الله أجلبُ شيءٍ للهموم والغموم عاجلاً وآجلاً؛ ففي لذة ذِكر الله والإقبال عليه والصلاة بالقلب والبدن من المنفعة الشريفة العظيمة غِنىً وعوضٌ للإنسان عن تلك اللذَّة الناقصة القاصرة، المانعة لما هو أكمل منها؛ فكما يُقال: "إن لذةَ المعصية تذهب ويبقى عقابُها، وإنَّ مشقة الطاعة تذهب ويبقى ثوابُها".

 

يقول أحد العارفين: كثيرٌ من الناس يظن أن الحرمان يكون في نقص الأموال، وفي عدم امتلاك السيارات والشُقق الفاخرة، وغير ذلك من المُتع الدُنيوية، ولكن الأمر ليس كذلك؛ فالمحروم من حُرم لذة مُناجاة ربه عزَّ وجلَّ في جوف الليل، المحروم من حُرم الصلاة على وقتها في المسجد، المحروم من حُرم الاستيقاظ في البرد القارص ليُصلي الفجر، المحروم من حُرم بر الوالدين وطاعتهما، المحروم من حُرم لذة البُكاء من خشية الله، المحروم من حُرم تلاوة القرآن وتدبره، المحروم من حُرم قيام الليل بالصلاة والبُكاء بين يديّ ربه. قد يُذنب العبد ولا يشعر أن الله عاقبه، ولا يُحس أن نعم الله عليه تغيرت، يغيب عنه أن فقدان (لذة الإيمان) ومُناجاة ربه وحلاوة الخشوع له عُقوبةٌ وحرمانٌ، وأن الزُهد في الازدياد من الطاعات عُقوبةٌ وحرمانٌ، وأن إغلاق باب القبول عُقوبةٌ وحرمانٌ، وأن قحط العين وعدم بكائها عُقوبةٌ وحرمانٌ، وأن قسوة القلب وعدم تأثره عند سماع الموعظة عُقوبةٌ وحرمانٌ. إن المحرومين كُثرٌ ولكن لا يشعرون!

ويقول آخر: عندما تذوق (لذة الإيمان) تكون أشواقك وأفراحك بالله، عندما يفرح الناس بالأموال والمناصب، عندما يفرحون بالقصور والدور، تفرح أنت بسجدةٍ خاشعةٍ في ليلةٍ ساكنةٍ، وتفرح بدمعةٍ ساخنةٍ في وقت سحرٍ تُناجي فيها ربك، وتسكب دمعك، وتتذلل بين يديّ خالقك.. سُبحان الله! ما هذا الشوق الذي يستولي على القلب عندما يذوق (لذة الإيمان) وحلاوة العبادة؟! عندما تذوق طعم العبادة ترى الله في كل شيءٍ؛ في السراء والضراء، ترى في السراء فضله، وترى في الضراء حكمته.. إنها نعمةٌ لا تُضاهيها نعمةٌ، ولا توازيها مِنّةٌ؛ عندما ينشغل الناس بجمع الأموال والثروات، وينشغل العبد المؤمن بجمع الأعمال الصالحات والحسنات يلتمس أجراً هُنا، ويلتمس حسنةً هناك.

وصدق من قال: مَن رُزق (لذة الإيمان) فهو المرحوم، ومن فقدها فهو المحروم. بالإيمان القوي تتحدى الشدائد مهما عظمت، وتنتصر على الخُطوب مهما كبرت، وتتفوق على الأعداء مهما كثرت!! والذي يملك الإيمان تجده يملك الدنيا ولا تملكه، تحيط به النعمة ولا تبطره، تحاصره النوازل ولا تقهره، يخرج من ضيقه وشدائده أكثر إيماناً وأعظم صُموداً وأوسع صدراً، كالذهب الأصيل إذا وُضع في النار فإنه يخرج منها أعظم بريقاً وأكثر لمعاناً!

 

قال سلف الأمة عندما تذَوَّقوا (لذة الإيمان): "واللهِ إنّا لفي لذةٍ لو علمها المُلوك وأبناء المُلوك لجالدونا عليها بالسيوف". وقالوا: "إن في الدُنيا جنةً من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"؛ إنها جنة الأُنس بالله، جنة التلذذ بعبادته، فهل دخلتَ هذه الجنة؟ هل وجدتَ هذه اللذة؟ هل أحسستَ يوماً بأن سجدةً واحدةً بين يديّ الله خيرٌ من الدُنيا وما فيها؟ هل أحسستَ يوماً إحساساً صادقاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليك من نفسك ومن أهلك ومن كل شيءٍ حولك؟! إذا كنتَ قد دخلتَ هذه الجنة فيا سعدك!

ومتى شعرتَ أنك لا تجد تلك الجنة في قلبك فلتُراجع نفسك لتعرف أسباب ذلك، إن لم تدخل تلك الجنة فابحث عنها وبادِر قبل أن تُغادر، إذا لم تجد للعمل والعبادة لذةً وحلاوةً في قلبك وانشراحاً، فاتَّهِمْهُ؛ فإن الله سُبحانه وتعالى يُثيب العبد على عمله في الدنيا، بحلاوةٍ يجدها في قلبه، وقُوة انشراحٍ وقُرَّة عينٍ، فحيث لم يجد ذلك فعليه أن يُجاهد نفسه في التوبة من الذُنوب، ويُكثر من الاستغفار، سائلاً الله عزَّ وجلَّ الإعانة والتوفيق؛ يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، وعليه بإقامة الفرائض ظاهراً وباطناً، ولزوم الصراط المُستقيم مُستعيناً بالله، مُتبرئاً من الحول والقوة إلا به، وإن من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن يُنزل بهم الشدة والضُر، ما يُلجئهم إلى توحيده، فيدعونه مُخلصين له الدِين، ويرجونه ولا يرجون أحداً سواه، وتتعلق قُلوبهم به لا بغيره؛ فيحصل لهم من التوكل عليه، والإنابة إليه، و(لذة الإيمان) وذَوْق طعمه، ما هو أعظم نعمةً عليهم من حصول اليُسر وزوال العُسر في المعيشة؛ يقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

 

و(لذة الإيمان) لها أسبابٌ تحصل بها؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: أنْ يَكونَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا سِوَاهُمَا، وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ، وأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ كما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ]. ويقول عليه الصلاة والسلام: [ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ باللَّهِ رَبًّا، وبالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسولًا].

ومن أسباب تحصيل (لذة الإيمان) والوصول إليها؛ محبة الله ورسوله وتقديم حُبهما على حُب الدُنيا، الإخلاص في العبادة وإتمامها دون رياءٍ أو تظاهر، الرضا بقضاء الله، الصبر على الابتلاءات، الإكثار من النوافل، البُعد عن المعاصي، قراءة القرآن، التوبة والاستغفار باستمرار، الزيادة في أعمال الخير، والإكثار من ذِكر الله.

 

أحبتي.. كتب أحد الصالحين واعظاً: ما أحرانا وما أحوجنا -خاصةً في هذه الأيام والليالي الفاضلة في شهر رمضان المُبارك- إلى تفقُّد قُلوبنا، والبحث عن (لذة الإيمان) فيها، ولنُسائل أنفسنا: لِمَ يخشع غيرنا، ولا نخشع؟ لِمَ يجد غيرنا لذَّةً في صلاته وصومه ونُسكه، ولا نجد مثلها؟ لِمَ لا تُشرق وجوهنا بأنوار البِشر والطاعة؟ لِمَ لا نُحسُّ السكينة والراحة في أنفسنا؟ هل نحن مُعاقبون بمثل تلك العُقوبة الخفيَّة؛ بالحرمان من لذَّة المُناجاة وحلاوة الطاعة؟ فمتى نفيق؟ ألا تستحثنا عجَلة هذه الأيام الفاضلة وسُرعة انقضائها مُقارنةً بغيرها؟ إنَّ المَخرج من هذا كله هو الذِّكر والاستغفار والتوبة، والدُعاء في مواطنه، والإلحاح به، وصِدق اللجوء إلى الله، ومُحاسبة النَّفس، ومحو السيئات بإتباعها الحسنات، وصدقةُ السرِّ، ومسحُ رأس اليتيم، وفضائل العبادات، والتذلُّل بين يديه سُبحانه، وتذكُّر ما سلف من تقصيرنا والندم والتحسر عليه، والخوف من مآله، ولومُ النَّفس، وتجنُّب تزكيتها، وحُسن الظن به عزَّ وجلَّ، ومُصاحبة الأخيار؛ فهُم القوم لا يَشقى بهم جليسهم، والمرء مع مَن أحبَّ.

اللهم اجعلنا من المرحومين، ولا تجعلنا من المحرومين، اللهم اجعلنا ممن يُقيم حُدودك، ولا تجعلنا ممن يُضيّعها، وارزقنا (لذة الإيمان) ولا تحرمنا منها؛ إنك سُبحانك وليّ ذلك والقادر عليه.

 

https://bit.ly/3OQBzY0

 

الجمعة، 27 فبراير 2026

تَفَقُد الجيران

 

خاطرة الجمعة /540

الجمعة 27 فبراير 2026م

(تَفَقُد الجيران)

 

ومن المواقف التي حدثت في الشهر الفضيل، كتب أحدهم القصة التالية:

​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​والجوع يطوي البُطون في شهر رمضان المُبارك؛ طاعةً لله وقُربةً.. آذنت شمس النهار على الرحيل، واجتمعت العائلة حول مائدة الإفطار العامرة، وعيون الأبناء تُلاحق والدتهم لترى ماذا تحمل من أصناف الطعام وألوان الشراب.. وقبل الجلوس على مائدة الإفطار بثوانٍ غُسِلَت الأيدي، وشُمِّرَت السواعد.. ثُم عندما ارتفع صوت المؤذن بأذان المغرب؛ ليُعلِن رحيل يومٍ من أيام الشهر المُبارك، بدأ الجميع يتسابقون في الأكل؛ فلا تسمع إلا أصوات الملاعق تُلامس الأطباق، فلا صوت يعلو على صوت الطعام! قطع السُكون والسُكوت عن الكلام صوت جرس الباب؛ فبدت علامات الاستفهام في عيون الجميع.. مَنْ ذا الذي يأتي في مثل هذا الوقت؟! أسرع أحد الأبناء الصغار، ممن لم يصم إلا نصف النهار أو أقل، وسأل دون أن يفتح الباب: "مَن الطارق؟!".. جاء الصوت وقد أضعفه الجوع ولفَّه الحياء: "أنا فلانةٌ جارتكم!"، هروَّل الصبي مُسرعاً إلى أُمه ليخبرها.. كان الأمر مُفاجأةً جمعت أطراف الخوف! ماذا أتى بجارتنا في هذا الوقت؟! هل حدث مكروهٌ لها أو لأحد أبنائها؟! تذكرتْ الأُم أن زوج جارتها غائبٌ منذ فترةٍ طويلةٍ! فتحتْ الباب، ورحبتْ بالجارة وسألتها: "خيراً إن شاء الله، ما بكِ؟!"، طأطأتْ الجارة رأسها وقالت على استحياء: "نبحث عن إفطارٍ.. عن طعامٍ! أبنائي يتضورون جوعاً، وأنا لا أزال صائمةً!"، جذبتها الأُم إلى الداخل قائلةً: "تفضلي".. خرج الأب لصلاة المغرب مع الجماعة في مسجد الحي.. وحانت منه التفاتةٌ ليرى منزل جارهم المُسافر؛ فإذا بالأب يكتشف أنه لا يفصل بين الجوع والشبع، والغنى والفقر، سوى جدارٍ واحدٍ؛ فقال في نفسه: "هذه جارتنا لم تأتِ إلا من حاجةٍ، كيف لم نكن نتفقدها؟! لِمَ لَمْ نكن نسأل عنها؟! لِمَ لَمْ تزرها زوجتي قبل أن تُضطر جارتنا إلى طرق بابنا؟! هُناك أُسرٌ كثيرةٌ مثل أُسرة جارنا.. بيوتٌ مُتعففةٌ لا يُعلَم من أين تأكل وتشرب.. ألا نخاف من العُقوبة الإلهية ونحن ننام وأفراد أُسرة جارنا المُسلم جائعون حتى أنهم لم يجدوا ما يُفطرون عليه في رمضان؟!

 

أحبتي في الله.. إن (تَفَقُد الجيران) من الأمور التي يحثنا عليها دِيننا الحنيف؛ ومع ذلك فكثيرٌ من الناس عن ذلك غافلون؛ بل إن البعض غافلٌ حتى عن تَفَقُد أقاربه! وهذا موقفٌ يحكيه أحدهم فيقول: "حدثني قريبٌ لنا ذهب لإجراء بحثٍ لحساب إحدى الجمعيات الخيرية، أنه وجد أسماء عوائل معروفةٍ يأخذ أبناء عُمومتهم وأقاربهم الصدقات والتبرعات من الجمعية! وذكر اسم أكثر من عائلةٍ يكفي ما لدى أغنيائهم من زكاةِ عامٍ واحدٍ أن تعف أُسر أقاربهم طوال حياتهم"!

وعن الجيران كتب آخر فقال: "صارت المادة تضرب بسهامها في قُلوبنا، حتى بتنا نخشى أن يتحول مُجتمعنا المُسلم إلى مُجتمعٍ ماديٍ لا يعرف فيه الجار جاره. إذا لم نبحث عن جيراننا ونعرفهم في وقت الشدة والكُربة فمتى نبحث عنهم؟! هل إذا ابتسمت لهم الدُنيا وأرسل الله لهم الخيرات، آنذاك نعرفهم"؟!

وهذا ثالثٌ كتب عما يترتب على عدم (تَفَقُد الجيران) فقال: "قبل أسابيع اكتشفت زوجةٌ شابةٌ تسكن في بناءٍ من خمسة طوابق بمجمعٍ سكنيٍ فاخرٍ في «القاهرة الجديدة»، أن جارهم -الذي يفصل بينهما طابقان فقط- تُوفي منذ خمسة أيامٍ على الأقل دون أن يشعر أحدٌ".

وروي أبٌ لطفلين في المرحلة الابتدائية عن مشادته مع شخصٍ التقاه مُصادفةً في مصعد البناية التي يسكن فيها، حيث أن الأب -الذي يخشى على أطفاله من الغُرباء- سأل الشخص عن هويته، ليدخل معه الأخير في جدالٍ حادٍ، ولم تنتهِ الأزمة إلا بعد تدخل رجال الأمن بالبناية الذين أكدوا للأب الذي كان في طريقه للخروج إلى عمله، أن هذا الرجل هو "جارهم الذي يسكن في الطابق الأخير"، فقد كانت تلك المرة الأولى التي يلتقيان فيها، وتبين أن كليهما يعيش في البناية نفسها إلا أنهما أغرابٌ تماماً!

 

يقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، هذه الآية -كما قال المُفسرون- تُبين إلى أي مدى أوصى الإسلام بالجار وأعلى من قدره؛ فللجار في ديننا حُرمةٌ مصونةٌ، وحقوقٌ مرعيةٌ، حيث قَرَن المولى سُبحانه وتعالى الإحسان إلى الجار بعبادته وتوحيده.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ما زالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بالجارِ، حتَّى ظَنَنْتُ أنَّه سَيُوَرِّثُهُ]. وقال عليه الصلاة والسلام: [من كان يُؤمنُ بالله واليوم الآخر فليُكرِم جارَه]. وقال أيضاً: [خيرُ الأصحابِ عندَ اللهِ خيرُهم لصاحبِه، وخيرُ الجيرانِ عندَ اللهِ خيرُهم لجارِهِ]. وعندما سألت السيدة عائشة -رضي الله عنها- النبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ لي جارينِ أحدُهُما مُقبلٌ علي ببابِهِ والآخرُ ناءٍ ببابِهِ عنِّي وربَّما الَّذي كانَ عِندي لا يسعُهُما، فأيُّهما أعظَمُ حقًّا فقالَ: [المقبِلُ عليكِ ببابِهِ] أي الجار الأقرب. وقيلَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: يا رَسولَ اللهِ! إنَّ فلانةَ تقومُ اللَّيلَ وتَصومُ النَّهارَ وتفعلُ، وتصدَّقُ، وتُؤذي جيرانَها بلِسانِها؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليهِ وسلم: [لا خَيرَ فيها، هيَ من أهلِ النَّارِ]، قالوا: وفُلانةُ تصلِّي المكتوبةَ، وتصدَّقُ بأثوارٍ، ولا تُؤذي أحدًا؟ فقال رسولُ اللهِ: [هيَ من أهلِ الجنَّةِ]. وقال صلوات الله وسلامه عليه: [واللهِ لا يؤمِنُ واللهِ لا يؤمِنُ واللهِ لا يؤمِنُ]، قيل: مَن يا رسولَ الله؟ قال: [الذي لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوايِقَهُ] والبوايقُ والبوائقُ: جمعُ بائقةٍ، وهي الدَّاهيةُ والبَلِيَّةُ، والفَتْكُ والشُّرُور، والظُّلمُ والجَورُ والتَّعدِّي.

 

يقول أهل العِلم إن الجيران ثلاثةٌ: جارٌ له ثلاثة حقوقٍ، وجارٌ له حقان، وجارٌ له حقٌ واحدٌ؛ فأما الجار الذي له ثلاثة حقوقٍ فهو الجار المُسلم القريب؛ له حق الإسلام وحق القرابة وحق الجوار، والجار الذي له حقان هو الجار المُسلم؛ له حق الإسلام وحق الجوار، والجار الذي له حقٌ واحدٌ هو غير المُسلم له حق الجوار فقط.

ويقولون إن (تَفَقُد الجيران) والإحسان إليهم واجبٌ شرعيٌ وأخلاقيٌ، يُعزز التكافل الاجتماعي ويُقوي أواصر المحبة، ويضمن مُجتمعاً مُترابطاً آمناً، ويُسهم في إدخال السُرور على الجيران.

أما عن كيفية (تَفَقُد الجيران) فإنها تكون بالسؤال والمُبادرة إلى زيارتهم، وإلقاء السلام عليهم، والسؤال عن أحوالهم خاصةً في الأزمات. وبالإحسان وتبادل الهدايا والطعام؛ مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذرٍ رضي الله عنه [إذا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فأكْثِرْ ماءَها، وتَعاهَدْ جِيرانَكَ]. وبدعم المُحتاجين من الجيران وقضاء حوائجهم، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: [ما آمن بي من بات شبعانَ وجارُه جائعٌ إلى جنبِه وهو يعلم به]، وفي روايةٍ: [ليس المؤمنُ بالذي يشبعُ وجارُه جائِعٌ إلى جنبَيْهِ]. كما يكون الاهتمام بالجيران بالحرص على عدم إيذائهم، سواءً بالقول، أو الفعل، أو إلقاء القمامة، أو إحداث إزعاج، كما يكون بالصبر على أذاهم كنوعٍ من حُسن الجوار.

إن (تَفَقُد الجيران) له أهميةٌ كبيرةٌ؛ فهو من علامات الإيمان، والإحسان إليهم يجلب محبة الله تعالى.

 

قال الشاعر:

وَمَن يَقضِ حَقَّ الجارِ بَعدَ اِبنَ عَمِّهِ

وَصاحِبِهِ الأَدنى عَلى القُربِ وَالبُعدِ

يَعِش سَيِّداً يَستَعذِبُ الناسُ ذِكرَهُ

وَإِن نابَهُ حَقٌّ أَتَوهُ عَلى قَصدِ

 

أحبتي.. رحم الله من قال: "نجوع ونحن نعلم متى سنأكل، فتذكروا من يجوع ولا يعلم متى يحين طعامه".. ولله در القائل: "لا تُراقبوا من يُفطر في نهار رمضان، بل راقبوا من لا يجد ما يُفطر عليه؛ فالأول: سيُحاسبه الله، أما الثاني: فسيُحاسبكم الله عنه"!

علينا أن نُسارع ونُبادر إلى التعرف على جيراننا، وأن نتبادل معهم الزيارات العائلية والهدايا في الأعياد الدينية، ونشاركهم في المُناسبات الخاصة كالأفراح والاحتفال بالترقي الوظيفي وبنجاح الأبناء، وأن نقوم بالواجب معهم في حالات الوفاة والمرض وغيرها من مواقف يكون الجيران فيها أكثر ما يحتاجون إلى التعاطف والمواساة. كما أن علينا أن نتذكر دائماً أن ديننا الحنيف يحثنا على (تَفَقُد الجيران) المُحتاجين وغير القادرين، والإحسان إليهم، مع الحرص على احترام مشاعرهم والحفاظ على كرامتهم؛ فنُساعدهم ونكون في عونهم حتى يكون الله سُبحانه وتعالى في عوننا؛ مصداقاً لقول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: [وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ]، ومن باب أولى علينا أن نكف أذانا عن جيراننا، بل وعلينا أن نتحمل أذيتهم لنا ونتعامل معهم بالحكمة والصبر والخُلُق الحسن، فنُقابل الإساءة بالإحسان؛ يقول المثل: "الإحسان إلى الجار وإن جار".

اللهم اجعلنا أفضل الجيران لجيراننا، وأنعِم علينا بأن يكون جيراننا من أفضل الناس لنا، واجعلنا اللهم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 

https://bit.ly/4rBBHJf