الجمعة، 6 فبراير 2026

جزاء الصبر

 

خاطرة الجمعة /537

الجمعة 6 فبراير 2026م

(جزاء الصبر)

 

يروي أحدهم قصة صبر صاحبه «عُمر» فيقول: كان «عُمر» شاباً في السادسة والثلاثين من عُمره، تخّرج في إحدى الكُليات النظرية مُنذ أكثر من أربعين عاماً، وكان والده يعمل بوظيفةٍ بسيطةٍ، نشأ «عُمر» مع أُسرته وإخوته في إحدى مُدن أقاليم «مصر»، وحين التحق بجامعة «عين شمس» جاء به أبوه إلى «القاهرة»، واستأجر له شقةً صغيرةً للغاية كي يُقيم فيها لمُتابعة دراسته ودفع له إيجارها وقال له حينها: "عليك يا ولدي مواجهة الحياة والاعتماد على نفسك". ومرَّت الأيام سريعاً؛ كان «عُمر» خلالها يتحمل كل شىءٍ من أجل دراسته، وواجه قسوة الحياة بصبرٍ وإيمانٍ، خاصةً بعد أن توفيَ والده، وأصبح مسئولاً عن أُسرته؛ فالتحق بعملٍ أثناء الدراسة، وكان يُرسل العائد الذي يحصل عليه من عمله كله لأُسرته لمُساعدة إخوته على التعليم، كان «عُمر» يبتكر وسائل عجيبةً لمُواجهة الجُوع الذي ينهشه نهشاً في غربته؛ فكان يشتري البطاطا بكمياتٍ كبيرةٍ، وكان ثمنها في ذلك الوقت زهيداً لا يزيد عن خمسة قروش للكيلو، ويقوم بتخزينها في البيت فتكون هي طعامه الوحيد حين تنفد نقوده! أي والله؛ فيقوم بطهوها وأحياناً كان يأكلها نيئةً!

كافح «عُمر» كفاحاً مريراً وصبر صبراً عجيباً حتى انتهت سنوات دراسته وعمل بإحدى الهيئات العامة، ورفض مُشاركة إخوته في ميراثهم الشرعي من والدهم؛ آثر أن يُعطيهم الميراث كله بالتساوي بينهم. وفي عمله التقى بزميلته «سوسن»، فتاةٌ جذابةٌ من عائلةٍ ثريةٍ جداً، وكان الإعجاب المُتبادل بينهما وتعاهدا على الحُب الطاهر والزواج عندما تتحسن أحواله المادية، وتقدم «عُمر» بالفعل لخطبة «سوسن» وتمت الخطوبة فى جوٍ عائليٍ بسيط، لكن «عُمر» لاحظ بعد فترةٍ من الخطوبة أن مشاعرها تغيرت نحوه؛ فأصبحت تتعالى عليه، وتتعامل معه باعتبار أنها من عائلةٍ أكثر ثراءً من عائلته، وكانت تجربةً مريرةً جرحت مشاعره وأحاسيسه، وانتهت بفسخ الخطبة، بعد أن كان قد تعلَّق بها.

تجرَّع «عُمر» مرارة الصبر على جرح قلبه، ومرَّت الأيام وهو يعمل ليل نهار كي يبني مُستقبله ويتناسى ما ألمَّ به من أسى، وبعد فترةٍ طويلةٍ من الزمن تعرَّف -عن طريق سيدةٍ فاضلةٍ من زميلات العمل- على «خُلود»، كانت فتاةً طيبةً، وتم التفاهم على كل شيءٍ، وتمت إجراءات الزواج في سهولةٍ ويُسرٍ. وكانت وجه خيرٍ عليه؛ إذ فتح الله عليه وأرسلته الهيئة التي يعمل بها في بعثةٍ إلى الخارج بإحدى الدُول الأُوربية، اصطحب معه زوجته «خُلود» في غُربته، فكانت نِعمَ الزوجة الوفية المُخلصة؛ حتى أنه صارحني يوماً قائلاً: "تصور يا أخي أن الغُربة أكملت اكتشافي لكل الجوانب الخَيِّرة في زوجتي «خُلود»؛ وجدتُ نفسي في ليالي الشتاء الباردة هناك أحكي لها كل شيءٍ عني وعن كفاحي وعن أيام الحرمان التي عشتها؛ فتسيل دموعها إشفاقاً، ويزداد إعجابي بها". هُنا يحمد «عُمر» ربه عزَّ وجلَّ على (جزاء الصبر)، وأنه عوَّضه على صبره خيراً، ورزقه زوجةً صالحةً تخشى الله فيه، ويعيشان معاً في جوٍ يسوده الحُب والمودة والرحمة.

 

أحبتي في الله.. ذَكَر الله سُبحانه الصبر في القُرآن الكريم في نحو تسعين موضعاً؛ منها قوله تعالى: ﴿وَاصبِر وَمَا صَبُركَ إلا بِاللّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاصبِر لِحُكِمِ رَبِكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاصبِر كَمَا صَبَرَ أُولُوا العَزمِ مِنَ الرُسُلِ﴾. وأثنى عزَّ وجلَّ على أهل الصبر؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالصّابِرِينَ فِي البأساء وَالضّراء وَحِينَ البأسِ أُولَئِكَ الّّذَينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَقُونَ﴾، وأعطى الله سبحانه وتعالى للصابرين -دون غيرهم- أجرهم بغير حسابٍ كما قال تعالى: ﴿إنَّمَا يُوَفَى الصَابِرُونَ أجْرَهُم بِغَيرٍ حِسابٍ﴾، وعلَّق النصر والمدد عليه وعلى التقوى، كقوله تعالى: ﴿إن تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأتُوكُم مِن فَورِهِم هَذَا يُمدِدكُم بِخَمسَةٍ آلَافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾، وأوجب للصابرين دخول الجنة وسلام الملائكة عليهم؛ فقال: ﴿وَالملائكةُ يَدخُلُونَ عَلَيِهِم مِن كُلِ بَابٍ . سَلاَمٌ عَلَيكُم بِمَا صَبَرتُم فَنِعمَ عُقبَى الدّارِ﴾، وأخبر أن خصال الخير والحظوظ العظيمة لا يُلَّقاها إلا أهل الصبر؛ فقال: ﴿ثوابُ اللّهِ خَيرٌ لِمَن ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحاً وَلاَ يُلَقاها إلا الصَابِرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، إنه (جزاء الصبر).

وعلَّق الله سبحانه وتعالى الفلاح في الدنيا والآخرة بالصبر؛ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ويقول تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾، ويقول تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وهذا كله (جزاء الصبر). وحين يقول تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ يكون في الصبر اقتداءٌ بأشرف خلق الله ورسلِه الكرام الذين سماهم سُبحانه ﴿أُولُو الْعَزْمِ﴾.

 

والصبر خُلقٌ عظيمٌ، وله فضائل كثيرةٌ؛ منها أن الصابرين في معية الله، يهديهم وينصرهم؛ يقول تعالى: ﴿إنّ اللهَ مَعَ الصَّابِرينَ﴾، وهُم أهل محبته يقول تعالى: ﴿وَاللّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾، والصبر خيرٌ لأهله يقول تعالى: ﴿وَلَئِن صَبَرتُم لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِريِنَ﴾. وأثنى سُبحانه على عبده أيوب بأحسن الثناء على صبره فقال: ﴿إنّا وَجَدنَاهُ صَابِراً نِعمَ العَبدُ إنَهُ أوابٌ﴾، يقول المفسرون إن الله عزَّ وجلَّ وصف عبده أيوب بأنه ﴿نِعمَ العَبدُ﴾ لأنه كان صابراً، وهذا يدل على أن من لم يصبر إذا ابتُليَ فإنه يكون "بئس العبد".

 

ولقد وردت في السُنة النبوية أحاديث كثيرةٌ عن رسول الله في بيان فضل الصبر والحث عليه، وما أعدَّ الله للصابرين من الثواب والأجر في الدنيا والآخرة؛ منها: [إنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أوَّلِ صَدْمَةٍ]، ومنها: [ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وما أُعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ]، ومنها: [واعلمْ أنَّ النَّصرَ معَ الصَّبرِ]. ومنها: [الصَّبْرُ ضِياءٌ]، ومنها: [عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له].

 

يقول أهل العلم إن الصبر في اللغة: هو الحبس. وفي الاصطلاح: هو حبس النفس على ما تكره ابتغاء مرضاة الله.

ويقولون إن للصبر درجاتٍ؛ منها: صبرٌ عن المعصية؛ وهو صبر الصدّيقين؛ لأن المعصية من شهوات النفس وقد تتلذذ بها، يقول تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾. وصبرٌ على الطاعة؛ وهو صبر المُثابرين؛ كصبر المؤمن على الصلاة في وقتها بتمام سجودها وركوعها، يقول تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِه﴾، ويقول تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾. وصبرٌ عند المُصيبة؛ وهو صبر الأتقياء؛ فمن لم يصبر على البلاء، لم يرض بالقضاء، يقول تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور﴾. وصبرٌ على البلاء؛ وهو صبر المُجاهدين، يقول تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين﴾.

ويقولون إن للصبر أنواعاً ثلاثةً: صبرٌ بالله؛ بالاستعانة به؛ يقول تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. وصبرٌ لله؛ وهو أن يكون الباعث على الصبر محبة الله، والتقرب إليه. وصبرٌ مع الله؛ وهو دوران العبد مع مُراد الله منه، ومع أحكامه الدينية صابراً نفسه معها.

 

وعن الصبر قال الشاعر:

يا بائعَ الصَبْرِ لا تُشْفِقْ عَلَىَ الشاري

فَدِرْهَمُ الصَبْـرِ يُسـاوي ألْفَ دِينـارِ

وقال آخر:

إنـي رَأيْـتُ وَفـي الأيـامِ تَجْرِبـَـةٌ

لِلْصَبـْرِ عاقِبَـةٌ مَحْمـودَةُ الأثـَـرِ

وَقَـلَّ مَـنْ جـَدَّ فـي أمْـرٍ يُؤلِمُـهُ

وَاصْتَحَّبَ الصَبْرَ إلا فـازَ بِالظَفَرِ

 

أحبتي.. قيل إن الإيمان نصفان: نصفٌ صبر ونصفٌ شُكر، ومنزلة الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له، كما أنه لا جسد لمن لا رأس له.

ما أحوجنا في هذا العصر إلى زادٍ إيمانيٍ يُعيننا على الابتلاءات والشدائد التي تجتاحنا، فليكن زادنا هو أخلاقنا الإسلامية الرفيعة، ومن أهمها خُلُق الصبر الذي يُهوِّن علينا ما نواجهه من شتى المصاعب والمُشكلات؛ فالصبر أفضل بلسمٍ للجروح، وهو فضيلة المُتقين، وسبيلٌ إلى جنة النعيم؛ فإذا اتخذنا الصبر خُلُقاً لنا ومنهجاً؛ كان فرج الله قريباً في الدُنيا، وكان (جزاء الصبر) في الآخرة جنةً وعدنا الله بها، ندخلها -برحمته وفضله- بغير حسابٍ؛ وهذا هو الحظ العظيم؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا يُلَقاها إلا الذّينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَها إلا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾.

جعلنا الله وإياكم من الصابرين الشاكرين، ومن عباده المُفلحين.

 

https://bit.ly/4qXQttv