خاطرة الجمعة /536
الجمعة 30 يناير 2026م
(مكانة المُعلم)
قصة وفاءٍ من «اليمن»، حدثت في حيٍ من أحياء العاصمة «صنعاء»، حين توجه أحد
التُجار إلى المحكمة شاكياً، وكان خصمه مُعلم رياضيات، وكانت الشكوى تتعلق بعدم
سداد المُعلم دَيناً قدره 278,000 ريال، عجز عن سداده بسبب انقطاع المُرتبات. وقف
الخصمان أمام القاضي؛ فإذا به ينظر من فوق نظارته ليتأكد من شخصية المُعلم
المديون؛ أهو ذلك المُعلم الذي عرفه مُنذ سنواتٍ حين كان يلبس ملابس أنيقةً ويقف
أمام طلابه بكل ثقةٍ؟ أهو ذلك المُعلم الذي علَّمه وكان يُحَّفزه ويُشَّجعه ويزرع
فيه روح العِلم والمُثابرة؟ ماذا فعل به الزمان؟ وكيف استطاع أن يُحوِّل هذه
الهامة الوطنية والشكل الجميل إلى إنسانٍ شاحب الوجه، محدوب الظهر، رث الثياب؟ لقد
طحنه الزمان بقسوته، وأذله انقطاع مُرتبه. نادى القاضي على حارسه وكلَّمه بصوتٍ
مُنخفضٍ، فهز الحارس رأسه وانطلق، وبدأ القاضي في الاستماع إلى رد المُعلم ولماذا
لم يُسدد ما عليه من دَينٍ للرجل الشاكي، كان هدف القاضي كسب الوقت حتى يتلقى
إشارةً من الحارس، وبالفعل؛ رجع الحارس وأعطى القاضي إشارةً دون أن يشعر بها أحدٌ
من الحضور، أعلن بعدها القاضي أن المُعلم قد دفع ما عليه من دَينٍ في خزانة
المحكمة!
استغرب المُعلم! مَن سدَّد الدَين عنه؟ مَن يا تُرى؟ هل عرف أخوه بالخبر
وباع سيارته الصغيرة التي يعمل عليها ليعول أُسرته؟ أم أُخته المُتزوجة باعت ذهبها
وأرسلت ثمنه لسداد دَين أخيها؟
انتهت الجلسة، ولم تنتهِ تساؤلات المُعلم، ولم يجد جواباً لها. وحين خرج
المُعلم من المحكمة فوجئ بالقاضي يقف بسيارته أمام باب المحكمة ويُنادي عليه ويقول
له: "تفضل يا أُستاذ «مُحمد» نُوصلك معنا"، ركب الأُستاذ السيارة وظل
صامتاً إلى أن وصل القاضي إلى مطعمٍ قُرب المحكمة، ونزل هو ومُرافقوه والمُعلم
معهم ودخلوا المطعم. بدأ أحد المُرافقين يطلب الطعام، وجلس القاضي يُمازح
الأُستاذ. لكن الاستغراب ما زال يُخيم على الأُستاذ: مَن هذا القاضي؟ ولماذا
يُعاملني بلطفٍ؟ ولماذا لم يُخبرني مَن سدَّد الدَين؟ ولماذا انتظرني أمام باب
المحكمة وأخذني معه؟ بدأ القاضي يتكلم مع المُعلم ويكسر حاجز القلق والخوف
والاستغراب؛ فأخذ يُمازحه حتى اطمأن الأُستاذ وسأل القاضي: "لماذا تُعاملني
بكل هذا الكرم الذي قلَّما نجده في هذا الزمان؟"، حبس القاضي حُزنه وألمه،
ونظر إلى الأُستاذ وقد غلبه الدمع، ثم خلع نظارته الطبية وقال بصوتٍ مُتهدجٍ:
"يا أُستاذي الجليل، ألا تذكر طالباً صغيراً في الصف الأول الإعدادي، كُنتَ
دائماً تُشجعه وتُحفزه وتقول له أنه سيكون له شأنٌ في المستقبل؟ ألا تذكر يوماً
كان هذا الطالب يرتجف برداً في الشتاء لعدم امتلاكه معطفاً، فخلعتَ معطفك وألبسته
إياه؟"، حدَّق الأُستاذ في ملامح القاضي، وبدأت ذاكرته المُنهكة تستعيد ملامح
ذلك الطفل، التلميذ النجيب الذي كان يجلس في المقعد الأول، اتسعت عينا الأُستاذ
وقال بصوتٍ خافتٍ: "«أحمد»؟ هل أنت «أحمد»؟!"، رد القاضي: "نعم أنا
«أحمد»"، ولم يتمالك نفسه؛ وقف فجأةً أمام الجميع في المطعم، غير آبهٍ بنظرات
المُرافقين أو رُواد المطعم، اقترب من أُستاذه، وانحنى بكل هيبةٍ ووقارٍ، وأمسك
بتلك اليد الخشنة التي غطتها تجاعيد الزمن وآثار الطباشير، وقبَّلها قُبلةً طويلةً
والدموع تنهمر على وجنتيه، عمَّ السكون المكان، وتوقف الجميع عن الأكل، مذهولين من
مشهد وفاءٍ يرونه بأعينهم: قاضٍ كبيرٌ يُقبِّل يد مُعلمه، مشهدٍ يشي بعظم (مكانة
المُعلم)!
أحبتي في الله.. يقول ناشر القصة: المُعلم ليس مُجرد موظفٍ يُلقي درساً
ويمضي، بل هو صانع الأجيال وباني الأوطان. قد يجحد البعض فضله، وقد تكسره الظروف،
لكن بذرة الخير التي يزرعها في نفوس طلابه ستُثمر يوماً ما.
والله تعالى هو أول من علَّم؛ فقد علَّم سيدنا آدم وعلَّم الملائكة؛ يقول
سُبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى
الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ .
قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ
الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، وهو عزَّ وجلَّ من علَّم نبينا المُصطفى صلى الله عليه
وسلم؛ يقول تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾.
وعن العِلم ومكانة العُلماء يقول تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾؛ ويقول سُبحانه: ﴿قُلْ
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا
يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وأشار القُرآن الكريم -في دعوة سيدنا إبراهيم
خليل الرحمن- إلى النبي صلى الله عليه وسلم كمُعلمٍ للناس؛ يقول عزَّ وجلَّ:
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ
الحَكِيمُ﴾، ويقول تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ
بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن
قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾. ويقول تعالى: ﴿.. كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا
كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾، قال بعض
المُفسرين إن ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾ تعني مُعلمين؛ فالرباني منسوبٌ إلى التربية،
والربانيون أرباب العِلم.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا،
وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا]، وعن (مكانة
المُعلم) يقول عليه الصلاة والسلام: [إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ
لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ]، ويقول أيضاً: [إنَّ العلماءَ
ورثةُ الأنبياء، وإن الأنبياءَ لم يُورِّثُوا دينارًا ولا دِرْهمًا، ورَّثُوا
العِلْمَ، فمن أخَذَه أخَذَ بحظٍّ وافِرٍ]، ويقول كذلك: [فَضْلُ العَالِمِ عَلَى
العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ].
وحَسْبُ المُعلِّم رفعةً ومكانةً أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
بُعِثَ مُعلِّماً، وهادياً، قال في وصفه أحد الصحابة رضي الله عنهم: "مَا
رَأَيْتُ مُعَلِّمًا -قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ- أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ".
ويرى أهل العِلم أن هذه الآيات الكريمة وهذه الأحاديث الشريفة يتبين منها
أن الإسلام رفع شأن العِلم وجعل التعليم من أعظم الأعمال التي تُقرِّب إلى الله،
كما رفع (مكانة المُعلم) وجعل له شأناً عظيماً ومنزلةً كريمةً بين الناس؛ نظراً
لما يُقدِّمه من تضحياتٍ وجهدٍ وعطاءٍ. إن المُعلم أعظم الناس أثراً، وأكثرهم
نفعاً لمُجتمعه ووطنه وأُمته؛ فهو يُربِّي النفوس، ويُنوِّرُ العقول، ويُعِدُّ
الرجال، إنَّ فضله على الأُمة كبيرٌ؛ فهو الذي يُنِير طريق الأُمة إلى التقدم
والنجاح، وهو الذي يبني الأجيال الصاعدة والعُقول المُتفتحة؛ فلولا المُعلم ما
تعلَّم أحدٌ، ولولاه ما تقدَّم وطنٌ ولا نهض؛ فبفضله أصبح الطبيب طبيباً يُداوي
المرضى، وأصبح المُهندس مُهندساً يبني بيوت الناس، وأصبح المُحامي مُحامياً،
والقاضي قاضياً، والضابط ضابطاً؛ حيث يُقدِّم المُعلم الجُهد العظيم والعطاء
المُتواصل في سبيل بناء أجيالٍ واعيةٍ، ومن أجل قيادة الأوطان إلى برِّ الأمان،
فهُو كالشمعة التي تحترق من أجل أن تُضيء طريق المُستقبل.
وعن (مكانة المُعلم) ذكرت بعض وسائل الإعلام أن إمبراطور «اليابان» سُئل
ذات يومٍ عن أسباب التَقدُم الذي أحرزته بلاده في وقتٍ قصيرٍ؛ فأجاب: "بدأنا
من حيث انتهى الآخرون، وتعلَّمنا من أخطائهم، ومنحنا المُعلم حصانة الدبلوماسي
وراتب الوزير".
كما ذُكِر أن القُضاة في «ألمانيا» حينما طالبوا بأن تتم مُساواتهم في
الرواتب بالمُعلمين، ردت عليهم المُستشارة الألمانية مُستنكرةً بقولها الشهير:
"كيف أُساويكم بمن علَّموكم؟".
يقول العارفون إن على الأُمم والشُعوب أن تجعل مُعلميها في مكانةٍ ساميةٍ،
وأن تُقدِّر ما يفعلونه في مسيرتهم العِلمية والتربوية من أجل بناء مُستقبلٍ أفضل
للأجيال والأوطان، فما ارتفع وطنٌ إلا برفعة مكانة مُعلميه، وما أُذلَّ المُعلمون
في وطنٍ إلا وأصبح في الأرذلين.
وللهِ دَرُّ من وصف المُعلم فقال:
يا شَمْعَةً فِي زَوايا الصَفِ تأتَلِقُ
تُنيِرُ دَرْبَ المَعالي وَهي تَحْتَرِقُ
لا أطفأ اللهُ نورًا أنتَ مَصْدَرُهُ
يا صادِقَ الفَجْرِ أنتَ الصُبْحُ وَالفَلَقُ
أيا مُعَلِّمًا يا رَمْزَ الوَفا سَلِمَتْ
يَمينُ أهْلِ الوَفا يا خَيرَ مَنْ صَدَقوا
لا فُضَّ فُوكَ فَمِنْهُ الدُرُ مُنْتَثِرٌ
ولا حُرِمْتَ فَمِنْكَ الخَيرُ مُنْدَفِقُ
يَدٌ تَخُطُّ عَلَى القِرطاسِ نَهْجَ هُدًى
بِها تَشَرَّفَتْ الأرْقامُ وَالوَرَقُ
وقد أحسن الشاعر حين قال:
قُمْ لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا
كادَ المُعَلِّمُ أَنْ يَكونَ رَسولا
أَعَلِمْتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي
يَبْني وَيُنْشِئُ أَنفُساً وَعُقولا
وقَالَ آخر مُحَّذراً:
إنَّ المُعَلِّمَ وَالطَبيبَ كِلاهُما
لا يَنْصَحانِ إذا هُما لَمْ يُكْرَما
فاصْبِر لِدائكَ إنْ أهَنْتَ طَبيبَهُ
وَاصْبِر لِجَهْلِكَ إنْ أهَنْتَ مُعَلِّما
أحبتي.. إذا أرادت أُمةٌ أن ترتقي في مدارج العز والتمكين فأول ما ينبغي
عليها أن تهتم به هو أن تُعلي من شأن العِلم والعُلماء وترفع (مكانة المُعلم)؛ فلا
ينبغي أن يُقدَّم على العُلماء والمُعلمين أحدٌ، بل وينبغي أن يكونوا أول من
يُحتفى بهم ويُقدَّروا، إلا أن استحقاق المُعلم لهذه الدرجة العالية الرفيعة بقدر
ما هو تشريفٌ له، فإنه في ذات الوقت تكليفٌ يوجب على المُعلم أداء واجباته على
أكمل وجهٍ ليكون مُستحقاً للتشريف والتقدير والتكريم.
اللهم اجعلنا ممن يُقدِّرون (مكانة المُعلم)، ويغرسون في نفوس أبنائهم
إكبار مُعلميهم، وإعلاء شأنهم، واحترامهم وتوقيرهم والأدب في التعامل معهم. واجعل
اللهم مُعلمينا أهلاً لهذه المكانة السامية التي لا يتمتع بها غيرهم.
https://bit.ly/4rmOiQ6