الجمعة، 27 فبراير 2026

تَفَقُد الجيران

 

خاطرة الجمعة /540

الجمعة 27 فبراير 2026م

(تَفَقُد الجيران)

 

ومن المواقف التي حدثت في الشهر الفضيل، كتب أحدهم القصة التالية:

​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​والجوع يطوي البُطون في شهر رمضان المُبارك؛ طاعةً لله وقُربةً.. آذنت شمس النهار على الرحيل، واجتمعت العائلة حول مائدة الإفطار العامرة، وعيون الأبناء تُلاحق والدتهم لترى ماذا تحمل من أصناف الطعام وألوان الشراب.. وقبل الجلوس على مائدة الإفطار بثوانٍ غُسِلَت الأيدي، وشُمِّرَت السواعد.. ثُم عندما ارتفع صوت المؤذن بأذان المغرب؛ ليُعلِن رحيل يومٍ من أيام الشهر المُبارك، بدأ الجميع يتسابقون في الأكل؛ فلا تسمع إلا أصوات الملاعق تُلامس الأطباق، فلا صوت يعلو على صوت الطعام! قطع السُكون والسُكوت عن الكلام صوت جرس الباب؛ فبدت علامات الاستفهام في عيون الجميع.. مَنْ ذا الذي يأتي في مثل هذا الوقت؟! أسرع أحد الأبناء الصغار، ممن لم يصم إلا نصف النهار أو أقل، وسأل دون أن يفتح الباب: "مَن الطارق؟!".. جاء الصوت وقد أضعفه الجوع ولفَّه الحياء: "أنا فلانةٌ جارتكم!"، هروَّل الصبي مُسرعاً إلى أُمه ليخبرها.. كان الأمر مُفاجأةً جمعت أطراف الخوف! ماذا أتى بجارتنا في هذا الوقت؟! هل حدث مكروهٌ لها أو لأحد أبنائها؟! تذكرتْ الأُم أن زوج جارتها غائبٌ منذ فترةٍ طويلةٍ! فتحتْ الباب، ورحبتْ بالجارة وسألتها: "خيراً إن شاء الله، ما بكِ؟!"، طأطأتْ الجارة رأسها وقالت على استحياء: "نبحث عن إفطارٍ.. عن طعامٍ! أبنائي يتضورون جوعاً، وأنا لا أزال صائمةً!"، جذبتها الأُم إلى الداخل قائلةً: "تفضلي".. خرج الأب لصلاة المغرب مع الجماعة في مسجد الحي.. وحانت منه التفاتةٌ ليرى منزل جارهم المُسافر؛ فإذا بالأب يكتشف أنه لا يفصل بين الجوع والشبع، والغنى والفقر، سوى جدارٍ واحدٍ؛ فقال في نفسه: "هذه جارتنا لم تأتِ إلا من حاجةٍ، كيف لم نكن نتفقدها؟! لِمَ لَمْ نكن نسأل عنها؟! لِمَ لَمْ تزرها زوجتي قبل أن تُضطر جارتنا إلى طرق بابنا؟! هُناك أُسرٌ كثيرةٌ مثل أُسرة جارنا.. بيوتٌ مُتعففةٌ لا يُعلَم من أين تأكل وتشرب.. ألا نخاف من العُقوبة الإلهية ونحن ننام وأفراد أُسرة جارنا المُسلم جائعون حتى أنهم لم يجدوا ما يُفطرون عليه في رمضان؟!

 

أحبتي في الله.. إن (تَفَقُد الجيران) من الأمور التي يحثنا عليها دِيننا الحنيف؛ ومع ذلك فكثيرٌ من الناس عن ذلك غافلون؛ بل إن البعض غافلٌ حتى عن تَفَقُد أقاربه! وهذا موقفٌ يحكيه أحدهم فيقول: "حدثني قريبٌ لنا ذهب لإجراء بحثٍ لحساب إحدى الجمعيات الخيرية، أنه وجد أسماء عوائل معروفةٍ يأخذ أبناء عُمومتهم وأقاربهم الصدقات والتبرعات من الجمعية! وذكر اسم أكثر من عائلةٍ يكفي ما لدى أغنيائهم من زكاةِ عامٍ واحدٍ أن تعف أُسر أقاربهم طوال حياتهم"!

وعن الجيران كتب آخر فقال: "صارت المادة تضرب بسهامها في قُلوبنا، حتى بتنا نخشى أن يتحول مُجتمعنا المُسلم إلى مُجتمعٍ ماديٍ لا يعرف فيه الجار جاره. إذا لم نبحث عن جيراننا ونعرفهم في وقت الشدة والكُربة فمتى نبحث عنهم؟! هل إذا ابتسمت لهم الدُنيا وأرسل الله لهم الخيرات، آنذاك نعرفهم"؟!

وهذا ثالثٌ كتب عما يترتب على عدم (تَفَقُد الجيران) فقال: "قبل أسابيع اكتشفت زوجةٌ شابةٌ تسكن في بناءٍ من خمسة طوابق بمجمعٍ سكنيٍ فاخرٍ في «القاهرة الجديدة»، أن جارهم -الذي يفصل بينهما طابقان فقط- تُوفي منذ خمسة أيامٍ على الأقل دون أن يشعر أحدٌ".

وروي أبٌ لطفلين في المرحلة الابتدائية عن مشادته مع شخصٍ التقاه مُصادفةً في مصعد البناية التي يسكن فيها، حيث أن الأب -الذي يخشى على أطفاله من الغُرباء- سأل الشخص عن هويته، ليدخل معه الأخير في جدالٍ حادٍ، ولم تنتهِ الأزمة إلا بعد تدخل رجال الأمن بالبناية الذين أكدوا للأب الذي كان في طريقه للخروج إلى عمله، أن هذا الرجل هو "جارهم الذي يسكن في الطابق الأخير"، فقد كانت تلك المرة الأولى التي يلتقيان فيها، وتبين أن كليهما يعيش في البناية نفسها إلا أنهما أغرابٌ تماماً!

 

يقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، هذه الآية -كما قال المُفسرون- تُبين إلى أي مدى أوصى الإسلام بالجار وأعلى من قدره؛ فللجار في ديننا حُرمةٌ مصونةٌ، وحقوقٌ مرعيةٌ، حيث قَرَن المولى سُبحانه وتعالى الإحسان إلى الجار بعبادته وتوحيده.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ما زالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بالجارِ، حتَّى ظَنَنْتُ أنَّه سَيُوَرِّثُهُ]. وقال عليه الصلاة والسلام: [من كان يُؤمنُ بالله واليوم الآخر فليُكرِم جارَه]. وقال أيضاً: [خيرُ الأصحابِ عندَ اللهِ خيرُهم لصاحبِه، وخيرُ الجيرانِ عندَ اللهِ خيرُهم لجارِهِ]. وعندما سألت السيدة عائشة -رضي الله عنها- النبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ لي جارينِ أحدُهُما مُقبلٌ علي ببابِهِ والآخرُ ناءٍ ببابِهِ عنِّي وربَّما الَّذي كانَ عِندي لا يسعُهُما، فأيُّهما أعظَمُ حقًّا فقالَ: [المقبِلُ عليكِ ببابِهِ] أي الجار الأقرب. وقيلَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: يا رَسولَ اللهِ! إنَّ فلانةَ تقومُ اللَّيلَ وتَصومُ النَّهارَ وتفعلُ، وتصدَّقُ، وتُؤذي جيرانَها بلِسانِها؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليهِ وسلم: [لا خَيرَ فيها، هيَ من أهلِ النَّارِ]، قالوا: وفُلانةُ تصلِّي المكتوبةَ، وتصدَّقُ بأثوارٍ، ولا تُؤذي أحدًا؟ فقال رسولُ اللهِ: [هيَ من أهلِ الجنَّةِ]. وقال صلوات الله وسلامه عليه: [واللهِ لا يؤمِنُ واللهِ لا يؤمِنُ واللهِ لا يؤمِنُ]، قيل: مَن يا رسولَ الله؟ قال: [الذي لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوايِقَهُ] والبوايقُ والبوائقُ: جمعُ بائقةٍ، وهي الدَّاهيةُ والبَلِيَّةُ، والفَتْكُ والشُّرُور، والظُّلمُ والجَورُ والتَّعدِّي.

 

يقول أهل العِلم إن الجيران ثلاثةٌ: جارٌ له ثلاثة حقوقٍ، وجارٌ له حقان، وجارٌ له حقٌ واحدٌ؛ فأما الجار الذي له ثلاثة حقوقٍ فهو الجار المُسلم القريب؛ له حق الإسلام وحق القرابة وحق الجوار، والجار الذي له حقان هو الجار المُسلم؛ له حق الإسلام وحق الجوار، والجار الذي له حقٌ واحدٌ هو غير المُسلم له حق الجوار فقط.

ويقولون إن (تَفَقُد الجيران) والإحسان إليهم واجبٌ شرعيٌ وأخلاقيٌ، يُعزز التكافل الاجتماعي ويُقوي أواصر المحبة، ويضمن مُجتمعاً مُترابطاً آمناً، ويُسهم في إدخال السُرور على الجيران.

أما عن كيفية (تَفَقُد الجيران) فإنها تكون بالسؤال والمُبادرة إلى زيارتهم، وإلقاء السلام عليهم، والسؤال عن أحوالهم خاصةً في الأزمات. وبالإحسان وتبادل الهدايا والطعام؛ مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذرٍ رضي الله عنه [إذا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فأكْثِرْ ماءَها، وتَعاهَدْ جِيرانَكَ]. وبدعم المُحتاجين من الجيران وقضاء حوائجهم، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: [ما آمن بي من بات شبعانَ وجارُه جائعٌ إلى جنبِه وهو يعلم به]، وفي روايةٍ: [ليس المؤمنُ بالذي يشبعُ وجارُه جائِعٌ إلى جنبَيْهِ]. كما يكون الاهتمام بالجيران بالحرص على عدم إيذائهم، سواءً بالقول، أو الفعل، أو إلقاء القمامة، أو إحداث إزعاج، كما يكون بالصبر على أذاهم كنوعٍ من حُسن الجوار.

إن (تَفَقُد الجيران) له أهميةٌ كبيرةٌ؛ فهو من علامات الإيمان، والإحسان إليهم يجلب محبة الله تعالى.

 

قال الشاعر:

وَمَن يَقضِ حَقَّ الجارِ بَعدَ اِبنَ عَمِّهِ

وَصاحِبِهِ الأَدنى عَلى القُربِ وَالبُعدِ

يَعِش سَيِّداً يَستَعذِبُ الناسُ ذِكرَهُ

وَإِن نابَهُ حَقٌّ أَتَوهُ عَلى قَصدِ

 

أحبتي.. رحم الله من قال: "نجوع ونحن نعلم متى سنأكل، فتذكروا من يجوع ولا يعلم متى يحين طعامه".. ولله در القائل: "لا تُراقبوا من يُفطر في نهار رمضان، بل راقبوا من لا يجد ما يُفطر عليه؛ فالأول: سيُحاسبه الله، أما الثاني: فسيُحاسبكم الله عنه"!

علينا أن نُسارع ونُبادر إلى التعرف على جيراننا، وأن نتبادل معهم الزيارات العائلية والهدايا في الأعياد الدينية، ونشاركهم في المُناسبات الخاصة كالأفراح والاحتفال بالترقي الوظيفي وبنجاح الأبناء، وأن نقوم بالواجب معهم في حالات الوفاة والمرض وغيرها من مواقف يكون الجيران فيها أكثر ما يحتاجون إلى التعاطف والمواساة. كما أن علينا أن نتذكر دائماً أن ديننا الحنيف يحثنا على (تَفَقُد الجيران) المُحتاجين وغير القادرين، والإحسان إليهم، مع الحرص على احترام مشاعرهم والحفاظ على كرامتهم؛ فنُساعدهم ونكون في عونهم حتى يكون الله سُبحانه وتعالى في عوننا؛ مصداقاً لقول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: [وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ]، ومن باب أولى علينا أن نكف أذانا عن جيراننا، بل وعلينا أن نتحمل أذيتهم لنا ونتعامل معهم بالحكمة والصبر والخُلُق الحسن، فنُقابل الإساءة بالإحسان؛ يقول المثل: "الإحسان إلى الجار وإن جار".

اللهم اجعلنا أفضل الجيران لجيراننا، وأنعِم علينا بأن يكون جيراننا من أفضل الناس لنا، واجعلنا اللهم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 

https://bit.ly/4rBBHJf