الجمعة، 20 مارس 2026

فرحة العيد

 

خاطرة الجمعة /543

الجمعة 20 مارس 2026م

(فرحة العيد)

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [للصَّائِمِ فرحَتانِ يَفرَحُهما: إذا أفطَرَ فرِحَ، وإذا لَقيَ رَبَّه فرِحَ بصَومِه] يقول شُراح الأحاديث إن للصيام فضائل عظيمةً، وكرامة الله للصائمين لا تنقطع؛ فإنهم حرموا أنفسهم الطعام والشراب والشهوة، فأعطاهم الله سُبحانه وتعالى من واسع عطائه، وفضَّلهم على غيرهم. وفي هذا الحديث يُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن للصائم الذي قام بحقوق الصوم، فأداه بواجباته ومستحباته؛ فرحتين عظيمتين: إحداهما في الدنيا، والأُخرى في الآخرة؛ أما الأولى: فإنه إذا أفطر فرح بفطره، أي: لزوال جوعه وعطشه حيث أُبيح له الفطر، أو لإتمامه وأدائه عبادته. وأما الثانية: فإنه إذا لقي ربه فرح بصومه، يعني أنه يفرح وقت لقاء ربه بنيل الجزاء، أو الفوز باللقاء، أو هو السرور بقبول صومه، وترتب الجزاء الوافر عليه.

وتكتمل (فرحة العيد) بتزامنها مع غيرها من المُناسبات السعيدة؛ كزواجٍ أو نجاحٍ دراسيٍ أو حصولٍ على وظيفةٍ أو ترقيةٍ في العمل أو انتقالٍ إلى منزلٍ جديدٍ أو شراء سيارةٍ، وغير ذلك من مُناسباتٍ يسعد بها الناس ويفرحون فيُشاركهم غيرهم فرحتهم.

وهُناك من مُسببات الفرح أمورٌ أُخرى منها: الفرحة باعتناق غير المُسلم للإسلام؛ إذ أنه أمرٌ مُستحبٌ ومطلوبٌ شرعاً، فهو من علامات الإيمان وحُب الخير للغير وهداية الناس، ففيه إنقاذ روحٍ بشريةٍ مِنَ النَّارِ.

وفيما يلي واحدةٌ من تلك القصص، وهي كثيرةٌ ولله الحمد، لكن هذه القصة لها مذاقٌ خاصٌ يُتمم لنا (فرحة العيد)، يقول ناشر القصة:

وجَّه المُذيع سُؤالاً إلى القِس السابق «ليف شتني» قائلاً: "كيف انتهى بك المطاف لاعتناق الإسلام بعد ثلاثين عاماً قضيتها في السلك الكهنوتي؟"؛ فأجاب القِس قائلاً: "لقد كنتُ قِسيساً، أفنيتُ سنواتٍ من عُمري في دراسة اللاهوت ووعظ الناس، بيد أن الحقيقة كانت دوماً أبعد بكثيرٍ عما كُنا نُردده؛ إذ وجدتُ نفسي في مواجهة تساؤلاتٍ جوهريةٍ لا إجابة لها؛ مثل:

لُغز «بولس»: فقد كُنتُ أسأل نفسي كثيراً: "خَلْفَ مَن نسير؟ أخَلْفَ «المسيح» أم خَلْفَ «بولس»؟ إنها شخصيةٌ غامضةٌ، حتى إن المؤرخين اختلفوا في نسبه وأصله، فلا أحد يعرف اسم أبيه أو أُمه، ولم يرَ «المسيح» قط ولم يسمع منه كلمةً واحدةً! وفجأةً، صار هو من يضع قواعد العقيدة، ويُحوِّل التوحيد إلى تثليثٍ مُعقدٍ، ويستبيح المُحرمات"، وهنا وجّه القس سؤالاً للمذيع: "سأطرح عليك سؤالاً يا سيدي.. لو كنتَ تعمل في مصرفٍ، وجاءك شخصٌ يطلب سحب عشرة آلاف دولار، وزعم أنه فلانٌ لكنه لا يحمل بطاقة هويةٍ ولن يُوقِّع على أوراقٍ، فهل ستُعطيه قرشاً واحداً؟"، أجاب المذيع: "بالطبع لا!"، عقَّب القِس: "لقد قُلتَ لا لأنه يفتقر إلى التوقيع وإثبات الشخصية! وهذا هو حال «بولس» تماماً؛ فلا أحد يعرف من هو، ولا يملك تفويضاً أو توكيلاً من «المسيح» عليه السلام!".

كذلك كانت هناك مُعضلة الأسفار المُتضاربة: إذ كُنتُ أرى كنيسةً تعترف بـ 73 سِفراً، بينما كنيسةٌ أُخرى حذفت سبعةً منها وقالت إنها 66 سِفراً فقط! أما الكنيسة الإثيوبية فتعتمد 81 سِفراً! تساءلتُ في نفسي حينها: "هل تزيد كلمة الله وتنقص وفقاً للأهواء؟ وأين هي النسخة الأصلية الصافية؟".

وأيضاً صراع الطوائف والتشتت العقدي: فقد عايشتُ حالةً من التخبط؛ فكل كنيسةٍ لها طقوسها الخاصة، ووصل الأمر إلى حد تبادل التكفير بين الطوائف، حتى في فريضة الصيام تجد الكنيسة الأرثوذكسية تصوم قرابة 200 يومٍ في السنة، منها الصوم الكبير (55 يوماً)، وصوم الميلاد، وصوم الرُسل، وصوم العذراء.. بينما الكنيسة الكاثوليكية يختلف صيامها تماماً ومدته أقصر بكثيرٍ، إذ يصومون الصوم الكبير أربعين يوماً فقط وبطريقةٍ مُغايرة. أما الكنيسة البُروتستانتية فلا توجد لديها أيام صيامٍ مُحددةٍ أو قوانين مُلزمةٌ، وكل فردٍ يصوم حسب تقديره الشخصي.. إنها قوانين بشريةٌ، وكل جهةٍ تزعم أن هذا هو مراد الله.

وإضافةً لما سبق: فطرة الأطفال والعهد الرباني؛ فقد كانت أصعب لحظات حياتي حين يسألني طفلٌ ببراءةٍ: "يا أبونا، هل كان الرُب يُناجي نفسه؟" وذلك حين يقرأ قوله: {إلهي إلهي لماذا تركتني}؛ فالطفل بفطرته يُدرك أن الإله واحدٌ صمدٌ لا يحتاج لأحدٍ. دفعني ذلك للذهاب إلى المسجد وطلبتُ من الإمام نسخةً من القرآن لأتدبرها، حتى وقعت عيناي على آيةٍ هزت كياني: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ هُنا استبنتُ كُل شيءٍ! وفهمتُ لماذا كنتُ أقف عاجزاً أمام براءة الأطفال وهم يسألونني عن نصوصٍ مثل {قال الرب لربي} أو {إلهي إلهي لماذا تركتني} وعن إلهٍ يُخاطب إلهاً! إن الله يجيب في تتمة الآية: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ أي أنه لن يستطيع أحدٌ يوم القيامة التذرع بقوله: "لا ذنب لي، لقد نشأتُ في أُسرةٍ مُشركةٍ فاتبعتهم"، أو "لقد خُدعتُ واتبعتُ قول الكاهن". إن الله يُخبرك بأنه غَرَسَ فيك التوحيد مُنذ البداية وأخذ عليك العهد وأنت لا تزال في عالم الذر، لكي لا تكون لك حجةٌ بالتقليد أو الغفلة. الفطرة التي تسكن أعماقنا تُدرك يقيناً أن الإله واحدٌ لا شريك له.

وكذلك فإن الإعجاز العلمي والبرزخ المائي شدني وأثار انتباهي: فكيف للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي عاش في قلب صحراء قاحلةٍ لا بحار فيها قبل 1400 عاماً، أن يصف بدقةٍ مُذهلةٍ ظاهرة البرزخ المائي؟ تلك الظاهرة التي لم يتمكن البشر من رؤية حدودها الفاصلة بوضوحٍ إلا بعد غزو الفضاء وتصويرها بالأقمار الصناعية، التي رصدت تباين الألوان والخصائص بين المياه وكأن هناك خطاً رُسم بمسطرة! يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ . بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ لقد أثبت العِلم الحديث عبر المسح الحراري وصُوَر الأقمار الصناعية وجود بحرين يلتقيان، عذبٌ ومالحٌ، أو مالحان مُختلفان، ورغم تلامسهما، إلا أن هناك برزخاً أي حاجزاً غير مرئيٍ يمنعهما من الاختلاط؛ فكل بحرٍ يُحافظ على كثافته، ومُلوحته، وحرارته، وكأن جداراً فاصلاً يمنع البغي أو الامتزاج. وتظهر هذه الظاهرة بوضوحٍ في: «خليج ألاسكا» حيث يظهر الخط الفاصل بين مياه المُحيط الداكنة ومياه الأنهار الجليدية الفاتحة. «مضيق جبل طارق» نُقطة التقاء البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي. في «مصر» عند التقاء النيل العذب بالبحر المتوسط. ومضيق «باب المندب» حيث تلتقي مياه البحر الأحمر بمياه المحيط الهندي.

السؤال الجوهري: من أين لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم بهذا العلم الذي لا يُرى إلا من فوق السحاب أو عبر الأقمار الصناعية وهو يعيش في الصحراء؟ الإجابة واحدةٌ: إنه وحيٌ من خالق البحار الذي أحاط بكل شيءٍ علماً.

وأيضاً تكريم «المسيح» وأمه «مريم» عليهما السلام: إذ وجدتُ في الإسلام أن «المسيح» نبيٌ عزيزٌ مُكرمٌ، ووجدتُ سورةً كاملةً في القرآن الكريم تحمل اسم أُمه «مريم»، كما أن «المسيح» في الإسلام هو كلمة الله، وليس إلهاً يُضرَب ويُصلَب ويُهان! والمُفاجأة الكُبرى هي أن المُسلم لو أنكر «المسيح» فإنه يكفر ويخرج من المِلة فوراً؛ فهُم يُحبونه ويُقدرونه أكثر منا بكثيرٍ، ولكن بصفته نبياً مُرسلاً. لقد عدتُ إلى أصلي.. عدتُ إلى الفطرة التي جبلني الله عليها. أشهد أن لا إله إلا الله، وأن مُحمداً رسول الله".

 

أحبتي في الله.. تُذكرني هذه القصة بقصة الغُلام اليَهوديّ الذي كان يخدم النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فمَرِضَ، فأتاه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعودُه، فقَعَدَ عِندَ رَأسِه، فقال له: [أسلِمْ]، فنَظَرَ إلى أبيه وهو عِندَه، فقال له: أطِعْ أبا القاسِمِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأسلَمَ، فخَرَجَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يقولُ: [الحَمدُ للَّهِ الذي أنقَذَه مِنَ النَّارِ]. لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الرحمة بخدمه، وإن كانوا من أهل الكتاب، والحرص على هدايتهم إلى الإسلام.

 

وتتجلى العلاقة بين قصة القس «ليف شتني» وحديث الغُلام اليهودي في أسمى صورها الإنسانية والروحية؛ فكلاهما يمثل رحلة خلاصٍ لنفسٍ بشريةٍ انتقلت من حيرة التيه إلى صدق اليقين. و(فرحة العيد) في كلتا القصتين فرحة رحمةٍ؛ فرحةٌ بنجاة إنسانٍ من مصيرٍ أبديٍ مؤلمٍ إلى نعيمٍ مُقيم، فرحةٌ بانتصار نداء الفطرة الكامن في كل نفسٍ؛ حيث عاد كلٌ منهما إلى الأصل الذي فطر الله الناس عليه. ويظهر من كلتا القصتين أن الهداية لا ترتبط بعمرٍ أو زمنٍ، بل بصدق الطلب؛ فالله سُبحانه برحمته لا يُضيِّع مَن بحث عن الحقيقة بصدقٍ، سواءً كان غلاماً يخدم أو قسيساً يعظ.

إنها (فرحة العيد) حينما نرى في القصتين تجسيداً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ فإحياء الروح بالهداية أعظم عند الله من إحياء الجسد بالطب، وهذا هو جوهر السرور الذي يشعر به المُسلم تجاه كُل إنسانٍ يُعتنق الإسلام.

 

إن قصة القس «ليف شتني» تُجسد رحلةً من الحيرة والبحث عن اليقين وصولاً إلى مرفأ الفطرة؛ إذ أشار القِس إلى عجز التفسيرات اللاهوتية أمام براءة الأطفال، وهو ما يُفسره الإسلام بأن الطفل يولد على الفطرة قبل أن تشوبها المؤثرات الخارجية؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: [مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ] حيث يوضح الحديث أن التوحيد هو الأصل، وما سواه هو مؤثرٌ خارجيٌ، تساؤل الطفل "هل الله يُكلم نفسه؟" هو صوت الفطرة التي ترفض منطق التعدد أو التجزئة في الذات الإلهية. أما مُعضلة التغيير في الكُتب والشرائع بتضارب عدد الأسفار واختلاف أيام الصيام فهو مما أكده القرآن في وصفه لما تعرضت له الكتب السابقة من تحريف؛ يقول تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.

كما أن الإسلام يوضح حقيقة «المسيح» ويُعلي من مكانته؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: [مَن شَهِدَ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ اللهِ ورَسولُه، وكَلِمَتُه ألقاها إلى مَريَمَ وروحٌ منه، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ؛ أدخَلَه اللهُ الجَنَّةَ على ما كان مِنَ العَمَلِ].

إن قصة «ليف شتني» هي تطبيقٌ عمليٌ لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾؛ فقد رأى الآيات في نفسه وفي الآفاق فكانت النتيجة هي اليقين.

 

إن الفرحة بإسلام هذا القس -وغيره ممن يدخلون في دين الله أفواجاً- يأتي مقروناً بالفرحة بعيد الفطر المُبارك، مما يُضفي على العيد بُعداً إنسانياً عميقاً؛ باعتباره يوم الجائزة لمن استقام على الفطرة؛ إذ يأتي عيد الفطر بعد ثلاثين يوماً مع القرآن الكريم، كتاب الله الذي كان السبب في تحول مسار حياة هذا القِس. إن فرحتنا في العيد تكتمل حين نرى ثمار هذا الدين تنمو في قلوب الباحثين عن الحقيقة؛ فالقرآن الكريم منبع الهداية في «رمضان»، نحن نحتفل في العيد بختام شهر نزول القرآن الكريم، والقِس «ليف شتني» لم يجد ضالته إلا حين فتح المُصحف وقرأ فيه؛ يقول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، إن أعظم فضلٍ ورحمةٍ نفرح بهما في العيد هو هداية القُلوب للإسلام، فنجاة نفسٍ من النار خيرٌ من كل كنوز الدنيا. وكما أن العيد هو ميلادٌ جديدٌ للصائم الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه، فإن إسلام القِس هو بمثابة ميلادٍ جديدٍ له؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: [الإسلامُ يَهدِمُ ما كانَ قَبلَه] أي يمحو ما كان قبله.

إن (فرحة العيد) فرحةٌ بالاستقامة، وفرحةٌ بإسلام شخصٍ وعودته لصفوف المُوحدين الناجين من النار؛ فالفرحة الحقيقية هي نجاة إنسانٍ من مصير الكافرين.

(فرحة العيد) في نجاة الآخرين من التيه؛ لقد عاش هذا الرجل عقوداً في حيرةٍ، ترهقه تساؤلات الأطفال البسيطة التي لم يجد لها جواباً في كُتبه، حتى وجد حق اليقين في آيةٍ واحدةٍ من كتاب الله. نفرح اليوم لأن الله اجتبى نفساً إنسانيةً من حيرة الشك إلى نور اليقين، ومن ضيق التعدد إلى سعة التوحيد؛ فالعيد هو العودة إلى هذا الأصل الصافي، هو احتفالٌ بأننا عُدنا -كما خلقنا الله- موحدين، مُنيبين.

 

أحبتي.. ليكن فرحنا اليوم مُزدوجاً؛ فرحةٌ بتمام عبادتنا، وفرحةٌ بأن باب الهداية ما زال مفتوحاً لكل تائهٍ، وأن نور القُرآن ما زال قادراً على هز كيان قِسٍ ليقول في نهاية المطاف: "لقد عُدتُ إلى أصلي". إن فرحتنا اليوم بتمام الصيام تُشبه فرحة ذلك القِس بتمام الوصول إلى الحقيقة؛ لقد صُمنا ثلاثين يوماً لنُطهِّر فطرتنا، وهو بَحَث ثلاثين عاماً ليجد فطرته. فالحمد لله الذي جعل عيدنا فرحةً بالهداية، والحمد لله الذي أنقذ نفساً من النار بآيةٍ من كتابه الكريم.

فلنجعل من دعائنا اليوم نصيباً لكل باحثٍ عن الحقيقة، لعلَّ الله يجعلنا سبباً في هداية قلبٍ، فيكون ذلك خيراً لنا من حُمْر النعم.

تقبل الله طاعاتنا وطاعاتكم، وعيدٌ مباركٌ على الجميع.

https://bit.ly/4bkUKC6