الجمعة، 23 يناير 2026

ميلاد جديد

 

خاطرة الجمعة /535

الجمعة 23 يناير 2026م

(ميلاد جديد)

 

قصةٌ عجيبةٌ لتوبة شابٍ صديقٍ لي، حدثت في الواقع، طلبتُ منه أن يحكيها لي بالتفصيل؛ فقال:

كما تعلم، أنا شابٌ في مُقتبل العُمر.. عُمري يقترب من الواحد والعشرين عاماً، وقصة توبتي غريبةٌ جداً.. وهذه هي، أرجو أن تُعيد نشرها عسى أن يجعل الله بها النفع للأُمة، وأتمنى من الله رب العالمين أن أكون من قوافل التائبين المقبولة توبتهم بإذنه تعالى، وأدعوه عزَّ وجلَّ أن يُثَّبتني على دينه.

أنت تعلم أن كثيراً ما كان يتحدث الناس عني على أني عبقريٌ ومُبدعٌ في أفكاري، وكُنتُ أستغل هذه الشُهرة في المزيد من المعاصي ولا أهتم إلا بإشباع شهواتي. ورغم أني مُسلمٌ، إلا أنني لم أكن أعلم عن الإسلام إلا قليلاً، وكم قامت أُختي بنصحي، لكني كُنتُ دائماً أتهرب منها، كانت كلماتها لا تنال مني إلا السُخرية. الغريب في قصة توبتي -كما سأرويها لك- أن أسباب المعصية هي نفسها أسباب التوبة! كُنتُ مُدمناً لجميع الشهوات، ولم أترك ذنباً إلا فعلته.. كُنتُ حقاً ظالماً لنفسي، هذا أقل تعبيرٍ عن حالتي، بل هو أدق وأفضل وأشمل تعبيرٍ؛ لأن الله سُبحانه وتعالى قد ذكره حين وصف العُصاة. كُنتُ مُدمناً لغُرف الدردشة مع البنات على شبكة الإنترنت، وكان ذلك يشغل كثيراً من وقتي، وكُنتُ أنا وأي بنتٍ أُدردش معها نتحدث بمّا حرَّم الله، وكُنتُ أجد مُتعةً غريبةً في ذلك! لا أدري لماذا؟

تعرفتُ ذات يومٍ على فتاةٍ من «الولايات المتحدة الأمريكية»، كانت في العشرين من عُمرها، مُتزوجةً وأُماً لولدٍ جميل.. تعرفتُ عليها صدفةً.. وكُنتُ أتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقةٍ، سألتني: "ما اسمك؟"، قُلتُ لها: "اسمي «مُحمد»"، ما كدتُ أنطق كلمة «مُحمد» إلا ووجدتها تكاد تطير من الفرح؛ إذ قالت لي: "إذن أنت مُسلمٌ! هل حقاً أنت مُسلمٌ؟ لا أصدق! أُريد أن أعرف الكثير عن الإسلام، أرجوك لا تتركني كما تركني غيرك، أرجوك لدي آلاف الأسئلة التي أود أن أسألها، أرجوك"... قُلتُ في نفسي: "يا لها من تعيسة الحظ؛ تطلب معلوماتٍ عن الإسلام من أبعد شخصٍ عنه! ربنا يستر!". لكني شعرتُ أنها حقاً أول مرةٍ في حياتي أعيش فيها لحظةً أهتم فيها بأمر ديني! أول مرةٍ أعيش فيها لهدفٍ غير عبثي وإشباع شهواتي.. شعرتُ بإحساسٍ غريبٍ.. أغلقتُ كل دردشاتي الأُخرى مع مَن أتحدث معهن من الفتيات الساقطات.. تعجبتُ؛ لأول مرةٍ في حياتي أترك شهوتي لأجل شيءٍ... حتى الآن لا أعلم ما هو هذا الشيء ... لا أعلم منه إلا اسمه "الإسلام"! قُلتُ لعلها تسألني وأُجيب، مع يأسي التام من قُدرتي على الإجابة.. وبالفعل سألتني: "ما الإسلام؟"، قُلتُ لها: "من فضلك ثانية واحدة"، دخلتُ بسرعةٍ على مواقع إسلامية.. وظللتُ أبحث عن كل سؤالٍ تسأله، ونجحتُ في الإجابة عن مُعظم الأسئلة.. سألتني: "من هي «عائشة»؟"، قُلتُ لها: "«عائشة»؟!"، كُنتُ لا أعلم عنها شيئاً! أخذتُ أبحث عنها في المواقع الإسلامية، وبينما أنا أبحث كُنتُ أشعر بحماسٍ ورغبةٍ غريبةٍ في مُساعدتها.. قُلتُ لها: "أُختي انتظريني أياماً، سأُرسل لك كتاباً يُعلمك ما الإسلام"، لا تتصور مدى سعادتي من كلمة "أُختي".. أول مرةٍ في حياتي أُنادي فتاةً بكلمة "أُختي".. الله! لأول مرةٍ أشعر بالطهارة.. حتى ذرفت عينايّ بالدُموع.. لم أنم ليلتي.. ظللتُ أسأل أُختي الحقيقية بعض الأسئلة التي سألتني إياها أُختي الأمريكية؛ مثل: هل الحجاب فريضة؟ هل تعدد الزوجات واجب؟ هل وهل وهل.. ذهبتُ إلى مكتبةٍ مُتخصصةٍ لشراء بعض الكُتب المكتوبة باللغة الإنجليزية عن الإسلام، لكني فوجئتُ بأني لا أملك ما يكفي من المال.. سألتُ نفسي: "ماذا أفعل؟".. كُنتُ أشعر أن الموت يُسابقني، ويجب أن أكون أسرع منه لها قبل أن تموت وتدخل النار.. لأول مرةٍ أُحدِّث نفسي بهذه اللهجة.. تعجبتُ.. ذهبتُ إلى أحد أصدقاء السوء -وكان غنياً جداً- واقترضتُ منه مبلغاً من المال، كُنتُ أنوي ألا أرده له، لكن بعد التزامي رددته لعلمي بأهمية رد الدَيْن، والحمد لله.. اشتريتُ لها كتابين قرأتهما قبلها.. شعرتُ بأن هذا الدين عظيمٌ.. واشتريتُ لها زياً إسلامياً جميلاً، مثل الزي الذي ترتديه أُختي؛ لعلمي بصعوبة الحصول على الأزياء الإسلامية هناك، واشتريتُ لها مصاحف قُرآنٍ مُسجلةً بالصوت لبعض مشاهير القُراء.. وأرسلتُ كل هذا بالبريد السريع الدولي ليصل إليها في أقصر وقتٍ مُمكن.. وبالفعل وصل إليها.. وقرأت الكتابين، وقالت لي: "هذا ما كُنتُ أُريد.. ماذا أفعل لكي أدخل في الإسلام؟"، حينها لا تتصور ما حدث لي؛ بكيتُ كثيراً.. وانسابت دموعي؛ فسألتني: "لماذا تبكي؟"، فقد كانت تسمعني وكُنتُ أتحدث معها بالمايك.. قُلتُ لها: "لأن ميلادي مع ميلادك".. لم تفهم ما أقصده من أن ما حدث هو (ميلاد جديد) لي، لكني أخبرتها أن تُردد الشهادتين وتذهب لتغتسل.. كُنتُ قد سألتُ عن هذا انتظاراً لهذه اللحظة.. لا تتصور وهي تُردد بعدي "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن مُحمداً رسول الله" وكأني أُرددها معها لأول مرةٍ؛ فلا أتذكر أني قد قُلتها قبل ذلك! سألتني: "ما معناها؟"، فأخبرتها أنه لا يوجد إلهٌ غير الله في الكون، وأن مُحمداً رسول الله، وظللتُ أتوسع في شرح معناها، لكن العجيب أني لم أكن أدري عن هذه الكلمات؛ كانت غائبةً عني أو بالأحرى؛ كُنتُ أنا غائباً عنها.. أيقنتُ أن هذه الكلمات لها معانٍ عظيمة، ثم قالت: "مُحمد، قُل لا إله إلا الله، وضحكت" قُلتها وأنا أبكي من سعادتي، أبكي بُكاءً مريراً.. ثم قلتُ لها: "قولي يا أُختي، مُحمدٌ رسول الله"، فقالتها ثم ضحكت بسعادةٍ، وقالت: "مُحمد، الآن وجدتُ حياتي.. لقد كُنتُ مُحطمةً وقلبي كسيرٌ، حاولتُ الانتحار خمس مراتٍ، وكان زوجي يُنقذني.. ولكني الآن أشعر بسعادةٍ غامرةٍ، وأشعر أني وجدتُ نفسي ووجدتُ سعادتي، أشعر بأن ما حدث معي هو (ميلاد جديد)"، قُلتُ لها: "إذن أنتِ وُلدتِ هذه الليلة"، قالت: "حقاً نعم"، قُلتُ لها: "وأنا كذلك!"، وحكيتُ لها قصتي، وكيف كُنتُ مُسلماً بالاسم فقط، وأشعر الآن بأني وُلدتُ من جديد"، قالت: "فهمتُ الآن ميلادي مع ميلادك"، ثم قالت: "إذن ردد يا أخي وقُل: لا إله إلا الله"، قُلتُ لها: "نعم، لا إله إلا الله، رب العالمين"، وضحكتُ وشعرتُ بأني أسلمتُ من جديد. قامت واغتسلت واتفقنا أن نتقابل بعد نصف ساعةٍ، أما أنا فقد سمعتُ المؤذن يؤذن لصلاة الفجر؛ فقمتُ وتوضأتُ -كُنتُ لا زلتُ أذكر كيفية الوضوء من أيام المدرسة- وتوجهتُ إلى المسجد، وصليتُ مع الجماعة، ذرفت عينايّ الكثير من الدموع، وشعرتُ بلذةٍ غريبةٍ، كانت ألذ بكثيرٍ من تلك اللذة التي كُنتُ أتذوقها في الحرام؛ لذة الإيمان، حقاً إن للإيمان لذةً غريبةً. عدتُ بعد انتهاء الصلاة، وتواصلتُ مع أُختي الأمريكية، وأخبرتني من هي السيدة «عائشة» -رضي الله عنها- وظللتُ أتعلم منها الكثير عن الإسلام! تخيل أني أتعلم الدين ممن كُنتُ سبباً في إسلامها، وهي عُمرها في الإسلام دقائق معدودةٌ! شيءٌ غريبٌ جعلني أبكي مُتأثراً. أخبرتني أنها غيَّرت اسمها إلى «عائشة»، وبعد يومين فوجئتُ بها تُخبرني باعتناق زوجها الإسلام، وأنهم سموا ابنهم «أحمد».. بكيتُ بُكاءً حاراً.. وحمدتُ الله كثيراً.. فما حدث لم يكن لي فضلٌ فيه وإنما هو توفيق من الله.. لا أستطيع أن أُصدق أنني كُنتُ سبباً في إسلام ثلاثة أنفسٍ يشهدون لي يوم القيامة، وتكون أعمالهم في ميزان حسناتي... ولم أكن قبل ذلك على شيءٍ من الإسلام.. إنه (ميلاد جديد) ظللتُ بعده أتعلم الكثير عن ديني، ووجدتُ في مكتبة أُختي الحقيقية الكثير من الكُتب والمراجع؛ أخذتُ أقرأ وأقرأ وأتعلم، ووجدتُ أحوالي تنصلح؛ شعرتُ بلذة الصلاة ولذة العبادة، وتركتُ كل شهواتي وكل أصدقائي الفاسقين، ورُحتُ كل حينٍ أُردد: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن مُحمداً رسول الله" وأبكي وأبكي.. وفرِحت أُمي بذلك وقالت: "حقاً كل شيءٍ وله أوان"، قُلتُ لها: "صدقتِ يا أُمي". وتحولتُ من البحث عن فاسقةٍ أو لعوبٍ لأتحدث معها أو أُقابلها، إلى البحث عن كل من يُريد الإسلام، ويُريد أن يعرف عنه شيئاً.. تخيل، فوجئتُ بالكثير يُريدون معرفة معلوماتٍ عن الإسلام.. وكُلما عرفتُ أحداً منهم أرسلتُ له نفس الكتابين ونسخةً من القُرآن الكريم؛ حتى أسلم على يديّ ثلاثة أشخاصٍ آخرين: اثنان من «الولايات المتحدة الأمريكية»، وفتىً من «بريطانيا».. وفرحتُ بذلك كثيراً.. وكانت «عائشة» أم «أحمد» تُساعدني في الحديث معهم؛ حتى أنها أقنعت أُختها بالإسلام.. والحمد لله رب العالمين.. وأخيراً، لا أستطيع أن أُخبرك عن مدى سعادتي بالإسلام، أنا أسلمتُ مع هؤلاء حقاً، وعلمتُ أن الدعوة فرض عينٍ في ظل هذا الانفتاح وكون العالم كله صار قريةً صغيرةً؛ فيجب على المُسلمين العمل لتعريف الأجانب بالإسلام والدعوة له، وهو الذي طالما ظلموه وافتروا عليه، وهو أغنى الأغنياء عنهم وعنّا، ونحن أفقر الفقراء إليه.. تحولت دفة حياتي تماماً؛ أصبح كل همي الدعوة إلى الله.. والعمل له.. وأرجو من الله رب العالمين أن يرحمني، وأن يُيسر لي شأني كله، ويُثبتني.. هل تعلم يا أخي إن الدعوة إلى الله رزقٌ يسوقه الله إلى العبد.. أشعر بأني مرزوقٌ في الدعوة رزقاً غريباً، أشعر أن رزقي واسعٌ في هذا الأمر.. اللهم وَسِّع أرزاقنا.. وأرجو أن تحكي قصتي هذه لمن يُتابعونك عسى الله أن يرزقهم النفع والفائدة.. وأعتذر عن الإطالة، بالرغم من أن ما قلته لك لا يحمل معشار ما تحمل خواطري من مشاعر.. لكن الكلمات تعجز عن وصف ما أنا فيه من السعادة..

 

أحبتي في الله.. إنه توفيق الله لهذا الشاب، الذي تحَوَّل من شابٍ ضائعٍ ميت الروح والقلب، إلى داعيةٍ للإسلام أسلم على يديه عددٌ من الأشخاص.

سبَّب الله سُبحانه وتعالى الأسباب؛ كأنه (ميلاد جديد) أظهر المعدن الأصيل لهذا الشاب الذي كان بعيداً عن الدين بُعداً كبيراً، وكأن توفيق الله كان بمثابة المطر الذي نزل على أرضٍ جرداء لكنها قابلةٌ للنماء والاخضرار فخرج الزرع زاهراً زاهياً، وكان الحصاد مُذهلاً وغير مُتوقعٍ؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: [مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ به مِنَ الهُدَى والعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا، فَكانَ مِنْها نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الماءَ، فأنْبَتَتِ الكَلَأَ والعُشْبَ الكَثِيرَ، ...]؛ بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإسلام مثل المطر الذي نـزل على أرضٍ، والأراضي ليست سواء، فذكر صلى الله عليه وسلم أنواعها؛ ومنها أرضٌ خصبةٌ عندما نـزل الماء عليها شربته وقبلته؛ فأنبتت الكلأ والعُشب الكثير، فهذا مثل الإنسان الذي امتلأ قلبه بالإيمان، وخشعت به جوارحه؛ فأثمر العمل والدعوة والصدق والإخلاص.

 

يقول تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ بيَّن الله سُبحانه أن هذا الواجب هو على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابتداءً، وعلى أتباعه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ويقول سُبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وهذا تأكيدٌ على أن الدعوة إلى الله هي من أحسن الأقوال. ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ويقول تبارك شأنه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، وقال أيضاً: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وهذا يوضح أن قيام كل فردٍ بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر بحسب قُدرته فرض عينٍ، وأن دعوة غير المُسلمين إلى الإسلام، ودعوة المُسلمين الضالين إلى الرجوع إلى دِينهم، واجبٌ على كل مُسلمٍ قادرٍ، رضي بالله ربّاً، وبالإسلام دِيناً، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيّاً ورسولاً.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: [لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بكَ رَجُلًا واحِدًا، خَيْرٌ لكَ مِن أنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ]، ويقول عليه الصلاة والسلام: [إنَّ اللَّهَ وملائِكتَهُ وأَهلَ السَّماواتِ والأرضِ حتَّى النَّملةَ في جُحرِها وحتَّى الحوتَ ليصلُّونَ على معلِّمِ النَّاسِ الخيرَ]؛ ويقول كذلك: [والَّذي نَفسي بيدِهِ لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولتَنهوُنَّ عنِ المنكرِ أو ليوشِكَنَّ اللَّهُ أن يبعثَ عليكُم عقابًا منهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ]، كما يقول صلى الله عليه وسلم: [مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلكَ أضْعَفُ الإيمانِ]، ويقول أيضاً: [بَلِّغُوا عَنِّي ولو آيَةً]؛ فكل مؤمنٍ مُخاطَبٌ بهذا الخطاب النبوي الذي يُشرفنا أن نكون حاملين له، وأن نكون مُنتمين إليه.

 

ويقول أهل العلم إن السعي في هداية الناس من أعظم العبادات وأفضل القُرب، وقد رغَّب الشارع فيه كثيراً، ولا يُتصور أبداً أن يكون أحدٌ من أهل الإسلام ينتمي إلى هذا الدين العظيم ولا يكون داعيةً له، فكل مُسلمٍ في الحقيقة يقتضي إيمانه أن يكون من الدُعاة إلى الله؛ لأن تعليمه لكل من حوله وتواصيه معهم بالخير والبِر، هو من قبيل الدعوة إلى الله جلَّ وعلا.

وليس من شروط الدعوة أن يكون الإنسان عالماً بكل شيءٍ، وإنما يدعو كل أحدٍ بما يقدر عليه وما يعلمه؛ فينبغي إذن على كل مُسلمٍ أن يدعو إلى الله تعالى حسب وسعه وعِلمه، فلا يُشترط فيمن يدعو إلى الله أن يكون عالماً أو حامل شهادةٍ، ولكنه إذا عَلِم آيةً، أو مسألةً من مسائل الدين علَّمها لمن لا يعلمها. وليس من شروط من يدعو للإسلام ويأمر بالمعروف وينهى عن المُنكر، أن يكون مُنزهاً عن المعاصي، ولو كان هذا شرطاً للدعوة إلى الله ما وجدنا داعياً؛ فنحن جميعاً بشرٌ، ولسنا ملائكةً، المُهم أن نُخلص في الدعوة إلى الله، وأن نعمل بكل صدقٍ على أن نتحلى بأعلى مستوىً مُمكن من الأخلاق لنكون قُدوةً لغيرنا ومثالاً يُحتذى به.

 

أحبتي.. ما أحوج كل واحدٍ منا إلى (ميلاد جديد)؛ فإن كان على طريق الهُدى؛ فيكون ذلك بتحسين أداء العبادات والقيام بالفُروض على وجهها الأكمل، والاستزادة من النوافل، والإكثار من الأعمال الصالحة، كما يكون بالأخذ بيد العُصاة والمُقصرين من الأهل والجيران والأصدقاء والزملاء، وغيرهم، ليكون في ذلك (ميلاد جديد) لهم. أما معنى الميلاد لمن قصَّر منا في علاقته مع الله سُبحانه وتعالى؛ فهو أن يقطع صلته بأسباب البُعد عن طريق الصواب؛ فيبتعد عن أصدقاء السوء، ويبحث عن الرفقة الصالحة، ويُكثر من الدُعاء لله سُبحانه وتعالى أن يُساعده ويُثبِّته، ليبدأ صفحةً جديدةً تكون بمثابة (ميلاد جديد) له، عسى أن يُنقذ نفسه من النار وبئس المصير، وليعلم أن طاعة الله لها لذةٌ ولها طعمٌ لا يعرفه إلا من جرَّبه، ولا يتلذذ به إلا من عايشه؛ في لحظةٍ تدمع عيناه فيها حُباً لله وشوقاً إليه، في ركعةٍ يقومها في الليل يُناجي ربه، في ذِكرٍ يُرطب به لسانه، في سكينةٍ تغشى حياته، في اطمئنانٍ يملأ قلبه، في إحساسٍ بالراحة والأمان لم يكن يشعر به من قبل.

اللهم اهدنا واهدِ بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى. اللهم اكتب لنا القبول، واجعلنا من عبادك الصالحين، ومن الأتقياء المُصلحين.

 

https://bit.ly/4beLCPH