خاطرة الجمعة /538
الجمعة 13 فبراير 2026م
(يهدي من يشاء)
القصة التالية واحدةٌ من أغرب قصص الهداية واعتناق الإسلام التي اطلعتُ
عليها؛ إنها قصة «روبرت دوڤيلا»، وقعت أحداثها في مدينةٍ صغيرةٍ نصرانيةٍ تماماً
لا يكاد أحدٌ يعرف عن الإسلام شيئاً، تبعد عن «فورت وورث» بنحو أربعين دقيقةً
بولاية «تكساس» الأمريكية، حيث كان يعيش. أُصيب الشاب «روبرت» في مُقتبل شبابه
باضطرابٍ جينيٍ مُفاجئٍ أدى إلى إصابته بشللٍ كاملٍ من الرقبة حتى أسفل جسده، لا
يتحكم في جسده إلا بعينيه ولسانه فقط؛ فأصبح يعيش في دارٍ للمُسنين، مُعظم
المُقيمين فيها تتجاوز أعمارهم التسعين عاماً، بينما هو الشاب الثلاثيني الوحيد
هناك. وَفَّرت له عائلته حاسوباً يعمل بالأوامر الصوتية، مما مكَّنه من تصفح
الإنترنت والبحث عن المعلومات وهو مُستلقٍ على ظهره في غرفته. نشأ «روبرت» في
عائلةٍ مسيحيةٍ مُتدينةٍ، وكان أحد القساوسة يزوره أُسبوعياً في تلك الدار للصلاة
من أجله، وكان في السرير المُجاور له صديقٌ مُقربٌ يُعاني هو الآخر من الشلل
وينتظر زراعة كبد. كانا يتحدثان دائماً عن الخالق، وعندما توفر مُتبرعٌ لصديقه،
ودَّعه «روبرت» بحُزنٍ وفرحٍ، لكن الصديق تُوفيَّ أثناء إجراء العملية، وبعد وفاته
أهدت شقيقته «روبرت» صليباً كان يخص أخاها كذكرى، فعلَّقه «روبرت» على جانب سريره.
ذات ليلةٍ، رأى «روبرت» رجلاً في منامه يقول إن اسمه «مُحمد»، أشار إلى ذلك الصليب
قائلاً: "الله لم يُرسل الرُسل ليعبدهم الناس، بل ليعبدوا الله وحده، و«عيسى»
كان بشراً نبياً؛ يأكل الطعام ويشرب ويمشي في الأسواق كسائر البشر، ليس إلهاً، بل
هو رسولٌ من عند الله". انتهى الحُلم عند هذا الحد. لم يكن «روبرت» يعرف
وقتها شيئاً عن «مُحمد»؛ فبدأ يبحث في مُحرك البحث «جوجل» عن اسم «مُحمد»، وكانت
هذه هي بداية اكتشافه للإسلام.
أخذ يقرأ عن الإسلام، وشاهد مُناظراتٍ حوله، وتابع دُروساً لدُعاةٍ
أمريكيين كانت كافيةً باقتناعه، واعتناقه الإسلام؛ فنطق الشهادتين بينه وبين نفسه،
وبينه وبين الله وحده، نطقها وحيداً لم يُلقِّنها له أحد! فسُبحان الله (يهدي من
يشاء).
أراد «روبرت» بعد ذلك أن يتعلم القُرآن الكريم؛ فدخل غرفاً كثيرةً للدردشة
على شبكة الإنترنت حتى وجد أخاً في «مصر» بدأ يُعلِّمه الحروف العربية عبر برنامج
«سكايب». تعلَّم «روبرت» الحروف حتى أتقن التلاوة، وحَفِظَ سورة الفاتحة وعشر سورٍ
قصيرةٍ، وهو في سريره! وأصبح يُرَّتل القُرآن الكريم بصوته الواضح رغم الشلل. ذات
يومٍ، بينما كان يتلو سورة العصر بصوتٍ مُرتفعٍ: ﴿وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنسَانَ
لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا
بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، سمع صوته عامل صيانةٍ مصريٍ يعمل في الدار،
كان قد ابتعد عن الإسلام وشعر بفراغٍ روحيٍ، فكان يذهب أحياناً للكنيسة فقط ليشعر
بالقُرب من الله، فصُعق عند سماعه القُرآن في مكانٍ لا يُتوقع ذلك فيه أبداً؛
اقترب من «روبرت» وسأله: "إلى ماذا تستمع؟"، أجاب «روبرت»: "لا
أستمع.. أنا من يقرأ"، سأله العامل المصري: "هل أنت مُسلم؟"، قال
«روبرت»: "نعم، أسلمتُ"، وحكى له قصته كاملةً: الرؤيا، البحث، اعتناق
الإسلام، والتزامه بالقُرآن والصلاة رغم العجز. ببساطةٍ مُذهلةٍ، أسلَّم «روبرت»
وحده داخل الدار، نطق الشهادتين دون أن يلتقي مُسلماً واحداً في الواقع، ودُون أن
يترك سريره!
تأثر المصري بشدةٍ، بعد أن شاهد هذه المُعجزة، ورأى كيف يهدي الله شخصاً في
وسط دارٍ للمُسنين في بلدةٍ نائيةٍ، مُعلقٌ بجانبه صليبٌ، ولا يملك القُدرة على
تحريك أطرافه! كانت هذه الحادثة سبباً في عودة العامل المصري إلى طريق الله، عاد
إلى دينه، وأصبح صديقاً مُقرباً ل«روبرت»، كان يجلس معه، ويُعلمه؛ فسُبحان الله
(يهدي من يشاء)؛ هدى «روبرت» إلى الإسلام، وهدى العامل المُسلم ورده إلى دينه رداً
جميلاً.
بدأ «روبرت» يبحث عن دروسٍ لفهم معاني القُرآن؛ فشاهد الكثير من الدُروس
لدُعاةٍ أمريكيين، وانتهى به المطاف لمُشاهدة فيديوهات الشيخ «نُعمان علي خان» وهو
داعيةٌ أمريكيٌ من أصلٍ باكستانيٍ، مُؤسس معهد «بَيِّنَة» لتعليم القُرآن الكريم
واللغة العربية، يُتابعه الملايين حول العالم. تابع دُروس الشيخ «نُعمان» حتى
شاهدها جميعاً تقريباً، وأخبر صديقه العامل المصري عن رغبته في لقاء الشيخ
«نُعمان»؛ فظلا يدعوان الله لخمس سنواتٍ؛ حتى تحقق اللقاء بالفعل عندما علِم هذا
العامل أن الشيخ «نُعمان» سوف يأتي إلى المدينة ليُلقي خطبة الجمعة في مسجد
المدينة، فتوجه العامل لصلاة الجمعة بذلك المسجد.
عن هذا اللقاء تحدث الشيخ «نُعمان» في واحدةٍ من أشهر مُحاضراته وكانت
بعنوان “مِن أعجب قصص الإسلام - كيف أسلم روبرت دوڤيلا؟” نشرها على «يوتيوب» في
2017م، وروى فيها التفاصيل الكاملة لقصة إسلام «روبرت» مُستنداً إلى مُقابلاتٍ
وشهاداتٍ مُباشرةٍ، مما جعلها تُشاهَد ملايين المرات وتنتشر عالمياً، وكان مما
قاله الشيخ «نُعمان» في تلك المُحاضرة: دُعيتُ لإلقاء خطبة الجمعة بأحد المساجد
بمدينة «فورت وورث»، ولم أكن قد زرتها منذ خمس سنواتٍ، بعد الخطبة اقترب مني شابٌ
مصريٌ وقال لي وهو في غاية التأثر: “لقد استجاب الله اليوم دُعائي ودُعاء صديقي”،
سألته: "ماذا كان دُعاؤكما؟"، قال: "كان دُعائي ودُعاء صديقي
«روبرت دوڤيلا» أن نلتقي بك" وأخبرني بقصة صديقه؛ فقررتُ على الفور أن أذهب
من فوري معه، ورافقنا بعض الإخوة لزيارة «روبرت» في الدار. كان الموظفون هناك في
حالة ذهولٍ من كثرة الزُوار الذين جاءوا من أجل «روبرت»! وعندما التقينا به، كان
اللقاء مؤثراً جداً، وطلبتُ منه أن يتلو شيئاً من القُرآن؛ فقرأ سورة العصر، ولم
يبقَ أحدٌ منا إلا وانهمرت دموعه. كان «روبرت» يحتاج إلى كُرسيٍ مُتحركٍ خاصٍ يدعم
كل جزءٍ من جسده ويحتاج إلى سيارةٍ مُجهزةٍ لنقله إلى خارج الدار في حالة الضرورة،
وفي إحدى المرات، أصرَّ على الذهاب لصلاة الجمعة، ولعدم توفر السيارة المُجهزة،
نقلوه إلى المسجد في سيارةٍ عاديةٍ، وبسبب اهتزازات الطريق، أُصيب عموده الفقري
بآلامٍ مُبرحةٍ أجبرته على البقاء في السرير لستة أشهرٍ كاملةٍ. عندما التقيته،
كان قد أمضى ثلاثة أشهرٍ منها بالفعل، ومع ذلك قال لي: "لم أشعر بسلامٍ
داخليٍ في حياتي مثلما شعرتُ به وأنا في المسجد، وسأعود للصلاة هناك فور استطاعتي
الجلوس مُجدداً". هذا الشاب الذي لا يملك القُدرة إلا على تحريك عينيه
ولسانه، يقول إنه يجد راحته في بيت الله، ويقول: "لقد أعطاني الله الكثير،
وإن كان هذا الشلل هو الطريق الذي قادني إلى الإسلام، فهو ثمنٌ زهيدٌ ويستحق كل
هذا العناء". وبينما نرى أُناساً يفقدون إيمانهم لأدنى وعكةٍ صحيةٍ، نجد
«روبرت دوڤيلا» في قمة الرضا والسعادة. لم أرَ في حياتي وجهاً يفيض نوراً
وطُمأنينةً مثل وجهه. لقد تعلمتُ منه الكثير، وأعتبره أُستاذاً لي في الصبر
والإخلاص. إن الهداية من الله، وعندما يرى الله صدقاً في قلبك، سيهديك حتى وأنت
نائم. علينا أن نكون صادقين مع الله، فيفتح لنا الأبواب، ويُهيئ لنا الأسباب
والرفقة الصالحة؛ فسبحان الله (يهدي من يشاء).
أحبتي في الله.. لا شك في أن الهداية من الله؛ فهو القائل في كتابه الكريم:
﴿لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ
مُّسْتَقِيمٍ﴾، ويقول تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ
يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ
يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم
مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾، ويقول أيضاً: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ
تَقْوَاهُمْ﴾، وعن هذه الآية يقول المُفسرون: الذين اهتدوا لاتِّباع الحق زادهم
الله هدىً؛ فقَوَّى بذلك هُداهم، ووفقهم للتقوى، ويسَّرها لهم؛ بمعنى أن الذين
قصدوا الهداية وفقهم الله لها فهداهم إليها، وثبَّتهم عليها وزادهم منها بأن
ألهمهم رُشدهم.
أحبتي.. تُوفيَّ «روبرت دوڤيلا» في يوليو 2022م -نسأل الله أن يغفر له
ويرحمه- لكن قصة إسلامه بقيت حيةً تُثبت أن الله (يهدي من يشاء)، حتى لو كان في
أقصى العُزلة والعجز، وأن الإسلام يصل إلى القُلوب بأبسط الطُرق؛ فسُبحان من يجعل
الضعيف سبباً في هداية الآخرين، ويجعل المُقعَد مُلهِماً للأصحاء، حتى أننا -نحن
الذين أنعم الله علينا بالإسلام، ومَنَّ علينا بكمال الصحة وتمام العافية- نشعر
بالخجل والتقصير عندما نقرأ مثل قصة «روبرت دوڤيلا»، ولا نملك إلا أن نقول:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا
أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، وندعو الله سُبحانه وتعالى بالثبات؛ فنقول: ﴿رَبَّنَا لَا
تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ
إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾، وعندما ننطق في كل صلاةٍ بالآية الكريمة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ
الْمُسْتَقِيمَ﴾، فنحن نطلب من المولى عزَّ وجلَّ أن يُثبتنا على دِينه، وعلى
صراته المُستقيم، وأن يزيد إيماننا. اللهم حَبِّب إلينا الإيمان، وزَيِّنَهُ في
قُلوبنا، وكَرِّهَ إلينا الكُفر والفسوق والعصيان، واجعلنا اللهم من عبادك
الرَّاشِدُينَ.