خاطرة الجمعة /532
الجمعة 2 يناير 2026م
(دُعاء المُضطر)
في ممر إحدى المُستشفيات الحكومية المُزدحمة، جلس الرجل مُطأطأ الرأس، يفرك
يديه بتوترٍ شديدٍ، بجانبه حقيبةٌ بلاستيكيةٌ فيها أوراقٌ طبيةٌ وأشعةٌ، وابنه
الصغير يجلس إلى جواره بصمتٍ، يُراقب ملامح وجه والده المُنكسرة. كانت زوجة الرجل
في الداخل تحتاج إلى دُعامةٍ قلبيةٍ عاجلةٍ، وتكلفة المُستلزمات التي لا يُغطيها
التأمين تتجاوز قُدرة الرجل المادية بكثيرٍ؛ فقام وأجرى مُكالمةً هاتفيةً بعيداً
عن ابنه، لكن صوته كان مسموعاً بوضوحٍ وسط هدوء الممر: "يا أخي واللهِ لولا
الضرورة ما طلبتك.. المبلغ كبيرٌ وأنا سأكتب لك وصل أمانةٍ.. زوجتي تموت.. فهمتُ..
فهمتُ.. جزاك الله خيراً، عذرك معك". أغلق الهاتف والدموع محبوسةٌ في عينيه.
كانت هذه المكالمة هي الخامسة، والرد واحدٌ: "الظُروف صعبةٌ". عاد الرجل
وجلس بجوار ابنه، ووضع رأسه بين كفيه وتمتم بكلماتٍ خرجت من قاع قلبه بصدقٍ، لقد
كانت (دُعاء المُضطر)؛ قال: "يا رب.. أُغلِقَت كل الأبواب، وما عاد لي وجهٌ
أطلب من أحدٍ.. دبِّرها من عندك يا رب.. أنا عاجزٌ وأنت القدير".
كان ابنه يسمع ويرى، لم يفهم تفاصيل المال المطلوب، لكنه فهم أن والده طلب
من الناس مالاً فخذلوه، ثم طلب من الله وهو يبكي. قام الابن بهدوءٍ، وقال لأبيه:
"أبي، سأذهب لأشرب الماء"، أومأ الأب برأسه بالموافقة دون أن ينظر إليه،
ذهب الابن إلى آخر الممر حيث توجد ماكينة القهوة والمشروبات، ووقف هناك حائراً، لم
يكن يُريد الماء، أخرج من جيبه مبلغاً بسيطاً عبارة عن عملاتٍ ورقيةٍ قليلة القيمة
وبعض العملات المعدنية، كان يجمعها منذ شهور. وقف في زاوية الممر، ورفع يده
الصغيرة بالنقود نحو سقف المُستشفى، وقال ببراءة طفلٍ ويقين رجلٍ: "يا رب..
اتصل أبي بأصحابه يطلب مالاً لعلاج أُمي ولم يُعطه أحد.. أنا معي هذه النقود،
خُذها كلها واشفِ أُمي، ولا تكسر خاطر أبي.. إنه يُحبك ويُصلي لك دائماً".
كان يقف بالقُرب من الماكينة رجلٌ خمسينيٌ، يرتدي بدلةً بسيطةً، بيده كوب
قهوةٍ، ينتظر خروج نتائج تحاليل زوجته من الغُرفة المُجاورة، لفت انتباهه منظر
الطفل وهو يرفع المال إلى السقف ويُتمتم؛ فاقترب منه ببطءٍ وانحنى لمُستواه وسأله
بهدوءٍ: "ماذا تفعل يا حبيبي؟"، خاف الطفل قليلاً ثم قال: "أنا
أتفق مع الله.. أبي ليس معه مالٌ لعلاج أُمي، وأنا معي.. أُريد أن أُعطي ما معي من
مالٍ لله ليُساعدنا"، تسمَّر الرجل في مكانه، هزته كلمات الطفل، لم تكن مُجرد
كلماتٍ، كانت رسالةً مُوجهةً إلى قلبه مُباشرةً. سأل الرجل الطفل: "وأين والدك؟"،
أشار الطفل بيده: "هذا هو، هناك.. هو الذي يضع يديه على وجهه". طلب
الرجل من الطفل أن ينتظره دقيقةً، وذهب تجاه مكتب الحسابات وسأل الموظف بصوتٍ
خافتٍ عن حالة المريضة التي يجلس زوجها هناك. عرف قيمة المبلغ المطلوب، وعرف أن
العملية مُتوقفةٌ على الدفع الفوري؛ فأخرج بطاقته البنكية دون ترددٍ، وسدَّد
المبلغ كاملاً، وطلب من الموظف طلباً واحداً صارماً:
"لا تذكر اسمي أبداً.. قُل له فاعل خيرٍ وانتهى الأمر، وهذه الفاتورة
أعطها له ليصرف الدواء"، ثم عاد إلى الطفل الذي كان لا يزال واقفاً ينتظر
استلام الله للمال! جثا الرجل على ركبتيه أمام الطفل، والدموع تلمع في عينيه، وقال
له مُبتسماً: "يا بُني.. الله قد قبل عرضك، وقبل دعوتك فوراً وسخَّرني لك..
اِحتفظ بمالك لتشتري هديةً لأُمك عندما تخرج بالسلامة.. اتفقنا؟"، عاد الابن
يركض لأبيه، لا تسعه الفرحة: "أبي.. أبي.. الله وافق! الله دفع المال!"،
لم يفهم الأب شيئاً حتى نادى عليه موظف الحسابات وسلَّمه إيصال السداد وتصريح دخول
غُرفة العمليات، ذُهل الأب وسأل: "مَن دفع؟ متى؟ وكيف؟"، قال الموظف:
"فاعل خيرٍ.. ادعُ له"، التفت الأب حوله يبحث عن هذا الشخص، فلم يجد إلا
وجوه الغُرباء، نظر لابنه، وتذكر دُعاءه الصادق (دُعاء المُضطر)؛ فاحتضن ابنه
وبكى، ليس بُكاء الحُزن، بل بُكاء من استشعر معية الله؛ إذ أدرك حينها أن اتصالاً
واحداً برب السماء بقلبٍ صادقٍ أسرع وأوثق من ألف اتصالٍ بعباده في الأرض.
أحبتي في الله.. لنتأمل القصة؛ الله سُبحانه وتعالى لا يُنزِّل مالاً من
السماء، وإنما يُسخِّر عباده لعباده. الرجل الذي دفع المال كان موجوداً في نفس
المكان والزمان لسببٍ، وكان السبب هو (دُعاء المُضطر) الذي دعاه الأب، كما كان
السبب في دُعاء الطفل ببراءةٍ وإخلاصٍ ويقينٍ، واليقين لا يحتاج لغةً فُصحى؛ فدعوة
الطفل كانت بكلماتٍ بسيطةٍ، لكنها خرجت من قلبٍ موقنٍ بأن الله موجودٌ يسمع ويرى.
وهذه قصةٌ أُخرى قال راويها: سألني صديقي الصدوق يوماً: "ماذا تفعل إن
فقدتَ قواك؛ فلا تستطيع القيام من مكانك، ولا تقدر على الحركة، وأردتَ أن تعود إلى
بيتك، وبينك وبينه مسافة 700 كيلومتر؟"، قُلتُ على الفور: "ُأفوض أمري
إلى الله، إن الله على كل شيءٍ قدير"، قال: "أحسنتَ، هذا هو ما فعلتُه
بالفعل"، قلتُ له: "فصِّل لي القول"، قال: كنتُ منذ قُرابة ثلاثة
عقودٍ تقريباً في رحلةٍ ضمن مُعسكرات الشباب الصيفية التي تُنظمها وزارة الشباب
لطلاب الجامعة بمدينة «العريش»، وفور وصولي أُصبتُ بنزلةٍ معويةٍ، وإسهالٍ
مُستمرٍ، فقدتُ على إثره قواي، وأصبحتُ غير قادرٍ على الحركة، ولما ساءت حالتي
وخشيتُ على نفسي، طلبتُ من المسؤولين إرجاعي إلى بلدي، فقال لي مدير المعسكر
مُستغرباً: "كيف ذلك وحالتك كما ترى، وبينك وبين بيتك 700 كيلومتر، تركب
خلالها العديد من وسائل المواصلات؟ ومن ذا الذي يذهب معك؟". عندها رفعتُ وجهي
إلى السماء، ودعوتُ (دُعاء المُضطر) فقلتُ: "ربِ إنك قلتَ وقولك الحق:
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ فأدعوك يا إلهي
أن تُشفيني، وأن أرجع لبيتي سالماً". ما هي إلا دقائق إلا ويأتي من يقول لي:
"يا أُستاذ، جهِّز نفسك، يوجد فوجٌ عائدٌ إلى «القاهرة» بعد الظُهر"،
فقلتُ في نفسي: "الحمد لله، دبَّر لي السفر نصف المسافة على الأقل دون
تعبٍ". ركبتُ مع طلاب جامعة «القاهرة»، وكان من تسهيل ربي أنَّ من بينهم
طلاباً من فرع الجامعة في «بني سويف» وستقوم حافلةٌ أُخرى بإيصالهم إلى مدينتهم،
فطلبتُ من السائق أن أنزل في «بني سويف» بدلاً من «القاهرة»، وقلتُ في نفسي:
"الحمد لله.. لقد أصبح الأمر سهلاً؛ باقي 250 كيلومتر"، وكان السائق
خلوقاً؛ فرحَّب بالأمر. وفي لحظة نزولي من الحافلة في مدينة «بني سويف»، إذا
بالسائق يقول للطلاب: "لقد طلبت مني الشركة الذهاب إلى مدينة «الأقصر»"،
فضحكتُ باكياً من فَرَجِ الله وقلتُ للسائق: "أُريد أن أنزل في الطريق"،
فرَّحب الرجل مشكوراً، ونزلت من الحافلة بيني وبين بيتي خطواتٌ ودقائق معدودةٌ،
وأردتُ أن أُعطي السائق بعض الجُنيهات فقال لي: "لقد سخَّرني الله لك لأصل بك
إلى هذا المكان، وما كان من المُخطط أصلاً أن يكون هذا خط سيري، وتُريدني أن آخذ
منك مالاً؟". وما إن وصلتُ إلى البيت، ورأيتُ أُمي -رحمها الله- تحسنت حالتي
النفسية، وبدأتُ في التحسن والتعافي؛ فسبحان من ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا
دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾.
يقول المفسرون أن قوله تعالى: ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ
وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ يعني أنه يُجيب المكروب الذي مسَّه الضُر إذا دعاه، ويكشف
السوء عنه وعن غيره؛ فمن يُجيب المُضطر الذي أقلقته الكُروب وتعسَّر عليه المطلوب
واضُطر للخلاص غير الله وحده؟ ومن يكشف البلاء والشر والنقمة إلا الله وحده؟
يرفع الإنسانُ الذي نزلت به شدةٌ من الشدائد أكف الضراعة إلى الله -تبارك
وتعالى- ويدعوه (دُعاء المُضطر) لكي يكشف الضُر عنه؛ فالله وحده هو الذي يُجيب
دعوة الداعي المكروب الذي نزلت به المصائب والرزايا والسوء والبلاء. إنه الله وحده
الذي يُجيب دعاء من التجأ إليه، وهو وحده -سُبحانه- الذي يكشف السوء عن عباده، على
حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته.
ويقول سُبحانه: ﴿إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أي: إذا
أصابكم بلاءٌ أو مرضٌ أو فقرٌ فإليه وحده ترفعون أصواتكم بالاستغاثة وتتَضَرَّعون
بالدُعاء؛ ليكشف عنكم ما أصابكم، ولا تدعون غيره.
ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن
تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ أي: إذا مسَّهم الضُر في البحر فخافوا من الهلاك
لتراكم الأمواج ضلَّ عنهم ما كانوا يدعون من دون الله في حال الرخاء من الأحياء
والأموات، وكأنهم لم يكونوا يدعونهم في وقتٍ من الأوقات لعلمهم أنهم ضُعفاء عاجزون
عن كشف الضُر عنهم؛ فصرخوا بدعوة فاطر الأرض والسماوات الذي تستغيث به في شدائدها
جميع المخلوقات، وأخلصوا له الدُعاء والتضرع في هذه الحال.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في (دُعاء المُضطر): [اللَّهُمَّ رحمتَك
أرجو فلا تَكِلْني إلى نفسي طَرْفةَ عَينٍ، وأصلِحْ لي شأني كُلَّه، لا إلهَ إلَّا
أنت].
وقال الشاعر:
وَإني لأدْعو اللهَ وَالأمْرُ ضَيّقٌ
عَلَيَّ فَما يَنْفَكُ أَنْ يَتَفَرَّجا
وَرُبَّ فَتَىً ضاقَتْ عَلَيهِ وُجوهُهُ
أَصابَ لَهُ في دَعْوَةِ اللهِ مَخْرَجًا
أحبتي.. أحياناً يُغلق الله في وجوهنا أبواب البَشَر، ليردنا إليه، ليسمع
أصواتنا ودعاءنا، وليكون الفرج منه وحده، فلا تكون لغيره علينا مِنّةٌ، وكما قال
أحد الصالحين: "لو علم العبد كيف يُدبر الله له أموره، لعلم يقيناً أن الله
أرحم به من أُمه وأبيه، ولذاب قلبه محبةً لله".
أحبتي.. الدُعاء كنزٌ عظيمٌ ينبغي علينا ألا نُفرِّط فيه في جميع أحوالنا،
ويزداد احتياجنا له في أوقات الشدة؛ فيكون دعاؤنا (دُعاء المُضطر) هو حبل النجاة
الذي علينا أن نتمسك به؛ فندعو الله سُبحانه وتعالى وحده، بغير وساطةٍ من أحدٍ،
حياً كان أو ميتاً، مهما كانت صفته، فهو أولاً وأخيراً بشرٌ من خلق الله، والطلب
منه فيه شُبهة الشِرك بالله عزَّ وجلَّ.
اللهم نسألك أن تُلهمنا الرُشد في أقوالنا وأفعالنا، وأن تستجيب لنا
ولدعواتنا؛ وأنت سُبحانك القائل في كتابك الكريم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي
أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.