خاطرة الجمعة /531
الجمعة 26 ديسمبر 2025م
(من أعمال الخير)
عم «أحمد» تاجر السعادة والكرامة، يُحكى عنه أنه صاحب مخبزٍ صغيرٍ في حيٍ
شعبيٍ عريقٍ، قضى فيه ثلاثين عاماً حتى صار خبيراً، ليس فقط في جودة الرغيف، بل
وفي قراءة وجوه البشر. يقول عم «أحمد»: "أنا لا أبيع الخبز فحسب، بل أقرأ
الحكاية في العيون".
كان يُلاحظ رجلاً مُسِّناً، يبدو عليه الوقار -رغم ثيابه القديمة
المُهندمة- يأتي يومياً في تمام الثانية ظُهراً، يقف بعيداً عن الزحام، يرمق
الخُبز بنظراتٍ حزينةٍ، ويتحسس جيبه كأنه يعد قُروشاً قليلةً، ثم ينصرف بصمتٍ دون
أن يشتري شيئاً، كان وجهه يحكي صراعاً مريراً بين عزة النفس وقرصات الجوع. في يومٍ
ما، قرَّر عم «أحمد» أن يضع خُطةً لحفظ كرامة هذا الرجل؛ وحين حضر الرجل ووقف
وقفته المعتادة، ناداه عم «أحمد» بصوتٍ جهوريٍ مُبهجٍ:
"مُبارك يا سيدي! أنت الزبون رقم مائة لهذا اليوم!" ارتبك الرجل
ونظر خلفه مُتسائلاً: "أنا؟!"، فأجابه عم «أحمد» بسرعةٍ: "نعم،
وقواعد المخبز تمنح الزبون رقم مائة ربطتين من الخُبز وكيساً من الفطائر
المُحَّلاة مجاناً، سواءً اشترى أم لم يشترِ، تفضل يا حاج ولا تقف في
الطابور!". تسلَّم الرجل ربطتي الخُبز وكيس الفطائر ببدنٍ يرتجف، ويدٍ ترتعش،
وابتسامةٍ امتزجت بدموعٍ خفيةٍ في عينيه.
منذ ذلك الحين، اعتمد عم «أحمد» فكرة المُسابقات الوهمية كمنهجٍ؛ تارةً
بمناسبة ذكرى افتتاح المخبز، وتارةً بدعوى أن العجين قد زاد عن حاجته؛ فبدأ يجذب
الأرامل، والعُمال باليومية، والطلاب المُغتربين.
ذات يومٍ، شاهدته أستاذةٌ جامعيةٌ وهو يمنح إحدى هذه الهدايا الوهمية
لطالبٍ مُحتاجٍ، ففهمت قصده، ووضعت مبلغاً من المال على الطاولة قائلةً بابتسامةٍ:
"يا عم «أحمد»، أُريد المُشاركة في مُسابقة الزبون رقم مائة، اجعل هذا المال
عندك لكل من يحتاج ولا يملك ثمن خُبزه". ومن هنا وُلدت فكرة الرغيف
المُعلَّق. وضع عم «أحمد» سُبورةً صغيرةً كتب عليها: "يوجد اليوم خمسون
رغيفاً مدفوع الثمن لمن يحتاجها، اطلب أمانتك ولا تخجل". انتشرت العدوى
الجميلة؛ صار الزبائن يتركون مبالغ إضافيةً للسُبورة، حتى الأطفال والعُمال صاروا
يُساهمون بما يفيض عن حاجتهم. تحوَّل المخبز من مكانٍ لبيع الدقيق والماء إلى
مصرفٍ للكرامة. أما ذلك الرجل المُسن -الذي اتضح لاحقاً أنه كان مُوجهاً للغة
العربية- فقد صار يأتي ليأخذ نصيبه من السُبورة وهو مرفوع الرأس، مُدركاً أنها
ليست صدقةً من شخصٍ، بل هديةٌ من مُجتمعٍ مُتكافلٍ يشعر به، وقبل وفاته بشهرٍ،
أهدى إلى عم «أحمد» كتاباً نادراً جداً، وكتب عليه بخط يده المُرتعشة: "إلى
عم «أحمد».. الذي يخبز الحُب قبل الخُبز، شكراً لأنك لم تتركني أنام جائعاً،
والأهم.. أنك لم تتركني أنام مكسوراً". رحل الرجل، وكبر عم «أحمد»، وسلَّم المخبز
لأبنائه مع وصيةٍ لا تقبل الجدل: "باب هذا المخبز لا يُغلق في وجه جائعٍ،
والسُبورة أهم من خزينة المال".
أحبتي في الله.. كثيرةٌ هي قصص الخير؛ فيما يلي بعضٌ منها؛ نشرها أصحابها
على مواقع التواصل الاجتماعي، وجميعها (من أعمال الخير) أعرضها عليكم كما هي، بعد
إعادة صياغتها بلغةٍ عربيةٍ فُصحى بدلاً من العامية المصرية:
القصة الأولى- "إرث أبي من الخير":
عاش والدي حياته ساعياً في قضاء حوائج الناس؛ لم يكن يتأخر عن قريبٍ أو
غريبٍ، بل كان يتبنى مُشكلات الآخرين وكأنها تخص عائلته. هذا الغرس الطيب جنينا
ثماره أنا وإخوتي لاحقاً. كان يُبادر بكل شيءٍ؛ من مُساعدة عابر طريقٍ، إلى إيصال
المُحتاج بسيارته، وصولاً إلى الإصلاح بين المُتخاصمين. كان بيتنا مفتوحاً دائماً
بالترحاب، لا يدخله أحدٌ إلا وينال نصيبه من الغداء أو العشاء. وإذا سُئل أبي
المعونة، كان يُعطي بسخاءٍ حتى يكفي السائل، وكان مُحباً للإطعام وناصحاً بالخير.
رحل وترك خلفه سيرةً عطرةً (من أعمال الخير) ومحبةً في قلوب الجميع، فاللهم أكرِم
نُزله كما أكرمنا.
القصة الثانية- "مأوى المُهجَّرين":
خلال حرب يونيو 1967م، قرَّر والدي تحويل ڤيلتنا في مدينة «طنطا» إلى سكنٍ
للمُهجَّرين من أهل «بورسعيد» الباسلة؛ جهَّز الطابق السُفلي بعشر غُرفٍ لاستقبال الرجال
والشباب، بينما تقاسمت النساء والأطفال الغُرف معنا في الطوابق العُلوية. كُنا
نُقدم لهم الوجبات اليومية كأنهم أفرادٌ من أُسرتنا تماماً. استمر هذا الوضع
شهراً، حتى استطاع والدي توفير مساكن مُستأجرةٍ لكل أسرةٍ، وأوجد فرص عملٍ للشباب
والرجال، وظل يمدهم بالمُؤن حتى استقلوا مادياً. واليوم، نرى أثر ذلك في حياتنا؛
حيث يجعل الله لنا من كل ضيقٍ مخرجاً.
القصة الثالثة- "أُمي وصناعة المعروف":
كانت أُمي -رحمها الله- تحرص في قريتنا على توزيع الحليب يومياً على
العائلات المُحتاجة، وتُضيف إليه أحياناً الأُرز والسُكر، رغم ضيق حالنا. كانت
أُمي تجبر الخواطر بصمتٍ؛ تهدي الحمام الذي تقوم بتربيته للعرائس، وتُرسلني بالبيض
والفاكهة لعروسٍ يتيمةٍ سراً حتى لا تشعر بالحرج أمام أهل زوجها. ماتت أُمي منذ
سنواتٍ، لكن سيرتها الطيبة (من أعمال الخير) لا تزال تفتح لنا الأبواب.
القصة الرابعة- "بَركة الصدقة":
في أحد أيام رمضان، لم يكن معي سوى ثلاثين جُنيهاً. طرقت بابي سيدةٌ
مُحتاجةٌ، فترددتُ لحظةً ثم توكلتُ على الله وأعطيتها عشرين جنيهاً، وقررتُ أن
أكتفي بوجبةٍ بسيطةٍ لأطفالي. لم تمر ساعاتٌ حتى هاتفتني صديقةٌ مُقربةٌ، وأحضرت
لي ثلاث وجباتٍ فاخرةٍ، ولم تكتفِ بذلك، بل وأعطتني مائتي جنيه كهديةٍ لابنتي.
وقفتُ عاجزةً عن الكلام من شدة التأثر بفضل الله، ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أخشى
الإنفاق أبداً مهما كان ما أملكه ضئيلاً.
القصة الخامسة- "درس الترام":
حين كنتُ طالبةً جامعيةً، أعطيتُ زميلةً لي كل ما أملك من مالٍ ظناً مني أن
معي مالٌ غيره في حقيبتي. وحين ركبتُ الترام اكتشفتُ خُلو محفظتي، فغلبني الخجل
أمام المُحصل، فإذا بسيدةٍ بسيطةٍ تمد يدها وتدفع لي الأجرة. سألتها: "كيف
أرد لكِ المبلغ؟" فقالت: "لا يهم". كان درساً بليغاً في حياتي؛
ومنذ ذلك الحين، أُعاهد نفسي على مُساعدة أي شخصٍ أراه في مأزقٍ، وفاءً لتلك
السيدة الطيبة.
القصة السادسة- "زوجي معطاء":
تعلمتُ من زوجي دروساً عظيمةً (من أعمال الخير)؛ كان يصطحبنا إلى الصيدليات
أو المتاجر ليُسدد ديون أشخاصٍ لا نعرفهم، ويقول: "هذه أجمل صدقةٍ؛ أن تُفاجئ
مكروباً بانقضاء دينه دون أن يعرفك". كما أنه لا يتوانى عن مُساعدة أهله حتى
في أوقات ضيقه الشخصي. لذا، يملؤني اليقين بأن الله سيجبر خاطره ويُسعد قلبه
دائماً، لأنه لم يخذل أحداً قط.
القصة السابعة- "الصدقة الخفية":
كانت والدتي -رحمها الله- رائدةً في أعمال الخير والإطعام. وبعد رحيلها،
اكتشفنا الكثير من أفعالها الخفية؛ فقد كانت تتكفل بعلاج مرضى، وتُساعد في تجهيز
الفتيات اليتيمات للزواج. إن الشعور بالفخر الذي يغمرنا عند سماع هذه القصص
يُهوِّن علينا فقدها، ونحن نلمس بركة صنيعها في كل تفاصيل حياتنا الآن.
القصة الثامنة- "القطة والشفاء":
مرَّت ابنتي بوعكةٍ صحيةٍ شديدةٍ عجز الأطباء عن تشخيصها لخمسة أيام.
وبينما كنتُ أُغادر إحدى العيادات بقلبٍ مكسورٍ، شاهدتُ قطةً ينهشها الجوع، فتركتُ
ابنتي لحظةً لأُطعم القطة، حينها انتقدني البعض لترك ابنتي المريضة، فقلتُ:
"لعلها هي المُنجية"، لم تمر لحظةٌ إلا وتلقيتُ اتصالاً هاتفياً من
صديقةٍ تُرشدني إلى طبيبٍ جَرّاحٍ، وحين ذهبتُ إليه ورأى ابنتي قرَّر إجراء جراحةٍ
عاجلةٍ أنقذت حياتها. سألني الطبيب: "ماذا فعلتِ من خيرٍ ليُكتب لابنتك عمرٌ
جديد؟" فقلتُ: "أطعمتُ قطة!".
القصة التاسعة- "الصدقة والديون":
تراكمت عليّ الديون وشعرتُ بالعجز، فتوقفتُ عن إخراج الصدقات ظناً مني أنني
أولى بالمال. لكن الضيق زاد والخناق اشتد، حتى أدركتُ أنني أخطأتُ الطريق. عدتُ
للإنفاق في سبيل الله بنية الفرج. وبشكلٍ لا يُصدق، بدأت الأمور تتيسر، وانقضت
الديون تباعاً، وحلت السكينة في قلبي. لقد تعلمتُ أن من يبخل، فإنما يبخل على
نفسه.
القصة العاشرة- "الإحسان الفوري":
كنتُ أُناقش ابنتي في المتجر حول عدل الله وكيف يجزي العبد على نيته.
وبينما نحن في طابورٍ طويلٍ، رأيتُ مُسِّناً وزوجته يبدو عليهما التعب والإرهاق،
فآثرتهما بمكاني وتراجعتُ للخلف. في تلك اللحظة، فُتح صندوق مُحاسبةٍ جديدٍ بشكلٍ
مُفاجئٍ، وقام الموظف بسحب عربتي أنا وتوجيهي للمُحاسبة قبل الجميع! نظرت إليّ
ابنتي بدهشةٍ، فقلتُ لها: "هذا هو التطبيق العملي لما كنا نتحدث عنه؛ عامِل
الناس بالرحمة، وسيُقابل الله إحسانك بإحسانٍ فوري".
إن هذه القصص (من أعمال الخير)، وغيرها كثيرٌ، تكشف لنا أن فعل الخير ليس
مُجرد سلوكٍ إنسانيٍ عابرٍ، بل هو جوهر العبادة وسبيلٌ لنيل رضا الله وتوفيقه. لقد
جسَّدت هذه المواقف معاني التكافل، والإيثار، واليقين، وإخفاء الصدقة.
والصدقة (من أعمال الخير) التي تُضاعِف الرزق وتفك الكرب، ولا تُنقص المال
بل تزيده بركةً، وتفتح أبواب الرزق المُغلقة؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ
مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. وقال النبي ﷺ: [ما
نَقَصَتْ صَدَقةٌ مِن مالٍ].
والصدقة الخفية، صدقة السر، هي من الصدقات التي تُطفئ غضب الرب وتُظلل
صاحبها يوم القيامة؛ فقد ذكر النبي ﷺ من السبعة الذين يُظلهم الله في ظِله يوم لا
ظِل إلا ظِله: [ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حتَّى لا تَعْلَمَ
شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ].
أما الإيثار وتقديم حاجة الغير فهو أعلى مراتب الجود، حيث يُقدِّم الإنسان
غيره على نفسه رغم حاجته؛ يقول تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ
كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
وجبر الخواطر وإكرام عزيز النفس من حُسن إسلام الشخص؛ فقد حثنا ديننا
الحنيف على مراعاة مشاعر الفقير، وحرَّم جرح كرامته، وأمَر بالكلمة الطيبة التي
تسبق العطاء؛ يقول تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ
يَتْبَعُهَا أَذًى﴾. وكان النبي ﷺ يستعيذ بالله من [قهر الرجال].
وصنائع المعروف تقي مصارع السوء؛ فالخير الذي تفعله اليوم، قد يكون هو
الحصن الذي يحميك غداً من مُصيبةٍ أو مرض؛ قال ﷺ: [صنائعُ المعروفِ تَقِي مَصارعَ
السُّوءِ، والصدقةُ خَفِيًّا تُطفئُ غضبَ الرَّبِّ].
والعمل الصالح لا ينقطع بموت الإنسان إذا ترك أثراً أو أبناء يدعون له؛ قال
ﷺ: [إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ ينتفعُ به،
وولدٍ صالحٍ يدعو له].
وقال رسول الله ﷺ: [مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ
الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن
يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن
سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في
عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ].
هذه قصصٌ حقيقيةٌ (من أعمال الخير) لأشخاصٍ عاشوا بيننا، أيقنوا أن المعروف
لا يضيع، وأن الله يجزي المُحسنين من جنس عملهم، فكانت حياتهم شهادةً على أن
الدُنيا لا تزال بخير.
أحبتي.. هذه القصص هي تطبيقٌ عمليٌ لقول الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ
الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ فمن أحسن للعباد، أحسن الله إليه في أهله وماله
ونفسه؛ فكل معروفٍ تصنعه اليوم هو بذرةٌ ستجني ثمارها أمناً وطمأنينةً وفرجاً في
وقتٍ لا يعلمه إلا الله. والخير عدوى مُباركةٌ؛ فما أن تبدأ في عمل خيرٍ إلا وتجد
-بإذن الله- من يُساهم معك. وليس الخير مُجرد بذلٍ للمال، بل هو نبضٌ إنسانيٌ يمتد
من قلبٍ ليُداوي قلباً آخر؛ فلا يحتاج المرء أن يكون ثرياً ليستر غيره، يكفي فقط
أن يكون إنساناً.
اللهم يسِّر لنا عمل الخير، وحبِّبه إلينا، وقنا شُح أنفسنا، وابعدنا عن
البُخل، وابعد البُخل عنّا، وأنعم علينا بخُلُق الكرم والجود والإيثار.
https://bit.ly/3KLuHtq