الجمعة، 8 مايو 2026

التوكل على الله بصدقٍ

 

خاطرة الجمعة /550

الجمعة 8 مايو 2026م

(التوكل على الله بصدقٍ)

 

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏وَدَّعَ رجلٌ زوجته وأطفاله الأربعة وسافر إلى مدينةٍ أُخرى بحثاً عن عملٍ أملاً في أن يُوفِّر لهم حياةً أفضل، وبعد ساعاتٍ قليلةٍ جاء اتصالٌ هاتفيٌ قلب حياتهم رأساً على عقبٍ، ردَّت الزوجة على الهاتف فإذا بصوت أحد رجال الشُرطة يقول لها: "هل أنتِ زوجة فُلان؟"، أجابت بصوتٍ مُرتجفٍ: "نعم؛ أنا زوجته"، فقال لها: "البقاء لله؛ لقد تعرضت السيارة التي كان يستقلها زوجك لحادثٍ مُروعٍ وسقطت من أعلى مُنحدرٍ جبليٍ وتُوفي جميع من كانوا بداخلها". تلقت الخبر وكأن الأرض قد انشقت تحت قدميها، لكنها لم تصرخ ولم تسقط مُنهارةً، بل رفعت يديها إلى السماء وقالت: "الحمد لله، وإنا لله وإنا إليه راجعون".

كانت تعيش مع أهل زوجها في بيتٍ واحدٍ، وبعد أيامٍ قليلةٍ بدأت المُعاملة تتغير؛ أخبروها أنهم غير مسؤولين عن تربية أطفال أخيهم، وأنهم لا يستطيعون تحمل أعباء إضافيةٍ، ثم طلبوا منها أن تُغادر البيت مع أطفالها!

خرجت الأُم وهي تحمل أطفالها، وقلبها مليءٌ بالحُزن، واتجهت إلى بيت أهلها؛ استقبلها أهلها في البداية بحبٍ واحتضنوها، لكنها مع مرور الأيام بدأت تشعر بأنها أصبحت عبئاً عليهم؛ كانت تسمع أحياناً كلماتٍ عن كثرة مصاريف الأطفال، وضيق الحال، وكانت تلك الكلمات تؤلم قلبها أكثر من الجوع والتعب.

وفي ليلةٍ لم تستطع النوم، قرَّرت أن تُغادر دُون أن تُخبر أحداً؛ انتظرت شروق الشمس وأخذت أطفالها وخرجت تبحث عن مأوىً، وبعد ساعاتٍ من السير وجدت سور مدرسةٍ تُحيط به الأشجار الكثيفة، جمعت بعض الأغصان وصنعت كُوخاً صغيراً يحتمي به أطفالها، جلست تنظر إليهم وهم جائعون؛ فامتلأت عيناها بالدموع، رفعت يديها إلى السماء وقالت: "يا ربِ لقد تخلى عني الناس جميعاً، ولم يبقَ لي سواك، أنت الرحيم، وأنت القادر على أن تحفظني وتحفظ أطفالي؛ فلا تتركني وحدي"، ثم طلبت من أطفالها أن يبقوا داخل الكوخ وذهبت تبحث عن طعامٍ لهم؛ مرَّت على أحد المطاعم وسألت عن بقايا الطعام؛ فأخبرها الحارس أن الطعام يُلقى خلف المطعم، ذهبت مُسرعةً وكُلها أملٌ في أن تجد بقايا طعامٍ تسد به جوع أطفالها، لكنها وجدت الطعام فاسداً تُحيط به الحشرات ويكثر حوله الذباب، خافت على أطفالها من المرض وغادرت المكان. واصلت البحث في الشوارع والأزقة حتى تورمت قدماها من التعب، كانت تنظر إلى السماء وتُردد: "يا ربِ، أنت حسبي ونعم الوكيل"، وبعد ساعاتٍ طويلةٍ قرَّرت العودة إلى أطفالها وهي تحمل قلباً مكسوراً ويدين فارغتين، لكنها عندما اقتربت من الكُوخ الذي تركت أطفالها فيه فوجئت بمنظرٍ لم تكن تتوقعه؛ وجدت أطفالها يأكلون الطعام وبجانبهم رجلٌ تبدو عليه ملامح الوقار، اقتربت منه وسألته: "مَن أنت؟!"، فقال: "أنا رجلٌ أملك مزرعةً خلف هذه المدرسة، وأُدير بعض الأعمال التجارية"، ثم أخبرها أنه رأى في منامه أن مزرعته تحترق فاستيقظ مفزوعاً وذهب ليتأكد مما رآه في منامه، وعندما وصل وجد كل شيءٍ بخيرٍ لكنه لاحظ الكُوخ الصغير، اقترب ليرى مَن بداخله؛ فوجد الأطفال وحدهم، فسألهم عن والدهم فأخبروه أنه تُوفي، وعن أُمهم فقالوا إنها ذهبت تبحث عن الطعام، شعر الرجل بالشفقة عليهم؛ فذهب واشترى لهم الطعام، وانتظر حتى تعود أُمهم. بكت المرأة وقالت: "واللهِ لقد كنتُ أبحث في القمامة عن طعامٍ لأولادي، لكن الله لم يرضَ أن أُطعمهم من ذلك، ولأنه سُبحانه وتعالى يعلم صدق توكلي عليه؛ فقد أرسلك رحمةً بنا بعد أن أيقظك من نومك على منام رؤية احتراق المزرعة، فقط لتأتي وترى أبنائي وتقوم بإطعامهم"، تأثر الرجل كثيراً بقصتها، وقال لها: "إذا كان الله قد ساقني إليكم بهذا التدبير الرباني المُحكم؛ فلن أترككم بعد اليوم"، ثم عرض عليها أن يتزوجها مُتكفِّلاً برعاية أطفالها، فوافقت، وبعد فترةٍ قصيرةٍ انتقلت الأم مع أطفالها إلى بيتٍ جديدٍ وحياةٍ جديدةٍ يملأها الأمان والرحمة.

 

أحبتي في الله.. قال ناشر هذه القصة تعليقاً عليها: قد تُغلَق كُل الأبواب في وجهكِ، لكن باب الله يبقى مفتوحاً، ومَن صَدَقَ في التوكل على الله جعل له مِن ضيقه فرجاً، ومِن حُزنه سَكينةً، ومِن ضَعفه قوةً.

 

وعن (التوكل على الله بصدقٍ)، هذه قصةٌ أخرى يقول كاتبها:

منذ عشر سنواتٍ تقريباً، رزقني الله عُمرةً في شهر رمضان. وكان مُدهشاً بالنسبة لي أنني وجدتُ عقب كل صلاةٍ مفروضةٍ في الحرم، تُقام مُباشرةً صلاة جنازةٍ، فقلتُ في نفسي: "إنَّ مَن يُصلي الجنازة يُكتب له قيراطٌ في الجنة، وهذه غنيمةٌ لا تُفَوَّت"، ثم تذكرتُ أن حديث النبي ﷺ يُوضح أنَّ من يتبع الجنازة حتى تُدفن له قيراطٌ آخر؛ فأكملتُ حديثي لنفسي قائلاً: "وهذه غنيمةٌ أُخرى؛ ففي غُضون وقتٍ قليلٍ يكون لي قيراطان في الجنة، واللهِ إنه لربحٌ عظيمٌ!"؛ فعقدتُ العزم قائلاً: "سُأصلي الجنازة بعد صلاة المغرب وأتبعها حتى الدفن"، لكن لسوء الحظ، خرجت الجنازة من بابٍ بعيدٍ عن موقعي فلم أتمكن من اللحاق بها، قلتُ في نفسي: "يا رب، لقد نويتُ ألا يفوتني الدفن في المرة القادمة عقب صلاة العِشاء؛ فيسِّر لي أمري تحت أي ظرفٍ من الظُروف". وبالفعل، صلينا الجنازة بعد صلاة العِشاء، وتبعتُ الجنازة إلى خارج الحرم، حيث وضعوا المُتوفاة -وكانت سيدةً إندونيسيةً تُوفيت أثناء العُمرة- في سيارةٍ مُخصصةٍ لنقلها إلى المدافن، قلتُ لسائق السيارة: "أود الذهاب معكم، هل ستعود إلى هنا ثانيةً؟"، أجابني: "لا". قلتُ له: "هل يُمكنني العودة سيراً على الأقدام من موقع الدفن؟"، قال: "كلا، المكان بعيدٌ جداً، ستحتاج إلى سيارةٍ، ولن تجد هناك سيارات أُجرة، إذا أردتَ المجيء معي لدفنها، فستُضطر للبقاء هناك حتى الصباح". تساءلتُ بيني وبين نفسي: "أبقى في المقابر ليلاً بعد العِشاء؟ وبمفردي؟ لقد تركتُ النقود وهاتفي المحمول في الفندق، وكُل ما في جيبي لا يتجاوز عشرة ريالات"؛ فكان الرد المنطقي مني أن قُلتُ له: "شُكراً لك، لن أذهب، تفضل أنت". وبينما كنتُ أسير حزيناً للغاية لأن الثواب قد فاتني، تذكرتُ أنني عاهدتُ الله على اتباع الجنازة بعد العِشاء، سأتوكل على الله وفاءً لعهدي، ولن يُضيِّعني برحمته. عدتُ مُسرعاً إلى السائق وقُلتُ له: "أنا آتٍ معك". قال لي: "لقد أخبرتك أنني لن أعود إلى هُنا مُجدداً"، قُلتُ له: "لا توجد مُشكلةٌ، توكلنا على الله، سأنتظر الليلة في المقابر وأعود في الصباح". ركب السائق وبجانبه مُساعده، وركبتُ أنا مع التابوت الذي يضم المُتوفاة في صندوق السيارة الخلفي. استمرت السيارة في السير لما يبدو لي أنه نصف ساعةٍ وبسرعةٍ عاليةٍ، وكنتُ أشعر بقلقٍ شديدٍ في الحقيقة، وأتساءل عما سيحدث، وظللتُ أدعو للمُتوفاة طوال الطريق، وصلنا إلى المقابر، وهي منطقةٌ واسعةٌ جداً يُحيط بها سورٌ ولها بوابةٌ، بدت لي كأنها مُنعزلةٌ عن العُمران. سرنا بالسيارة داخل المقابر قليلاً حتى وصلنا إلى رجلٍ يحمل كشافاً ضوئياً، وكان القبر على شكل غُرفةٍ صغيرةٍ تحت الأرض ولها سُلمٌ للنزول، قال لي الرجل: "اخلع حذاءك وانزل للأسفل وسأُناولك المُتوفاة"، قُلتُ له: "لا، ليس أنا.. انزل أنت أولاً". كنتُ خائفاً جداً لأنني لم أدفن أحداً بيديّ قط، المهم، نزلتُ أنا أولاً، ولم أكن أرى شيئاً إلا قليلاً، فأنزلنا المُتوفاة من جهة رأسها، ودفناها، ثم خرجنا. قال لي السائق: "السلام عليكم". قُلتُ له: "أي سلامٍ؟! أين ستُوقف السيارة؟" قال: "السيارة تابعةٌ لمُستشفىً قريبٍ من هذه المقابر"، قُلتُ له: "حسناً، هل يُمكنك أن تأخذني معك وتتركني أمام المُستشفى؟" قال: "تفضل". بمجرد وصولنا إلى المُستشفى، ورده اتصالٌ هاتفيٌ ونحن لا نزال في السيارة. تحدث قليلاً، ثم ترجل من السيارة وهو لا يزال يتحدث، ودخل إلى المُستشفى. بدأت أنظر حولي لأرى ما سأفعل؛ هل أدخل المُستشفى لأسألهم عن مكانٍ للمبيت؟ ربما لن يوافقوا، أم أنتظر بالخارج وأُحاول إيقاف سيارةٍ توصلني إلى مكانٍ قريبٍ؟ فجأة، وجدتُ السائق يعود إليّ قائلاً: "لقد جاءتني أوامر بإعادة السيارة إلى الحرم مرةً أُخرى، حظك طيب!". لا يُمكنني وصف مدى السعادة التي غمرتني حينها، كُنتُ كالغريق الذي امتدت إليه يدٌ لتنقذه. ليس هذا فحسب، بل في طريق عودتنا إلى الحرم، مرّ السائق بالشارع الذي يقع فيه الفندق الذي أنزل فيه، فبدلاً من السير لمدة نصف ساعةٍ تقريباً للوصول إلى الفندق، مشيتُ ثلاث دقائق فقط وكنتُ قد وصلت. في تلك اللحظة تعلمتُ أنه من المُستحيل أن يكون (التوكل على الله بصدقٍ) ويُضيِّعك أبداً، ومن المُستحيل أن تتخذ خطوةً تُرضي بها الله ويردك خائباً.

 

أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين بالتوكل؛ يقول تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

وورد في السُنة الأمر بالتوكل، وبيان عِظَم منزلته؛ قال صلى الله عليه وسلم: [لو أنَّكم كنتُم توَكلونَ علَى اللهِ حقَّ توَكلِه لرزقتُم كما يرزقُ الطَّيرُ تغدو خِماصًا وتروحُ بِطانًا].

 

يقول أهل العِلم إن التوكل على الحي القيوم عملٌ جليلٌ لا يستغني عنه العبد في سائر أحواله، وقَلَّ من الخَلْق من يفقه أن الدين مبناه على التوكل. و(التوكل على الله بصدقٍ) معناه في الأصل أن يُفوض العبد أمره لله، ويُسلِّم حاله له، وأن يعتمد عليه في قضاء حاجته ويثق به.

والناس في باب التوكل على ثلاثة أصناف:

صِنفٌ اعتمد بقلبه على الله وأقبَّل عليه، وترك العمل بالأسباب ولم يبذل جُهداً في تحصيل المُراد؛ فهذا مسلكٌ مذمومٌ، وهو تواكلٌ وليس توكلاً.

وصِنفٌ تعاطي الأسباب وبالغ فيها، ولم يعتمد على الله ويُفوَّض أمره إليه، فهذا مسلكٌ مذمومٌ مُخالفٌ للشرع؛ لأنه جعل الأسباب الحقيقية مُؤثرةً ومُستقلةً في جلب الخير ودفع الشر، وتناسى خالق الأسباب ومُسببها، وهذا مسلك أرباب الدُنيا وأهل الغفلة والشهوات.

وصِنفٌ جمع بين الاعتماد على الله والأخذ بالأسباب التي أذن الله بها وجعلها نافعةً، وهذا هو مسلك أهل التوحيد والسُنة، وهو المُوافق للشرع وصريح العقل ومُقتضى الفطرة السليمة؛ لأن المُؤثر حقيقةً والمُستقل بالنفع والضُر هو الله، ومن سُنة الله أن جعل لكل شيءٍ سبباً مُوصلاً إليه، فكان تمام الدِين وكمال العقل العمل بهما معاً.

ومن ظَنَّ أن العمل بالأسباب مُخالفٌ للشرع ونقصانٌ للتوكل فقد خالف ما ورد في كتاب الله؛ يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. ويقول سُبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾. ويكون كذلك قد خالف سُنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فحين جاء رجلٌ إليه صلى الله عليه وسلم على ناقةٍ له وقال: "يَا رَسولَ اللهِ أعْقِلُها وأتوكل أو أُطْلِقُها وأتوكل؟ قال: [اعْقِلْها وتَوَكْل]. وقال صلى الله عليه وسلم: [والذي نَفسي بيَدِه لَأن يَأخُذَ أحَدُكُم حَبلَه، فيَحتَطِبَ على ظَهرِه خَيرٌ له مِن أن يَأتيَ رَجُلًا، فيَسألَه، أعطاه أو مَنَعَه].

 

فمِن مُقتضى (التوكل على الله بصدقٍ) الأخذ بالأسباب النافعة المأذون بها شرعاً، ولا تَنافي مُطلقاً بين التوكل والعمل بالأسباب؛ فحقيقة التوكل في المفهوم الشرعي إذن هو اعتماد القلب على الله مع تعاطي الأسباب بالجوارح، فهذان هما رُكنا التوكل لا يصح إلا بهما.

 

قال بعض العُلماء إن من المسلمين من هو مُقصرٌ في حُسن توكله على الله، غافلٌ قلبه عن هذا الأصل العظيم، ذاهلٌ عقله عن خطره وعظيم فائدته؛ فبعض المُسلمين تناسوا في سُلوكهم العملي وحياتهم المعيشية التوكل على الله، واعتمدوا على الوظائف الراتبة والأجور الثابتة، أما المؤمن الحق فهو عظيم التوكل على الرزاق؛ لعِظَم يقينه بقُدرة الله وعِلمه ورحمته ولُطفه وسعة رزقه؛ فالتوكل تابعٌ لليقين؛ كلما زاد اليقين في قلب المُؤمن زاد توكله على الرحمن، وإذا نقص اليقين نقص التوكل. فالانحراف اليوم في باب التوكل من جهة غُلو الناس في الأسباب واعتمادهم عليها، وانصراف قُلوبهم بالكُلية إليها، والتفات القلب عن المُسبِّب والخالق، حتى صار الإنسان يعتقد أن الشفاء حتماً يكون بالطبيب الحاذق، وحصول الرزق يكون بالوظيفة، وحصول الأمن يكون بإجراءات السلامة، وحماية المُمتلكات يكون بالتأمين، وهذا من تأثير الانصباغ بالحياة المادية ومظاهر المدنية والله المستعان.

 

عن (التوكل على الله بصدقٍ) قال الشاعر:

تَوكلْتُ في رِزْقي عَلَى اللَّهِ خَالقي

وأيقنتُ أنَّ اللهَ لا شكَ رازقي

وَمَا يكُ من رِزقي فَلَيْسَ يَفوتني

وَلَو كانَ في قاعِ البحارِ العَوامقِ

ففي أيِّ شيءٍ تذهبُ النَّفْسُ حَسْرةً

وَقَد قَسَمَ الرَّحمنُ رِزقَ الخلائقِ

وعن الأخذ بالأسباب مع التوكل؛ قال الشاعر:

تَوَكَلْ عَلَى الرَحْمَنِ في الأمْرِ كُلِه

وَلا تَرْغَبَنَ بالعَجْزِ يَوْمَاً عَنْ الطَلَبْ

أَلَمْ تَرَ أنَّ اللهَ قَالَ لِمَرْيَمَ

وَهُزِي إلَيْكِ الجِزْعَ يُسَاقِطِ الرُطَبْ

 

أحبتي.. (التوكل على الله بصدقٍ) عبادةٌ عظيمةٌ ينبغي علينا جميعاً ألا نغفل عنها، بل وعلينا أن نحولها من مُجرد كلماتٍ تُنطق إلى منهج حياةٍ لا يُترَك ولا يُهجَر، منهجٍ يستقر في أعماقنا وتهمس به شفاهنا وتُصدقه أعمال جوارحنا حتى يصير (التوكل على الله بصدقٍ) مُرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بحياتنا؛ فلا جلب للنفع ولا دفع للضُر ولا قضاء للحاجات إلا عن طريقه.

وتكفينا بشارة المُصطفى صلوات الله وسلامه عليه أنه [إذا خَرَجَ الرَجلُ مِن بيتِه فقالَ: "بسمِ اللهِ، توكَّلتُ على اللهِ، لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ"، فيقالُ له: "حَسبُكَ، قد هُدِيتَ وكُفيتَ ووُقِيتَ"؛ فيتنحَّى له الشيطانُ، فيقول له شيطانٌ آخرُ: كيف لك برجلٍ قد هُدِيَ وكُفِيَ ووُقِيَ؟]

اللهم اجعل في توكلنا عليك بصدقٍ سعادتنا، وتحقق مطالبنا، وحصول الرضا والاطمئنان في قلوبنا، ودفع الضُر عنا، ووقايتنا من الشُرور والفتن.

https://bit.ly/42Hisn3