الجمعة، 15 مايو 2026

جبر الخاطر

 

خاطرة الجمعة /551

الجمعة 15 مايو 2026م

(جبر الخاطر)

 

تبدأ القصة مع «أحمد»؛ وهو شابٌ يمنيٌ سافر إلى «روسيا» سعياً وراء تحصيل رزقه، وفي قريةٍ هادئةٍ وباردةٍ ومُنعزلةٍ افتتح مطعماً صغيراً، وكان كُل هَمّه أن يستر حاله ويُعيل أهله في «اليمن». في صباح يومٍ عاديٍ كان «أحمد» يُفرِّغ بضاعة مطعمه من الخُضروات التي يحتاجها لإعداد الوجبات، حين مرَّت عجوزٌ روسيةٌ ظنَّت أن البضاعة التي كان يقوم بتفريغها هي للبيع؛ فبدأت بجمع بضع حباتٍ من البصل والطماطم، وعندما سألت عن الحساب كان رد «أحمد» بمثابة الزلزال الذي غيَّر حياتها؛ حيث قال لها بابتسامةٍ: "هذه هديةٌ.. ديني علَّمني أنَّ الكرم مع الكبير واجبٌ، وأنَّ الهدية لا تُرد".. صُدمت العجوز؛ فهي في بلادٍ تحكمها المادة، ولا مجال فيها للعواطف أو التعاطف!

بعد يومين فقط عادت العجوز إلى المطعم وطلبت من «أحمد» مُرافقتها إلى أحد المصالح الحكومية، لم يتردد «أحمد» ظناً منه أنه مُشوارٌ عابرٌ يُقدِّم فيه مُساعدةً وإعانةً لها على قضاء شُئونها، واحتسب ذلك من أعمال الخير التي يرجو ثوابها. وجد «أحمد» نفسه في دائرة المواريث؛ وفوجئ بأن السيدة العجوز تقول للموظف بكل ثقةٍ: "سجلوا بيتي، وكُل ما أملك باسم هذا الشاب، هو وريثي الوحيد"! صُعق «أحمد» وقال لها مُتعجباً: "يا خالة أنا لم أفعل شيئاً يستحق ذلك"! وأخذ يُحدِّث نفسه: "شقة ٌكاملةٌ في قلب «روسيا» تُهدى لشابٍ يمنيٍ مُغتربٍ بلا مُقابل، لا قرابةَ، لا مصلحةَ، ولا عقدَ بيعٍ وشراء، بل امرأةٌ روسيةٌ تُقرِّر فجأةً أن يكون هذا الغريب هو وريثها الوحيد! لماذا؟"، وكأن المرأة العجوز كانت تسمع حديثه لنفسه؛ إذ قالت والدموع تملأ عينيها: "لقد عشتُ 85 سنةً لم يبتسم في وجهي أحدٌ أو يُعطيني شيئاً بلا مُقابلٍ، لم يجبر خاطري إلا أنت ودِينك الذي كان دافعاً لك لمُعاملتي بهذا الكرم".

لم تنتهِ الحكاية هُنا؛ فقد سألت المرأة عن هذا الدين الذي يصنع مثل هؤلاء البشر؛ فكانت فرصةً لأن يُحدِّثها «أحمد» عن الإسلام بقدر ما استطاع، ولأن الله سُبحانه وتعالى أراد لها الهداية؛ فقد نطقت المرأة الشهادتين وأصبحت أُختاً لنا في الإسلام.

لم يتوقف جُهد «أحمد» عند هذا الحد، بل سعى حتى أوصل قصتها إلى خادم الحرمين الشريفين، الذي استضافها لأداء فريضة الحج؛ فطارت إلى «مكة» وهي لا تكاد تُصدق ما يحدث، غسلت ذنوبها تحت أستار الكعبة، وبكت طويلاً وهي تشكر الله الذي أرسل لها هذا الشاب اليَمني ليُنقذ روحها في آخر أيام عمرها.. عادت العجوز من الحج، وبعد عشرين يوماً فقط رحلت عن عالمنا. لم يربح «أحمد» شقةً في «روسيا» فحسب، وإنما ربح ثواب إنقاذ روحٍ كانت تائهةً؛ إذ كان سبباً في هدايتها.

 

أحبتي في الله.. عَلَّق ناشر هذه القصة عليها بقوله: هذه القصة ليست عن بيتٍ في الجنة يُبنى لمُسلمٍ لخُلُقٍ حسنٍ وكلمةٍ طيبةٍ فحسب، بل عساه أن يكون قصراً في الجنة بُني له بسبب (جبر الخاطر).

 

وعن (جبر الخاطر) اشتُهرت على وسائل التواصل الاجتماعي في «مصر» قصةٌ رواها طبيبٌ مصريٌ مشهورٌ، قال فيها إن أحد الشيوخ شرح له منزلة (جبر الخاطر) في الإسلام، وتصادف أنه خرج في اليوم التالي -وكان يوم إجازته ـ لشراء بعض أغراضٍ للبيت، وبينما هو عائدٌ، تذَّكر اتصالاً من جاره كان قد طلب منه الاطمئنان على حماته المريضة في المُستشفى؛ فقال في نفسه: "هذه رسالةٌ من الله، لأجبر بخاطر جاري”. توجه الطبيب إلى المُستشفى، واطمأن على حالة المريضة وطمأن جاره، وفجأةً شعر بألمٍ شديدٍ في صدره، فأيقن أنه أُصيب بجلطةٍ في الشُريان التاجي، ولأنه كان في المُستشفى، تمكن من الحصول على العلاج الفوري، فنجا من موتٍ مُحققٍ. وعَلَّق على ذلك بقوله: “لو أنني لم أذهب لجبر خاطر جاري، لأصابتني الجلطة في الطريق ولكُنتُ في عِداد الأموات، لكن الله سُبحانه وتعالى جبر بخاطري وأنقذ حياتي كما جبرتُ بخاطر جاري".

تُذكرني هذه القصة بالقول المشهور: "مَن سار بين الناس جابراً للخواطر أدركه الله في جوف المخاطر"، أيّ أنّ الإنسان الذي يُغيث الملهوف، ويُسارع في جبر خاطر المُنكسرين من حوله، فإنّه وفي يومٍ من الأيام عندما يقع في شدةٍ سوف يُنقذه الله -عزَّ وجلَّ- منها، كما سارع في إنقاذ غيره وجبر بخاطره.

 

إذا وقفنا على معنى “الجَبْر” في اللغة نجد: "جبَر خاطرَه": أجاب طلبَه، عزَّاه وواساه في مصيبةٍ حلَّت به، أزال انكساره وأرضاه. "جبَر الفقيرَ أو جبَر اليتيمَ": كفاه حاجتَه، أصلح حاله، أحسن إليه.

والجَبْر كلمةٌ مأخوذةٌ من اسمٍ من أسماء الله الحُسنى “الْجَبَّارُ “؛ بمعنى: القهَّار، وبمعنى الرؤوف، وهو الذي يجبر الكسير، ويُغني الفقير، ويجبر المريض والمُبتلى، ويجبر جبراً خاصاً قلوب المُنكسرين لجلاله، الخاضعين لكماله، الراجين لفضله.

يقول الشاعر:

أيقنتُ أن اللهَ يجبرُ خاطري

لمّا بكيتُ ولم أجدْ إلّاهُ

ناديتُ والمِحرابُ يَحضنُ أدْمعي

اللهُ يا اللهُ يا اللهُ

إنْ لم تكنْ قُربي وتَرحمْ خافقي

مَنْ لي سِواكَ يُغيثني رباهُ

 

والآيات القُرآنية التي تُشير إلى عبادة (جبر الخاطر) كثيرةٌ منها؛ قوله تعالى: ﴿‌فَأَمَّا ‌الْيَتِيمَ ‌فَلَا ‌تَقْهَرْ . وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿‌وَإِذَا ‌حَضَرَ ‌الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾، وقوله سُبحانه: ﴿‌فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، وقوله أيضاً: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقوله كذلك: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.

 

كما أن السُنة المشرفة تزخر بالكثير من المواقف والأحاديث التي تحث على (جبر الخاطر) ومن ذلك؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ]. وقال عليه الصلاة والسلام: [لا تحْقِرَنَّ من المعرُوفِ شيْئًا، ولوْ أنْ تلْقَى أخاكَ بوجْهٍ طلْقٍ].    

 

يقول أهل العِلم: عندما يطرق آذاننا مُصطلح “عبادة” فإن أول ما يتبادر إلى أذهاننا الصلاة والصيام وبِر الوالدين وصلة الأرحام وغيرها من العبادات التي تتبادر إلى الذهن عادةً، ورغم عِظم شأن هذه العبادات وكبير فضلها إلا أن هناك عباداتٍ أصبحت خَفِيَّةً –ربما لغفلة الناس عنها- وأجرها كبيرٌ؛ ومن هذه العبادات الخفية (جبر الخاطر). إنها عبادةٌ عظيمةٌ تعني مُراعاة مشاعر الآخرين، وطمأنتهم، وإدخال السرور على قُلوبهم، خاصةً في أوقات الكسر أو الحُزن. وهي من العبادات التي تتقرب بها النفوس النبيلة إلى الله، وتُكسب المُسلم محبة الله وجزاءه في الدُنيا والآخرة. وهي عبادةٌ قلبيةٌ، تُعد بمثابة إماطة الأذى عن القُلوب، تماماً كما يُماط الأذى عن الطريق. إنها أسلوب حياةٍ لا يحتاج إلا إلى قلبٍ رحيمٍ وكلمةٍ طيبةٍ. ومن صُورها: الابتسامة، والتعامل بلطفٍ، ومُراعاة مشاعر الناس وانتقاء الكلمات الطيبة والحسنة، والمُواساة والمُساعدة، والعطف على المُحتاج، ومُساعدة المُصاب، والسعي في قضاء حوائج الناس، وتفريج كروبهم، وغير ذلك من أعمالٍ مُماثلة تُعبِّر عن الرحمة والرأفة واللين والمحبة وحُب الخير.

 

أحبتي.. قيل عن (جبر الخاطر): "ما رأيتُ عبادةً يتقرب بها العبد إلى ربه مثل جبر المُسلم خاطر أخيه المُسلم". و"من أعظم أبواب السعادة أن يجعلك الله مُفتاحاً لجبر خواطر الناس". و"يُعد (جبر الخاطر) سبباً في تأليف القُلوب، ونشر المودة والمحبة في المُجتمع، وهو يعكس كرم النفس وسلامة الصدر".

إن (جبر الخاطر) لا يُكلِّف -في كثيرٍ من الأحيان- مالاً ولا جهداً، وإنما يحتاج قلباً حيّاً يشعر بالآخرين، ونيةً صافيةً تتمنى الخير لهم؛ فالكلمة الطيبة قد تكون دواءً، والابتسامة قد ترفع عن النفس ألماً، وموقف مُواساةٍ بسيطٌ قد يُبدِّل يوم شخصٍ مهمومٍ ويجعله سعيداً، ورُبَّ كلمةٍ طيبةٍ حوَّلت عدواً فصار صديقاً؛ يقول تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، ومن يجبر بخاطر غيره لا يخذله الله أبداً، بل يظل سُبحانه قريباً من عباده الرُحماء؛ فلنرحم غيرنا، نجبر كسرهم، ونشد أزرهم، ونكون لهم عوناً وسنداً خاصةً في مواقف الشدة والابتلاء، عسى الله أن يجبر خواطرنا ويُخفف عنا ويهدينا سواء السبيل.

اللهم اهدِنا لأحسَنِ الأخلاقِ، لا يَهدي لأحسَنِها إلَّا أنتَ، واصرِفْ عَنِّا سَيِّئَها، لا يَصرِفُ عَنِّا سَيِّئَها إلَّا أنتَ.

 

https://bit.ly/4dORZJp

ليست هناك تعليقات: