خاطرة الجمعة /554
الجمعة 5 يونيو 2026م
(أضعافاً مُضاعفة)
كان هناك مُعلمٌ للقُرآن، بسيطٌ يعيش حياةً مُتواضعةً، يجلس كُل يومٍ بعد
صلاة العصر ليُحفِّظ الأطفال، ومن هؤلاء الطُلاب كان هناك طفلٌ فقيرٌ دائم الغياب،
ملابسه قديمةٌ، ووجهه شاحبٌ، لكنه شديد الأدب، كلما حضر جلس في آخر الصف صامتاً،
وفي يومٍ سأله المُعلم: "لماذا تتغيب كثيراً يا بُنيّ؟"، خفض الطفل رأسه
وقال: "أعمل بعد المدرسة في محلٍ حتى أُساعد أُمي، وأحياناً لا أستطيع
الحضور"، تأثر المُعلم بكلامه لكنه لم يُظهِر شيئاً، ومن يومها صار يضع لهذا
الطفل طعاماً ومالاً بسيطاً في حقيبته دون أن يعرف أحدٌ.
مرَّت السنوات، وكبر الطفل واختفى عن المسجد تماماً، أما المُعلم فقد شاخ
ومرض وأصبح بالكاد يستطيع الحركة، وذات يومٍ طرق بابه رجلٌ أنيقٌ يرتدي ثياباً
فاخرةً، ويحمل حقيبة يدٍ، فتح المُعلم الباب ولم يعرف الرجل الطارق، احتضنه الرجل
وهو يبكي، وقال: "أنا الطفل الذي كُنتَ تضع الطعام في حقيبته"، ثم أخرج
ورقةً قديمةً جداً وقال: "كُنتُ أجد معها دائماً هذه الجملة 'لا تخجل من
فقرك؛ فالله لا ينسى عباده'، كُنتُ كلما ضعفتُ قرأتُ الورقة وأكملتُ طريقي، واليوم
أنا طبيبٌ والحمد لله، وقد اشتريتُ لك بيتاً، وسأتكفل بعلاجك وخدمتك ما
حييت"، بكى المُعلم وقال: "كُل هذا بسبب لُقيماتٍ قليلةٍ؟!"، فرَّد
الرجل: "لا؛ بل لأن عمل الخير يعود لصاحبه (أضعافاً مُضاعفة)".
أحبتي في الله.. تعقيباً على هذه القصة كتب ناشرها يقول: قد تُغيِّر كلمةٌ
طيبةٌ أو صدقةٌ خفيةٌ حياةً كاملةً لإنسانٍ؛ فازرع الخير حتى لو لم ترَ ثماره
الآن؛ يقول تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، المُهم أن
يكون لديك يقينٌ تامٌ بأن عمل الخير لا يضيع أبداً، وإن تأخر موعد رجوعه لك وعودته
إليك، وإن رجع وعاد في صورةٍ مُختلفةٍ عما قدمت.
وهذه قصةٌ أُخرى توضح أن عمل الخير يعود لصاحبه (أضعافاً مُضاعفة)؛ تقول
صاحبة القصة:
قبل عشرين سنةً كنتُ أعمل بإحدى المكتبات المُتخصصة في بيع الكُتب
ومُستلزمات الدراسة قُرب كلية الطب، اعتاد الكثير من الطلبة أن يأتوا إلى المكتبة
لشراء الكُتب أو طباعة الأبحاث أو تصوير الأوراق. من بين هؤلاء الطلبة شابٌ طموحٌ،
تُظهِر ملامحه أنه فقير الحال، وكان كُلما أراد أن يشتري كتاباً يسأل أولاً عن
ثمنه، وغالباً ما كان يطلب الكُتب المُستعملة. ظلَّ على هذه الحال مدة خمس سنواتٍ،
كُنتُ أتعامل معه طوالها بلُطفٍ، وأُخبره بكل العُروض المُتوفرة لكي يكون
سَبَّاقاً لشرائها قبل أن تنفد؛ فهي كُتبٌ علميةٌ طبيةٌ في الأصل باهظة الثمن لا
يستطيع شراءها إلا في العُروض الاستثنائية التي تُقدِّمها مكتبتنا كُل فترة. ذات
يومٍ -قبل نهاية العام الدراسي- وجدتُ هذا الطالب ينتظر أمام المكتبة، ساعدني في
فتح الباب، سألته عن سبب قُدومه للمكتبة في هذا الوقت المُبكر، أجابني وعيناه
تدمعان: "إن الامتحانات وشيكةٌ ولم أُراجع دروسي بسبب الكُتب الغالية التي
ستُكلّفني الكثير من المال"، وأضاف: "إننا في نهاية العام الدراسي، لم
يتبقَ لي من المصروف إلا القليل، لن يكفيني حتى لشراء الخُبز، ولا أريد أن أُفوِّت
فُرصة العُمر وأُحقق حلمي أن أكون طبيباً جراحاً، وأطلب منكِ أن تُعيريني هذه
الكُتب، وبعد تخرجي سأدفع لكِ ثمنها ضعفين". وقع هذا الكلام على مسامعي
كالصاعقة، بعد لحظاتٍ دخل صاحب المكتبة، وصرخ في وجهي لعدم إتمامي لعملي وانشغالي
بالحديث مع هذا الطالب، فقلتُ له إنه مسكينٌ ويُريد كُتباً لا يملك ثمنها، ونحن
أمله الوحيد، قال صاحب المكتبة: "نحن لسنا جمعيةً خيريةً لنعطي الكُتب مجاناً
للطُلاب الفُقراء، لدينا الكثير من المصاريف في انتظارنا، إن كنتِ تُشفقين عليه
ادفعي له ثمن الكُتب من مالكِ الخاص"؛ فقُلتُ له: "حسناً؛ سأدفع له
ثمنها خصماً من مُرتبي الشهري". وهذا ما تم بالفعل، بل وأعطيتُ الطالب بعضاً
من النقود لشراء ما يسد جوعه.
مرَّت الأيام والسنوات، تزوجتُ وانتقلتُ إلى مدينةٍ أُخرى، وانشغلتُ بتربية
أطفالي والاهتمام بأُسرتي، تقدمتُ في السن وأُصبتُ بمرضٍ مُزمنٍ، وفي كل مرةٍ أزور
الطبيب يُعطيني وصفةً طبيةً تحمل مجموعةً من الأدوية باهظة الثمن. استمرت الأيام
على هذا الحال دُون جدوى. بدأ الألم يزداد ولم أعد أتحمل، وقمتُ ببيع الكثير من
مُستلزماتي كي أتمكن من دفع ثمن الأدوية والتحاليل والأشعة، وفي آخر زيارة لي
للطبيب فاجأني بضرورة سُرعة إجراء عمليةٍ جراحيةٍ، لم أكن أملك تكاليفها رغم
احتياجي لها. في طريق عودتي صادفتُ مُستشفىً توجهتُ إليها لأعرف كم هي تكلفة هذه
العملية، صعدتُ إلى الطابق العُلوي، فوجدتُ قاعة الانتظار مُكتظةً عن آخرها
بالمُراجعين، أخذتُ ورقةً تحمل رقم دُوري في الدخول على الطبيب الجرَّاح، لكني لم
أتحمل ألم الوقوف وطول الانتظار فقرَّرتُ المُغادرة، بعد لحظةٍ ناداني المُمرض باسمي!
فالتفتُّ إليه، قال: "الطبيب يُريدك في غُرفته" فاستغربتُ وسألته:
"كيف عرفني الطبيب؟!"، قال: "القاعة مليئةٌ بكاميرات المُراقبة
والطبيب يُلِّح بضرورة حضورك إلى غُرفته"، دخلتُ غُرفة الطبيب وأنا في ذهولٍ،
طلب مني الجلوس في مقعده وقبَّل رأسي؛ فزادت حيرتي! سألني: "ما بكِ
سيدتي؟"، قُلتُ له: "أنا مريضةٌ وأحتاج لإجراء عمليةٍ جراحيةٍ، أريد فقط
أن أعرف كم تُكلِف" وسلمته ملفاً كاملاً عن حالتي، فلمّا اطلَّع عليه قال:
"ستدخلين لغُرفة العمليات الآن"، قُلتُ له: "سيدي؛ ليس لديّ ما
أدفع به تكلفة العملية، كنتُ فقط أُريد أن أعرف تكلفتها"، قال لي: "لا
تحملي هَمَّ تكلفة العملية؛ سأُجريها لكِ مجاناً!"، زادت دهشتي، لكنهم
أدخلوني بالفعل لإجراء العملية وأنا لا أُصدق ما يحدث. بعد ساعاتٍ وجدتُ نفسي في
غُرفةٍ مليئةٍ بالمُمرضات، وبعد لحظاتٍ طلب الطبيب من الكُل المُغادرة، وبقي معي
وقال: "هل تذكرين يوم ساعدتك في فتح المكتبة، ودفعتِ عني ثمن الكُتب
وأعطيتيني بعض النُقود في نهاية العام الدراسي حين كنتُ طالباً قبل عشرين
عاماً؟"، قُلتُ له: "هل أنتَ الطالب الذي كان يسأل عن موعد التخفيضات
والكُتب المُستعملة؟"، أومأ برأسه وقال: "نعم أنا هُو، وبفضل الله ثم
بسبب تلك النُقود والكُتب التي دفعتِ ثمنها من مالكِ الخاص استطعتُ التخرج بتفوقٍ،
عملتُ بعدها فترةً بالمُستشفى العام ثم قُمتُ بافتتاح هذه المُستشفى الخاص بي،
والفضل يعود لله سُبحانه وتعالى ثم لكِ، ومهما فعلتُ لن أُوفيك حقكِ، لقد بحثتُ
عنك كثيراً لأرد لكِ دَيْنكِ ولم أُفلح في ذلك، حتى رأيتك اليوم". لم يكتفِ
الطبيب بإجراء العملية ومتابعة حالتها الصحية مجاناً، بل قام بتأجير مسكنٍ مُناسبٍ
لها ولأُسرتها، وجعل لهم معاشاً شهرياً يعيشون به حياةً كريمةً.
يقول العُلماء إنَّ فعل الخير فريضةٌ على كُلّ إنسانٍ مُسلمٍ؛ يقول تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ
وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ومن صفات الله تعالى العدل
الحقّ؛ فهو الحَكَمُ العدلُ، لطيفٌ بعباده، والجزاء عنده من جنس العمل.
وإن كانت أعمال الخير تندرج تحت مُسمّى الإحسان إلى الناس، إلا أنه في
الواقع إحسانٌ إلى الشّخص المُحسن نفسه؛ يقول تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ
أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾، وأيّ مُساعداتٍ يقوم بها المرء -سواءً ماليّةً أو
معنويّةً- ستعود له فإن أعمال الخير تعود لصاحبها (أضعافاً مضاعفة)؛ يقول سُبحانه:
﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ
حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ
وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، يقول المفسرون
لهذه الآية إن حبة القمح التي ضرب الله المثل بها تُعطي سبعمائة حبةٍ من نفس
صنفها، أما الله سُبحانه وتعالى فيُضاعِف أكثر في الكم،
ومعنى قوله: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ أنّ المُضاعفة درجاتٌ
كثيرةٌ تترتّب على أحوال المُتصدِّق وأحوال المُتصدَّق عليه؛ فللإخلاص وقصد
الامتثال ومحبة الخير للناس والإيثار على النفس وغير ذلك تأثيرٌ في تضعيف الأجر.
أما لفظة ﴿وَاسِعٌ﴾ فهي تُفيد تنوع رزق الله أكثر في الكيف؛ فلا يكون الرزق مالاً
وحسب، بل يشمل أيضاً الأبناء، الصحة، الاطمئنان وراحة البال، النجاة من المصائب،
وغير ذلك.
إنّ عمل الخير بغير انتظار مُقابلٍ له، يُفرِح قلب صاحبه؛ لأنَّه يعلم
يقيناً أنّ ما يُقدِّمه من خيرٍ يقصد به وجه الله تعالى لن يضيع ثوابه، بل سيأتيه
من ﴿عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾. إنّ لعمل الخير طعمٌ مُميّزٌ، لا يعرف مذاقه إلا
من يُقدِّمه، فيشعر بحلاوة الإيمان ولذّة القُرب من الله تعالى، لما له من آثارٍ
طيّبةٍ على النّفوس، تنعكس نوراً في القُلوب، وضياءً في الوجوه، وسعةً في الرّزق،
ومحبّةً من النّاس، رغم أنّ بعض من يُقدَّم لهم الخير لا يُقدِّرون ما يُقدَم لهم
من مُساعدةٍ، بل يعدّون ذلك واجباً على الآخرين، فيتسلَّل شعورٌ غريبٌ لمُقدِّم
الخير بأنّ جهده ضاع سُدىً، أو بأنّ المُساعدة وُضعت في غير أهلها، لكن هذا الشعور
يتلاشى، ليحل محله اليقين بأن الاستمرار في عمل الخير ومُساعدة الناس هو لوجه الله
تعالى، وليس لمرضاة أحدٍ من عباده، وأن لا قيمة للحياة من دون عمل الخير، وأن عمل
الخير يعود لصاحبه (أضعافاً مُضاعفة) ويكون سبباً في راحةٍ نفسيّةٍ، وسعادةٍ تغمر
القلب، مع الثقة الكاملة بأنها سبيلٌ للحصول على رضوان الله تعالى والفوز بالجنّة.
لقد صدق الشاعر حين قال:
الناسُ بالناسِ مادامَ الحياءُ بهمُ
والسعدُ لاَ شَكَ تاراتٌ وهباتُ
وأفضلُ الناسِ ما بينَ الوَرى رجلٌ
تُقضى على يدهِ للناسِ حاجاتُ
لا تَمنعنَ يدَ المعرُوفِ عن أحدٍ
ما دُمتَ مٌقتَدِراً فالسعدُ تاراتُ
واشكُر فَضَائِلَ صُنعِ اللهِ إذْ جُعِلَت
إليكَ لاَ لكَ عند الناسِ حاجاتُ
قد ماتَ قومٌ وما ماتَتْ مَكارِمُهم
وعاشَ قومٌ وهُم في الناسِ أمواتُ
وهذا شاعرٌ آخر قال:
خيرُ أيامِ الفتى يومَ نَفَعْ
واصطناعُ الخيرِ أبقى ما صَنَعْ
ونظيرُ المَرءِ في مَعْروفِهِ شافِعٌ
بِتُّ إليه فَشَفَعْ
ما يُنالُ الخَيرُ بالشَرِ
ولا يَحْصِدُ الزارِعُ إلا ما زَرَعْ
أحبتي.. على كُلّ مُسلمٍ منا أن يجعل فعل الخير في حياته -كوصف أحدهم-
كنهرٍ جارٍ، يرتوي منه المّارّة؛ فيرتدّ هذا الخير على صاحبه، ويُثقِّل ميزان
أعماله؛ يقول تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾، فلنكُن دائماً مفاتيح
للخير مغاليق للشّر، ولنفعل كل خيرٍ مُمكنٍ ونحن على يقينٍ تامٍ بأن عمل الخير لا
يضيع أبداً.
ومن صور وأشكال عمل الخير: إخراج زكاة المال، الإكثار من الصدقات، إطعام
الطعام، سُقيا الماء، كُسوة المحتاجين، السعي على الأرامل والمُطلقات، كفالة
الأيتام، المُشاركة في الأعمال التطوعية، الدعم النفسي والنُصح والإرشاد، الكلمة
الطيبة وحُسن التعامل، الدُعاء لتخفيف الكرب والهُموم عن الغير ورفع البلاء
والمصائب عنهم، وغير ذلك.
وفقَّنا الله لكل خيرٍ، وجعلنا سبباً في سعادة الآخرين، وتخفيف غُمومهم
وأحزانهم.
https://bit.ly/3PIacjN