خاطرة الجمعة /553
الجمعة 29 مايو 2026م
(الدُعاء بيقين)
تحكي امرأةٌ سوريةٌ قصتها فتقول: "تزوجتُ وأنجبتُ أربع أولادٍ، ولم
أتفق في حياتي كُلها مع زوجي؛ صبرتُ وصبرتُ ثم انفصلنا وعُمري خمسين سنة! حزنتُ
وأصابني الكدر، وشعرتُ بالوحدة؛ فالأولاد مع طليقي لأني لا أستطيع إعالتهم للفقر
وضيق الحال. وجدتُ خلال فترة عِدتي أُنساً بربي، سألتُ الله واستأنستُ به وناجيته
كثيراً، طلبتُ منه الحج! "الحج الحج يا رب"، طلبته بصدقٍ ويقينٍ في السر
والعلن، استغرب أهلي وقالوا: "أنتِ مُطَّلقةٌ، وحالنا فقيرٌ، وليس لديكِ
مَحرمٌ، فكيف ذلك!"، قُلتُ لهم: "دعوني أنا وربي، لا شيء عليه عسيرٌ،
أطلب طلبي من الكريم الغني". انقضت مُدة العِدة، وزارتني صديقةٌ تحمل معها
صورة رجلٍ من أهل «المدينة المُنورة»، ماتت زوجته ويُريد الاقتران بأُخرى، رفضتُ
بشدةٍ؛ لستُ بصغيرةٍ، وأولادي شبابٌ، والأهم أن عُمر ذلك الرجل قد جاوز التسعين!
قالت لي صديقتي: "أما تودين الحج؟! اجعليه سبباً لذلك"؛ فوافقت.
تقول: "نزل إلى «الشام» لأيامٍ قليلةٍ، زارانا في يومٍ، وأتممنا عقد
الزواج في اليوم التالي، ثم كان سفره عائداً لبلده فجر اليوم الثالث! وقبل سفره
بعدة ساعاتٍ أوصلني أهلي لغُرفته بالفُندق لأقضي معه تلك الليلة الوحيدة!".
أطرقَتْ رأسها خجلاً وهي تُكمل رواية قصتها، قالت: "دخلتُ على الرجل
الغريب، وكان مُتعباً جداً؛ يُعاني من ربوٍ وضيقٍ في التنفس، وعزا ذلك إلى اختلاف
الجو. صلينا العِشاء وقال لي: اسمعي يا بنت الناس أنا مُتعبٌ وصدري يؤلمني، سأرحل
غداً وأُسجل الزواج رسمياً في بلدي، وسأستحصل لك على تأشيرة دخولٍ، وخلال أسبوعٍ
تكونين عندي بإذن المولى، في بيتنا سنأخذ راحتنا! صدقوني أنه لم يلمس يدي حتى!
نمنا، وفي الفجر سافر. بعد خمسة أيامٍ وصلتني التأشيرة مع تذكرة الطائرة، ودَّعتُ
أهلي وسافرتُ لزوجي. كان ابنه البكر في انتظاري في المطار، قال لي الجميع في
انتظارك في البيت الكبير، وصلتُ لبيت زوجي، استقبلتني وجوهٌ كثيرةٌ وغريبةٌ!
أولاده وبناته وأحفاده إلا هو! سألتُ عنه، قالوا: تُوفي بعد عودته بثلاثة أيامٍ!
أصابتني الدهشة! ولِمَ لَم تُخبروني؟! أجابوا: سألنا شيوخنا وأفادونا أن الزواج
شرعيٌ وكاملٌ، والأفضل أن تأتي وتقضي العِدة في بيت زوجك وبيتك، وتأخذي ميراثك
كاملاً! ولكم أن تتخيلوا الدهشة ووَقْع الأمر عليّ! المُهم، كانت العِدة سجناً
داخل سجنٍ داخل سجنٍ: فقدٌ وحَبسٌ وغُربةٌ! للأمانة؛ عاملني أبناء زوجي بكل حُبٍ
وإنسانيةٍ، ولما انقضت العِدة كُنا على أبواب شهر ذي الحِجة، سألتُ ابنه البكر أن
يُرافقني للحج إنْ تكرَّم؛ فأجابني لطلبي، حججتُ ذلك العام، بعدها خيروني بين
العيش بينهم أو العودة لبلدي؛ فاخترتُ العودة. كان زوجي -رحمه الله- لا يملك سوى
البيت الكبير، قدَّروا ثمنه وأعطوني حقي ومؤخر صداقي وطقم ذهبٍ كان قد اشتراه لي
قبل وفاته، وضعتهم في كيسٍ داخل كيسٍ داخل كيسٍ، وحملتهم في حقيبة يدي. في المطار،
كيف؟! والله لا أعرف كيف سُرقت تلك الحقيبة! وعُدتُ إلى بلدي كما خرجتُ، ولم أحظَ
من تلك التجربة إلا بأداء فريضة الحج! وهذا بالضبط ما كنتُ أسأل الله بصدقٍ ويقينٍ
أن يُعطني إياه، كنتُ أطلب عن ضعفٍ، وهو سِبحانه يُعطي من فضلٍ. بعد فترةٍ من
عودتي إلى بلادي اتصل بي ابن زوجي وأخبرني أن الوالد كان مُوظفاً، وله راتبٌ
تقاعديٌ يؤول بعد وفاته لزوجته؛ فبتُّ أستلم كل شهرٍ راتب زوج الليلة الواحدة! وهو
مالٌ حفظني من سؤال الناس، وأعانني على العيش بكرامةٍ. وما زلتُ للآن، وبعد ثلاثين
سنةً أُساعد به أهلي وأولادي وأحبابي! صدقوني أني أترحم عليه كل يومٍ، وأذكره كل
يومٍ، ولا أكاد أذكر أبا أبنائي الذي عشتُ معه دهراً!".
في نهاية حديثها قالت: "تخيَّروا أوقات استجابة الدُعاء، واطلبوا من
الله بصدقٍ ويقينٍ كاملين، وألِّحوا عليه في الدُعاء، وهو سيُعطيكم من كرمه وفضله
ما يُدهشكم!".
أحبتي في الله.. إنه (الدُعاء بيقين)، لا يُمكن أن يرجع قائله خائباً
أبداً؛ فعطاء الله سُبحانه وتعالى -لمن يدعوه بيقينٍ- مُذهلٌ ومُدهشٌ.
وهذه قصةٌ أخرى حدثت مع إحدى الزوجات؛ حيث أخبرها الطبيب أن زوجها يُعاني
من العُقم الشديد، وفي حالته هذه يصعب حدوث الحمل حتى مع التدخل الطبي وإجراءات
التخصيب المخبري وزراعة الأجنة؛ حتى أنها قالت لصديقتها بكل يأسٍ: "لن أُصبح
أماً أبداً!"، ردَّت عليها صديقتها مُستهجنةً: "وهل يأتي الطفل من
الطبيب أم من رب الطبيب؟ واللهِ، إنَّ الذي خلق آدم بغير أبٍ وأمٍ، وخلق عيسى بغير
أبٍ، لهو قادرٌ على أن يخلق في أحشائك ما يشاء؛ فإنما أمره إذا أراد لشيءٍ أن يكون
أن يقول له كُن فيكون". تقول صديقة الزوجة: "أخبرتُها عن اليقين، وسر
استجابة الدعاء، وتحري وقت قيام الليل، وأخبرتها بحديث النبي صلى الله عليه وسلم:
[يَنزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى كُلَّ لَيلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا حينَ
يَبقى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدعوني، فأستَجيبَ له؟ مَن يَسألُني
فأُعطيَه؟ مَن يَستَغفِرُني فأغفِرَ له؟]. تقول الصديقة: "فنقلتُها إلى مرحلة
الإيمان التام المليء باليقين، فالتزَمَتْ بالدُعاء والرجاء؛ ليرزقها الله بعد ذلك
بفترةٍ بسيطةٍ بطفلٍ من دون أي تدخلٍ طبيٍ رغم عجز الأطباء عن ذلك!".
إنه (الدُعاء بيقين) أقوى سببٍ لإجابة الدُعاء بإذن الله؛ كتب أحدهم عنه
فقال: إنه الكنز العظيم الذي لم ينتبه إليه كثيرٌ منا، لقد أمضيتُ سنواتٍ أدعو ولا
أرى الإجابة! إلا في بعض الدعوات، لكن لما اكتشفتُ (الدُعاء بيقين) تغيَّر كل
شيءٍ! أصبحتُ أرى الإجابة تأتي بسرعةٍ خاطفةٍ.. واللهِ واللهِ إنه لفضلٌ من الله
أن دلَّني على هذا السر؛ أتدرون ما اليقين؟ ليس الإخلاص، ولا البُكاء، ولا الإلحاح
وكثرة الدُعاء فقط، کلا، إنه أن تعتقد بغير أدنى شكٍ أن الله مُجيب دُعائك.. أن
تمزج مع الدُعاء التوكل على الله لتأكيد اليقين.. أن تعتقد أن الأمر انتهى بمجرد
أن دعوتَ، ليكتمل يقينك بأنه سُبحانه ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
إذا كان [الدُّعاءُ هو العبادةُ] كما أخبرنا الحبيب المصطفى، فإن (الدُعاء
بيقين) في استجابة الله عزَّ وجلَّ للدُعاء يكون تسليماً وإيماناً صادقاً بقوله
تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وبقوله سُبحانه:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
إِذَا دَعَانِ﴾.
وعن هذا المعنى يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [القلوبُ أوعيةٌ،
وبعضُها أوْعى مِن بعضٍ؛ فإذا سألتُمُ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أيُّها النَّاسُ فسَلُوه
وأنتم مُوقنون بالإجابةِ؛ فإنَّ اللهَ لا يستجيبُ لعبدٍ دعاه عن ظَهْرِ قَلْبٍ
غافلٍ]، وفي روايةٍ: [ادْعُوا اللهَ وأنتمْ مُوقِنُونَ بالإجابةِ، واعلمُوا أنَّ
اللهَ لا يَستجيبُ دُعاءً من قلْبٍ غافِلٍ لَاهٍ]. يقول شُرَّاح الأحاديث إن معنى
مُوقنون بالإجابة أي: يغلب على ظنكم أن الله تعالى يتقبل دُعاءكم، ويُحقق مُرادكم،
وهذا من إحسان الظن بالله تعالى؛ وقد جاء في الحديث القُدسي: {أنا عند ظنِّ عبدي
بي؛ فليظُنَّ بي ما شاء} وفي روايةٍ: {أنا عند ظنِّ عبدِي بي؛ إنْ ظنَّ خيرًا
فلهُ، وإنْ ظنَّ شرًّا فلهُ}. ومعنى ظن عبدي بي هو: ظن الإجابة عند الدُعاء، وظن
القُبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار؛ لذلك ينبغي على المرء أن يجتهد في
الدُعاء، مُوقناً بأن الله يقبله، ويغفر له، لأنه وَعَدَ بذلك، وهو سُبحانه لا
يُخلف الميعاد.
ويُوجهنا النبي إلى (الدُعاء بيقين) بأن نعزم في الدُعاء؛ يقول صلى الله
عليه وسلم: [لا يقولُ أحدُكم اللَّهمَّ اغفِر لي إن شِئتَ، اللَّهمَّ ارحَمني إن
شِئتَ، ليَعْزِم المسألةَ فإنَّه لا مُكرِهَ لهُ]، وفي روايةٍ: [إذا دَعا أحَدُكُم
فليَعزِمِ المَسألةَ، ولا يَقولَنَّ: اللهُمَّ إن شِئتَ فأعطِني؛ فإنَّه لا
مُستَكرِهَ له].
وفي لطيفةٍ من لطائف الدُعاء قال سيدنا عُمر بن الخطاب رضي الله عنه:
"إني لا أحمل هَمَّ الإجابة، ولكن أحمل هَمَّ الدُعاء"؛ فإذا أراد الله
بعبدٍ خيراً ألهمه الدُعاء، ومُجرد أن يفتح الله على عبده باب التضرع فإن في ذلك
إشارةٌ إلى محبة الله له.
يقول أهل العِلم إننا ما دُمنا ندعو الله، فلنتيقن أنه إما أن يستجيب لنا
مسألتنا، أو يدَّخرها لنا في الآخرة، أو يدفع عنا بها سُوءاً. إن الدُعاء هو
العبادة، والإلحاح فيه بيقينٍ كاملٍ، والافتقار إلى الله وحده هو جوهر الطريق إليه
سُبحانه. والله عزَّ وجلَّ يُعطي باليقين ولا يُعطي بالتجربة؛ فقد يقول قائلٌ:
"لقد جربتُ ولم تُفلح تجربتي؛ طلبتُ من الله فلم يُستَجب لي، دعوتُ فلم أجد
ثمرةً لدُعائي" فنقول له: "إن الله لا يُجرَّب، إن عطاءه قائمٌ على
اليقين لا على التجربة؛ وكم من مرةٍ دُهشنا لاستجابة الله عزَّ وجلَّ لأدعيةٍ
ظنناها مُستحيلةً عندما قيلت بيقينٍ تام".
وعن (الدُعاء بيقين) قال
الشاعر:
لا تَسْأَلَنْ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً
وَسَلِ الَّذِي أَبْوَابُهُ لا تُغْلَقُ
اللَّهُ يَغْضبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ
وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضبُ
يا مَن يَرَى ما في الضَّمِيرِ ويَسْمَعُ
أنتَ المُعَدُّ لكُلِّ ما يُتَوَقَّعُ
يا مَن يُرجَّى في الشَّدائدِ كُلِّها
يا مَن إليهِ المَشْتَكَى والمَفْزَعُ
يا مَن خَزائنُ رِزْقِهِ في قَوْلِهِ امْنُنْ
فإنَّ الخَيْرَ عِنْدَكَ أجْمَعُ
ما لي سِوى فَقْرِي إليكَ وسيلةٌ
فَبِالافْتِقَارِ إليكَ فَقْرِي أدْفَعُ
ما لي سِوى قَرْعِي لِبابِكَ حِيلَةٌ
فلئن رُدِدْتُ فأيَّ بابٍ أقْرَعُ؟
أحبتي.. إنَّ مَن رُزق اليقين جمع خيريّ الدُنيا والآخرة، وانهالت عليه
البركات بلا توقف؛ فلنكُن مُتيقنين، وليقل الداعي منا: "يا ربِ وكلتك أمري،
استودعتك حاجتي"، وسيرى العجب العُجاب بإذن الله؛ فاللهم بجلال وجهك، وعظيم
عفوك، ارزقنا الإيمان التام، واليقين في الدُعاء.
https://bit.ly/4u3Buza
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق