الجمعة، 24 يوليو 2026

قُوة العزيمة

 

خاطرة الجمعة /561

الجمعة 24 يوليو 2026م

(قُوة العزيمة)

 

قصة اليوم قصةٌ فريدةٌ من نوعها، شغلت الرأي العام في «مِصر» مطلع الشهر الحالي، وظلت موضوعاً مُستمراً في العديد من مواقع التواصل الاجتماعي؛ فتحت عنوان: "تحدَّت المرض والعُمر.. «آمال إسماعيل» تحصل على الدُكتوراه من جامعة «المنصورة» في سن الـ83 بعد أن هزمت مرض السرطان" نشرت إحدى الصحف المصرية المُتميزة تفاصيل هذا العنوان فقالت:

في مشهدٍ استثنائيٍ امتزجت فيه دموع الفرح بالفخر، نجحت الباحثة «آمال إسماعيل متولي عبده» في الحُصول على درجة الدُكتوراه من كُلية الآداب بجامعة «المنصورة» في عُمر الـ 83 عاماً، لتكتب واحدةً من أكثر قصص الإصرار إلهاماً، وتؤكد أن تحقيق الأحلام لا يرتبط بعُمرٍ، وإنما بإرادةٍ لا تعرف المُستحيل. لم تكن رحلة «آمال» نحو الدكتوراه طريقاً مُمهداً، بل كانت مليئةً بالتحديات التي كان من المُمكن أن تُنهي حُلمها مُبكراً؛ فبعد حُصولها على الشهادة الإعدادية وهي في الثامنة والثلاثين من عُمرها، اضطرتها الإصابة بمرض السرطان إلى التوقف عن استكمال تعليمها لسنواتٍ طويلةٍ، لتُكرِّس وقتها للعلاج ومُواجهة المرض. لكن بعد أن انتصرت على المرض، قررت أن تبدأ من جديدٍ؛ فالتحقت بالمرحلة الثانوية وهي في الثامنة والستين من عُمرها، ثم واصلت طريقها إلى كلية الآداب بجامعة «المنصورة»، حيث درست عِلم الاجتماع، ولم تكتفِ بالحصول على الليسانس، بل واصلت رحلتها الأكاديمية حتى نالت درجتي الماجستير والدُكتوراه.

خلال إعداد رسالة الدُكتوراه، واجهت الباحثة «آمال» تحدياتٍ صحيةً جديدةً، بعدما تعرضت لكسرٍ في الحوض وأزمةٍ صحيةٍ استدعت إجراء تدخلاتٍ علاجيةٍ، الأمر الذي أدى إلى تأجيل مُناقشة الرسالة، إلا أن تلك الظُروف لم تنل من عزيمتها، لتعود مرةً أُخرى وتستكمل أبحاثها. تم إعداد رسالة الدُكتوراه بعنوان: "الشيخوخة النشطة وعلاقتها ببعض المُتغيرات السوسيولوجية - دراسةٌ لبعض الحالات المُختارة بجامعة «المنصورة»"، والتي تناولت العلاقة بين الشيخوخة النشطة وعددٍ من المُتغيرات الأُسرية والاجتماعية والصحية والمهنية والاقتصادية، والعوامل المُؤثرة في استمرار مُشاركة كبار السن واندماجهم في المُجتمع، وهو موضوعٌ يعكس اهتماماً بقضايا كبار السن وجودة حياتهم، ويُجسِّد ارتباط تجربتها الشخصية بالبحث العلمي. وشهدت قاعة المناقشة أجواءً مُؤثرةً، حيث حرص أفراد أُسرتها وأبناؤها وأحفادها على الحضور لمُشاركتها لحظة تتويج سنواتٍ طويلةٍ من الصبر والكفاح، فيما أشادت لجنة المُناقشة بجهدها العلمي وإصرارها على استكمال مسيرتها الأكاديمية رغم ما واجهته من تحديات.

تحولت قصة الدكتورة «آمال» إلى مصدر إلهامٍ داخل الأوساط الأكاديمية والمُجتمعية، باعتبارها نموذجاً يؤكد أن طلب العِلم لا يتأثر بسنوات العُمر، وأن الإرادة قادرةٌ على تجاوز أصعب الظروف، لتُصبح صاحبة الـ83 عاماً مصدر أملٍ لكل من تأخر عن تحقيق حُلمه أو ظنَّ أن الوقت قد فات؛ فلم يكن حصولها على الدُكتوراه مُجرد إنجازٍ أكاديميٍ، بل كان شهادةً جديدةً على أن النجاح يبدأ بالإيمان بالهدف، وأن الإنسان يستطيع أن يكتب فصلاً جديداً في حياته مهما تقدم به العُمر، لتبقى قصة «آمال» نموذجاً إنسانياً مُلهِماً يروي كيف ينتصر الأمل على المرض، وكيف يهزم الإصرار كُل العقبات.

تم تكريم الدكتورة «آمال» من قِبل جامعة «المنصورة» بمنحها درع الجامعة وشهادة تقدير؛ تتويجاً لمسيرتها العلمية والإنسانية المُلهِمة، بعد رحلةٍ حافلةٍ بالإصرار والمثابرة، لتُقدم نموذجاً مُشرفاً، يؤكد على أن الإرادة قادرةٌ على تحقيق الأهداف وتجاوز الصعاب. لم يكن ذلك التكريم احتفاءً بحصولها على درجة الدُكتوراه فحسب، وإنما تقديراً لرحلة كفاحٍ استثنائيةٍ أثبتت خلالها أن الطموح لا يتأثر بسنوات العُمر، وأن الإيمان بالهدف والإرادة الصادقة قادران على تحقيق النجاح. إن ما حققته الدكتورة «آمال» ليس إنجازاً شخصياً فحسب، بل هو رسالةٌ إنسانيةٌ ووطنيةٌ تؤكد أن بناء الإنسان يبدأ بالإيمان بقُدراته، وبقيمة العلم التي تمنح الإنسان القُدرة على تجاوز التحديات وصناعة مُستقبلٍ يليق بطُموحه؛ إذ أصبحت الدكتورة «آمال» نموذجاً مُلهِماً في الإصرار والعزيمة، ورسالةً تؤكد على أن التعلم رحلةٌ لا تتوقف ما دام الإنسان مُتمسكاً بحُلمه. لقد تم تكريمها كنموذجٍ مُشرفٍ يُقدِّم قصة نجاحٍ مُلهمةٍ تُسهم في ترسيخ ثقافة الاجتهاد والمُثابرة.

لم تخمد شُعلة العزيمة والإرادة بعد حصول «آمال» على هذه الدرجة العلمية الرفيعة، بل ما تزال هذه الشُعلة مُتوهجةً؛ حيث قالت «آمال» فى تصريحٍ خاصٍ للجريدة: "أتمنى الالتحاق بكُلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية؛ لأتعلم هذه اللغة حيث يُفيدني ذلك لو سافرتُ إلى حفيدتي فى «أمريكا»، علينا ألا نتوقف أبداً عن التعلم؛ فنحن أُمة إقرأ".

 

أحبتي في الله.. لقد كانت كلمة السر في نجاح الدكتورة «آمال» هي (قُوة العزيمة)، والعزيمة مُشتقةٌ من العزم. وردت لفظة "عَزْم" ومُشتقاتها في القرآن الكريم تسع مراتٍ، في مقام المدح يقول تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، وفي مقام الذم يقول سُبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. وفي جميع الأحوال يكون معنى "العَزْم" هو الإرادة الصلبة الجازمة، وتوطين القلب على إمضاء الأمر، والصبر والثبات في تنفيذه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ أي إذا عزمتَ على أمرٍ من الأمور فأَمْضِه مُعتمداً على الله وحده، ومُتوكلاً عليه. وقوله سُبحانه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وفيه الحث على الصبر على الأذى؛ فإن الحياة مليئةٌ بالشدائد والمحن، و﴿عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أعاليها ومكارمها. وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ أي: لو صدقوا الله بالاستعانة به، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ فالعبد ناقصٌ من كل وجهٍ، لا قُدرة له إلا إن أعانه الله، وبقدر نشاط العبد وعُلو همته بقدر ما يكون التوفيق والتسديد من الله سُبحانه وتعالى.

 

وعن (قُوة العزيمة) قال الرسول صلى الله عليه وسلم: [احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ]، والمُراد بعبارة [مَا يَنْفَعُكَ] ما يعود على الإنسان بخيري الدُنيا والآخرة من العبادات والأعمال الصالحة، ومعنى الحرص هو الأخذ بالأسباب مع الاعتماد على مُسبب الأسباب وهو الله سُبحانه وتعالى؛ ولهذا قال بعد ذلك: [وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ]؛ لأن الإنسان إذا أخذ بالأسباب ولم يحصل له عونٌ وتوفيقٌ من الله تعالى، فلن يُحصِّل ما يُريده؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله. أما [وَلاَ تَعْجِزْ] فمعناها لا تتكاسل ولا تتثاقل عمَّا لا ينبغي التثاقل عنه مع وجود القُدرة عليه؛ ولذلك كان من دُعاء النبي صلى الله عليه وسلم [اللهُمَّ إنِّي أعوذُ بك مِنَ العَجزِ والكَسَلِ].

 

يقول أهل العِلم إن "العزم" لابد وأن تسبقه "الإرادة" التي هي تصميمٌ واعٍ على أداء فعلٍ مُعينٍ لتحقيق هدفٍ ما، يأتي بعد ذلك العزم بالعمل على تجاوز كُل الصُعوبات والتحديات والعوائق للوصول إلى ذلك الهدف. ثم يأتي "الإصرار" مُكملاً ومُثبتاً للإرادة والعزم، ويظهر في الاستمرار في التقدم وعدم الاستسلام حتى يتحقق الهدف.

 

ويرى العُلماء إن من الوسائل المُعينة على (قُوة العزيمة) التوكل على الله وحُسن الظن به؛ فمن آثار عقيدة التوحيد في نفس المؤمن قُوة الإرادة والصبر والثبات؛ لعلمه أن الله معه وأنه مُؤيده وناصره. وكذلك الدُعاء؛ فقد كان من دُعاء النبي صلى الله عليه وسلم [اللَّهمَّ! إنِّي أسألُك الثَّباتَ في الأمرِ، والعزيمةَ على الرُّشدِ]. وكذلك الاقتداء بأقوياء العزيمة وذوي الهمم العالية ومُصاحبتهم؛ فالمرء على دِين خليله.

وأيضاً المُسارعة في التنفيذ، وعدم التردد بعد عقد العزم على العمل.

 

يُقال: إن الإرادة هي ما يدفعك للخُطوة الأولى على طريق الكفاح، و(قُوة العزيمة) هي ما يُبقيك على هذا الطريق حتى النهاية. ويُقال أيضاً: لا تجعل العوائق تُوقف مسيرتك، إذا واجهتَ حائطاً فلا تستدر لتعود خائباً، عليك أن تُحاول تسلقه، أو المرور من خلاله، أو حتى الالتفاف من حوله. ويُقال كذلك لا تتحقق الأعمال بالتمنيات، إنما بالإرادة تُصنَع المُعجزات.

 

ويقول الشاعر:

بِقَدْرِ الكَدِّ تَكْتَسِبُ المَعَالي

ومَن طَلَبَ العُلا سَهَرَ الليالي

ومَن رَامَ العُلا مِن غَيرِ كَدٍ

أضَاعَ العُمْرَ في طَلَبِ المُحَالِ

تَرُومُ العِزَ ثُمَّ تَنَامُ لَيْلاً

يَغُوصُ البَحْرُ مَن طَلَبَ اللآلي

ويقول آخر:

ومَا نَيْلُ المَطالِبِ بِالتَمَني

ولَكِنْ تُؤخَذُ الدُنْيا غِلابَا

ومَا استَعْصَى عَلَى قَوْمٍ مَنالٌ

إذا الإقْدَامُ كَانَ لَهُم رِكَابَا

 

أحبتي.. أنصح نفسي وإياكم بأن نظل دائماً -مهما كانت أعمارنا- في حالة بحثٍ عن عملٍ مُفيدٍ لنا، في دِيننا ودُنيانا، نجعله هدفاً لنا ونضع خطةً لتنفيذه، ونتوكل على الله؛ ليكون لنا مُعيناً وموفِّقاً، لا نتردد ولا نُسوِّف، لا نجعل كِبَر السن عائقاً لنا، ولا نتعلل بمرضٍ، ولتكن لنا عبرةٌ في قصة الدكتورة «آمال» وأمثالها من الذين كانت (قُوة العزيمة) سر نجاحهم، وسبب تفوقهم.

اللهم اجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآتنا ما وعدتنا وبَشَّرتنا به في قولك: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.

https://tinyurl.com/2c9g6umc