الجمعة، 21 أغسطس 2026

دعوة مشبوهة

 

خاطرة الجمعة /565

الجمعة 21 أغسطس 2026م

(دعوة مشبوهة)

 

لا أجد من الكلمات ما يُعبِّر عن شعوري -وشعور الملايين من المصريين- بالأسى على الحال الذي وصل إليه البعض من مُقدمي البرامج التلفزيونية، ممن أُتيحت لهم فرصة توعية الناس ونقل المعارف المُفيدة لهم ومناقشة القضايا التي تهمهم وتثقيفهم والإسهام في تعليمهم، فبدلاً من ذلك يقومون بتجهيلهم، والتدليس عليهم، وتلبيس الأمور عليهم، وتشويه أفكارهم، والنيل من مُعتقداتهم، وتشكيكهم في أصول دينهم؛ فهذا واحدٌ من هؤلاء، فوجيء المشاهدون لبرنامجه اليومي بإحدى القنوات التلفزيونية الرسمية المصرية، بإشادته بتجربةٍ سيئةٍ لإحدى الدول العربية، والتي تُعد انتكاسةً فاضحةً بكل المقاييس، بعد إقرار مجلس الوزراء بتلك الدولة لقانون يُساوي بين المرأة والرجل في الميراث مُخالفاً بذلك نَص الآية الكريمة: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. أطلق علينا هذا الشخص (دعوة مشبوهة) فقال نَصاً -وأعتذر لاستخدام العامية المصرية-: "لو كان لدينا مجلس نواب شُجاع وجريء وعادل ومُنصف، وأقر قانوناً يقول إن الميراث بالتساوي بين الرجل والمرأة.. يكون كده خالف شرع ربنا؟ ما اعتقدش إنه يكون خالف شرع ربنا؛ لأنه ببساطةٍ شديدةٍ محدش هييجي مثلاً يُغيِّر القُرآن، ناس تقول لك كده أنت بتغير القرآن.. لأ إحنا مُش بنغير القرآن! يعني مُش هييجي مثلاً في القرآن الذي نتعبد به إلى الله فتيجي تلاقي الإمام بيقرأ في صلاة المغرب ولا العِشا ولا في الفجر مثلاً من سورة النساء ويقول: «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل الأنثى» مُش هنُغيرها! مُش هتتغير، محدش هيغيرها، محدش يُزايد في الحتة دي. ولكن الحُكم نفسه، فأنت بتحتفظ بالنص المُقدس، ولكن يتم تعطيل العمل به لأنه لم يعد مناسباً للمجتمع الآن! خلينا نعقلها كده، لأنه إيه معنى إنك أنت تتشدق -كعالم دين ولا شيخ أزهر ولا مُفتي- تتشدق وتقول إن الإسلام ساوى بين المرأة والرجل في كل شيء، فتيجي تقول له طب الميراث؟ يقول لك: لأ ده وضع تاني"!

 

أحبتي في الله.. إلى هذه الدرجة وصلت الجُرأة على الله سُبحانه وتعالى، وإلى هذه الدرجة يتم الاستخفاف بعقول المُشاهدين حين يقول ما معناه "لن نغيِّر في القرآن لأنه نصٌ مُقدسٌ، لكننا سنقوم فقط بتعطيل حُكم الله؛ لأنه لم يعد مُناسباً لنا"! ولو أنه أكمل الآية التي يُريد تعطيل العمل بأحكامها لوجد خاتمتها: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ فهذا الحُكم الإلهي ليس انتقائياً، ولا يخضع للميول والأهواء، ولا علاقة له بتغير الزمان أو المكان، إنه ليس اجتهاداً بشرياً يمكن مُناقشته لتعديله أو التخلي عنه وتعطيل العمل به؛ لكونه ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مثله مثل الصلاة والزكاة وصوم رمضان والحج. وختام الآية بالقول ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يُعطي معنىً واضحاً لا يُخطئه فهمٌ؛ أن أحكام الميراث الواردة في هذه الآية -وفي غيرها- مُحكمةٌ وعادلةٌ، لا مُحاباة فيها لأحدٍ، وليس فيها ظلمٌ -كما يدَّعون- لأي طرفٍ؛ فالذي فرضها عليمٌ خبيرٌ، فهل مَن يُريد وقف العمل بها أكثر عِلماً أو أكثر حكمةً من الله؟! حاشا وكلا.

 

كانت هذه الدعوة قد ظهرت لأول مرةٍ في «مصر» عام 1928م حين جاهر بها أحد النصارى، ولاقت مُعارضةً شديدةً، ومن المُلفت للنظر وقتها أن رئيسة الاتحاد النسائي كانت من أشد المُعارضين لهذه الدعوة. ثم تجددت ذات الدعوة عام 1930م على يد دعيٍّ آخر ردَّ عليه أحد الشيوخ الأجلاء بقوله: "أمْرُ الدين ليس كأمر القوانين في جواز وضع نصوصه موضع البحث والنظر؛ لنترك ما لا نستحسنه منها ونُبقي ما نستحسنه، بل مُقتضى الدين قبول كل ما هو قطعيٌ منه، سواءً أدركنا وجه منفعته أم لا. والأحكام الشرعية ليست اختياريةً؛ فهذا ما لم يقل به عالمٌ من عُلماء المُسلمين المُتقدمين ولا المُتأخرين، وهو مُخالفٌ للكتاب والسُنة والإجماع، والقول به يُعد كُفراً صريحاً؛ إذ لا فرق عند العُلماء بين أحكام العبادات وأحكام المُعاملات في أدلة ثبوتها ووجوب العمل بها".

وفي (دعوة مشبوهة) مُماثلةٍ ظهر في «مصر» عام 2018م دعيٌ آخر، طالب بالمساواة في الميراث بين الذُكور والإناث، واقترح طرح الأمر في استفتاءٍ شعبيٍ! وقد ردَّ عليه آنذاك مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية مُؤكداً على أن: "تحليل الحرام أو تحريم الحلال جريمةٌ شرعيةٌ، ومُحاسبة من يدعو إليها واجبةٌ، ونصوص الميراث في الإسلام قطعية الثبوت والدلالة، لا تقبل الاجتهاد أو التلاعب، وإن الميراث ليس من المسائل الظنية التي تحتمل النقاش، بل هو حكمٌ شرعيٌ مُحكمٌ جاء في آياتٍ واضحةٍ، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾. إن قضايا الميراث ليست مجالاً للاستفتاء أو التفاوض الشعبي، فهي ليست وضعاً بشرياً، بل تشريعٌ إلهيٌ محفوظٌ بآياتٍ لا تقبل التأويل، ومن يتجرأ على تغييرها فإنه يُخالف صريح القرآن ويُعرِّض الأُمة للخطر. ونبَّه الأزهر إلى أن الادعاء الدائم بأن أحكام الشريعة لا تُناسب الزمان وتطور العصر؛ طرحٌ كريهٌ لا يُراد به إلا عزل الإسلام عن حياة الناس، فضلاً عن كونه فتنةً عظيمةً في دِينهم؛ لا يجني المُجتمع منها إلا الانحراف الفكري والتطرف". كما ردَّ عليه وقتها مُفتى «مصر»، وجاء في رده: "أنه لا اجتهاد في النصوص قطعية الدلالة وقطعية الثبوت، بدعوى تغيُّر السياق الثَّقافي الذي تعيشه الدُول والمُجتمعات الآن. والزعم بأنَّ الإسلامَ يُورِّثُ مُطلقاً الذكرَ أكثرَ من الأنثى، هي دعوى لا يُعتدُّ بها وزَعْمٌ باطِلٌ؛ فالمرأةُ في الإسلام لها أكثرُ من ثلاثينَ حالةً في الميراث، ونجدُ الشَّرعَ قد أعطاها في كثيرٍ من الأحيان أكثرَ مما أعطى الرجل".

 

المُفارقة التي فاتت هؤلاء الأدعياء ومن ناصروهم، قصداً أو جهلاً، أن الاستجابة لدعواهم لا تعني غير شيءٍ واحدٍ مؤكدٍ؛ وهو ظُلم المرأة، التي يزعمون أنهم يهدفون إلى رفع الظُلم عنها؛ ذلك أن النظام المالي الإسلامي -كما يقول العُلماء- يقوم على توازنٍ دقيقٍ يجعل المرأة إما مُساويةً للرجل، أو أوفر حظاً منه في المُجمل، وأن التفاوت المحدود في بعض الحالات هو تطبيقٌ لمبدأ "الغُرم بالغُنم"، ومُراعاةٌ للأعباء الاجتماعية والمالية المُلقاة على عاتق الرجل. إن التمايز في الميراث لا تحكمه الذُكورة والأنوثة، بل ثلاثة معايير أساسية؛ أولها: درجة القرابة؛ فكلما اقتربت الصلة بالميت زاد النصيب في الميراث. ثانيها: موقع الجيل الوارث؛ إذ أن الأجيال التي تستقبل الحياة -مثل الأبناء- يكون نصيبها أكبر غالباً من الأجيال التي تستدبر الحياة -مثل الآباء- بغض النظر عن الجنس. ثالثها: العبء المالي؛ ويُعَد المعيار الوحيد الذي يُثمر تفاوتاً بين الذَكر والأُنثى، نظراً لتكليف الرجل شرعاً بإعالة الأُنثى بينما تظل ذمة المرأة المالية مُستقلةً ومحمية.

ومن خلال استقراء حالات الميراث يتبين أن دعوى "المرأة ترث نصف الرجل دائماً" هي (دعوة مشبوهة) وباطلةٌ؛ يوضح أهل العِلم أن ليس كُل حالات ميراث المرأة "أنَّ لها نصف ما للرجل"؛ فهناك أربعٌ وثلاثون حالةً من أحوال الميراث ترث فيها المرأة بنِسَبٍ مُختلفةٍ: عشر حالاتٍ ترثُ فيها كالرَّجُلِ؛ مثل ميراث الأب والأم، ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾. وعشر حالاتٍ أُخرى ترث المرأة فيها أكثر من الرجل، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾؛ فلو مات شخصٌ وترك بنتاً وأباً، فنصيب البنت النصف ونصيب الأب السُدس مع بقية التركة، ومع ذلك لم يقل أحدٌ إنَّ كرامة الأب منقوصةٌ. وهناك عشر حالاتٍ تحجب فيها المرأة الرجل، مثل أن يموت شخصٌ عن ابنٍ وبنتٍ وأخوين شقيقين، فالابن والبنت يأخذان التركة كلها، فورثت البنت ولم يرث الأخ الشقيق. وهناك أربعُ حالاتٍ فقط هي التي يكون فيها للذَّكَرِ مثل حظ الأنثيين. وهذا يدل على إنصاف الإسلام للمرأة المُسلمة؛ بل إن الإسلام قد ميَّز الأُنثى في الميراث أحياناً لتكون لها ذمةٌ ماليةٌ خاصةٌ ومُستقلةٌ تحميها من تقلب الزمن، دون أن تُكلَف بالإنفاق على غيرها. ويُرجع أهل العِلم ذلك إلى التوازن بين الميراث والنفقة؛ فالنفقة واجبةٌ للمرأة: سواءً كانت بنتاً، زوجةً، أو أُماً، فهي مكفولةٌ مادياً من قِبَل الرجل "الأب أو الزوج أو الابن". كذلك فإن الشرع قد حافظ على إكرام المرأة في المأكل والملبس والمسكن، حتى في أدوات الرفاهية، مما يُفسِّر سبب زيادة نصيب الرجل في بعض حالات الميراث لمُواجهة هذه التكاليف.

 

وهناك أمثلةٌ كثيرةٌ لا تخلو كُتب المواريث وعِلم الفرائض من تفاصيلها، ولله الحكمة التامة فيما قدَّر وشرَّع.

 

أحبتي.. إن الدعوة لمُساواة الأُنثى بالذَكر في الميراث هي (دعوة مشبوهة) تبدو في ظاهرها كما لو كانت دعوة حقٍ؛ لكن الحقيقة أن المُراد منها باطلٌ؛ فأصحاب هذه الدعوة لديهم سبق إصرارٍ، وتعمدٌ، وسُوء طويةٍ، وهُم يعلمون أن ما يقومون به هو هدمٌ مقصودٌ لثوابت الدين، يقول عنهم سُبحانه وتعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، فيا من تعصون الله ورسوله وتزعمون أنكم أكثر حرصاً على صيانة حُقوق المرأة من خالقها، وتُطالبون بتعطيل حُكم الله، يتوعدكم الله سُبحانه وتعالى بالخزي في الحياة الدُنيا، وبأشد العذاب يوم القيامة؛ فأنتم في ضلالٍ مُبينٍ، تظلمون أنفسكم، وتظلمون المرأة التي تتشدقون بحمايتها من الظُلم!

اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام، ولك الشُكر أن جعلتَ فطرتنا سويةً سليمةً تُشعرنا بكل (دعوة مشبوهة)، وتقودنا للتفرقة بين الصواب والخطأ، بين النور والظلام، بين الإيمان والكُفر.‏

 

https://tinyurl.com/29srbmkm