الجمعة، 14 أغسطس 2026

والله غالبٌ على أمره

 خاطرة الجمعة /564

الجمعة 14 أغسطس 2026م

(والله غالبٌ على أمره)

 

قصةٌ حقيقيةٌ وعجيبةٌ؛ في سبعينيّات القرن العشرين قامت مجموعة طُلاب من جامعة النجاح في «نابلس» بالبحث عن أكبر مُعمّرٍ في «فلسطين» لإجراء مُقابلةٍ معه، ونشرها بمجلّة الجامعة. وجدوا في «الخليل» رجلاً مُسنَّاً عُمره 120 سنةً، وُلد قبل الحرب العالمية الأولى -التي نشبت سنة 1914م- بحوالي 60 سنةً، ولا يزال يتمتّع بذاكرةٍ قويّةٍ وبِنْيَةٍ سليمةٍ -وقد تُوفي في السّنة نفسها التي أجروا فيها المُقابلة معه- سأله الطُلاب: "يا عم، حدِّثنا عن أغرب قصّةٍ سمعتها في حياتك الطّويلة؟"، قال الرّجل المُسنّ: "بل أُحدثكم عن قصةٍ عشتها أنا شخصياً؛ عندما كُنتُ في السبعين من عُمري توفّيت زوجتي، وكان الله قد رزقني منها بعشرة أولادٍ ذُكوراً وإناثاً.. وكُنتُ أملك في «الخليل» مساحةً كبيرةً من الأراضي، وأموالاً كثيرةً؛ فأردتُ أن أتزوّج من امرأةٍ ترعى شُئوني، وما أن اشتمَّ أولادي خبر نيتي الزواج حتى اجتمعوا عليَّ، وبدأ كُل واحدٍ منهم يعرض خدماته عليّ، ويقولون لي: نحن وأزواجنا وأولادنا بخدمتك، نحن نطبخ لك، نحن نغسل لك، نحن نعتني بك!! طبعاً كُل هذا حتى لا تأتي امرأةٌ تُشاركهم في ميراث أبيهم. المُهم، منعوني بشتّى الطُّرق من الزّواج، خوفاً من أن ترثني زوجتي الجديدة وأولادي منها، فتذهب بعض الأراضي والأموال من حصّتهم في الميراث بعد موتي. وأصبح أولادي ينتظرون موتي ليرثوني في مُمتلكاتي وأموالي، لكن المُفاجأة الغريبة، أنّه ومُنذ كان عُمري 70 سنةً وحتى أصبح عُمري 80 سنةً، خلال تلك السنوات العشر، فقدتُ جميع أولادي العشرة واحداً بعد الآخر، أصبحوا تحت التُراب، ذُكوراً وإناثاً، ماتوا كُلهم موتاً طبيعياً، كُل 12 شهر تقريباً يموت واحدٌ، دفنتهم جميعهم بيديَّ هاتين!!! وعندما صار عُمري 80 سنةً وأصبحتُ بدون أبناءٍ، تزوّجتُ، وهي زوجتي التي معي مُنذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا، والأغرب من هذا كُله أن الله رزقني منها عشرة أولادٍ جُدد! مازالوا معي كُلهم حتى هذه اللحظة ولله الحمد".

يقول ناشر هذه القصة إنه لا تعليق عليها سوى بقوله تعالى: (والله غالبٌ على أمره).

 

أحبتي في الله.. نجد معنى هذه الآية الكريمة في موقفٍ عجيبٍ آخر حدث مع «فاطمة»، وهي امرأةٌ صُوماليةٌ مُسلمةٌ فقيرةٌ كانت تعيش في «إنجلترا»، اتصلت بمحطةٍ إذاعيةٍ تطلب الحُصول على مُساعدةٍ، وتصادف أن شخصاً مُلحداً كان يستمع إلى ذات المحطة في ذلك الوقت؛ فاتصل بالمسئولين بالمحطة وطلب منهم الحصول على رقم هاتف «فاطمة» وعنوانها، زاعماً أنه يُريد مُساعدتها، لكنه في الواقع كان ينوي أن يسخر منها؛ فبعد أن حصل على رقم الهاتف والعُنوان أعطى التعليمات لسكرتيرته الخاصة بأن تُجهِّز مواداً غذائيةً ومُساعداتٍ أُخرى وتوصلها إلى هذه المرأة، وقال للسكرتيرة: "إذا سألتكِ المرأة عن مصدر هذه المُساعدات فقولي لها أنها من الشيطان!"، فلمَّا وصلت السكرتيرة إلى منزل «فاطمة» فرحت بهذه المُساعدات، فسألتها السكرتيرة: "ألا تريدين أن تعرفي مصدر هذه المُساعدات ومَن أرسلها لك؟"، أجابت المرأة الأُمية بجوابٍ رائعٍ جعل المُلحد يعتنق الإسلام، الجواب الرائع كان: “لا أريد أن أعرف، ولا أهتم بذلك؛ لأن الله إذا أراد شيئاً حتى الشياطين تُطيعه"!!

 

وعن معنى (والله غالبٌ على أمره) كتب أحدهم: استمعتُ اليوم إلى حكايةٍ حقيقيةٍ؛ قبل عدة سنواتٍ قام أخٌ أكبر بالاستيلاء على حق أخيه الأصغر منه في ميراث أبيهم المُتوفى، وكانت قيمة ذلك الميراث وقتها تُعادل بسعر اليوم قُرابةٍ خمسمائة مليون جنيه. بعد تلك السنوات تُوفيَّ الأخ الأكبر، ثُم توفيَّ بعده ابنه الوحيد غير المُتزوج بسبب مرضٍ في القلب؛ فمن يرث الآن؟ الأخ الأصغر الذي أُكل إرثه من قبل! عاد الحق إلى صاحبه مُضاعفاً؛ إرثه من أبيه، وإرثه من أخيه الأكبر الذي كان قد حرمه من حقه! (والله غالبٌ على أمره) ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

يقول المفسرون إن الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ التي وردت في سُورة «يوسف»، تعني أن الله سُبحانه وتعالى فعّالٌ لما يشاء، لا يغلبه شيءٌ ولا يَرُدُ حُكمَه رادٍ، وإذا أراد شيئاً فلا يُمَانَع ولا يُخَالَف، بل هو الغالب على ما سواه. والهاء في لفظ "أَمْرِهِ" في قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ راجعةٌ إلى الله تعالى؛ أي أن الله غالبٌ على أمره لا يغلبه فيه أحدٌ؛ ﴿إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. وقيل: بل ترجع الهاء إلى «يوسف» -عليه السلام- بمعنى أن الله غالبٌ على أمر «يوسف» يُدبِّره كيفما شاء بما يؤدي إلى رفعته بعد إصابته بالضراء، ولا يكِله إلى غيره، حتى لا يصل إليه كيْدُ كائد. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ تعني: لا يدرون حكمة الله في خَلْقه، وتلطفه لما يُريد؛ فهُم لا يطِّلعون على غيب الله، وما فيه من الأسرار العظيمة، والحِكَم النافعة العميمة، والتدبيرات الكريمة؛ إذ هُم لا يعلمون ما خبأه الله له في الغيب المستور؛ وهكذا غلب أمر الله على من أرادوا الكيد والمكر بسيدنا «يوسف» عليه السلام؛ فكانت العاقبة الحسنة له.

 

يقول أهل العِلم إننا لو تتبعنا مسار التاريخ ومسيرة الإنسان لوجدنا أن حقيقة (والله غالبٌ على أمره) لا تشذ أبداً، ولا تتخلف مُطلقاً؛ فلا يقع في مُلكه إلا ما يُريد. والعباد -بمن فيهم الطواغيت المُتجبرون- ليسوا بضارين من أحدٍ إلا بإذن الله؛ وليسوا بنافعين أحداً إلا بأمر الله؛ فلن يكون إلا ما يُريده الله سُبحانه؛ فأمره تعالى نافذٌ، لا يُبطله مُبطلٌ، ولا يغلبه مُغالبٌ، وقُدرة الله وراء كل ما يخطر للبشر على أي حال.

 

وكُل الأمور بيد الله سُبحانه وتعالى؛ فلا رادَّ لقضاء الله ولا مُنازع له فيما يُريد ولا مانع له، فهو العزيز سُبحانه، والأمر كُله له؛ يقول تعالى: ﴿بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ فلا رادَّ لمُراده في أرضه وسمائه، ولا دافع لقضائه في ليله ونهاره.

 

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [اعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ، ولو اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ].

 

ويقول المُتخصصون في علم النفس إنه في لحظات الضعف، عندما تضيق الأسباب، وتتشابك الأحداث، ويشعر الإنسان أن كل شيءٍ خرج عن السيطرة، تأتي هذه الآية القصيرة كبلسمٍ عميقٍ للروح: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ فهي ليست مُجرد جملةٍ قُرآنيةٍ بل قانونٌ كونيٌ للطُمأنينة؛ فالمعنى العميق للآية أنه سُبحانه غالبٌ بالفعل على: المرض، الخوف، الظُلم، والكيد. وما نراه شراً هو في حقيقته خيرٌ؛ فهو لا يحدث خارج تدبير الله، حتى لو بدا عكس ما نراه. فقد نزلت هذه الآية في قلب المحنة؛ عندما أُلقيَ «يوسف» عليه السلام في غيابة الجُب، ثم بيع عبداً، ثم ظُلم وسُجن، ومع ذلك كانت كُل خُطوةٍ مُؤلمةٍ جُزءاً من طريق التمكين. إن هذه الآية تُعطي الإنسان طُمأنينةً حقيقيةً؛ (والله غالب على أمره) ليست تكراراً لفظياً بل إعادة برمجةٍ داخليةٍ، بمعنى "أنا لستُ وحدي، أنا في رعاية الله، في رعاية العزيز الحكيم".

 

أحبتي.. وراء كُل محنةٍ منحةٌ، وما يُقدّره الله لنا، وإن بدا مُؤلماً، قد يكون طريقاً إلى عزٍّ وكرامةٍ لا نتصورها؛ فكم هو مُطمئنٌ هذا المعنى: (والله غالبٌ على أمره). هكذا هي أحداث حياتنا لو تأملناها لوجدنا أن اختيارات الله لنا كانت خيراً من حيث لا ندري، وإن ظننا أنها شَرٌّ، ولو اجتمع علينا الماكرون ولو أحاط بنا الكائدون، فإن حفظ الله وعنايته أغلب؛ فالله عزيزٌ إذا أراد الله شيئاً، وأراد كُل الخَلْق شيئاً؛ كان ما أراد الله، ولا مُغالب لما أراد.

إن التسليم الكامل بمعنى (والله غالبٌ على أمره) هو من أصول الإيمان؛ فلنُحسن الظن بالله، ولا نتقاعس أو نتكاسل بل نأخذ بالأسباب، ونتوكل على الله، ونثق في أنه يختار لنا الأصلح حتى لو بدا لنا غير ذلك.

اللهم اجعل غلبة أمرك علينا خيراً، ورضِّنا به، وبارك لنا فيه.

 

https://tinyurl.com/2xsd6s3t