خاطرة
الجمعة /569
الجمعة
18 سبتمبر 2026م
(الدنيا
لا تزال بخير)
هذه قصةٌ حدثت بالفعل في
«مصر»، يرويها صاحبها فيقول:
أنا رجلٌ بسيط الحال؛
أعمل سائق شاحنةٍ صغيرةٍ في شركةٍ كبيرةٍ، تعوَّدتُ أن أتسلم مساء كل يوم مبالغ
التحصيل الخاص بالعمل من فروع الشركة، ثم أقوم كل صباحٍ بتسليمه إلى المركز
الرئيسي للشركة. في صباح أحد الأيام اختلط عليّ الأمر؛ إذ وضعتُ مبلغ التحصيل، وهو
مئة ألف جنيهٍ، في كيسٍ أسود، وأخذتُ معي كيساً أسود آخر به قِمامة المنزل،
ونزلتُ، ركبتُ السيارة، وضعتُ كيس النقود في الخلف بجوار الحبال التي نربط بها
البضاعة على أنه كيس القِمامة، ووضعتُ كيس القِمامة خلف مقعد السائق على أنه كيس
النقود! وعندما وصلتُ إلى مكب القِمامة قُرب الجسر في منطقة «البراجيل»، ألقيتُ
كيس النقود ومضيتُ، لقد ألقيتُ أموال الشركة ومُستحقات الناس على أنه قِمامة! لم
أكتشف ذلك إلا عندما وصلتُ إلى المركز الرئيسي للشركة، قلبتُ المقعد لأُخرِج كيس
النقود، فإذا بكيس القِمامة أمام وجهي! اسودَّت الدُنيا في عينيّ، ولم تعد قدماي
قادرةً على حملي، ولم يبقَ على لساني إلا كلمةٌ واحدةٌ وأنا أنظر إلى السماء
وأصرخ: "يا رب، اللهم لا ملجأ منك إلا إليك". اتصلتُ فوراً بزوجتي وأنا
أكاد أموت من الرُعب وقُلتُ لها: "أدركيني؛ أسرعي إلى مكب القِمامة قُرب
الجسر، لقد ألقيتُ كيس النقود بدلاً من كيس القِمامة"؛ فركضت زوجتي وخرجت إلى
الشارع كالمجنونة، ووصلت إلى مكب القِمامة تبحث وسطها وهي تبكي.. هُنا ظهرت إحدى
السيدات، سألت زوجتي: "عن ماذا تبحثين يا ابنتي؟"، فقالت لها زوجتي وهي
مُنهارةٌ: "أبحث عن كيسٍ به نقودٌ أُلقيَ هُنا بالخطأ"، فقالت لها
السيدة بكل هدوءٍ وطُمأنينةٍ وهي تمد يدها بكيسٍ أسود: "هل هذا هو الكيس الذي
تبحثين عنه؟ تعالي انظري إليه وتأكدي منه، هل ينقص منه شيءٌ؟"، ثم أردفت
قائلةً: "إن كان ينقص من النقود شيءٌ بحثنا عنه معاً"، فقالت لها زوجتي:
"الحمد لله، لا أدري كيف أشكرك"، ثم قالت: "لا أعرف كم المبلغ،
إنها نقودٌ تخص عمل زوجي"، فاستمرت السيدة في البحث في القِمامة حتى عثرت على
رُزمة نقودٍ يبدو أنها كانت قد سقطت من الكيس عند رميه في مكب القِمامة، فجاءت بها
وسلمتها لزوجتي!
أما أنا في تلك اللحظات،
فكنتُ في طريقي إلى مكب القِمامة، أكاد أطير، أقود الشاحنة بأسرع ما يُمكن، أكاد
أموت من القلق، وكان الله وحده هو الحافظ والساتر. ولما وصلتُ تسلمتُ النقود من
زوجتي وقمتُ بعدِّها، وتأكدتُ من أنها كاملةٌ لم يكن ينقص منها جنيهٌ واحدٌ؛ كانت
المئة ألف جنيه كاملةً! شكرتُ السيدة الطيبة وأخرجتُ مبلغاً من المال من جيبي
أُريد أن أُقدمه لها، فرفضت بشدة، وحاولتُ أن أُقبِّل يدها فسحبت يدها، ونظرت إليّ
بكل عزة نفسٍ وكبرياءٍ، وقالت لي جُملةً لن أنساها ما حييتُ: "اذهب يا ابني،
سَتَرَك الله وأصلح حالك، تكفيني دعواتكم لي".
أنهى صاحب القصة روايته
بقوله: "صحيحٌ إن (الدنيا لا تزال بخير)، زملائي في العمل عندما علموا بقصتي
لم يكونوا مُصدقين أنه لا يزال في الدنيا أناسٌ بهذه الأمانة! لقد رفضت السيدة أن
تحتفظ بمئة ألف جنيهٍ كانت كفيلةً بأن تُغيِّر حياتها، وفضَّلت رضا ربها وفوزها
بثواب عمل الخير على احتفاظها بمالٍ لا حق لها فيه، إنها قمة الأمانة. أسأل كل من
يقرأ هذا المنشور أن يدعو لهذه السيدة دعوةً خالصةً من قلبه أن يسترها الله،
ويُغْنيها من فضله، ويُبارك لها في صحتها، ويرزقها من حيث لا تحتسب، وأن يجعل
أمانتها هذه في ميزان حسناتها يوم القيامة".
أحبتي في الله.. لا يقتصر
عمل الخير على الجانب المادي فقط؛ كإعادة المال لأصحابه، أو إخراج الصدقات، أو
الإنفاق في سبيل الله، أو إطعام الفقراء، بل إنه يتعدى ذلك إلى الجانب الأدبي
والمعنوي؛ كشكر الناس، والتبسم في وجوههم، وجبر خواطرهم، والدلالة على الخير، وغير
ذلك من أعمال خيرٍ لا تُكلف ديناراً ولا درهماً.
ولعلَّ القصة التالية
تُقدِّم صورةً من الصور الدالة على أن (الدنيا لا تزال بخير)، حدثت هذه القصة
بمدينة «طنطا» بدلتا «مصر»؛ حيث كانت شابةٌ يتيمةٌ وشابٌ يتيمٌ، عاشا في دور
الأيتام مُنذ صغرهما، نشأت بينهما قصة حبٍ جميلةٍ، قررا أن يُتوِّجاها بالزواج،
لكن كان يُحزنهما أن الحضور في ليلة الفرح سيقتصر على عددٍ محدودٍ جداً من
معارفهما والمسؤولين في دار الأيتام. أحد أصدقاء الشاب قرَّر أن ينشر قصتهما عبر
مواقع التواصل الاجتماعي، وكتب في منشورٍ قصيرٍ: "شابان يتيمان ليس لهما أهلٌ
سيتزوجان، ولا يوجد من يحضر فَرَحْهُما"، وقام بوضع تاريخ الفرح ومكانه، حظيت
الرسالة بتفاعلٍ كبيرٍ، ولقيت صدىً إنسانياً واسعاً، وفي ليلة الفرح حدث ما لم
يتوقعه أحدٌ؛ فقد تدفق آلافٌ من أهالي المدينة إلى قاعة الحفل، يحملون الورود
والهدايا للعروسين، لم تتسع قاعة الحفل لاستقبال الجميع؛ فاحتشد عددٌ كبيرٌ في
الساحة الخارجية للمكان، وفي ليلةٍ واحدةٍ أصبح أهل مدينةٍ بأكملها أهلاً لهذين
العروسين اليتيمين!
يقول العُلماء إن لفظ
الخير ومُشتقاته وَرَدَ في القُرآن الكريم نحو 180 مرةً، حاملاً معاني تدل على
الطاعة والنفع والفضل؛ فمن الآيات التي تحض على فعل الخير قوله تعالى:
﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا
يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾. ومن الآيات التي تأمر بالدعوة للخير
قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾. ومن
الآيات التي تحث على المُسارعة إلى عمل الخير والمنافسة فيه والسبق إليه يقول
تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿يُسَارِعُونَ فِي
الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿فَاسْتَبِقُوا
الْخَيْرَاتِ﴾، ويقول رب العزة: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ
اللَّهِ﴾. ومن الآيات ما وَرَدَ عن جزاء عمل الخير؛ يقول تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾.
ويقول أهل العِلم إن عمل
الخير عندما يكون عطاءً بلا مُقابلٍ ماديٍ فهو تحريرٌ للنفس من قيد الأنانية وحُب
التملك، ومن قيد الكِبر واستعلاء النفس على الآخرين. كما أن عمل الخير يترك في
النفس الارتياح والطُمأنينة، ويُوفر للمُجتمع الاستقرار والسَكينة، وينشر بين الناس
مفهوم أنَّ (الدنيا لا تزال بخير)؛ فيصير المُجتمع مُهيأً لحياةٍ أفضلٍ. ويبدأ عمل
الخير بأقل الأفعال؛ كالتبسم في وجه الغير، أو إماطة الأذى عن الطريق، وينتهي
بأقصى فعلٍ يُمكن أن يقوم به العبد بأن يجود بمالِه كُلِه في سبيل الله، أو أن
يجود بنفسه فينال الشهادة في سبيل إعلاء كلمة الله.
يُعزز تلك المعاني
ويُوضحها الكثير ممّا وَرَدَ في السُنة النبوية الشريفة من أحاديث كثيرةٍ تحض على
فعل الخير؛ فللدلالة على الخير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مَنْ دَلَّ على
خَيْرٍ فَلَهُ مِثلُ أَجْرِ فاعِلِهِ]. ولنفع الناس قال عليه الصلاة والسلام: [خَيْرُ
النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ]، وقال صلى الله عليه وسلم: [إِنَّ مِنَ النَّاسِ
نَاسًا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ؛ فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ
اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ]. ولقضاء الحوائج وتفريج الكُرَب قال
عليه الصلاة والسلام: [مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي
حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ
كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ]، ولبيان بعض صور عمل الخير قال صلى
الله عليه وسلم: [صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ
السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ]،
وقال عليه الصلاة والسلام: [تَبَسُّمُك فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ،
وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ
الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ]، ولبيان البساطة في الصدقة قال
صلى الله عليه وسلم: [اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ]. وعن العِوَض
على عمل الخير قال عليه الصلاة والسلام: [مَنْ تَرَكَ شَيْئًا للهِ عَوَّضَهُ
اللهُ خَيْرًا مِنْه].
ويرى أهل الاختصاص أننا
حتى نلمس جانب الخير في الناس علينا أن نمنحهم الأمان؛ فهُم يحتاجون إلى الأمان
النفسي لتظهر وجوه الخير فيهم. وعلينا أن نُلاحظهم جيداً؛ فكثيرٌ من الخير فيهم لا
يُقال، بل يُلاحَظ: كما في نبرة صوتٍ ترتجف، في عينين تتجنّبان النظر، في صمتٍ
طويلٍ بعد سؤالٍ بسيطٍ. وعلينا أيضاً أن ننظر إلى أفعال الناس لا أن نكتفي
بالاستماع إلى ما يقولون؛ ففاعل الخير لا يُعلن عن نفسه، لكن نراه يُزيح حجراً عن
الطريق، يُطعم قِطاً جائعاً، يتصل بوالدته كُل يومٍ، يبتسم لعامل النظافة، يُفسِح
المجال لغيره في الحديث؛ فهو يُعرَف بأفعاله الصغيرة المُتكررة لا بخطبه الرنانة.
وعلينا أخيراً أن نُبادر نحن بالخير أولاً؛ فمِن أعظم ما يوقِظ الخير في نفوس
الناس أن يروْا منا خيراً أمامهم: في ابتسامةٍ صادقةٍ، مُساعدةٍ غير مشروطةٍ،
كلمةِ تقديرٍ في وقتٍ لا يتوقعه أحدٌ، هذه الأفعال الصغيرة تكسر الجدران وتفتح
الأبواب المُغلقة.
أحبتي.. الحقيقة هي أن
الأخيار موجودون في كل مكانٍ مهما قلَّ عددهم، و(الدنيا لا تزال بخير)، والمشاعر
الإنسانية ما تزال تتدفق في قلوب الناس، رغم الحياة المادية، وأُسلوب المعيشة
المُتسارع، والضغوط من حولنا؛ فنحن جميعاً نحتاج إلى الرحمة والطيبة والحنان واللُطف
والتسامح والمحبة وجبر الخاطر؛ لأننا بشرٌ نمتلك أحاسيس ومشاعر، فلندعو الله أن
يظل الخير في الدُنيا دوماً ولا ينقطع، إن مقولة "الخير في وفي أُمّتي إلى
يوم القيامة" وإن لم تكن حديثاً نبوياً شريفاً كما يظن البعض، إلا أنها
مقولةٌ صحيحة المعنى؛ إذا أمر كُلٌ منا بالمعروف ونهى عن المُنكر، وآمَن بالله حق
الإيمان؛ فنحن ننتمي إلى أُمة الإسلام التي وصفها المولى عزَّ وجلَّ بقوله:
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وليبدأ كُلٌ منا بنفسه،
حتى يعمَّ الخير وينتشر. افعل الخير ولو في أبسط أشكاله، واجعل الناس عندما
يَرَوْنَكَ يقولون: (الدنيا لا تزال بخير).
اللهم زدنا إيماناً،
ووفقنا لعمل الخير، وأعِنّا عليه، وتقبله منا.
*لقراءة
الخاطرة كاملة*
https://tinyurl.com/2yzznxvg
*للاستماع
الصوتي*
https://tinyurl.com/2y6n4adz
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق