الجمعة 25 سبتمبر 2026م
(نقمة المال)
نُشِرت هذه القصة على أحد
مواقع التواصل الاجتماعي، وقد وقعت أحداثها في «المملكة العربية السعودية»، تقول
القصة:
حين يأتي الغَدْر من
غريبٍ، قد يجد الإنسان في قلبه ما يكفي من القُوة لمواجهته، لكن حين تأتي الطعنةُ
من الأب والإخوة والأخوات، يُصبح الألم أعمق من أن يُوصف، لأن المكان الذي يُفترض
أن يكون ملاذاً يتحول إلى سجنٍ، والأهل الذين يُفترض أن يكونوا سنداً يُصبحون مصدر
الخطر.
بدأت القصة بمأساةِ
امرأةٍ في سن الخامسة عشرة، حين تزوجت وأنجبت عدداً من الأبناء، واستمرت حياتها
الزوجية حتى بلغت الثلاثين قبل أن تنتهي بالطلاق، لينتقل أطفالها للعيش مع والدهم.
بعد ذلك تزوجت من رجلٍ آخر ميسور الحال، تُوفيَّ لاحقاً، فآلت إليها حصتها الشرعية
من تَرِكَتِه، والتي قاربت مليون ريال.
كان ذلك المالُ حقاً
خالصاً لها، لكن هذا المالَ تحول إلى بداية النهاية، بعدما استولى الطمع والحقد
على قلوب أقرب الناس إليها؛ حين بدأ أفراد أُسرتها في التضييق عليها ومُلاحقتها،
وكان أحد إخوتها أكثرهم شراسةً، إذ اعتاد التردد عليها ومُطالبتها بالمال، ولم يكتفِ
بالطلب، بل هدَّدها صراحةً، وسط تأييدٍ وتمكينٍ من بقية أفراد الأُسرة، بل ومن
والدها! وخلف الأبواب المُغلقة، عاشت المرأة الأربعينية أياماً وليالي قاسيةً،
تعرضت خلالها للأذى الجسدي، وحُرمت من الطعام والعلاج، وتحولت حياتها إلى عزلةٍ
قسريةٍ لا تعرف فيها متى يأتي الخطر ومن أين؟ لكنها، رغم الحصار المفروض عليها، لم
تستسلم، وبذكاء امرأةٍ أدركت أن حياتها أصبحت في خطرٍ، تمكنت من إرسال استغاثاتها
سِراً إلى أبنائها الذين كانوا يعيشون مع والدهم؛ أرسلت إليهم رسائل وتسجيلاتٍ
صوتيةً شرحت فيها ما تتعرض له، وكيف يُمنع عنها الطعام والعلاج، وذكرت أسماء
والدها وإخوتها الذين شاركوا في سجنها وتكبيلها وضربها. وكانت تُحذِّر أبناءها في
الوقت نفسه من القُدوم إليها من دون توثيق، لأنها كانت تُدرك أن أية مُحاولةٍ
لإنقاذها قد تُطمس آثارها وتتحول القضية ضدهم. ثم جاء اليوم الذي انتهت فيه كل
مُحاولاتها للبقاء؛ اقتحم شقيقها مكان وجودها، وطالبها مرةً أُخرى بأن تُسلِّمه
المال، لكنها تمسكت بحقها ورفضت الخُضوع لابتزازه، عندها تحولت المُطالبة بالمال
إلى جريمةٍ؛ إذ أقدم شقيقها على طعنها بسكينٍ في بطنها، لتُفارق الحياة مُتأثرةً
بتلك الطعنة. لكن المأساة لم تنتهِ بموتها، بل بدأت مرحلةٌ أُخرى من الجريمة؛
فعندما علم باقي أفراد الأُسرة بما حدث، اتفقوا على التسترِ على أخيهم الجاني،
وإخفاءِ حقيقة الوفاة، ونقلِ جُثمانها على أساس أنها تُوفيت وفاةً طبيعيةً. وأثناء
تغسيلها، ظهرت الحقيقة التي حاولوا دفنها معها؛ فقد كان جُرح الطعنة في بطنها لا
يزال واضحاً، إلى جانب آثار الدم المُتجلط. وحاولت شقيقاتها منع المُغَسِّلة من
كشف منطقة البطن، ومارسن عليها ضغوطاً للإسراع في تكفين الجُثمان حتى تختفي آثار
الجريمة، ثم جرى
دفنها سريعاً، مع منع
أبنائها من رؤيتها أو إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليها، وكأن الهدف لم يكن دفن
الأم فقط، بل دفن الحقيقة معها. لكن أحد أبنائها لم يقتنع برواية الوفاة الطبيعية؛
فقد كان يعرف مُسبقاً بالتهديدات التي كانت تتعرض لها والدته، وكان يحتفظ بالرسائل
والتسجيلات الصوتية التي أرسلتها إليه وهي تستغيث؛ لذلك حمل ما لديه من أدلةٍ
وتوجه إلى الجهات الأمنية، وقدَّم بلاغاً رسمياً اتهم فيه أخواله وجده بالتورط في
قتل والدته والتستر على الجريمة وإخفاء جُثمانها.
بدأت السلطات التحقيق في
القضية، واستُدعيت المرأة التي قامت بتغسيل الجثمان، وكانت شهادتها نقطةً مُهمةً
في كشف ما حدث؛ فقد أكدت للمُحققين أنها شاهدت جُرح الطعن مفتوحاً في البطن،
ولاحظت وجود كدماتٍ زرقاء وداكنةً على الظهر والأطراف، إضافةً إلى آثار قيودٍ وحبالٍ
على المُعصمين والكاحلين، وشحوباً شديداً في الجُثمان، وهي علاماتٌ أثارت الشكوك
حول رواية الوفاة الطبيعية. ومع تصاعد التحقيقات، طُوقِت المقبرة أمنياً، وصدر
أمرٌ قضائيٌ بنبش القبر واستخراج الجُثمان لإخضاعه للفحص الشرعي، وجاء تقرير الطب
الشرعي ليكشف أن الأنسجة تعرضت للقطع بواسطة أداةٍ حادةٍ، وأن آثار الإصابة تتوافق
مع استخدام سكينٍ، كما دعمت نتائج التحقيق ما ورد في رسائل المرأة وتسجيلاتها، وما
ذكره ابنها في بلاغه. أُحيلت القضية إلى المحكمة العامة بمدينة «الرياض»، وانتهت
بإصدار أحكامٍ بحق المتورطين؛ فصدرت أحكامٌ بالقتل تعزيراً وقصاصاً بحق الشقيق
الذي نفذ الجريمة والمتورطين مُباشرةً في احتجازها، بينما صدرت بحق بقية الإخوة
المُشاركين أحكامٌ بالسجن تراوحت بين عشر وخمس عشرة سنةً مع الجلد، أما الأب، الذي
وُصف في القضية بالمحرّض والمُشارك في التستر على أفعال أبنائه، فصدر بحقه حكمٌ
بالسجن خمسِ سنواتٍ، فيما حُكم على الشقيقات اللواتي حاولن التستر على آثار الطعنة
داخل المغسلة بالسجن من ثلاث إلى خمس سنواتٍ مع الجلد التعزيري. وهكذا لم تنكشف
الجريمة بسبب اعترافٍ من داخل الأُسرة، ولا بسبب ضميرٍ استيقظ بعد فوات الأوان،
وإنما بسبب صرخة امرأةٍ رفضت أن تموت بصمتٍ، وابنٍ حمل رسائلها وتسجيلاتها ورفض أن
يُصدِّق أن أُمه رحلت بوفاةٍ طبيعيةٍ. وما حاول الأقارب دفنه مع الجُثمان خرج إلى
النور من جديدٍ، لتتحول استغاثات الأُم التي أرسلتها في الخفاء إلى الخيط الذي قاد
إلى كشف الحقيقة.
أحبتي في الله.. المال
نعمةٌ من نعم الله العظيمة على عباده؛ يقول تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، جعله الله عرضاً زائلاً ومتاعاً مُفارَقاً؛ يقول سُبحانه:
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ
بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾، وجعل نفوس العباد
مجبولةً على حُب المال؛ يقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾،
وجعل المال فتنةً يُستخدم في الخير أو الشر؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ
وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾؛ فإن لم يَستخدم العبد ماله في طاعة الله ويُنفقه في
سبيله، كان وبالاً وحسرةً عليه؛ يقول سُبحانه: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ
وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا﴾.
ويحسَب بعض الناس أن رزق
المال الوفير دليلٌ على محبة الله، رغم أنه قد يكون استدراجاً؛ يقول تعالى:
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ . نُسَارِعُ
لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
[إذا رأيتَ اللهَ تعالى يُعطي العبدَ من الدُنيا ما يُحبُّ، وهو مُقيمٌ على
معاصِيه؛ فإنَّما ذلك منه استدراجٌ]. وعن نعمة المال وفتنته قال النبي عليه الصلاة
والسلام: [إنَّ لكلِّ أُمَّةٍ فتنةً، وإنَّ فتنةَ أُمَّتي المالُ]، وقال أيضاً:
[لَو كانَ لابنِ آدَمَ واديانِ مِن مالٍ لابتَغى واديًا ثالِثًا، ولا يَملأُ جَوفَ
ابنِ آدَمَ إلَّا التُّرابُ]، وقال كذلك: [يَكبَرُ ابنُ آدَمَ ويَكبَرُ معهُ
اثنانِ: حُبُّ المالِ، وطولُ العُمُرِ]. وقال: [إنَّ هذا المالَ خَضِرةٌ حُلوةٌ،
فمَن أخَذَه بسَخاوةِ نَفسٍ بورِكَ له فيه، ومَن أخَذَه بإشرافِ نَفسٍ لَم
يُبارَكْ له فيه، كالذي يَأكُلُ ولا يَشبَعُ] وقال أيضاً: [يَتبَعُ المَيِّتَ
ثَلاثةٌ، فيَرجِعُ اثنانِ ويَبقى معهُ واحِدٌ: يَتبَعُه أهلُه ومالُه وعَمَلُه،
فيَرجِعُ أهلُه ومالُه، ويَبقى عَمَلُه]، كما قال: [نِعمَ المالُ الصَّالحُ
للرَّجلِ الصَّالحِ]. وكأنه -صلى الله عليه وسلم يصف زماننا حين قال: [لَيَأتيَنَّ
على النَّاسِ زَمانٌ لا يُبالي المَرءُ بما أخَذَ المالَ: أمِن حَلالٍ أم مِن
حَرامٍ]. أما عن الحساب على المال يوم القيامة فقال عليه الصلاة والسلام: [لا
تَزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القيامةِ، حتَّى يُسأَلَ عن عُمُرِه؛ فيمَ أفناه؟ وعن
عِلْمِه؛ فيم فعَلَ فيه؟ وعن مالِه؛ من أين اكتسَبَه؟ وفيم أنفَقَه؟ وعن جِسمِه؛
فيمَ أبلاه؟]، كما قال: [اثنتان يكرههما ابنُ آدمَ: يكرهُ الموتَ، والموتُ خيرٌ له
من الفتنةِ، ويكرهُ قلَّةَ المالِ، وقِلَّةُ المالِ أقلُّ للحسابِ].
يقول أصحاب الاختصاص إن
نعمة المال التي من المفروض أن تكون زينة الحياة الدُنيا، حوَّلها موت الضمائر
وطمس القِيَم إلى نِقمةٍ؛ فأصبح الأشقاء بسبب (نقمة المال) في خصامٍ، ينعزلون
ويبتعدون عن بعضٍ، وأحياناً يسوقهم ذلك إلى أروقة المحاكم. والأمر الأصعب هو حين
تُسوِّل لهم أنفسهم الاعتداء على أجساد بعضهم حتى وصل الأمر إلى أن يقتل بعضهم
بعضاً بسبب المال، مُخلِّفين ندوباً نفسيةً تنزف ألماً، حين استسلموا لهوى المال،
مُتناسين قَرابة الدم؛ حتى صار الأخُ عدواً لأخيه؛ فأضاعوا تقوى الله، وضيَّعوا
صلة الرحم.
يقول أهل العِلم إن المال
عصب الحياة، وقوام المعاش، به تُقام مصالح الناس وتُسَد حاجاتهم، وليس المال في
ذاته مذموماً، بل هو نعمةٌ إذا وُضع في يدٍ صالحةٍ تُنفقه في سبيل الله، وتستعمله
في الطاعة والبِرِّ والإحسان.
إنَّ الفقر والغِنى ما
هُما إلا ابتلاءان من الله تعالى، يختبر بهما عباده، ليرى مَن يصبر على الضيق
والفقر، ومن يشكر عند المال والسَعة. وتكون (نقمة المال) في حالات الذَّم؛ فإن
العبد يُذَّم حينما يكون المال في قلبه؛ لأجلِه يُوالي ويُعادي، وفي سبيله يَرضى
ويَغضب، ولربما تمادى حتى صار عبداً للدينار والدرهم فتعِس وانتكس. ويُذَّم العبد
حين يجمع المال من أوجهٍ مُحرمةٍ. كما يُذَّم حينما يَشْغَلُهُ جمع المال عن طاعة
الله، ويُلهيه عن الصلاة، وعن حق الأهل والأولاد، وعن بِر الوالدين. ويُذَّم أيضاً
حينما يشِحّ بالمال عن الواجب والمُستحب؛ فلا يُخرِج منه زكاةً، ولا يُنفق منه في
الصدقات. ويُذَّم كذلك يوم أن يُنعِمَ عليه ربه بالمال، ثم تراه يُنفقه فيما حرَّم
الله؛ فيستخدمه في معاصي الله، ويتقوى به على مخالفة أوامره. كما يُذَّم حينما
يُقتِّر على نفسه وأهله فيكون بخيلاً شحيحاً، أو حين يكون مُسرفاً مُبَّذِراً؛
فيسلكُ درب إخوان الشياطين.
أما أن يكون العبد جامعاً
للمال من طريقٍ صحيحٍ، مُنفقاً له في وجهه المُناسب، طائعاً فيه ربَه، مُؤدياً فيه
حقه، فعسى أن يُصبح مالُه سبباً لفوزه بالجنة.
إنَّ مأساة بعض الناس
اليوم تكمن في عدم المُبالاة بمصدر المال، أو بالحقوق المُتعلقة به؛ فنجدهم يلهثون
لجمع المال بلهفةٍ، دون اكتراثٍ بشُكر المُنعم، غافلين عن أنَّ الذي أعطى قادرٌ
على أن يأخذ، وأنَّ مُراعاة حق الله، وشكر النعمة هو الذي يحفظها من الزوال، بل
ويزيدها ويُنمِّيها؛ يقول تعالى: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)، فلا تتحول
نعمة المال لتصير (نقمة المال).
قال الشاعر:
النفسُ
تجزعُ أن تكونَ فقيرةً
والفقرُ
خيرٌ مِن غِنىً يُطغيها
وغِنى
النفوسِ هو الكفافُ فإن أبت
فجميعُ
ما في الأرضِ لا يَكفيها
أحبتي.. قيل بحق إن
المؤمن الصادق لا يغتر بزينة الدُنيا، بل يجعل المال وسيلةً للطاعة والبِر، فيزداد
تواضعاً وخشيةً لله، ويضع نُصب عينيه دائماً أنَّ يُسكِن ماله في يدِه لا في قلبه؛
فإن افتقر صبر ورضيَ بعزةِ المُكتفي، وإن اغتنى وَجِلَ قلبُه وتواضَعَ تواضُعِ
المُنكسر، مُدركاً أن قيمة الإنسان ليست في رصيده المالي، بل في طهارة نفسه
وصلاحها.
علينا جميعاً أن نتقي
الله في أموالنا، كسباً من حلالٍ، وإنفاقاً في خيرٍ وطاعةٍ، وألاَّ نجعل الدُنيا
أكبر همِّنا ولا مبلغ عِلمنا، بل نجعلها مزرعةً للآخرة؛ فالسعيد من خرج من الدُنيا
وقد رضيَ الله عنه بما قدَّم من قناعةٍ وصبر، ومن إحسانٍ وشُكر؛ فلنُصلِح ما فسد
من أحوالنا، ولنُنفق مما جعلنا الله مُستخلفين فيه من مالٍ، ولنتذكر الوقوف بين
يدي الله عزَّ وجلَّ بالاستعداد والعمل والإخلاص.
اللهم باعِد بيننا وبين
(نقمة المال)، وارزقنا القناعة، واكفِنا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمَّن سواك.
*لقراءة
الخاطرة كاملة*
https://tinyurl.com/287xs2o6
*للاستماع
الصوتي*
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق