خاطرة
الجمعة /568
الجمعة
11 سبتمبر 2026م
(رضا
الناس)
كتب أحدهم يقول: لي صديقٌ
من أكبر تجار الألماس في «مصر»، ولا أُزَّكيه على الله، لكني أحسبه على خير. كان
صديقي مُعتاداً على التواجد بمحله الخاص يومياً، وكان مُعتاداً على أداء الصلاة
على وقتها بالمسجد المُجاور للمحل. وفي أحد الأيام، وكان يتأهب للتوجه إلى المسجد
بعد سماعه أذان المغرب، تفاجأ بعدة أشخاصٍ يرتدون زياً موحداً يدخلون المحل
ويسألون عن المالك، فعرَّفهم بنفسه، فقالوا له: "الهانم قادمةٌ للتفرج على
البضائع التي عندك، وتأميناً للمكان سنمنع دخول أي شخصٍ أثناء وجودها"،
سألهم: "مَن الهانم؟" قالوا له إنها زوجة أحد كبار رجال الدولة. كُل ما
تبادر إلى ذِهنه في هذه اللحظة صلاة المغرب التي خشي أن تفوته؛ هل يتخلى عن صلاة
الجماعة حتى لا تغضب الهانم من الانتظار؟ لم يتردد لحظة، حسم أمره فوراً،
وبِمُجَّرَدِ دخول الهانم المحل عرَّفها بنفسه، وأخبرها أنه سيتوجه لصلاة المغرب
بالمسجد المُجاور، وسيعود بعد الصلاة مُباشرةً، وستكون فرصةً لأن يعرض عليها
مُساعدوه ما لديهم، فابتسمت ولم تُبدِ أي انزعاجٍ. توجه للصلاة، وبعد أن أتَّمها،
وعندما بدأ يُردد أذكار ما بعد الصلاة وقعت عيناه على الحديث الشريف: [منِ التمسَ
رضا اللَّهِ بسَخطِ النَّاسِ كفاهُ اللَّهُ مؤنةَ النَّاسِ، ومنِ التمسَ رضا
النَّاسِ بسخطِ اللَّهِ وَكلَهُ اللَّهُ إلى النَّاسِ]، شاهده مكتوباً على لوحةٍ
مُعَّلقةٍ على الجدار أمامه. أقسم لي صديقي أنها المرة الأولى التي ينتبه فيها إلى
وجود هذه اللوحة رغم أنه يُصلي بذات المسجد يومياً! قال لي: "أحسستُ كأنها
رسالةٌ إليَّ من الله عزَّ وجلَّ".
انشرح صدر صديقي وعاد إلى
المحل وبدأ يعرض على الهانم أجمل ما عنده، وطبقاً لروايته وتعبيره كانت الهانم في
غاية الذوق والأناقة والبشاشة في التعامل معه، بل وباع لها -على حد قوله أيضاً-
أجمل بيعةٍ بأفضل سعرٍ، وخَرَجَت من المحل وهي في غاية السعادة، ووعدته أنها لن
تتعامل مع غيره. ودَّعها صديقي إلى سيارتها وهو يقول لنفسه: "صدقتَ يا رسول
الله".
قَصَّ عليّ صديقي هذه
القصة كعبرةٍ وهو يقول: "الحمد لله الذي هداني للحق، وأنني لم أُفكر في إرضاء
الهانم بسخط الله لو تخليتُ عن صلاة الجماعة بالمسجد التي لم أمتنع عنها يوماً،
ولو فعلتُ لسخط الله عليّ وأسخطها عليّ، وربما لم تكن لتشتري مني، ولا أن تعدني
بأن تتردد على محلي ثانيةً".
أحبتي في الله.. ما أجمل
أن يلتزم المُسلم بنهجٍ واضحٍ في تعامله مع الله سُبحانه وتعالى وتعامله مع الناس،
بأن يكون رضا الله مُقدَّماً دائماً على (رضا الناس) أياً كانت منزلتهم ومكانتهم
الاجتماعية أو الوظيفية، ومهما بدت الإغراءات ظاهرةً جليةً، ورغم اجتهاد الشيطان
في تزيين عكس هذا النهج الواضح.
ذكرَّني هذا الموقف لصاحب
المحل بقصةٍ أُخرى، ولو أنها تعرض موقفاً عكسياً، إلا إنها توضح لنا كيف أن تقديم
(رضا الناس) على رضا الله عزَّ وجلَّ، مُضِّرٌ وغير مُفيدٍ لصاحبه، وإن بدا في
البداية أن فيه نفعاً وفائدةً؛ فهذا نهْجٌ آخر اختاره أحدهم لحياته، وارتضاه سبيلاً
لتحقيق أهدافه ومآربه؛ يقول صاحب القصة:
تعرَّفتُ وأنا في
«بريطانيا» على شابٍ عربيٍ مُسلمٍ، كان طموحاً يتدفق حيويةً وحركةً، كُل همه أن
يحصل على شهادة الدكتوراه ثم يعود إلى بلده ليكون مدير جامعةٍ أو وكيل وزارةٍ أو
حتى وزيراً. كان يُحدثنا عن ثقته بنفسه وقُدرته على استمالة الناس إليه. وخلال
إقامته في «بريطانيا» نهج طريقه المعروف، فأخذ يتقرب إلى أُستاذه المُشرف على
رسالته ويتملقه، ويُحاول إرضاءه بمختلف الوسائل والأساليب، ولم يُقصِّر في إقناعه
بأنه ليس رجعياً، ولا مُتديناً! وفضلاً عن هذا وذاك فهو مُعجبٌ أشد الإعجاب
بالإنجليز وجامعاتهم وتقدمهم العلمي! وذات يومٍ أراد الأستاذ المُشرف أن يمتحن
مصداقية أقوال تلميذه العربي فدعاه إلى وكرٍ من أوكار الخُمور، وسارع الشاب إلى
تلبية الدعوة؛ ظنّاً منه أن استجابته لطلب المُشرف سوف تُساعد على اختصار الوقت
والانتهاء من دراسته بسرعةٍ. شرب الشاب حتى الثُمالة، وفقد توازنه، ولم يعد قادراً
على ضبط أقواله وأفعاله، أما المُشرف فكان يشرب قليلاً ويتمتع برؤية تلميذه وهو
يشرب لأول مرةٍ، أما الشاب فقد أخذ يُعبِّر عن مشاعره الحقيقية نحو الإنجليز، وراح
يلصق بهم أبشع النُعوت وأحَطَّها، والمُشرف ينظر إليه ويُؤَّمِن على كلامه ويبتسم
له ويُخفي في نفسه ما لا يُبديه. مضت الأيام، وكلما قدَّم الشاب فصلاً من رسالة
الدكتوراه أخرَّه المُشرف مُدةً طويلةً ومُملةً، ثم يُعيده لتلميذه طالباً حذف بعض
الأمور وإضافة أمورٍ أُخرى وإعادة الصياغة بحجة أن اللغة ركيكة. وكان المُشرف
يُغلِّف حقده بقوله لتلميذه: "أُريدك أن تكون دكتوراً ناجحاً، وسوف تستفيد
كثيراً من هذه الفترة الطويلة التي تمكثها بيننا، ولا يتخرج من جامعاتنا إلا
الأفذاذ من الرجال"!
بقي الطالب الطموح ضعفي
المُدة المُحددة، وذاق الويلات، وأصبح يشك في مواهبه وقُدراته. وبعد أن نال شهادة
الدكتوراه، وقبل سفره جلس مع أُستاذه المُشرف يُحدثه عن إعجابه بالإنجليز
وجامعاتهم وتقديره لكل ما رآه عندهم، فأجابه المُشرف بكل خُبثٍ ودهاءٍ: "إن
حقيقة رأيك بالإنجليز وأخلاقهم وعاداتهم سمعته منك في الخمارة قبل ثلاث
سنواتٍ"؛ فحاول الشاب أن يعتذر، وأخذ يتكلم، لكنه يعرف أن كلامه ليس مُقنعاً؛
فمَن كان عاجزاً عن إقناع نفسه كيف له أن يُقنع غيره؟
أخيراً أدرك الشاب لماذا
غيَّر المُشرف أُسلوبه، ولماذا تضاعفت مُدة الدراسة، لكن هل أدرك أن مَن طلب (رضا
الناس) بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس؟ يقول راوي القصة: "أشَّك
في ذلك"!
يقول الله تعالى:
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ
يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ تُبين الآية أن رضا الله ورسوله هو الأحق
والأولى بالطلب والتحصيل، لا (رضا الناس) الذي يُغضب الله. ويقول سُبحانه:
﴿الَّذِينَ يُبْلِغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ
أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ تُوضح الآية أن صفة المؤمنين الصادقين هي خشية الله وحده
وعدم المُبالاة بسخط الناس أو رضاهم، إذا كان في طاعة الله. ويقول عزَّ وجلَّ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ
يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبَّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ وتدل الآية على عدم الخوف من لوم الناس أو
سخطهم عند القيام بأمر الله وإرضائه. ويقول أيضاً: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ
وَاخْشَوْنِ﴾، كما يقول: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ
فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تأكيداً على أن الخشية
تكون لله وحده، وليست للناس.
وجاء في الحديث الصحيح؛
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [مَنْ أرْضَى الناسَ بسخَطِ اللهِ وكَلَهُ اللهُ
إلى الناسِ، ومَنْ أسخَطَ الناسَ برضا اللهِ كفاهُ اللهُ مُؤْنَةَ الناسِ]، يقول
شُرَّاح الأحاديث إن رضا الله سُبحانه وتعالى مِن أجَّل ما يسعى إليه كُل مؤمنٍ
حصيفٍ؛ فمن رَضِيَ الله عنه غفر له ورحمه وأدخله جنته، والفائز حقاً هو من فاز
برضا الله. وفي هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [مَنْ أرْضَى الناسَ
بسخَطِ اللهِ]، أي: أيما أحدٌ سعى في سبيل الفوز ب(رضا الناس)، ونيل مرضاتهم
بمعصية الله، وعدم المُبالاة بما أمَرَ وما نَهَى، وعدم الاحتراز من سخط الله،
[وكَلَهُ اللهُ إلى الناسِ]، أي: ترك أمره إلى الناس، وسلَّطهم عليه، فلم يُرضوه
ولم يرضوا عنه. [ومَنْ أسخَطَ الناسَ برضا اللهِ كفاهُ اللهُ]، أي: أيما أحدٌ سعى
في سبيل الفوز برضا الله عزَّ وجلَّ، ولو كلفه ذلك كُرْه الناس له، وعدم رضاهم عنه
وسخطهم عليه، [كفاهُ اللهُ مُؤْنَةَ الناسِ]، أي: حفظه الله من سخط الناس عليه،
وأرضى عنه الناس، وكفاه هَم ذلك. وفي الحديث: الحض على تقديم رضا الله على (رضا
الناس).
وقال عليه الصلاة
والسلام: [لا يَمنَعَنَّ أحَدَكم مَخافةُ النَّاسِ أنْ يَقولَ بالحَقِّ، إذا
شَهِدَه أو عَلِمَه]؛ فالناس لا يملكون لك ضرّاً ولا نفعاً إلا بإذن الله،
وأعمارهم وأرزاقهم وأقدارهم بيده سبحانه وحده، ومن طلب (رضا الناس) بسخط الله خسر
الأمرين، ومن أرضى الله ولو غضب الناس عنه، جعل الله له القبول والمحبة في قلوبهم؛
فلا تجعل خوفك من البشر أكبر من خوفك من رب البشر، ولا تجعل حسابات الناس تمنعك من
قول الحق أو فِعل الصواب.
يقول العلماء إن عاملتَ
الناس بالفضل ألف مرةٍ ثم عاملتهم بالعدل مرةً واحدةً نسوا الألف وأقاموا عليك
العداوة بالواحدة! وإن بذلتَ لهم وقتك وجهدك ومالك ما سَلِمتَ من ألسنتهم
وأفعالهم؛ فالتمس ما فيه رضا الله أولاً؛ فإنه لا سبيل إلى السلامة من الناس، ولا
طريق إلى إرضائهم جميعاً. إذا كان عملك خالصاً لله، فليكن همّك نظر الله إليك لا
نظر الناس إليك؛ فالناس يمدحون اليوم ويذمّون غداً، يرضون ساعةً ويغضبون ساعةً،
أما الله سبحانه فيعلم السرَّ وأخفى، ويجازي على قدر الإخلاص في القلب. من أرضى
الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن طلب (رضا الناس) بسخط الله،
خسر الاثنين.
قال بعض العارفين: تكمن
المُفارقة في أن السعي الدائم إلى (رضا الناس) لا يُحقق الراحة التي ينتظرها
الإنسان، بل يجعله في حالةٍ مُستمرةٍ من القلق والترقب، لأن (رضا الناس) غايةٌ لا
تُدرك، وآراؤهم لا تجتمع على شيء. وهذا لا يعني أن نتجاهل الناس أو نُسيء إليهم، بل
أن نُحسن إليهم دون أن نجعل قبولهم لنا هو هَمُّنا الأول؛ لذلك قبل أن نسأل:
"ماذا سيقول الناس؟" نسأل أنفسنا: "هل ما نفعله يُرضي الله؟"؛
فمن عاش عُمره يُطارد (رضا الناس) أتعب نفسه، ومن جعل وجهته رضا الله وجد
السَكِينة، حتى لو لم يرضَ عنه الجميع.
ومن أمثلة الاهتمام برضا
الله سُبحانه وتعالى قبل (رضا الناس):
الداعية الذي يقول كلمة
الحق ولا يخشى في الله لومة لائم. التاجر الذي يرفض الغش والربا حتى لو خسر بعض
الزبائن. الشاب الذي يلتزم بالصلاة على وقتها مع جماعة المسلمين بالمسجد حتى وإن
سخر منه الآخرون. الشابة التي تلتزم بالحجاب أو النقاب رغم تَهَكُم البعض. والمُسلم
الذي يرفض المُشاركة في منكرٍ؛ كحفلٍ مُختلطٍ أو شُرب خمرٍ أو ارتكاب فاحشةٍ حتى
لو أغضب ذلك أصدقاءه.
أحبتي.. إن من أخطر ما
يُبتلى به الإنسان أن يخاف من الناس أكثر مما يخاف من الله، فيسكت عن الحق، أو
يتنازل عن مبدأٍ، أو يُغيّر موقفه سعياً إلى (رضا الناس). إن الحرص على (رضا
الناس) بمعصية الله سُبحانه وتعالى خذلانٌ وضياع، أما إرضاء الله أولاً فهو حمايةٌ
وتوفيقٌ وكفايةٌ من شرور الناس؛ فلا نجعل (رضا الناس) هدفنا الذي نُقدِّمه على رضا
الله سُبحانه وتعالى؛ فيكفي أن الله هو الذي بيده الأمر كله.
نسأل الله تعالى أن
يرزقنا رضاه، وأن يُجنبنا سَخطه، وأن يُلهمنا رُشدنا لنُعامل الناس بالحُسنى، على
الوجه الذي يُحبه ويرضاه.
*لقراءة
الخاطرة كاملة*
https://tinyurl.com/28k5q556
*للاستماع
الصوتي للخاطرة*
https://tinyurl.com/2yxbu97h
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق