خاطرة
الجمعة /573
الجمعة
16 أكتوبر 2026م
(ذنوب
الخلوات)
قال الراوي: كان لي صديقٌ
مُسرفٌ على نفسه ثم تاب، وكُنتُ أراه من كثيري العبادة؛ قوَّامٌ وصوَّام.. افتقدته
أياماً فسألتُ عنه فقيل لي إنه مريضٌ؛ فذهبتُ إلى داره فخرجتْ إليَّ ابنته، فقالت:
"مَنْ تُريد؟"، قُلتُ لها: "قُولي لأبيك فلان".. فاستأذنتْ
لي، فدخلتُ فوجدتُه في وسط الدار وهو مُضطجعٌ على فِراشه وقد اسوَّد وجهه، وذَرِفت
عيناه، وغلظُت شفتاه، فقُلتُ له: "يا أخي أكثِر من قول لا إله إلا
الله".. ففتح عينيه ونظر إليّ بشدةٍ ثم أُغشي عليه، فلما أفاق قُلتُ له مرةً
ثانيةً: "يا أخي أكثِر من قول لا إله إلا الله".. ثم كررتها عليه لمرةٍ
ثالثةٍ؛ ففتح عينيه وقال: "يا أخي هذه كلماتٌ قد حِيل بيني وبينها"..
فقُلتُ: "لا حول ولا قُوة إلا بالله العليّ العظيم"، ثم قُلتُ له:
"يا أخي أين عبادتك من صلاةٍ وصيامٍ وقيامٍ وتهجد؟"
فقال: "أُصْدِقُك
القول.. كان ذلك لغير الله.. وكانت توبتي كاذبةً، كُنتُ أفعل ذلك ليُقال عني كثير
العبادة، كُنتُ أفعل ذلك رياءً للناس، فإذا خلوتُ إلى نفسي أغلقتُ الأبواب وأرخيتُ
الستور وشربتُ الخمور وبارزتُ ربي بالمعاصي.. دُمتُ على ذلك مُدةً فأصابني المرض
وأشرفتُ على الهلاك، فقُلتُ لابنتي ناوليني المُصحف، وقُلتُ بعد أن أخذتُ المُصحف:
"اللهم بحقِ كلامك في هذا المُصحف العظيم إلا شفيتني ورفعتَ عني البلاء، وأنا
أعاهدك أن لا أعود إلى ذنبٍ أبداً".. ففرَّج الله عني.. فلما شُفيتُ عُدتُ
إلى ما كُنتُ عليه من اللهو واللذات، وأنساني الشيطان العهد الذي بيني وبين ربي،
فبقيتُ على ذلك مُدةً من الزمن، ثم مرضتُ مرةً ثانيةً أشرفتُ حينها على الهلاك
والموت؛ فأمرتُ أهلي فأخرجوني إلى وسط الدار ثم طلبتُ منهم أن يأتوا لي بمُصحفٍ،
فأمسكته بيدي وقرأتُ فيه ثم رفعته وقُلتُ: "اللهم بحُرمة ما في هذا المُصحف
الكريم من كلامك ربي، إلاّ فرَّجتَ عني ورفعتَ عني البلاء"، فاستجاب الله
لدُعائي وشفاني وعافاني.. ثم عُدتُ إلى ما كُنتُ عليه من اللهو والضياع الذي
عاهدتُ الله أن لا أعود إليه فوقعتُ في هذا المرض الذي أُعاني منه الآن؛ فأمرتُ أهلي
فأخرجوني إلى وسط الدار كما تراني، ثم طلبتُ المُصحف لأقرأ فيه فلم يتبين لي حرفٌ
واحدٌ منه؛ فعلمتُ أن الله سُبحانه وتعالى قد غضِب عليّ فرفعتُ رأسي إلى السماء
وقُلتُ: "اللهم فرِّج عني يا جبّار السماء والأرض".. فسمعتُ كأن هاتفاً
يقول:
تتوبُ
عن الذنوبِ إذا مَرضِتَ
وترجعُ
للذنوبِ إذا بَرئتَ
فكم من
كُربةٍ نجَّاكَ منها
وكم
كَشَفَ البلاءَ إذا بُليتَ
أما
تخشى بأن تأتي المَنايا
وأنتَ
على الخطايا قد لَهَوْتَ
قال راوي القصة: طيبتُ
خاطره ببعض الكلمات، واستأذنتُ منه للانصراف، فواللهِ ما خرجتُ من عنده إلا وعيني
تسكب العبرات، فما وصلتُ باب منزله إلا وقيل لي إنه قد مات.
أحبتي في الله.. حدثت
قصةٌ شبيهةٌ بهذه؛ قصة شابٍ أغلق على نفسه باب غُرفته، وجعل يُطالع في خُلوته
الأفلام الإباحية، فإذا به في سكرة لهوه وعصيانه، يصرخ مُستنجداً بأُمه:
"أدركيني، سأموت"، حاولت الأُم فتح باب الغُرفة فلم تستطع؛ إذ كان ابنها
قد أوصده على نفسه من الداخل؛ حتى لا تراه أعين الناس؛ فاستعانت الأُم بأحد
الجيران، الذي قام بكسر الباب؛ فإذا بالشاب مُمددٌ على الأرض عُرياناً قد فارقت
روحه الحياة، وبجانبه جهاز الحاسوب مفتوحٌ على فيلمٍ إباحي.
إنها (ذنوب الخلوات)،
يقول أهل العِلم عنها إنها هي المعاصي التي يفعلها العبد وهو في خُلوةٍ، عندما
يكون وحده في مكانٍ لا يراه فيه أحدٌ من البشر؛ ومن تلك المعاصي والذنوب: النظر
إلى المُحرمات؛ كالصور أو الفيديوهات والأفلام الخليعة، سماع ما حرّم الله،
استخدام الهاتف المحمول أو الإنترنت في الحرام، وكذلك: الكذب والغيبة والافتراء
بالرسائل، والمعاصي الخفية في القلب؛ كالعُجب بالنفس والكِبر والتعالي والنفاق
والحسد، أو إضمار الحِقد والكراهية للآخرين. أما حديث النفس والتخيلات العارضة
والخواطر التي تطرأ على ذهن الإنسان إذا لم يستقر ويستمر عليها صاحبها فمعفوٌ عنها
باتفاق العُلماء، لكن على العبد مُدافعتها وعدم الاسترسال معها، ولا يجوز له أن
يستدعيها ويُمعِن التفكير فيها، ولا يجوز له أن يسترسل خلفها متى عرضت له؛ فإن ذلك
سوف يجره إلى الحرام.
يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا
اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَإِن
تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾، ويقول عزَّ وجلَّ:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾، ويقول
أيضاً: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا
تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، وكُلها آياتٌ تدل على سِعة عِلم الله تبارك
وتعالى بما يُسِّرُ الخَلق جميعهم وما يُعلنون.
أما يوم الحساب على
السرائر و(ذنوب الخلوات) فإن الله عزَّ وجلَّ يصفه بقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ
لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾؛ ويقول تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾،
قال المُفسرون إن هذه إشارةٌ إلى الصلاة والصوم والوضوء وغُسل الجنابة؛ فقد يقول العبد
صلَّيتُ، ولم يُصلِّ، وقد يقول صُمْتُ، وليس بصائمٍ، وقد يقول توضأتُ أو اغتسلتُ،
ولم يتوضأ أو يغتسل، هو يوم الحساب على هذه السرائر وغيرها مما اجتهد العبد في
إخفائه عن الناس، فهو يومٌ تُخْتبَر فيه سرائر العِباد؛ فينكشف منها ما كان في
الدُّنْيا خافياً عن عيون الأشهاد.
وعن (ذنوب الخلوات) قال
النبي صلى الله عليه وسلم: [لَأَعلَمَنَّ أقْوامًا مِن أُمَّتي يَأتونَ يَوْمَ
القِيامةِ بحَسَناتٍ أمْثالِ جِبالِ تِهامةَ بِيضًا، فيَجعَلُها اللهُ عَزَّ
وجَلَّ هَباءً مَنْثورًا] قيل: يا رَسولَ اللهِ، صِفْهم لنا، جَلِّهم لنا ألَّا
نكونَ مِنهم ونحن لا نَعلَمُ، قَالَ: [أَمَا إنَّهم إخْوانُكم، ومِن جِلْدتِكم،
ويَأخُذونَ مِن اللَّيْلِ كما تَأخُذونَ، ولكنَّهم أقْوامٌ إذا خَلَوا بمَحارِمِ
اللهِ انْتَهَكوها]. وقال عليه الصلاة والسلام: [إنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ عَمَلَ
أهلِ الجَنَّةِ، فيما يَبدو للنَّاسِ، وهو مِن أهلِ النَّارِ]. وكان من دعائه صلى
الله عليه وسلم: [أسألُكَ خشيتَكَ في الغيبِ والشَّهادةِ]، وكان من دعائه كذلك:
[اللهمَّ اغفِرْ لي ذَنبي كُلَّه؛ دِقَّه وجِلَّه، وأوَّلَه وآخِرَه، وعَلانيَتَه
وسِرَّه]. وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة رضي الله عنهم
بقوله: [أُوصيكَ أنْ تَسْتَحِيَ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ كما تَسْتَحِي رجلًا من
صالِحِي قَوْمِكَ]، كما قال: [أُوصِيكَ بتَقوَى اللهِ تَعالى، في سِرِّ أمرِك
وعلانِيتِه]، يقول شارحو الحديث: والتقوى في السِر أصعب لكنها أعظم أجراً؛ لأن الدافع
إليها خشية الله وحده، أما تقوى العلانية فقد يدفع إليها خوف الفضيحة بين الناس.
ويصف أهل العِلم حال
المُذنب في الخلوات؛ فيقولون: ينظر أحدُهم إلى الأمام وإلى الوراء، وذات اليمين
وذات الشِمال، حتى إذا ما اطمأن أن لا أحد يراه بارز ربَه بالعِصيان، يخاف من
الريحِ إذا حَرَّكَتْ سِترَ بابه وهو على الذنب، لا يضطرب فؤاده من نظر الله إليه.
ويقول العُلماء إن (ذنوب
الخلوات) عنوانٌ لضعف تعظيم الله في قلب العبد، وبرهانٌ ساطعٌ على عدمِ إجلال الله
سُبحانه كما يليق بجلال وجهه، وتقديمِ تعظيم الخلق وخشيتهم على تعظيم الله وخشيته،
فتجد العبد يستخفي من الناس، ولا يستخفي من الله جلَّ وعلا، ويستحي من الخَلْق،
ولا يستحي من الخالق، وإذا خلا بمحارم الله انتهكها، ومثل هذا العبد يُصاب
بالانتكاس بسبب ما في قلبه من ألوان النفاق والرياء والخُبْث؛ فإن عمله لم يكن
لوجه الله سُبحانه وتعالى، وإنما كان رياءً وسُمعة؛ إذ يبدو للناس يعمل بعمل أهل
الجنة، أما فيما يخفى على الناس ففي قلبه سريرةٌ خبيثةٌ أودت به وأهلكته، وهذا
يختم له بسوء الخاتمة. إن سوء الخاتمة عقوبةٌ إلهيةٌ على عدم صِدق العبد، وإيثاره
رضا المخلوقين على رضا رب العالمين؛ لذا يُقال إن (ذنوب الخلوات) أصل الانتكاسات،
ويُقصد بذلك الحث على الالتزام بتقوى الله في السِر والعلن وخشيته في الغيب
والشهادة، وألا يجعل العبدُ ربَه أهون الناظرين إليه. ومَن يُخفي ما لا يرضاه الله
عزَّ وجلَّ، يُظهِره الله ولو بعد حينٍ، ويُنطِق الألسنة به وإن لم يُشاهده الناس،
وربما أوقع صاحبه في آفةٍ يفضحه بها بين الخَلق؛ فما أسَرَّ عبدٌ سريرةً إلا
أظهرها الله على قَسَماتِ وجهه وفلتات لسانه؛ إن خيراً فخيرٌ، وإن شراً فشَر. إن
أخطر ما في (ذنوب الخلوات) أن تكرار السقوط فيها يبث اليأس في قُلوب العُصاة،
فيتركون المُحاولة، وينقطعون عن التوبة، وهو ما يؤدي لموت القلب، وأي مُصيبةٍ أعظم
من موت القلب، وعلامته عدم الحزن على ما فات من الطاعات، وترك الندم على ما فُعِل
من المعاصي والزلات، وهذا دليلٌ على غضب الرب.
وقال العارفون إن من آثار
(ذنوب الخلوات) حِرمان البركة؛ قيل إن الذنوب تُطفئ نور القلب، وتُضعف البدن،
وتُقلِل الرزق. كما أنها حاجزٌ بين العبد واستجابة دعائه؛ ذكر صلى الله عليه وسلم
الرجلَ [يُطيلُ السَّفَرَ أشعَثَ أغبَرَ: يَمُدُّ يَدَيه إلى السَّماءِ، يا رَبِّ،
يا رَبِّ، ومَطعَمُه حَرامٌ، ومَشرَبُه حَرامٌ، ومَلبَسُه حَرامٌ، وغُذيَ
بالحَرامِ، فأنَّى يُستَجابُ لذلك؟!]. وفيها أيضاً مَحقُ النِعَم؛ يقول تعالى:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ
حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. فضلاً عن أنها سببٌ للطرد من معية الله؛
فمِن أعظم ما يَفتَح باب الرزق قُربُ العبد من الله، أما (ذنوب الخلوات) فتُورِث
البُعد والحِرمان.
ويؤكد العُلماء على أن
المقصود من الحديث عن (ذنوب الخلوات) ليس دعوة الناس إلى المُجاهرة بالذنوب بدلاً
من سترها وإخفائها؛ فإن مَن تغلبه نفسه وشيطانه فيضعف أمام الذنوب لكنه يستتر بها
عن أعين الناس حياءً وخجلاً، فهذا لا شك أن حاله أهْوَن من حالِ مَن خلع ثوب الحياء
وزال من قلبه استقباح الذنوب، فصار يُجاهر بها ولا يُبالي؛ فالمُجاهر يأثم من أجل
ارتكابه الذنوب، ويأثم من أجل المُجاهرة بها.
وعن (ذنوب الخلوات) قال
الشاعر:
إذا ما
قال لي ربي
أما
استحييتَ تعصيني
وتُخفي
الذنبَ عن خَلْقي
وبالعصيانِ
تأتيني
فكيف
أجيبُ يا ويحي
ومن ذا
سوف يحميني
أُسَلِّي
النَّفْسَ بالآمالِ
من حينٍ
إلى حينِ
وأَنْسَى
ما وراءَ الموتِ
ماذا
بعدُ يَكفيني
كأنِّي
قد ضَمِنْتُ العَيْشَ
ليس
الموتُ يَأتيني
وقال آخر:
بكَتْ
عَيني على ذَنْبي
وَمَا
لَاقَيْتُ مِنْ كَرْبِي
فَيا
ذُلّي، ويا خَجَلِي
إذا ما
قالَ لي رَبِّي
أَمَا
اسْتَحْيَيْتَ تَعصِيني
ولا
تَخْشى مِنَ الْعَتْبِ
وتُخفي
الذَّنبَ من خَلقي
وتأبَى
فِي الْهَوَى قُرْبي
فَتُبْ
مِمَّا جَنيْتَ عَسَى
تَعُودُ
إلى رِضَا الرَّبِّ
وقال ثالثٌ:
إِذا ما
خَلَوتَ الدَهرَ يَوماً فَلا تَقُل
خَلَوتُ،
وَلَكِن قُل عَلَيَّ رَقيبُ
وَلا
تَحسَبَنَّ اللَهَ يُغفِلُ ما مَضى
وَلا
أَنَّ ما يَخفى عَلَيهِ يَغيبُ
وعن دواء (ذنوب الخلوات)
يقول أحد الصالحين: كُل إنسانٍ يُغلق باب غرفته على نفسه، ويجلس أمام شاشة
الحاسوب، أو يُمسك بالهاتف في يده، فيقع في ذنبٍ، ثم يذوب قلبه ندماً وألماً، ثم
يُوسوس له الشيطان قائلاً: "أنتم منافقون، تُظهرون للناس شيئاً وتُخفون شيئاً
آخر"، أقول لك كلمةً من القلب: "إذا كُنتَ تندم وتبكي بعد الذنب، فلستَ
مُنافقاً؛ بل في داخلك قلبٌ حيٌّ ما زال يستحي من الناس، ويحتاج أن يتعلم
الاستحياء من الله أولاً؛ فكيف نُغلق هذا الباب ونستريح؟ ليس الأمر مُستحيلاً،
لكنه يحتاج إلى خُطة مُجاهدةٍ واضحةٍ: اِقْلِبْ الموازين على الشيطان بسرعةٍ؛ إذا
وقعتَ في الذنب، فلا تستسلم للندم الذي يقودك إلى الاكتئاب، ثم إلى مُعاودة
المعصية، بادِر فوراً بالقيام للصلاة، توضأ وصلِّ ركعتين توبةً، تصدَّق، واستغفر
الله؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، اجعل الشيطان
يندم لأنه دفعك إلى الذنب، إذ قابلتَ ذنبك بطاعاتٍ كثيرةٍ. واقلل من خلواتك إلا ما
كان منها للخير. وأكثِر من الدُعاء؛ فهو خير دواءٍ، ادعُ الله بصدقٍ مُتذللاً أن
يُصلح سريرتك. ومن المُهم أن تكسر دائرة الوحدة؛ فإن الشيطان قويٌّ على المُنفرد،
فلا تجلس وحدك في غرفتك وأنت تعلم أن ذلك وقت ضعفك، اجلس مع أهلك، أو اخرج للمشي
قليلاً، واجعل شاشة هاتفك أو حاسوبك في مكانٍ ظاهرٍ أمام الجميع، واتخذ لنفسك
صُحبةً صالحةً تكون لك عوناً على طريق الصلاح والفلاح. ومن الضروري أن تُزيل أسباب
الذنب فوراً؛ وأنت أدرى بالبرنامج أو الموقع أو الصفحة أو حتى الشخص الذي يكون
بدايةً للمعصية؛ احذفه، واحظره، وقُم بإلغاء مُتابعته فوراً، لا تترك عود كبريتٍ
بجوار البنزين وتقول: سأقاوم! تذكّر دائماً هذه العبارة: “اتقِ الله ولا تجعله
أهون الناظرين إليك"، تخيّل وأنت في قمة الذنب أن مَلَك الموت دخل عليك ليقبض
روحك على تلك الحال؛ فالخوف من سُوء الخاتمة سيوقظك في لحظة. ومما ينفع أيضاً
الدُعاء بصوتٍ مُرتفعٍ؛ ارفع يديك إلى الله وقُل: "يا ربِ، أنا ضعيفٌ وأنت
القوي، يا ربِ طهِّر قلبي وحصِّن فَرْجي، ولا تفضحني في الدُنيا ولا في
الآخرة"؛ فإن الله يُحب العبد الذي يلجأ إليه مُعترفاً بضعفه.
إن (ذنوب الخلوات) تهدم
جبال الحسنات، لكن طاعات الخلوات تبني قُصوراً في الجنة؛ فاجعل لك ركعاتٍ في السِر
في جوف الليل لا يعلم بها أحدٌ إلا الله، وتذكّر دائماً قوله عليه الصلاة والسلام:
[التائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ لهُ].
أحبتي.. أختم بخطاب أحد
الصالحين للمُذنب في الخلوات؛ قال له: راقَبتَ أهل الأرض أكثر مما راقبتَ مَن في
السماوات! واستخفيتَ من الناس ولم تستخفِ من الله! وخشيتَ الناس كخشية الله بل أشد
خشيةً! اجترأتَ على ربك جرأةً ما تجرَّأتَ مثلها على مديرك أو أميرك! فالحذر الحذر
من (ذنوب الخلوات) فإن أخسر الخاسرين من أبدى لِلنَّاسِ صَالِح أعماله، وبارز
بالقبيح من هُوَ أقرب إِلَيْهِ من حبل الوريد! إنَّ ستر الله لك دليلٌ على أنه لا
زال لك رصيدٌ عند ربك، فلم يهتك سترك بينما غيرُك مفضوحٌ، فيا أيها المستور على
السُوء، أنت في المُهلة، لكنك لا تدري متى انقضاؤها؛ فغداً تُستدعى للمُساءلة
وتحضر للمُحاسبة، فما قولك لربك عن (ذنوب الخلوات) التي أخفيتها عن الناس واطلع
عليها رب الناس؟ ليتذكر كلٌ منا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي
أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾، ويُبادِر إلى مُجاهدة
نفسه، ليتخلص من (ذنوب الخلوات)، ويُحوِّلها إلى حسنات الخلوات؛ بالبدء على الفور
إلى الإكثار مِن فِعل الخيرات سِراً، وعلانيةً بغير رياءٍ، ومُضاعفة أعماله
الصالحة التي يقوم بها في الخفاء، لا يرجو منها إلا وجه ربه، موقناً بأن خلواتنا
ستنكشف وقت ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾، فاجعلنا اللهم ممن
تَبْيَضُّ وُجُوهُهُم يوم العرض عليك. نسأل الله أن يُثبتنا جميعاً على الخير،
ويُطهِّر قلوبنا، ويغفر لنا.
*لقراءة
الخاطرة كاملة*
https://www.facebook.com/share/1A4KJX87xN/?mibextid=wwXIfr
*للاستماع
الصوتي*
https://drive.google.com/file/d/1zaWwQPIazkDJKRL9Aoz3uM69A6veRG9c/view?usp=drivesdk
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق