الجمعة، 17 يوليو 2026

شر الحسد

 

خاطرة الجمعة /560

الجمعة 17 يوليو 2026م

(شر الحسد)

 

هذه قصةٌ حقيقيةٌ ترويها صاحبتها فتقول:

أنا فتاةٌ أبلغ من العُمر اثنين وعشرين عاماً، طالبةٌ بكلية التجارة، كُنتُ مُتفوقةً حتى أن مجموع درجاتي في الثانوية العامة كان عالياً للغاية؛ وكان يؤهلني لدخول كُلية الطب، لكني اخترتُ كُلية التجارة بسبب سوء أحوالنا المادية؛ فأنا الابنة الكبرى، ولدي أربعة إخوةٍ غيري، يعمل والدي حارس عمارةٍ بإحدى المناطق الراقية بمدينة «القاهرة»، أما عن والدتي فهي تُساعده في تحمل تكاليف المعيشة الباهظة، تُنظف شُقق العمارة، وكثيراً ما كُنتُ أذهب معها لأُساعدها في ذلك، لكني لم أذهب يوماً معها للتخفيف عنها، بل كُنتُ أذهب معها لأشعر -ولو لساعاتٍ محدودةٍ- أنني مثل هؤلاء الأشخاص الذين يعيشون حياة الترف؛ فقد كُنتُ أعيش ذلك في أحلامي، وكُلما ذهبتُ مع والدتي لأُنظف معها تهيأ لي أننا مُلاك الشقة الأصليين، وأننا نُنظف منزلنا ليس إلا. كُنتُ دائماً أُؤرق عيشي بالسؤال: لماذا هُم يعيشون ويرفهون، ونحن لا نمتلك قُوت يومنا؟ نحن لأيامٍ كثيرةٍ لا نمتلك حقاً قُوت يومنا، لماذا أتعب وأُنهك كُل طاقتي وأحصل على مجموعٍ يؤهلني لدخول كُليةٍ من كُليات القمة كالطب ولا أتمكن من تحقيق حُلم عُمري بسبب الظروف المادية؟ دائماً ما كانت تجول بخاطري هذه الأفكار، لدرجة أنني كُنتُ أحقد على الناس جميعاً!

في أحد الأيام تلقى والدي اتصالاً يُفيد بأن أصحاب العمارة سيعودون للبلاد، حيث كانوا مُقيمين بإحدى الدول العربية لمدة طويلةٍ، وقرروا العودة للوطن للاستقرار فيه؛ فذهبنا -أنا ووالدتي- لتنظيف شقتهم، ويا لها من شقةٍ، لقد كان كُل شيءٍ بها يعجز عقلي عن تصديقه، كُل شيءٍ بها تتمناه أي نفسٍ بشريةٍ. وكان لصاحب العمارة وزوجته ابنٌ وابنةٌ، رتبنا غُرف الأبناء أولاً، ثُم رتبنا ونظفنا بقية الغُرف. كان كُل شيءٍ جميلاً وبراقاً، لم أرَ طوال حياتي غرفةً جميلةً مثل غرفة تلك الفتاة. عبأت والدتي الثلاجة الصغيرة الخاصة بالفتاة بأنواعٍ مُتعددةٍ من الفاكهة والشوكولاتة والعصائر، إضافةً إلى الثلاجة الكبيرة الخاصة بالمنزل تنفيذاً للأوامر. كما قامت والدتي بطهو طعامٍ يحرم علينا تناول أي شيءٍ منه، وعندما انتهت من إعداده نادت عليّ فوجدتني نائمةً على سرير الفتاة، أيقظتني بعدما نفضت جسدي كاملاً، وأول ما استيقظتُ وبختني كثيراً وقالت لي: "ارضِ بما قسمه الله لكِ، ولا تُتعبي عينيكِ بالنظر طويلاً للأعلى!”. أعادت والدتي ترتيب السرير وكأن من ستنام عليه أفضل مني. وأول ما انتهينا رجعنا منزلنا، والذي هو حجرةٌ واحدةٌ وصالةٌ ومطبخٌ وحمَّامٌ، لا يوجد لدينا إلا سريرٌ واحدٌ؛ سرير والدايّ، وأريكةٌ واحدةٌ إذا جلستَ عليها تجد عظامكَ تشكو منكَ وتدعو عليكَ في آنٍ واحدٍ! وقبل أن نستريح سمعتُ صوت سيارةٍ، خرج على الفور والدي، بالتأكيد هو مالك العمارة وأُسرته، أحببتُ أن أراه لا حباً فيه، بل بدافع الفُضول، خرجتُ مُسرعةً وجدتُ والدي يُنزِّل الحقائب من السيارة، ووجدتُ رجلاً يُناهز عُمره الستين عاماً وزوجته عُمرها يُقارب الخمسين أو يزيد، ولديه ابنٌ في العشرينات من عُمره، وابنةٌ جميلةٌ للغاية، لا أستطيع أن أصف روعة الملابس التي ترتديها، وعلى الرغم من جمال ملابسها، والمُجوهرات التي ترتديها، إلا أن جمال الفتاة يُغطي على كُل ذلك، فجمالها يُزيِّن ما ترتدي وليس العكس. حقيقةً كانت «حسناء» وأخوها «حسن» اسمين على مُسمىً، وكانا في قمة التواضع، فعلى الرغم من كُل أموال والدهما وحياة الترف التي يتمتعان بها، إلا أنهما يمتلكان طيبة القلب والعفوية والبراءة. كانت «حسناء» كُل يومٍ يمر تُقربني فيه إليها أكثر فأكثر، كانت تُعطيني من ملابسها، وتُطعمني مما تأكل، خاصةً أنها عندما عادت للبلاد التحقت بكُلية التجارة -نفس الكُلية التي ارتادها- لقد كُنا ندرس بنفس القسم أيضاً. كانت كُل يومٍ تُخزي نفسي اللئيمة بطيبة قلبها وحُسن خلقها، ولكني ما زلتُ أشعر بنيران الحقد والحسد بداخلي تجاهها. وفي أحد الأيام جاءت تحمل لي بُشرى سارةً -على حد قولها- أخبرتني بخبرٍ قصم روحي وكان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير؛ لقد أخبرتني بأن المُعيد الذي يُدرِّس لنا صارحها بمشاعره تجاهها، ويُريد أن يعرف رأيها فيه قبل أن يتقدم بطلب الزواج منها، إنه الشخص الذي لطالما أحببتُه أنا ورسمتُ أحلاماً كثيرةً معه، لقد ضاقت بيّ الحياة ذرعاً، واشتعلت نار الحقد والحسد في صدري، لم يعد هناك شيءٌٍ يمنعني من إيذائها، حتى وإن كان لن يتقدم المُعيد الذي أُحبه بطلب الزواج بي؛ فكيف يقبل بالارتباط بابنة حارس عمارة؟ وبدأت نفسي الأمارة بالسوء في تحويل طاقة الحسد المشتعلة في صدري إلى خطةٍ لإيذاء «حسناء»؛ تحججتُ بحجةٍ واهيةٍ وأخذتُ منها هاتفها وأنشأتُ صفحةً على «الفيس بوك» برقم هاتفها وباسمها الحقيقي، بل وبالإشارة إلى الحي الذي تعيش فيه أيضاً، جعلتُ الصفحة تبدو وكأنها خاصةً بفتاة ليلٍ، ألصقتُ بها الكثير من الصور الجريئة والمُخلة أيضاً، وانهالت الرسائل على الصفحة، وكُنتُ أرد أنا على تلك الرسائل بردودٍ جريئةٍ باسم «حسناء»، وهي غافلةٌ لا تعلم شيئاً من كل ذلك. لم أكتفِ بذلك؛ بل قُمتُ بنسخ كُل المُحادثات وأرسلتها للمُعيد الذي يُريد أن يتزوجها، وكانت الفضيحة قويةً، خاصةً أنني قبلتُ -باسم «حسناء»- صداقات شبابٍ من الحي الذي نسكن به؛ فكانت تصل إليها رسائل نصيةٍ فاجرةٌ على هاتفها الذي أنشأتُ به الصفحة، وكانت كُل يومٍ تنهار أكثر من اليوم الذي يسبقه، ونظراً لسوء حالتها النفسية اضطُر والدها لترك العمارة، بل وغادر مع أُسرته الحي كُله، وذهبوا إلى مكانٍ بعيدٍ لا يعرفهم فيه أحدٌ للعيش به، كما أن «حسناء» اضطُرت إلى ترك الدراسة كُلياً، واضطُررتُ أنا للعمل لتحمل مصاريفي الشخصية؛ فعندما كُنتُ معها لم أكن أحمل أي همٍ بالحياة؛ فقد كانت تتحمل جميع مصاريفي. اضطُررتُ للعمل بعد إنهائي جميع مُحاضراتي بالجامعة. وبمرور الأيام نسيتُ «حسناء» تماماً، ونسيتُ كل تفاصيل حياتي معها، وتعايشتُ مع واقعي الجديد، كُنتُ مُجدةً للغاية في دراستي وفي عملي، الأغرب من كُل ذلك أنني لم أشعر بالذنب حيالها بالمرة، لقد كان شعوري بمثابة الانتصار عليها، وتحقيق رغبتي الدفينة في أن أحرم هذه الفتاة من شيءٍ واحدٍ تمنته ولم تحصل عليه!

وفي أحد الأيام تأخرتُ في عملي وأنا عائدةٌ في طريقي للمنزل، لاحظتُ سيارةً بها مجموعةٌ من الشباب تتبعني، وفجأةً توقفت السيارة وخرج منها ثلاثة من الشباب فاقدي الوعي مُغيبين تحت تأثير المُخدرات، اقتربوا مني، شُلَّت حركتي، ولم أتذكر حينها إلا ذنب الفتاة البريئة التي لطختُ شرفها ووصمتُها بالعار، أيقنتُ حينها أن الله سُبحانه وتعالى سينتقم مني ومن كُل أفعالي الشنيعة، وما إن ألقوا بي على الأرض وأشبعوني ضرباً إلا وأجد سيارةً تقترب على صوت صرخاتي العالية، ويخرج منها شابٌ بيده سلاحٌ أطلق منه رصاصةً في الهواء؛ فتركني هؤلاء الشباب ولاذوا بالفرار. عندما اقترب مني الشاب ليطمئن عليّ فوجئتُ أنه «حسن» أخو «حسناء»، اشتد عليّ تعذيب ضميري؛ أنا أُلطخ سمعة أُخته، وهو يُنقذ سُمعتي وشرفي من الضياع! فقدتُ صوابي من هول المُفاجأة، ذهب «حسن» بي إلى أقرب مُستشفى، وهناك قدمت «حسناء» التي تعتبرني أُختها الوحيدة التي لم تُرزق بها من والديها، ظلت بجواري هي وأخوها طوال الليل، وكُلما استيقظتُ وجدتُها بجواري، والتمستُ منها الحنان الحقيقي الخارج من قلبها دون تكلفٍ. ساءت حالتي أكثر من السابق، وقد كان اعتقاد الجميع أن سُوء حالتي مما تعرضتُ له، لكنه كان بسبب ضميري الذي استيقظ مُؤخراً، فقد أعمت قلبي نيران الحسد والغيرة والحقد على فتاةٍ طيبة القلب لا تستحق إلا كُل الخير، بفعلتي جعلتها تخشى أن تُواجه المُجتمع، والآن هي الوحيدة التي تقف بجانبي، ولا أجرؤ على الاعتراف لها بفعلتي القبيحة وإعلان براءتها. عُدتُ إلى دراستي، أما عن العمل فقد منعتني هي من الذهاب إليه مُجدداً خوفاً مما يمكن أن يحدث لي مرةً أُخرى، كانت تبعث لي براتبٍ شهريٍ يكفيني ويزيد عن كُل احتياجاتي. وذات يومٍ اتصلت عليّ والدتها وطلبت مني الحضور إليها على الفور، وعندما وصلتُ إلى منزلهم الجديد وجدتُ «حسناء» تُصلي، وأطالت السجود حتى أنها لم ترفع رأسها منه، قلقنا عليها فذهبتُ مُسرعةً إليها ورفعتها وجدتها فاقدةً للوعي، لقد استدعتني والدتها نظراً لأن ابنتها الوحيدة كانت حزينةً للغاية؛ فظنت أن بإمكاني إخراجها من حالة الحُزن التي استولت عليها. بعدها علمتُ أن الفتاة كانت مُصابةً بمرضٍ خطيرٍ، كان لديها سرطانٌ بالدم، وتعالجت منه في الخارج قبل عودتها إلى البلاد، وشفيت منه تماماً، لكن نظراً للظروف الأخيرة التي مرَّت بها، وما عانته من مآسٍ وأحزانٍ كنتُ أنا السبب فيها عاد إليها المرض من جديدٍ. تقطع قلبي عليها، يا ليتني لم أفعل بها مكروهاً، لقد كانت هذه الفتاة المسكينة تُصارع الحياة، وكُنتُ أحسدها على ما لا تُحسد عليه. تُوفيت «حسناء» وهي في حُضني بعدما اعترفت لي بكمية الحُب الذي كان في قلبها للمُعيد، وأنها تمنت أن تتزوج به وتُنجب طفلاً وتسمع كلمة ماما، ويا لتعاسة قلبي عندما علمتُ أنها أوصت بكُل مُجوهراتها وأموالها بالبنك لي! رغم أنني كُنتُ السبب الأساسي في موتها!

 

أحبتي في الله.. أنهت صاحبة القصة روايتها بالقول: "الحقيقة أن الحاسد يأكل نفسه أولاً قبل أن يأكل من يحسده، إن الحسد أعظم آفةٍ يُمكن أن تأكل قلب الإنسان. وأنا أكتب لكم الآن قصتي لتأخذوا منها العبرة؛ فأنا في أشد حالات الندم، وأدعو الله في كل لحظةٍ أن يتقبل توبتي ويغفر لي ويرحمني، وأن يُخفف عني عذاب الضمير الذي يلازمني ويُفسد عليّ حياتي".

 

يقول العُلماء إن الحسد هو أن يتمنى الحاسد زوال نعمة المحسود، وهو حرامٌ بإجماع الأُمة، لأن فيه اعتراضاً على الله سُبحانه وتعالى، ومُعاندةً له، ومُحاولةً لنقض ما فعله وإزالة فضل الله عمن أهلَّه له. والحسد من أسوأ الطباع؛ يقول تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ . مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ . وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ . وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ . وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ قال المُفسرون إن الله سُبحانه وتعالى أمرَّ نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالتعوذ من شر الحاسد ومن (شر الحسد)؛ فقد جَمَعَ الشُرور في هذه الآيات، وختمها بالحسد لِيُعْلَمَ أنَّه أخسُّ الطباع؛ فما أضعف الحاسد؛ يُذيب الغِل قلبه كما تُذيب النار الحديد وتصهره، يتمنى زوال النعمة عن أخيه، وينسى أن الأرزاق مقسومةٌ، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء؛ يقول سُبحانَه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وهذا هو الحَسَدُ الذي ذمَّه اللَّهُ؛ بقوله عَزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ فهو نهيٌ عن أن يتمَنَّى الإنسانُ ما فضَّل اللَّهُ به غيرَه من النَّاسِ عليه؛ فإنَّ في ذلك نوعاً من عَدَمِ الرِّضا بالقِسمةِ التي قسَمَها اللَّهُ بَيْنَ عبادِه على مُقتضى إرادتِه وحِكمتِه البالغةِ، وفيه أيضاً نوعٌ من الحَسَدِ المنهيِّ عنه إذا صَحِبته إرادةُ زوالِ تلك النِّعمةِ عن الغيرِ.

 

قيل إن الحَسَدُ أوَّلُ ذَنبٍ عُصِيَ اللَّهُ به في السَّماءِ، وأوَّلُ ذَنبٍ عُصِيَ به في الأرضِ؛ فأمَّا في السَّماءِ فحَسَدُ إبليسَ لآدَمَ، وأمَّا في الأرضِ فحَسَدُ قابيلَ لهابيلَ. وإن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب، فيه ضررٌ على الحاسد في الدُنيا والدِين؛ فالحاسد سخط بحسده على قضاء الله تعالى، وكَرِهَ نعمته التي قسمها بين عباده، وعدله الذي أقامه في مُلكه بخَفيّ حكمته، فاستنكر ذلك وكفى بهذا جنايةً على الدِين. والحاسد يتضرر في الدُنيا؛ فهو يتألم بحسده، ولا يزال في كمدٍ وغمٍ، ولا يزال يتعذب بكل نعمةٍ يراها عند مَن حسدهم.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تَحاسَدوا، ولا تَناجَشوا، ولا تَباغَضوا، ولا تَدابَروا، ..]، وعندما سُئل: يا رَسولَ اللهِ! أيُّ النَّاسِ أفضَلُ؟ قال عليه الصلاة والسلام: [كلُّ مخمومِ القلبِ صدوقِ اللسانِ]، قالوا: صَدوقُ اللِّسانِ نَعرِفُه، فما مخمومُ القَلبِ؟ قال: [هو التقيُّ النقيُّ، لا إثمَ فيه، ولا بغيَ، ولا غِلَّ، ولا حسدَ].

 

ويقول أهل العِلم إن كان الحسد مجازياً، بمعنى الغِبْطَة، فإنه محمودٌ في الطاعة، ويبدو ذلك واضحاً في قوله صلى الله عليه وسلم: [لا حَسَدَ إلَّا في اثنَتَينِ: رَجُلٌ عَلَّمَه اللهُ القُرآنَ، فهو يَتلوه آناءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ، فسَمِعَه جارٌ له، فقال: لَيتَني أوتيتُ مِثلَ ما أوتيَ فُلانٌ، فعَمِلتُ مِثلَ ما يَعمَلُ، ورَجُلٌ آتاه اللهُ مالًا فهو يُهلِكُه في الحَقِّ، فقال رَجُلٌ: لَيتَني أوتيتُ مِثلَ ما أوتيَ فُلانٌ، فعَمِلتُ مِثلَ ما يَعمَلُ].

ويقول أحد العارفين: إن الحسد لا يضر المحسود، بقدر ما يفتك بصاحبه؛ يملأ صدره ضِيقاً، ويغمر قلبه ظُلمةً، حتى يُطفئ فيه نور الرضا والإيمان؛ فكيف يهنأ الحاسد بعيشٍ، وقد جعل قلبه سجناً للنقمة على غيره وسُوء الظن بربه جلَّ في عُلاه؟!

 

وعن (شر الحسد) يقول الشاعر:

ألَا قُلْ لمَن كان لي حاسِدًا

أتدري على مَن أسأتَ الأدَبْ

أسأتَ على اللَّهِ في فِعْلِهِ

لأنَّك لم تَرْضَ لي ما وَهَبْ

فأخزاكَ عنه بأنْ زادني

وسَدَّ عليكَ وجوهَ الطَّلَبْ

وقال آخر:

اصبِرْ على حَسَدِ الحَسودِ

فإنَّ صَبْرَك قاتِلُه

النَّارُ تأكُلُ بَعضَها

إنْ لم تجِدْ ما تأكُلُه

 

أحبتي.. يقالُ إن الحسد داءٌ عُضالٌ يفتك بالصدور، ويُدمِّر العلاقات، ويُميت القلوب، ويشحن النفوس بالبغضاء، وهو صفةٌ مذمومةٌ شرعاً وعقلاً. والحاسد شخصٌ بغيضٌ مكروهٌ ينفر منه الجميع، حتى أقرب الناس إليه لا يُجالسونه ولا يقعدون معه، ويجتنبونه إذا تكلموا ولا يُسرِّون إليه بحديثٍ من أحاديثهم أبداً، ولا يتقرب منه أحدٌ خشيةً على نفسه من أن يحسده؛ فعلى الحاسد أن يتوقف عن الحسد فوراً، ويتوب إلى الله توبةً نصوحاً، ويتقي الله في نفسه وفي غيره، عسى أن يقبل الله توبته، ويبدِّل سيئاته حسنات؛ يقول تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾.

أما المحسود، ومن يخاف على نفسه وأهله من (شر الحسد)، فعليه الإكثار من التعوذ، بقراءة المُعوذتين، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وقراءة القرآن بصفةٍ عامةٍ، والإكثار من الدُعاء والأذكار والتعوذات النبوية من نحو: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.

نسأل الله تعالى أن يُطهِّر قلوبنا جميعاً من الحسد، وأن يُبعد عنا شر الحاسدين، و(شر الحسد).

 

https://www.facebook.com/share/198t8X9fdH/?mibextid=wwXIfr

 

ليست هناك تعليقات: