الجمعة، 10 يوليو 2026

سُنة الابتلاء

 

خاطرة الجمعة /559

الجمعة 10 يوليو 2026م

(سُنة الابتلاء)

 

هذه الخاطرة أهديها إلى كُل مَن قهرته الظُروف، وأحس أن البلاء قد أحاط به من كُل جانبٍ. إلى كُل مَن صارت أحواله تسير من سيءٍ إلى أسوأ. إلى مَن يظن أنه لا يوجد على وجه الأرض مَن يُعاني مثله، ومَن يُظلَم مثله، ومَن يقف وحيداً يُواجه القسوة والظُلم والإهانة والذُل بلا حدودٍ مثله.

طفلةٌ يتيمةٌ مرَّت بحياةٍ أليمةٍ تُخبرنا بقصتها من البداية فتقول:

عشتُ يتيمة الأُم مُنذ كنتُ في الرابعة من عُمري، فعرفتُ طعم الفقد ووجع الحرمان وانكسار الروح، حين أرى كُل طفلةٍ تُمسك بيد والدتها في المُناسبات الاجتماعية والأعياد، أو حين تمسح أُمٌ فوق رأس ابنتها بحنانٍ بالغٍ، أو حين تُزيد البنت الدلال على والدتها فتحضنها بكُل حُبٍ. لم يؤثر رحيل والدتي كثيراً على والدي؛ فقد تزوج بعد وفاتها بشهرٍ واحدٍ بامرأةٍ، لو كان لي الخيار لما صنفتها من عالم البشر، ذُقتُ على يديها كُل ألوان العذاب في ظل صمتٍ مُطبقٍ من والدي! من فرط قسوتها كُنتُ أتمنى الموت كُل ساعةٍ حتى صار من أجمل أحلامي. كُنتُ آخر فردٍ ينام ليلاً، وأول من ينهض من فراشه صباحاً، حتى الشاي والفطور كُنتُ أقوم بإعدادهما قبل ذهابي إلى المدرسة.

لم تكن عقارب الساعة تمر سريعاً؛ بل كُنتُ في أحيانٍ كثيرةٍ أشك أن نفس اليوم يتكرر ثلاث مراتٍ من طول ساعاته التي لم تكن تمضي أبداً. كُنتُ أشعر كأن أضلعي يجثم فوقها ألف جبلٍ وجبلٍ، وأن صدى صرخاتي التي تتلوى وجعاً ترتد نحو حلقي فلا يسمعها سواي. كُنتُ حقاً أختنق. لكن ورغم كُل ما كُنتُ أُعانيه من ظلمٍ وقسوةٍ ويُتْمٍ، كان عزائي الوحيد الدراسة؛ حيث تفوقتُ فيها إلى الدرجة التي أثارت غيرة أخواتي من أبي؛ مما دفع زوجته لإخراجي من المدرسة وأنا في الصف الأول ثانوي. انكسرت روحي كما ينكسر فنجان قهوةٍ إلى أشلاء صغيرةٍ! انسلختُ عن نفسي حتى لم أعد أدري من أنا، أحسستُ أن جزَّاراً سلخ جلدي مثلما يسلخ جلد الذبيحة ورمى به بعيداً فأصبحتُ لا أعرفني! انكسار روحٍ، انسلاخ نفسٍ! ماذا تبَّقى لي حتى أتمسك بحياتي البائسة؟ فكرتُ بالانتحار لكني خفتُ من غضب الله.

لم تتوقف مُحاولات زوجة أبي في إذلالي، وزرع الإحساس في داخلي بأني لستُ إنسانةً، كأنما وظيفتها في الحياة مُحاولة وأْدي. وكان لها شقيقٌ يُعاني من تخلفٍ عقليٍ وعاهةٍ بدنيةٍ ولا يستطيع النُطق، لا أدري كيف أقنعتْ والدي والمأذون والناس جميعاً بمُوافقتي على الارتباط به؟! حاولتُ بشتى السُبل الاعتراض، ولكن لا حياة لمن تُنادي. هددتُها بالهرب فهددتني بالقتل، ولأني كُنتُ مُجرد فتاةٍ يتيمةٍ خائفةٍ مُستضعفةٍ لا يُنصتُ إليها أحدٌ، ولا يستمع لصدى صُراخها أحدٌ؛ فقد استسلمتُ، لأنه الخيار الوحيد المُتاح لي في ذلك الوقت. وتم زفافي إليه في ملحمةٍ إنسانيةٍ بائسةٍ كان فيها الزوج لا يعلم حتى عما يدور حوله، عُش الزوجية مُجرد غُرفةٍ في سطح منزلنا كان في الأصل عُشة حمامٍ! لم تكن مُعاملتها لشقيقها تتصف بالإنسانية إطلاقاً؛ فقد كانت تضربه بشدةٍ وبلا أدني رحمةٍ، حين يُبعثر الطعام أو يصرخ بقوةٍ أو يُضايق إحدى بناتها المُدللات. لم يكن اهتمامها به بعد وفاة والديها ناتجاً من محبتها له، بل حتى لا يتكلم الناس عنها بسوءٍ، هذا ما ظننته في البداية قبل أن أكتشف الحقيقة التي صعقتني فيما بعد. سوء مُعاملتها له دفعني للإشفاق عليه، شعرتُ أنني وإياه نتقاسم قسوة الحياة وظُلم البشر وسوداوية الظُروف وبؤس الأيام وعدم وجود السند والحضن الدافئ والمشاعر الإنسانية. بدأتُ في تقبله، لا كزوجٍ بل كطفلٍ كبيرٍ يحتاجني ويشعر بالأمان بقُربي؛ فقمتُ بمحاولاتٍ لتهذيب عاداته وطبائعه، وشعرتُ بمشاعر الأمومة نحوه! ومرَّت خمس سنواتٍ من عُمري وشبابي الضائع ومشاعري المُستنزفة قبل أن يحدث التغيير الأول في حياتي؛ فذات مساءٍ أُصيب زوجي بتشنجٍ حادٍ لم تنفع معه كل مُحاولات الأطباء، فتُوفي خلال أُسبوعٍ، واختلطتْ مشاعري؛ فلم أعد أعرف هل أحزن على رحيله؟ أم أفرح لنهاية قصتي معه؟ وعرفتُ فيما بعد سر تمسك زوجة والدي ببقاء أخيها عندها؛ فقد علمتُ أن زوجي المُتخلف عقلياً قد ورث عن والديه مبلغاً كبيراً، وقد استماتت لإخفاء هذه المعلومة عني وعن الجميع، ثم استماتت من أجل حرماني من الميراث، ونجحت في ذلك؛ فأصبحتُ أنا مثل الفاشل الذي عاد بخفيّ حُنين، فقدتُ كُل شيءٍ! أُصبتُ بالاكتئاب الشديد وأنا أرى حياتي مثل مسبحةٍ بيد أحدهم يهزها يميناً وشِمالاً فتتأرجح في كل اتجاهٍ! أصبحتْ أسوار السوداوية والفشل والحُزن والإحباط ترتفع من حولي يوماً بعد يومٍ حتى تكاد تخنقني، مرَّت سنةٌ بائسةٌ أُخرى بعد وفاة زوجي، كانت فيها كل أحلامي بإكمال دراستي تتهاوى أمام ناظري، أصبحتُ مُجرد خادمةٍ لزوجة أبي وبناتها، إلى أن حدث التغيير الرئيسي في حياتي؛ إذ تقدم لخطبتي أرملٌ في الستين من عُمره يفصل بيني وبينه 39 عاماً، وسبعةٌ من الأبناء أصغرهم في مثل عُمري! رفضتُ وصرختُ ولكن كما ذهب صدى صوتي أدراج الرياح المرة السابقة هكذا حدث في المرة الثانية. أمواله وعقاراته كانت الطُعم الذي أسال لُعاب أبي وزوجته، وتم زفافي إليه وكُنتُ أشعر أني مثل نعجةٍ تُساق إلى المذبح. وفي ليلة الزفاف ذهبتُ معه إلى منزله ودخلته لأول مرةٍ. لم يلفت نظري فخامة منزله وأثاثه، وجمال اللوحات والإضاءات المُذهبة، ولا السجاد الثمين، والتحف الغريبة! كُنتُ أُنصتُ لحظتها لضجيج الألم في داخلي، للأفكار السوداوية التي تعتصر عقلي، للغُبن الذي يضج بين أضلعي، لشريط حياتي البائس وهو يمر بالحركة البطيئة أمام ناظري. وحين أصبحتُ معه وحدنا في الغُرفة تحدث معي بحنانٍ بالغٍ ومشاعر دافئةٍ افتقدتها، حتى أصبحتُ أشك في كوني كائناً بشرياً، فشعرتُ بدموعي تتدافع سراعاً، وجسدي يرتجف بخوفٍ، ولأول مرةٍ في حياتي يحتضني أحدٌ بمثل هذا الحُب والرفق والصدق، عرفتُ منه أنه ظل وفياً لزوجته طوال فترة مرضها التي امتدت لعشر سنواتٍ، أخبرته بكل حكايتي، كانت دموعه تختلط بلحيته البيضاء القصيرة، ونظرات الذُهول ترتسم بعينيه وهو يقول: "كيف صبرتِ على كُل هذا الأذى؟!". مرَّت الأيام، وفي كل يومٍ كانت العلاقة تزداد متانةً بيني وبينه، حتى أحببته من كُل قلبي، وشكرتُ الله تعالى الذي أرسله لي بعد كُل العناء والألم الذي مررتُ به في حياتي. وكان من دروس الحياة التي تعلمتها في تلك اللحظة التي تشعر فيها أن الجميع تخلى عنك، وأنك تقبع في دهليزٍ مُظلمٍ وحيداً تلعق جراحك بكثيرٍ من المرارة؛ سيمسح الله على قلبك برفقٍ، وسينير لك طريقاً مُظلماً ما ظننتَ يوماً أنه سينير. أحببتُ أبناءه وأحبوني وكأني أختٌ لهم، ولأول مرةٍ أيضاً أشعر بروح العائلة وجمال الدفء فيها؛ تَشاركنا مع بعضنا جمال الأيام ولحظات السعادة وساعات الإنصات والاهتمام. عرفتُ مع زوجي وأبنائه معنى ليالي رمضان الجميلة ولذة الإفطار مع بعضنا، وبهجة الأعياد، ولمة العائلة، واجتماع الأهل، وروعة السفر مع أُناسٍ أُحبهم ويحبوني. ومرَّت السنوات مع زوجي الحبيب مثل حلمٍ جميلٍ لم أرغب أبداً في أن أصحو منه. كُنتُ أحياناً أضع يدي أمام أنفه لأرى إن كان يتنفس أم لا؟ خشيتُ أن أفقده، وأن أعود إلى تلك النُقطة السوداء التي لا تُشعرني بإنسانيتي، لم يكن مُجرد زوجٍ؛ بل كان مُلهمي ومُعلمي وأبي وحبيبي وكل شيءٍ لي في هذه الحياة، أنجبتُ منه ثلاثة أبناء، وبمُساندته أكملتُ تعليمي الثانوي والجامعي، ثم حصلتُ على الماجستير والدكتوراه! لكن من قال إن تلك السنوات التي نرتشف منها السعادة تدوم؟ وأن تلك اللحظات التي نقضيها بجوار من نُحب يُمكن أن تستمر إلى الأبد؟ إنها حكمة الله، وسُنته في الحياة؛ لا يجعلها تسير على وتيرةٍ واحدةٍ، وأقداره التي يجب أن نكون راضين بها تمام الرضى، سيُرسل الله لكَ لحظاتٍ صعبةٍ يختبر فيها قُدرتكَ على الصُمود، وحُسن ظنكَ به، وثقتكَ فيه، وجاءت تلك اللحظة التي كُنتُ أخاف فيها أن أفقده. مرِضَ زوجي مرضاً لم يُمهله سوى شهرٍ واحدٍ، وقبل أن يرحل عن عالمنا بعد 17 عاماً من زواجنا طلب مني أن أقطع له وعداً بأن أكون قويةً ولا تكسرني الظُروف والأيام، وأن أكون تلك المرأة التي عرفها، التي تحدَّت نفسها بفضل الله ونهضت من جديدٍ، تلك المرأة التي كانت مُجرد حُطامٍ حين اقترن بها، وها هي اليوم بعد كُل ما حصلتْ عليه وحققته تقف على قدميها من جديدٍ. وعدتُه بكُل صدقٍ. ورحل زوجي، ووفيتُ بوعدي له، وطاردتُ أحلامي، لم أعد تلك اليتيمة المُستضعفة؛ افتتحتُ مشروعي التعليمي الخاص، ونجحتُ نجاحاً باهراً، والآن أبناء زوجي وأبنائي هُم الثروة الحقيقية لي، لقد عوضني الله خيراً. وحين أستعرض أحياناً حياتي السابقة البائسة، أعود من جديدٍ لأتذكر جيداً أني طوال فترة وجودي في منزلنا القديم لم أفقد أبداً حُسن ظني بالله سُبحانه وتعالى، نعم كُنتُ أحياناً أضعف لكني كُنتُ دوماً -وبلا قنوطٍ أو توقفٍ- أدعو، وأدعو، وأدعو. وكُلما احتدمتْ الغيوم السوداء في سماء حياتي كُنتُ أشعر أن الله عزَّ وجلَّ يُدبِّر لي خيراً في قادم أيامي، كُنتُ أثق بعدالة ربي، وأن كُل الظُلم الذي وقع عليّ من زوجة والدي وبناتها، وحياة اليُتم المريرة التي عشتُها، سيُبدِّلها الله حياةً خيراً منها، وسيمسح على روحي برحمته، وسيرسل فرحاً يغشى قلبي حتى يُنسيه ما كان.

 

أحبتي في الله.. عقَّبت صاحبة القصة على حكايتها بقولها:

مهما كُنتَ تعيش أحداثاً سيئةً الآن، سواءً انكساراً داخلياً، أو فقداناً لعزيزٍ، أو شُحاً بالمال، أو تعثراً نفسياً، أو فشلاً لمشروعٍ، أو انهياراً لعلاقةٍ ما، أو تشعر أن زمام الأُمور يُفلتُ من بين يديك؛ فلا تيأس من رحمة ربك، ادعُ دُعاء المُضطر من قلبك، وأحسِن الظن به، وحدِّثه عن مشاعرك، أحاسيسك، خيبات أملك، عن الضيق الذي تمر به، عن أحلامك المكسورة، عن أُمنياتك الضائعة، عن الوجع الذي بداخلك، فضفض له بكُل ما تشعر به، وحين تنتهي توَّسل إليه أن يُرمِّم روحك، أن يُعوضك خيراً، أن يفتح لك خزائن رزقه ورحمته، وستشعر بعدها بالراحة التامة، والهدوء والسكينة يتسللان إلى قلبك المُتعَب، ولا تيأس إن تأخرتْ الإجابة؛ فأشد أوقات الليل ظُلمةً هي قبل انبلاج الفجر وانتشار ضيائه.

 

يقول العُلماء إن لفظ "الابتلاء" بمُشتقاته ورد في القُرآن الكريم في ثمانيةٍ وثلاثين موضعاً؛ جاء في ثلاثين منها بصيغة الفعل؛ من ذلك قوله عزَّ وجلَّ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وورد في ثمانية مواضع بصيغة الاسم؛ من ذلك قوله سُبحانه: ﴿وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾، وإن أكثر ما ورد في القُرآن الكريم منها كان بمعنى الاختبار والامتحان، وورد بدرجةٍ أقل بمعنى النعمة والمنحة، وجاء في بعض المواضع بما يحتمل المعنيين.

والدُنيا دار بلاءٍ واختبارٍ وامتحانٍ؛ يقول تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ﴾. ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.

 

يرى أهل العِلم أن (سُنة الابتلاء) يُجريها الله في خَلقه؛ يقول تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ فيبتلي العباد بالخير والشر، وبالشدة والرخاء، وبالصحة والسِقم، وبالغنى والفقر، وبالحلال والحرام، وبالطاعة والمعصية، وبالهدى والضلال، فالعباد يتقلبون بين فتنتين: فتنة الخير، وفتنة الشر؛ لينظر سُبحانه وتعالى إلى صبر عباده وشُكرهم، وليعلم الصادق من الكاذب؛ يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾؛ فالبلاء فيه تمحيصٌ واختبارٌ لمن لزم طريق الحق، وأراد الوصول إلى الجنة، فهي سُنَّةٌ إلهيةٌ مُقدرةٌ على العباد إلى يوم الميعاد، والعبد المؤمن في هذه الحياة الدُنيا، حياته كُلها مليئةٌ بالابتلاءات؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم مُبشرِّاً المؤمن بما يُصيبه: [ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه]. ويقول عليه الصلاة والسلام: [ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسِهِ وولدِهِ ومالِهِ حتَّى يَلقى اللَّهَ وما عليْهِ خطيئةٌ]. وورد في الأثر: "يَودُّ أهلُ العافِيةِ يومَ القيامةِ، حينَ يُعطى أهلُ البلاءِ الثَّوابَ، لو أنَّ جلودَهم كانت قُرِضَت في الدُّنيا بالمَقاريضِ"، كما ورد كذلك: "إنَّ اللهَ إذا أحبَّ عبدًا وأراد أنْ يُصافِيَهُ؛ صبَّ عليهِ البلاءَ صبًّا، وثَجَّهُ عليهِ ثَجًّا؛ فإذا دعا العبدُ قال: يا ربَّاُه! قال اللهُ: لبَّيكَ عبدي! لا تسألُني شيئًا إلا أعطيتُكَ؛ إمَّا أنْ أُعَجِّلَهُ لكَ، وإمَّا أنْ أدَّخرَهُ لكَ".

 

يقول عُلماؤنا إن رب العالمين، له الأمر والتدبير والحكمة والتبديل، يبلوا العباد بما شاء من أمره؛ ليعلم الصادق من الكاذب، والمؤمن من المُنافق، وإن الله تعالى جعل الدُنيا دار ممرٍ وامتحانٍ، وجعل فيها (سُنة الابتلاء) من سُننه الربانية الجارية؛ ذلك أن طبيعة الحياة الدُنيا، وطبيعة البشر فيها تقتضي ألا يخلو المرء فيها من كوارث تُصيبه، وشدائد تحل بساحته؛ فكم منا لم يُخفِق في عملٍ، أو يخيب له أملٌ، أو يُبتلى بموت حبيبٍ، أو يَمرض له بدنٌ، أو يُفقَد منه مالٌ أو ولدٌ، أو يُبتلىَ في قوة تمسكه بدينه، أو غير ذلك مما تفيض به الحياة الدنيا من ابتلاءاتٍ وشدائد وتمحيصات؟

وإذا كان هذا البلاءُ سُنةَ اللهِ تعالى في حياة الناس كافةً، فإن أصحاب الرسالات خاصةً أشدُّ تعرضاً لنكبات الحياة الدُنيا ومحنها؛ فإن رسالة الدعوة التي يحملونها ويدعون إليها تُحارَب من كل اتجاهٍ، فهم يُنادون بالحق فيُقاومهم أنصار الباطل، ويهْدون إلى الخير فيُعاديهم أنصار الشر، ويأمرون بالمعروف فيُخاصمهم أهل المُنكر، وبذلك فهُم يحيون في دوامة الابتلاءات والمحن؛ يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ﴾. وعندما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشد الناس بلاءً؛ قال: [الأنبياءُ ثمَّ الأمثلُ فالأمثَلُ، فيُبتلىَ الرَّجلُ على حسْبِ دينِه، فإن كانَ في دينهِ صلبًا اشتدَّ بلاؤُهُ، وإن كانَ في دينِهِ رقَّةٌ ابتُليَ على حسْبِ دينِه، فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ حتَّى يترُكَهُ يمشي على الأرضِ ما عليْهِ خطيئةٌ]؛ فهذا إبراهيم عليه السلام ابتُليَ من قومه بالمشقة والعنت، وأرادوا قتله بحرقه بالنار، لكن الله تعالى حفظه وأخرجه سليماً؛ لصبره، وثباته على الحق. وقد ابتلاه ربه في ذبح ابنه إسماعيل عليه السلام، فصدق وعده، ووفى مع ربه؛ فنال أعلى الدرجات. وهذا يوسف عليه السلام ابتُليَ بحسد إخوته له، وإبعادهم إياه عن أبيه، وإلقائهم له في الجُب، وبيعه بثمنٍ بخسٍ، واتهامهم له بالسرقة، واستعباده بمصر، وابتلائه بمحنة تَعَلُق قلب امرأة العزيز به واتهامها إياه، وبقائه في السجن بضع سنين. وهذا أيوب عليه السلام يُبتلىَ بالمرض ويُصيبه الضُر ثم يكشف الله بلواه ويشفيه من مرضه. وهذا يونس عليه السلام يلتقمه الحوت، وييقى في بطنه مُدةً حتى أنجاه الله. وهذا مُوسى عليه السلام مرَّ بأصنافٍ من الأذى مُنذ مولده، وإلقائه في اليَم، ثم تربيته في بيت عدو الله وعدوه فرعون، ثم هُروبه من مصر خوفاً من فرعون وملئه، ثم صار أجيراً عند الرجل الصالح لمدة عشر سنين، ثم عاد إلى فرعون يدعوه، وما لاقى أثناء ذلك من الخوف فثبت؛ فأراه الله تعالى من آياته ومُعجزاته، وأغرق أعداءه أمام عينيه، وأنجاه بفضله ورحمته. وهذا عيسى عليه السلام ابتلاه الله بطعن اليهود في أُمه الشريفة العفيفة، وسعي اليهود في صلبه وقتله، لولا أن شُبِّه لهم، وأنجاه الله سُبحانه. ولو كانت الدُنيا تصفو لأحدٍ لصفاها الله لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإنما كانت حياته مليئةً بالمشقة والشدة والبلاء، لكنه صبر على ما ابتُليَ به من الجوع والإخراج من بلده وغير ذلك؛ رغبةً فيما عند الله، لأنه يعلم أن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وأن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم.

 

أحبتي.. يقول العارفون إن الله تعالى هو الذي قدَّر (سُنة الابتلاء) على عباده؛ ليرى منهم التسليم بقضائه، وصِدق التوجه إليه في رد بلائه، وهذا يحتاج إلى إيمانٍ وصبرٍ؛ فبدون الإيمان لا يُمكن أن يصبر العبد على ما يعتريه من محنٍ وابتلاءاتٍ؛ لذا وجب على المُسلم الذي يُبتلىَ في دِينه، أو نفْسه، أو ولده، أو ماله، أو غير ذلك من أنواع الابتلاءات أن يرضى بقضاء الله وقدَره، وأن يصبر، وأن يحمد الله تعالى على تدبيره. وحين يُدرك المرء أن الابتلاء بابٌ للرفعة، وأن الدُنيا ليست دار إقامةٍ بل محطة عبور ، يهدأ قلبه، وتطمئن نفسه، ويعلم أن لكل ضيقٍ نهايةً، ولكل صبرٍ أجراً، ومن يصبر ويحتسب يُعينه الله ويُثبته، ويجعل له بعد العُسر يُسراً، فعلينا جميعاً أن نتواصى بالتقوى، وبالصبر على ما ابتلانا الله به من أمور الدُنيا والآخرة، ولنعلم أن التقوى والصبر مفتاحان لكل خيرٍ؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ فليحرص كلٌ منا على أن يكون من الأتقياء ويكون من الصابرين؛ عسى أن ننال أجر المُحسنين، وعسى أن يُختَم لنا بعاقبة المُتقين؛ يقول عزَّ وجلَّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

اللهم اجعلنا من الشاكرين وقت النِعم، الصابرين وقت المحن، الحامدين لك على كُل حال.

https://bit.ly/4yfJUGG)

 

https://bit.ly/4yfJUGG

ليست هناك تعليقات: