خاطرة الجمعة /558
الجمعة 3 يوليو 2026م
(ميراث النساء)
كُنتُ أتصفح أحد مواقع التواصل الاجتماعي فاطَّلعتُ على منشورٍ مُقتضبٍ،
ظننتُ مع أول كلمتين فيه أنه منشورٌ خاصٌ بتهنئةٍ، خاصةً وأن نتائج امتحانات آخر
العام الدراسي قد بدأت بالظهور، لكني فوجئتُ واندهشتُ حد الذُهول عندما أكملت
قراءة المنشور؛ إذ كان نصه: "ألف مبروك السقوط لبنت خالي في امتحان الشهادة
الإعدادية! نحن شمتانين؛ لأنها كانت تحصل على الدروس الخصوصية بميراث أُمي، الذي
استحله أبوها لنفسه، وحرم أُمي منه، ظُلماً وعُدواناً"!
ولم يمر سوى يومين إلا واطَّلعتُ على خبرٍ منشورٍ في إحدى الصُحف يقول:
"تعرضت طالبةٌ لا تتجاوز التاسعة عشرة من عُمرها، تدرس في كُلية العلاج
الطبيعي بمدينة «فاقوس» بمُحافظة الشرقية، للاعتداء بالضرب في مكانٍ عامٍ على يد
بعض أقاربها؛ لخلافاتٍ تتعلق بالميراث، بحسب ما ورد في البيانات الرسمية، قبل أن
تُعلن السلطات الأمنية القبض على أربعةٍ من أقاربها بتهمة التعدي عليها".
وقبل ذلك بعدة شُهورٍ نُشِرَت قصةٌ عن أحد أعيان قريةٍ من قُرى مدينة
«ديروط» بوسط الصعيد قرَّر أن يهب ثروته وجميع أملاكه لأبنائه الذُكور حارماً
بناته، وقام بتجهيز الأوراق والمُستندات، وفور الانتهاء من نقل الملكية اشتدت
الصراعات بينه وبين أبنائه الذُكور؛ فترك المنزل ووجد سلواه في الإقامة بدار
المُسنين. الغريب أنه أثناء فترة إقامته بالدار كانت زيارات بناته لا تنقطع وسط
بُكائهن وإلحاحهن عليه أن يعود للعيش معهن، مع تجاهلٍ تامٍ من أبنائه الذين أعطاهم
ثروته وأملاكه!
وكُنتُ قبل فترةٍ قرأتُ قصةً رواها أحد الدُعاة عن شابٍ حَرَم أخواته
الثلاث من الميراث، وحين طلبنَّ منه حقَّهنَّ من أبيهنَّ المُتوفى وَعَدَهُنَّ بأن
يُعطيهُنَّ حُقوقهنَّ، وحددَّ لهُنَّ موعداً. جاءت أخواته على الموعد، وكان قد
جهَّز جميع الأوراق، وحينما دخلنَّ أمَرهُنَّ بالتوقيع ووَضْعِ بصماتِهُنَّ على
الأوراق؛ فوَقَّعنَّ وبَصَمنَّ بحُسن نيةٍ، بعدها وضع الأوراق في حقيبته وقال
لهُنَّ: "اخرجن؛ فليس لَكُنَّ شيءٌ عندي! فقد أخذتُنَّ حُقوقكُنَّ كاملةً،
وهذه هي المُستندات"، فقالت إحداهُنَّ بعد أن رفعت يديها إلى السماء:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا أخي؛ اللهم خُذ لي حقي من أخي؛ اللهم أرني فيه
يوماً". لم تتأخر إجابة الدعاء؛ إذ سقط الشاب على الأرض يصرخ ويستغيث، فحملنه
إلى المُستشفى، حيث تبين أنه أُصيب بشللٍ في يده، بدعوة أخته المسكينة المظلومة.
قرَّر الأطباء أن حالته ميئوسٌ منها، وظَلَّ عشرة أيامٍ يصرخ من شدة الألم. وشكته
أُخته إلى أحد الشيوخ الدُعاة، فجاء إلى منزلهم وأخذ يُذكِّر الشاب بالله وبأهمية
رد الحُقوق حتى قال الشاب: "يأخذن كُل مالي"، وأمَر الأخ وكيله المُحامي
بإعطائهنَّ حُقوقهنَّ غير منقوصةٍ، وتم تسليمهنَّ حُقوقهنَّ كاملةً؛ فسُرَّ وجه
أُخته التي دعت عليه قبلُ، ورفعت يديها إلى السماء وقالت: "اللهم اشفِ أخي
ابن أُمي وأبي"، يُقسم الشيخ، بأنه وفي نفس اللحظة وقف أخوهم الشاب على قدميه
بقُدرة الله، واحتضن أُخته التي دعت له وبكى، وبكت أُخته الأخرى وبكى الجميع.
أحبتي في الله.. إن حجب (ميراث النساء) عنهن هو مُمارسةٌ سلبيةٌ تتنافى مع
مقاصد الشريعة الإسلامية وأحكامها، وتُعد من صور الظُلم الاجتماعي التي توارثتها
بعض الثقافات والعادات المذمومة، وهي امتدادٌ لأعرافٍ جاهليةٍ تُعطي الأولوية
للذُكور في تملك الأراضي والعقارات، خوفاً من خروج المال إلى عائلات أزواج الإناث.
يقول علماء الاجتماع إن هذه الظاهرة تنتشر في المُجتمعات الريفية والقبلية
أكثر من المُجتمعات المدنية الأكثر تطوراً؛ حيث يُمارَس ضغطٌ اجتماعيٌ أو نفسيٌ
على النساء للتنازل عن حُقوقهنَّ، أو يتم تعويضهنَّ بشكلٍ غير عادلٍ، أو يتم
تجاهلهنَّ تماماً عند تقسيم التركة.
ويُرجعون انتشار هذه الظاهرة السلبية لعدة أسبابٍ؛ من أهمها: ضعف الإيمان،
قلة الوعي الديني وغياب المعرفة الدقيقة بأحكام المواريث في الإسلام، تغليب
الأعراف المحلية على أحكام الشرع في بعض المناطق، طمع الأقارب في ميراث المرأة،
ورغبة البعض في الاستحواذ على كامل التركة وتكديس الثروة.
وقبل عشرين عاماً قامت إحدى عالمات الاجتماع المصريات بنشر دراسةٍ
أكاديميةٍ بعنوان "ميراث المرأة في صعيد مصر بين الواقع والمأمول، دراسة
سوسيو إنثروبولوجية في مُحافظتي سوهاج وقنا" قالت فيها إن أكثر من 95 في
المئة من نساء هاتين المُحافظتين لم يحصلن على ميراثهنَّ. كما تم إجراء دراساتٍ
أُخرى أثبتت أن ظاهرة حرمان المرأة من ميراثها لا تقتصر على مُحافظات الصعيد فقط
بل تشمل الوجه البحري أيضاً. وفي تلك الدراسة يرى الخُبراء أن أصل المُشكلة يكمن
في عدم حصر التركة بعد وفاة المُورّث مُباشرةً، وبمرور الزمن يظن الإخوة الذكور أن
الأرض التي اعتادوا رؤية آبائهم يعملون فيها هي مِلكٌ خاصٌ لهم من بعدهم. كما
أشارت الدراسة إلى أن المسار القضائي طويل الأمد، ومُرهِقٌ ومُكلّفٌ بالنسبة
للمرأة التي تُريد الحصول على ميراثها؛ فقد تستمر القضية في المحكمة لعشر سنواتٍ،
ما بين درجات التقاضي والإحالة للخُبراء، تُحرَم المرأة خلالها من ريع أرضها، وحتى
في حالة صُدور حُكمٍ لصالحها تُواجه عقباتٍ عند التنفيذ الفعلي وتمكينها من أرضها،
كما أن رفعها دعوى يتطلب أن يكون لديها مُستندات مِلكيةٍ، وعادةً ما تكون هذه
المُستندات في أيدي الإخوة الذُكور، يستحوذون عليها مثلما أنهم يستحوذون على
الأرض.
ويرى عُلماء الاجتماع أن لحرمان الإناث من الإرث آثاراً اجتماعيةً وخيمةً
لعل أهمها أنها تؤدي إلى تفكك الروابط الأُسرية، وانتشار الضغينة، وتفشي الطمع
والحقد والحسد، وضعف أواصر المودة والمحبة بين أفراد المجتمع، وإضعاف وشائج
القُربى، مما يُهدد تماسك المجتمع ويُضعف بنيانه.
أما أهل العِلم الشرعي فيقولون إن الله سُبحانه وتعالى قد تولى بنفسه تقسيم
المواريث، ولم يتركها لاجتهاد البشر، ليقطع بذلك أي مطمعٍ أو ظُلمٍ؛ يقول تعالى:
﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ
وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا
قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾، قال المُفسرون إن الله جعل
للمرأة -سواءً كانت أُماً أو أُختاً أو زوجةً أو بنتاً- نصيباً مُقدَّراً لا يجوز
لأحدٍ تجاوزه، سواءً كان هذا المال قليلاً أو كثيراً، والمُتعدي على حدود الله في
الميراث مُتوعدٌ بنار جهنم؛ إذ يقول الله تعالى في ختام آيات المواريث: ﴿وَمَن
يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا
فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾.
ويُعد حرمان الإناث من الإرث نوعاً من أكل أموال الناس بالباطل، وهذا من
كبائر الذنوب؛ نهى الله عنه في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم
بِالْبَاطِلِ﴾.
كما يترتب على حرمان النساء من حُقوقهنَّ في الإرث قطيعةٌ للأرحام، والله
تعالى يُجازي أهل القطيعة بالقطيعة في الدنيا والآخرة؛ فالجزاء من جنس العمل، يقول
النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ما مِن ذنبٍ أجدَرَ أنْ يُعجِّلَ
اللهُ لصاحبِه العقوبةَ في الدُّنيا مع ما يدَّخِرُ له في الآخرةِ مِن البغيِ
وقطيعةِ الرَّحمِ]؛ فإذا قطع المسلم رحمه حجبه الله من جنته؛ يقول النَّبِيّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ].
كما أن آكل (ميراث النساء) سيكون من المُفلسين يوم القيامة؛ يقول النبي صلى
الله عليه وسلم: [إنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتي يَأتي يَومَ القيامةِ بصَلاةٍ،
وصيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَك
دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعطى هذا مِن حَسَناتِه، وهذا مِن حَسَناتِه، فإن فنيَت
حَسَناتُه قَبلَ أن يُقضى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهم فطُرِحَت عليه، ثُمَّ
طُرِحَ في النَّارِ].
ويقول صلى الله عليه وسلم: [اللَّهمَّ إنِّي أحرِّجُ حقَّ الضَّعيفينِ:
اليتيمِ، والمرأَةِ]. كما يقول وهو الصادق الذي لا ينطق عن الهوى: [مَن أخَذَ
شِبرًا مِنَ الأرضِ ظُلمًا فإنَّه يُطَوَّقُه يَومَ القيامةِ مِن سَبعِ أرَضينَ]،
وورد في الأثر: "مَن فرَّ مِن ميراثِ وارثِهِ، قَطعَ اللَّهُ ميراثَهُ مِنَ
الجنَّةِ يومَ القِيامَةِ" وفي هذا تحذيرٌ شديدٌ من الحيل التي يستخدمها
البعض لحرمان الإناث من حُقوقهنَّ المشروعة في الإرث.
إن أكلة ميراث اليتامى -ومنهم إناثٌ يتيماتٌ- يتوعدهم الله تعالى بقوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا
يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ سمَّاه الله تعالى
أكلاً إذ يقصد آكل الميراث تنمية ماله كما يُنَّمي جسمه بالأكل، ولكنها تنميةٌ
آثمةٌ مآلها الخسران والبوار؛ يقول المُصطفى صلى الله عليه وسلم: [كلُّ جَسَدٍ
نبتَ مِنْ سُحْتٍ فالنارُ أولَى بِهِ]. كما أن أكل ميراث اليتيم يدخل في السبع
المُوبقات؛ يقول صلى الله عليه وسلم: [اجتَنِبوا السَّبعَ الموبِقاتِ] وذَكَر
منها: [وأكلُ مالِ اليَتيمِ].
قال الشاعر:
أَمِنْ عَجَبٍ أَنْ تَأْكُلَ الإِرْثَ ظَالِماً
وَتَحْسَبَ أَنَّ الْمَالَ فِي الْبَطْنِ يَطِيبُ
أَتَأْكُلُ مَالَ النَّاسِ ظُلْماً وَعُدْوَانًا
فَتَعْجَبُ مِنْ ذَنْبٍ بِهِ الْعَبْدُ يُصِيبُ
أَلَا إِنَّمَا الدُّنْيَا غُرُورٌ وَبَاطِلٌ
وَأَنْتَ بِهَا بَيْنَ الْوَرَى لَغَرِيبُ
وقال آخر:
وَيْلٌ لِآكِلِ مِيرَاثٍ وَمَا عَلِمُوا
أَنَّ الْحُقُوقَ بِهَا الأَوْزَارُ تَنْتَصِبُ
لَا تَظْلِمَنَّ ضَعِيفًا فِي مَوَارِيثٍ
فَظُلْمُ أَهْلِ التُّقَى لِلْمَرْءِ يَحْتَسِبُ
يَأْتِي بِهِ يَوْمَ لَا مَالٌ وَلَا وَلَدٌ
إِلَّا عَمَلٌ بِحُكْمِ اللهِ مُكْتَسِبُ
أحبتي.. لقد قَسَم الله سُبحانه وتعالى الميراث قسمة عدلٍ لا جور فيها ولا
حيف، حتى أنَّ نظام المواريث في الإسلام كان سبباً في اعتناق كثيرين للإسلام؛
لوضوح هذا النظام وعدالته "انظر كيف كان هذا النظام الشامل والدقيق سبباً في
إسلام أحد المُسلمين الجُدد https://bit.ly/3yjPIC4".
و(ميراث النساء) حقٌ للمرأة كما أنه حقٌ للرجل، فرضه الله عزَّ وجلَّ،
وبيَّن تفاصيله وحدوده في كتابه الكريم، وتوَّعَد من يتعدى هذه الحدود بالخُلود في
النار وبالعذاب المُهين. إن (ميراث النساء) ليس منحةً من الرجال، وإنما هو من
الحُقوق الشرعية للنساء التي ينبغي احترامها والوفاء بها؛ فليُراجع كلٌ منا نفسه
فيما يتعلق بإرث النساء؛ فإن كان من المُتعدين حدود الله، آكلين حُقوق غيرهم
-رجالاً أو نساءً أو يتامى- فهو في خطرٍ عظيمٍ؛ فليُبادر إلى توبةٍ نصوحٍ لا تُقبل
إلا بإعادة الحُقوق لأصحابها، دُون تباطؤٍ أو تأجيلٍ أو تسويفٍ أو تأخيرٍ، وبغير
تحايلٍ أو إنكارٍ أو تهربٍ، وإنما بمحبةٍ وصفاء نيةٍ وصلة رحمٍ وتوادٍ وتراحمٍ،
عسى الله أن يَمُّن عليه بالصفح والغُفران. ولكل مُبتلىً بهذا الذنب أقول: صَفِّ
حسابك في الدُنيا، ما دام الله ما يزال يُمهلك ويُطيل في عُمرك، قبل أن تقف للحساب
بين يدي الله العزيز الجبار المُنتقم شديد العقاب؛ فتقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ .
لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ فيأتيك الرد حازماً: ﴿كَلَّا ۚ
إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ
يُبْعَثُونَ﴾.
ومَن لَم يكن مِنَّا مِمَّن أكلوا ميراث غيرهم، فليحمد الله، ويُعاهده أن
يكون من المُدافعين عن حُقوق الضُعفاء في الإرث، وأن يُعلَّم أبناءه أن حُقوق
النساء في الإرث هي حدود الله التي لا يجوز تجاوزها بأي شكلٍ من الأشكال.
ولنُلزِم أنفسنا وأقرب الناس إلينا بسرعة توزيع الإرث بالعدل على
المُستحقين رجالاً ونساءً بعد وفاة المُورِّث مُباشرةً. كما يتوجب على كلٍ منا ألا
يصمت أمام أي ظُلمٍ يقع على قريباته من النساء في الميراث، وينبغي أن نلتزم بنظام
المواريث الذي أمرنا به الخالق، عسى أن نكون ممن حفظوا الأمانات وأقاموا العدل في
الأرض.
والله من وراء القصد.
https://socxly.me/ohexc0
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق