الجمعة، 23 أبريل 2021

عناية الله

 

خاطرة الجمعة /288


الجمعة 23 إبريل 2021م

(عناية الله)

 

ﺍﻣﺮﺃﺓٌ ﺻﺎﻟﺤﺔٌ ﺗﻘﻴّﺔٌ ﺗﺤﺐ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻭﻻ يفتر لسانها ﻋﻦ ﺫِﻛﺮ ﺍﻟﻠﻪ، ﻻ ﺗﺴﻤﺢ ﻟﻜﻠﻤﺔٍ ﻧﺎﺑﻴﺔٍ ﺃﻥ ﺗﺨﺮﺝ ﻣﻦ ﻓﻤﻬﺎ. ﺇﺫﺍ ﺫُﻛﺮﺕ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﺧﺎﻓﺖ ﻭﻓﺰﻋﺖ ﻭﺭﻓﻌﺖ ﺃﻛﻒ ﺍﻟﻀﺮﺍﻋﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻃﺎﻟﺒﺔً ﺍﻟﻮﻗﺎﻳﺔ منها، ﻭﺇﺫﺍ ﺫُﻛﺮﺕ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﺷﻬﻘﺖ ﺭﻏﺒﺔً ﻓﻴﻬﺎ ﻭرفعت ﻳﺪﻳﻬﺎ ﺑﺎﻟﺪﻋﺎﺀ أن ﻳﺠﻌﻠﻬﺎ الله ﻣﻦ ﺃﻫﻠﻬﺎ. شعرت ﻓﺠﺄﺓً ﺑﺄﻟﻢٍ ﻓﻲ ﺍلفخذ، ﻭﺑﻌﺪ ﺭﺣﻠﺔٍ طويلةٍ ﻓﻲ ﻣﺴﺘﺸﻔﻴﺎﺕٍ ﻛﺜﻴﺮﺓٍ، ﻭﻟﺪﻯ ﻋﺪدٍ ﻣﻦ ﺍﻷﻃﺒﺎﺀ دون جدوى، سافرت ﺇﻟﻰ «ﻟﻨﺪﻥ» عسى أن تجد هناك الرعاية الصحية الأفضل، هناك اكتشف ﺍﻷﻃﺒﺎﺀ وجود تعفنٍ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻡ، ظلوا ﻳﺒﺤﺜﻮﻥ ﻋﻦ ﻣﺼﺪﺭه؛ ﻓﺈﺫﺍ ﻫﻮ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺨﺬ، فقرروا ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﺗﻌﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﺳﺮﻃﺎﻥٍ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺨﺬ، وﻫﻮ ﻣﺒﻌﺚ ﺍﻷﻟﻢ ﻭﻣﺼﺪﺭ ﺍﻟﻌﻔﻦ، ﻭانتهى ﺗﻘﺮﻳﺮﻫﻢ ﺇﻟﻰ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺍﻹﺳﺮﺍﻉ ﺑﺒﺘﺮ رجلها ﺣﺘﻰ ﻻ ﺗﺘﺴﻊ ﺭﻗﻌﺔ ﺍﻟﻤﺮﺽ. في يوم إجراء جراحة البتر أُدخلت المرأة غرفة ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺎﺕ لإجراء العملية، ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻤﺪﺩﺓً ﻣﺴﺘﺴﻠﻤﺔً ﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻗﺪﺭه. ظلَّ ﻟﺴﺎﻧﻬﺎ يلهج بذِكر ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺍﻟﺘﻀﺮﻉ ﺇليه حتى بدأ تأثير المخدر على جسمها، وكان هذا هو التوقيت المناسب لبدء عملية البتر.

الغريب أن الأجهزة الطبية الخاصة بالبتر تعطلت فجأةً مرةً واثنتين وثلاث مراتٍ، وسط دهشة الأطباء! وبعد مشاوراتٍ بينهم -وهم ما زالوا في غرفة العمليات- قرروا ﺇﺟﺮﺍﺀ ﺟﺮﺍﺣﺔٍ ﻟﻠﻔﺨﺬ بدلاً من بتر الرجل؛ وﻣﺎ ﻛﺎﺩ مشرﻁ الجراح ﻳﺼﻞ ﺇﻟﻰ ﻭﺳﻂ الفخذ حتى رأى ﺍﻷﻃﺒﺎﺀ بأﻋﻴﻨﻬﻢ ﻗﻄﻨﺎً ﻣﺘﻌﻔﻨﺎً ﺑﺼﻮﺭﺓٍ ﻛﺮﻳﻬﺔٍ، ﻭﺑﻌﺪ ﻋﻤﻠﻴﺔٍ ﻳﺴﻴﺮﺓٍ ﻧﻈﻒ ﺍﻷﻃﺒﺎﺀ موضع الجراحة ﻭﻋﻘﻤﻮه. أفاقت ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ بعد زوال تأثير المخدر، ﻭﻗﺪ ﺯﺍﻟﺖ ﺍﻵﻻﻡ عنها ﺑﺸﻜﻞٍ ﻧﻬﺎﺋﻲٍ ﺣﺘﻰ ﻟﻢ ﻳﺒﻖَ ﻟﻬﺎ ﺃﺛﺮ، وﻧﻈﺮﺕ ﻓﻮﺟﺪﺕ ﺭﺟﻠﻬﺎ ﻟﻢ ﺗُﻤﺲ بأذىً، ﻭﻭﺟﺪﺕ ﺯﻭﺟﻬﺎ ﻳُﺤﺎﺩﺙ ﺍﻷﻃﺒﺎﺀ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻟﻢ ﺗﻐﺎﺩﺭ ﺍﻟﺪﻫﺸﺔ ﻭﺟﻮﻫﻬﻢ؛ فسألوا ﺯﻭﺟﻬﺎ ﻫﻞ ﺣﺪﺙ ﻭﺃﻥ ﺃﺟﺮﺕ زوجته ﻋﻤﻠﻴﺔً ﺟﺮﺍﺣﻴﺔً ﻓﻲ ﻓﺨﺬﻫﺎ؟ ﻋﺮﻑ ﺍﻷﻃﺒﺎﺀ أن ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﻭﺯﻭﺟﻬﺎ كانا قد تعرضا لحادثٍ ﻣﺮﻭﺭيٍ ﻗﺒﻞ ﻓﺘﺮﺓٍ ﻃﻮﻳﻠﺔٍ، وﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﻗﺪ ﺟُﺮﺣﺖ ﺟﺮحاً ﺑﺎلغاً ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻮﺿﻊ من الفخذ وأُجريت لها عملية جراحية، وعلى ذلك يكون هذا القطن المتعفن هو من آثار تلك العملية. ﻗﺎﻝ ﺍﻷﻃﺒﺎﺀ إنه لولا تعطل أجهزة البتر لكانت رجلها قد بُترت من غير أن يتعرفوا على السبب الحقيقي للألآم التي كانت تُعاني منها. نظر بعضهم إلى بعض وقالوا في صوتٍ واحدٍ: "ﺇﻧﻬﺎ (عناية الله)".

ﻛﻢ ﻛﺎﻧﺖ ﻓﺮﺣﺔ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﻭهي ترى بأن ﻛﺎﺑﻮﺱ ﺍﻟﺨﻄﺮ قد انجلى، وآلامها المبرحة قد زالت، ومع ذلك فهي لن تصبح مضطرةً للمشي ﺑﺮﺟﻞٍ ﻭﺍﺣﺪﺓٍ، وهو أمرٌ كان ﻳﺆﺭﻗﻬﺎ؛ ﻓﺮﺍﺣﺖ ﺗﻠﻬﺞ ﺑﺎﻟﺤﻤﺪ ﻭﺍﻟﺜﻨﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺴﺘﺸﻌﺮ ﻗﺮﺑﻪ ﻣﻨﻬﺎ ﻭﻟﻄﻔﻪ ﺑﻬﺎ ﻭﺭﺣﻤﺘﻪ، وشموله لها برعايته وعنايته.

أحبتي في الله .. ذكرتني هذه القصة بقصة ﺳﻴﺪﺓٍ ﺟﺰﺍﺋﺮﻳﺔٍ جلست ﺗﺒﻜﻲ ﻭﺣﺪﻫﺎ ﻓﻲ ﻣﻄﺎﺭ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ؛ لسببٍ أو لآخر ﺭﺣﻠﺖ ﻋﻨﻬﺎ ﺍﻟﻄﺎﺋﺮﺓ التي تنقل الحجاج إلى الأراضي المقدسة، ﻧﺴﻮﻫﺎ وطاروا بدونها، ﻭﻟﻜﻦ الله سبحانه وتعالى ﻣﻦ ﻓﻮﻕ ﺍﻟﻌﺮﺵ ﻻ ينسى؛ فقبل أن تُغادر الطائرة الأجواء الجزائرية، وبعد ربع ساعةٍ من طيرانها، وهي ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﻭﺍﻷﺭﺽ، ﻳﺴﻤﻊ ﺍﻟﻄﻴﺎﺭ ﺻﻮﺕ ﻗﺮﻗﻌﺔٍ. ﺗﺮﺍﻫﺎ ﺗﺸﺒﻪ ﻗﺮﻗﻌﺔ قلب تلك السيدة ﺍﻟﺨﺎﺋﻒ؟! ﺍُﺿﻄﺮ الطيار ﺇﻟﻰ العودة إلى مطار ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ، ﻓﻲ ﻫﺒﻮﻁٍ ﻃﺎﺭﺉٍ، ﻓﻲ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻟﻢ ﻳﺠﺪ ﻣﻮﻇﻔﻮ ﺍﻟﻤﻄﺎﺭ ﺻﺎﻟﺔً ﻳﻀﻌﻮﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺮﻛﺎﺏ ﺣﺘﻰ ﻳُﺘﻢ ﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺼﻴﺎﻧﺔ ﻋﻤﻠﻬﻢ ﺇﻻ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺒﻜﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺴﻴﺪﺓ! ﺗُﺮﻯ ﻛﻴﻒ ﻛﺎﻧﺖ ﺩﻫﺸﺘﻬﺎ ﺣﻴﻦ ﺭﺃﺗﻬﻢ ﺃﻣﺎﻣﻬﺎ؟! هل ﻇﻨﺖ ﺃﻧﻬﺎ ﻓﻲ ﺣﻠﻢ؟! ﺃﻡ ﻳﻘﻴﻨﻬﺎ ﺑﺎلله ﺃﻛﺒﺮ؟! ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺣﻀﺮ ﺍﻟﻤﻬﻨﺪﺳﻮﻥ ﻟﻜﺸﻒ ﺍﻟﺨﻠﻞ ﻗﺎﻟﻮﺍ: "ﺇﻥ ﺍﻟﻄﺎﺋﺮﺓ ﺳﻠﻴﻤﺔٌ ﻭﻻ توجد ﺃية ﻣﺸﻜﻠﺔ"! ﻣﻦ ﺃجل تلك السيدة ﻋﺎﺩﺕ ﺍﻟﻄﺎﺋﺮﺓ بعد إقلاعها، وﺗﻮﻗﻒ ﻛﻞ ﺷﻲﺀٍ في المطار، وﺃُﻋﻠﻨﺖ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻄﻮﺍﺭيء، وﻷﺟﻠﻬﺎ ﺗﻌﻄﻞ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ 200 ﺭﺍﻛﺐ، وﻷﺟﻠﻬﺎ ﺣﻀﺮ ﺍﻟﻤﻬﻨﺪﺳﻮﻥ ﻭﺍﺣﺘﺎﺭ ﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺼﻴﺎﻧﺔ؛ فأﻱ أكفٍ طاهرةٍ تلك التي اﻣﺘﺪﺕ ﺇﻟﻰ ﺍلله؟! وأي دعوةٍ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺘﻲ ﺭﻓﻌﺘﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ؟! ﺃﻱ ﻳﻘﻴﻦٍ ﻛﺎﻥ ﻳﺤﻤﻞ ﻗﻠﺒﻬﺎ ﻭﻫﻮ ﻳﺮﺗﻌﺪ ﺧﻮفاً من ضياع فريضة الحج؟!

ﺇﺫﺍ ﺭﺣﻞ ﻛﻞ ﺷﻲﺀٍ ﻋﻨﻚ، ﻭأُغلقت ﺍﻷﺑﻮﺍﺏ ﻓﺈﻥ (عناية الله) موجودةٌ ودائمةٌ وباقيةٌ ﻻ ترﺣﻞ؛ فهو سبحانه وتعالى لا يغفل ولا تأخذه سِنةٌ ولا نوم، إنه الله الحافظ، وإنها عنايته بالمؤمنين؛ يقول تعالى عن نفسه: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، ويقول تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾، ويقول تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.

وإذ يأتي قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ في صورة سؤالٍ، تكون إجابة أهل العلم: "بلى"؛ إن الله عزَّ وجلَّ كافٍ عبده، فهو لا يُسلم أولياءه للأعداء، ولا يخذل الصالحين من عباده، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاط المشركون ببيته، وفي يد كل رجلٍ منهم سيفٌ، يريدون أن يضربوه ضربة رجلٍ واحدٍ ليتفرق دمه في القبائل، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واخترق صفوفهم وأخذ حفنةً من ترابٍ فجعل يذره على رؤوسهم، وقد أخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو صدر سورة ياسين، إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾، والقوم وقوفٌ على بابه، ومعهم أبو جهل، لم يبقَ منهم رجلٌ إلا وُضع على رأسه التراب، ويخرج الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، من بينهم تصحبه (عناية الله). ثم وهو في طريق الهجرة مع صاحبه أبي بكرٍ الصديق لحق به سراقة بن مالك؛ الفارس المغوار، يريد قتله، فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فساخت قوائم فرسه في الأرض، قال سراقة: "فعلمتُ أنه ممنوعٌ"، أي: أنني لن أصل إليه بأذىً، ولن أستطيع أن أمد إليه يداً بسوء؛ فطلب سراقة من النبي صلى الله عليه وسلم أن يُقيل عثرته، فدعا صلى الله عليه وسلم ربه عزَّ وجلَّ فنهض فرس سراقة، وبشَّر النبي سراقة بأنه سيلبس سواري كسرى بن هرمز، وحقق الله سبحانه وتعالى تلك النبوءة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وحين هاجر رسول الله صلى الله عليه ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه دخلا الغار، يختبئان فيه، والمشركون واقفون على باب الغار، حتى أشفق أبو بكر، رضي الله عنه، منهم، فقال له رسول اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، إنها (عناية الله) أعمت أبصار المشركين عن النبي وصاحبه.

وفي مَعركَة أُحد، أتى أحد فرسان قريش فجعل يصول ويجول وهو يقول: "دلوني على مُحمَّدٍ، فلا نجوتُ إن نجا"! ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانبه، ما معه أحد، ومع ذلك فقد جاوزه هذا الفارس ولم يره! وحين عاتبه أصحابه قال: "واللهِ ما رأيته، أحلف باللهِ إنه منا ممنوعٌ، خرجنا أربعةٌ فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك".

قال الشاعر في ذلك:

كَأنه وهو فَردٌ في جَلالَتِه

في مَوكِبٍ حين تلقَاه وفي حَشَمِ

عِنَايةُ اللهِ أغنَت عن مُضَاعَفَةٍ

مِنَ الدرُوْعِ وعَن عَالٍ من الأُطُم

وقال آخر:

وإذا العِنَايةُ لاحَظَتك عُيونُها

نَمْ فَالحوَادثُ كُلهُن أمَانُ

وقال ثالث:

ومَنْ يكُن الإلَهُ لَه حَفيْظَاً

فَحَاشَا أن يُضَيِّعهُ الإلَهُ

 

أحبتي .. المؤمن المقيم على طاعة الله، العامل بأوامر الله، المجانب لمحارمه، المبتعد بنفسه عن السيئات والآثام والخطايا، يطمئن إلى أن الله ناصره، وهو سبحانه لا يُخلف وعده؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾، فلنقترب من الله أكثر وأكثر، حتى ننعم برعاية و(عناية الله). وليكن عزمنا على ألا يمر علينا يومٌ واحدٌ بغير أن نتقرب منه سبحانه وتعالى حتى يُحبنا، فما أروع نتيجة ذلك؛ يقول تعالى في الحديث القدسي: {... وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ ...} وهذا يبين أنَّ أحبَّ الأعمالِ فِعلُ الفرائض، وأفضلُ القُرُبات بَعدَها فِعلُ النَّوافل.

اللهم حبِّب إلينا الإيمان، وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واكلأنا برعايتك وعنايتك.

 

https://bit.ly/2QRmdV4

 

الجمعة، 16 أبريل 2021

جبر الخواطر

 

خاطرة الجمعة /287


الجمعة 16 إبريل 2021م

(جبر الخواطر)

 

صاحبة هذه القصة امرأةٌ كتبت تقول: ﺃﻧﺎ ﻓﺘﺎﺓٌ ﻣﻠﺘﺰﻣﺔٌ ﻣﺘﻮﺳﻄﺔ ﺍﻟﺠﻤﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﻋﺎلٍ ﻣﻦ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﻭﺍﻟﺪﻳﻦ،

ﻣﻀﺖ ﺑﻲ ﺍلسنون ﻭﻟﻢ ﻳﺘﻘﺪﻡ ﺃﺣﺪٌ ﻟﺨﻄﺒﺘﻲ، ﻭﺃﻧﺎ أﺭﻯ ﺍﻟﻔﺘﻴﺎﺕ ﺍلأﺻﻐﺮ ﻣﻨﻲ سناً تتزوجن وتنجبن ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ، إﻟﻰ أﻥ ﺑﻠﻐﺖُ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻤﺮ 34 ﻋﺎﻣﺎً. ﻭﻓﻲ ﻳﻮﻡٍ ﺗﻘﺪﻡ ﻟﺨﻄﺒﺘﻲ ﺷﺎﺏٌ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺎﺋﻠﺔ، ﻭﻛﺎﻥ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻨﻲ ﺑﻌﺎﻣﻴﻦ، ﻭأﺧﻼﻗﻪ ﻻ ﻏﺒﺎﺭ ﻋﻠﻴﻬﺎ، ﻃﺮﺕُ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺮﺡ ﻭﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ، ﻭﺑﺪﺃﻧﺎ ﻧُﻌﺪ لعقد ﺍﻟﻘﺮﺍﻥ، ﻭﻃﻠﺐ خطيبي ﻣﻨﻲ ﺻﻮﺭﺓ بطاقتي ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﺣﺘﻰ يجهز الأوراق المطلوبة للعقد، ﻓﺄﻋﻄﻴﺘﻬﺎ ﻟﻪ. ﺑﻌﺪﻫﺎ ﺑﻴﻮﻣﻴﻦ ﻭﺟﺪﺕُ ﻭﺍﻟﺪة خطيبي ﺗﺘﺼﻞ ﺑﻲ ﻭﺗﻄﻠﺐ ﻣﻨﻲ ﺃﻥ ﺃﻗﺎﺑﻠﻬﺎ ﻓﻲ ﺃﺳﺮﻉ ﻭﻗﺖٍ.

ذﻫﺒﺖُ ﺇﻟﻴﻬﺎ، ﻭﺇﺫﺍ ﺑﻬﺎ ﺗُﺨﺮﺝ ﺻﻮﺭﺓ ﺑﻄﺎﻗﺘﻲ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻭﺗﺴﺄﻟﻨﻲ: "ﻫﻞ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﻣﻴﻼﺩك ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻄﺎﻗﺔ ﺻﺤﻴﺢ"؟ ﻓﻘﻠﺖُ ﻟﻬﺎ: "ﻧﻌﻢ"، قاﻟﺖ: "ﺇﺫﺍً ﺃنتِ قاربتِ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺭﺑﻌﻴﻦ ﻣﻦ ﻋﻤﺮﻙ"، ﻓﻘﻠﺖُ ﻟﻬﺎ: "ﺃﻧﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﺍﺑﻌﺔ ﻭﺍﻟﺜﻼثين"، ﻗﺎﻟﺖ: "ﺍﻷﻣﺮ ﻻ ﻳﺨﺘﻠﻒ؛ ﻓﺄنتِ ﻗﺪ تجاوزتِ ﺍﻟﺜﻼثين، ﻭﻗﻠﺖْ ﻓﺮﺹ ﺇﻧﺠﺎﺑﻚ، ﻭﺃﻧﺎ ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺃﺭﻯ ﺃﺣﻔﺎﺩﻱ"! ﻭﻟﻢ ﺗﻬﺪﺃ ﺇﻻ ﻭﻗﺪ ﻓﺴﺨﺖ ﺍﻟﺨﻄﺒﺔ ﺑﻴﻨﻲ ﻭﺑﻴﻦ اﺑﻨﻬﺎ، وربما لم تحس أو تشعر بأنها قد كسرت خاطري!

ﻣﺮﺕ عليّ ﺳﺘﺔ ﺃﺷﻬﺮٍ ﻋﺼﻴﺒﺔٌ؛ ﻛﺄﻧﻲ ﻛﻨﺖُ أحلق ﺑﺎﻟﺴﻤﺎء ثم ﻭﻗﻌﺖُ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺭﺽ! ﻗﺮﺭ ﻭﺍﻟﺪﻱ ﺃﻥ ﻳﺮﺳﻠﻨﻲ لأداء ﻋُﻤﺮﺓٍ ﻷﻏﺴﻞ ﺣﺰﻧﻲ ﻭﻫﻤﻲ ﻓﻲ ﺑﻴﺖ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺤﺮﺍﻡ؛ ﻓﺴﺎﻓﺮﺕُ ﻭﺟﻠﺴﺖُ ﺑﺎﻟﺤﺮﻡ وصليتُ وﺩﻋﻮتُ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﻳُﻬﻲﺀ ﻟﻲ ﻣﻦ ﺃﻣﺮﻱ ﺭﺷﺪﺍً، ﻭﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﺍﻧﺘﻬﻴﺖُ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﺟﺪﺕُ بالقرب مني ﺇﻣﺮﺃﺓً ﺗﻘﺮﺃ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺑﺼﻮﺕٍ ﺟﻤﻴﻞٍ ﻭﺳﻤﻌﺘﻬﺎ ﺗﺮﺩﺩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾، فإذا بدﻣﻮﻋﻲ ﺗﺴﻴﻞ ﺭﻏﻤﺎً ﻋﻨﻲ ﺑﻐﺰﺍﺭﺓٍ، ﻓﺠﺬﺑﺘﻨﻲ ﻫﺬه ﺍﻟﺴﻴﺪﺓ ﺇﻟﻴﻬﺎ، ﻭﺿﻤﺘﻨﻲ ﻭﺃﺧﺬﺕْ ﺗﺮﺩﺩ ﻋﻠﻲّ ﻗﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، ﻭﺍﻟﻠﻪِ ﻛﺄﻧﻲ ﺃسمع هذه الآية ﻷﻭﻝ ﻣﺮﺓٍ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺗﻲ ﻓﻬﺪأت ﻧﻔﺴﻲ. ﺍﻧﺘﻬﺖ ﻣﺮﺍﺳﻢ ﺍﻟﻌﻤﺮﺓ، ﻭعدتُ إﻟﻰ ﺑﻠﺪﻱ، ﻭﺻﻠﺖْ ﺍﻟﻄﺎﺋﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻄﺎﺭ ﻭﻧﺰﻟﺖُ ﻣﻨﻬﺎ ﻷﺟﺪ ﺻﺪﻳﻘﺘﻲ ﻭﺯﻭﺟﻬﺎ ﻓﻲ ﺻﺎﻟﺔ ﺍلاﻧﺘﻈﺎﺭ، ﻛﺎﻧﺎ ﻳﻨﺘﻈﺮﺍﻥ ﺻﺪﻳﻖ ﺯﻭﺟﻬﺎ، ﻭﻟﻢ ﺗﻤﺾِ ﻟﺤﻈﺎﺕٌ ﺇﻻ ﻭﺟﺎﺀ ﺍﻟﺼﺪﻳﻖ ﻓﺴﻠﻤﺖُ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺛﻢ ﻏﺎﺩﺭﺕُ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﺑﺼﺤﺒﺔ ﻭﺍﻟﺪﻱ. ﻣﺎ إﻥ ﻭﺻﻠﺖُ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﻭﺑﺪﻟﺖُ ﻣﻼﺑﺴﻲ ﻭﺍﺳﺘﺮﺣﺖُ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺣﺘﻰ ﻭﺟﺪﺕُ ﺻﺪﻳﻘﺘﻲ ﺗﺘﺼﻞ ﺑﻲ ﻭﺗﻘﻮﻝ ﻟﻲ ﺃﻥ ﺻﺪﻳﻖ ﺯﻭﺟﻬﺎ ﻣﻌﺠﺐٌ ﺑﻲ ﺑﺸﺪﺓٍ، ﻭﻳﺮﻏﺐ ﻓﻲ ﺧﻄﺒﺘﻲ، ﺧﻔﻖ ﻗﻠﺒﻲ ﻟﻬﺬه ﺍﻟﻤﻔﺎﺟﺄﺓ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺘﻮﻗﻌﺔ. ؤﻟﻢ ﺗﻤﺾِ عدة ﺃﻳﺎﻡٍ ﺣﺘﻰ ﻛﺎﻥ ﻗﺪ ﺗﻘﺪﻡ ﻟﻲ، وبعد ﺷﻬﺮٍ ﻭﻧﺼﻒ ﺍﻟﺸﻬﺮ ﻛﻨﺎ ﻗﺪ ﺗﺰﻭﺟﻨﺎ، ﻭﻗﻠﺒﻲ ﻳﺨﻔﻖ ﺑﺎﻷﻣﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ. ﻭﺑﺪﺃﺕُ ﺣﻴﺎﺗﻲ ﺍﻟﺰﻭﺟﻴﺔ ﻣﺘﻔﺎﺋﻠﺔً ﻭﺳﻌﻴﺪﺓً، وﻭﺟﺪﺕُ ﻓﻲ ﺯﻭﺟﻲ ﻛﻞ ﻣﺎﺗﻤﻨﻴﺘﻪ ﻟﻨﻔﺴﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺳﻜﻦ ﺇﻟﻴﻪ ﻣﻦ ﺣﺐٍ ﻭﺣﻨﺎﻥٍ ﻭﻛﺮﻡٍ ﻭﺑِﺮٍ ﺑﺄﻫﻠﻪ ﻭﺃﻫﻠﻲ. ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﺍﻟﺸﻬﻮﺭ ﻣﻀﺖ ﻭﻟﻢ ﺗﻈﻬﺮ ﻋﻠﻲّ ﺃﻳﺔ علامةٍ من ﻋﻼﻣﺎﺕ ﺍﻟﺤﻤﻞ، ﻭﺷﻌﺮﺕُ ﺑﺎﻟﻘﻠﻖ ﺧﺎﺻﺔً ﺃﻧﻲ ﻛﻨﺖُ ﻗﺪ ﺗﺠﺎﻭﺯﺕُ ﺍﻟﺴﺎﺩﺳﺔ ﻭﺍﻟﺜﻼﺛﻴﻦ، ﻭﻃﻠﺒﺖُ ﻣﻦ ﺯﻭﺟﻲ ﺃﻥ ﺃُﺟﺮﻱ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺘﺤﺎﻟﻴﻞ ﻭﺍﻟﻔﺤﻮﺹ ﺧﻮﻓﺎً ﻣﻦ ﺃﻻ ﺃﺳﺘﻄﻴﻊ ﺍﻹﻧﺠﺎﺏ؛ ﻭﺫﻫﺒﻨﺎ ﺇلى ﻃﺒﻴﺒﺔٍ مشهورةٍ ﻷﻣﺮﺍﺽ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻃﻠﺒﺖ ﻣﻨﻲ ﺇﺟﺮﺍﺀ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺘﺤﺎﻟﻴﻞ، ﻭﺟﺎﺀ ﻣﻮﻋﺪ ﺗﺴﻠﻢ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﺃﻭﻝ ﺗﺤﻠﻴﻞٍ ﻣﻨﻬﺎ، ﻓﻮﺟﺌﺖُ ﺑﻬﺎ ﺗﻘﻮﻝ ﻟﻲ ﺇﻧﻪ ﻻ ﺩﺍﻋﻲ ﻹﺟﺮﺍﺀ بقية التحاليل؛ "ﻣﺒﺮﻭﻙ ﻳﺎﻣﺪﺍﻡ، ﺃنتِ ﺣﺎﻣﻞ"!

ﻣﻀﺖ ﺑﻘﻴﺔ ﺷﻬﻮﺭ ﺍﻟﺤﻤﻞ ﻓﻲ ﺳﻼﻡٍ، ﻭﺇﻥ ﻛﻨﺖُ ﻗﺪ ﻋﺎﻧﻴﺖ ﻣﻌﺎﻧﺎﺓً ﺯﺍﺋﺪﺓً ﺑﺴﺐ ﻛﺒﺮ ﺳﻨﻲ، ﻭﺣﺮﺻﺖُ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺤﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻻ ﺃﻋﺮﻑ ﻧﻮﻉ ﺍﻟﺠﻨﻴﻦ ﻷﻥ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺄﺗﻴﻨﻲ ﺑﻪ ﺭﺑﻲ ﺧﻴﺮٌ ﻭﻓﻀﻞٌ ﻣﻨﻪ. ﻭﻛﻨﺖُ أﺣﺲ ﺑﻜﺒﺮ ﺣﺠﻢ ﺑﻄﻨﻲ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻌﺘﺎﺩ، وﻓﺴﺮتُ ذلك ﺑﺄﻧﻪ ﻳﺮﺟﻊ ﺇﻟﻰ ﺗﺄﺧﺮﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻤﻞ ﺇﻟﻰ ﺳﻦ ﺍﻟﺴﺎﺩﺳﺔ ﻭﺍﻟﺜﻼﺛﻴﻦ. ﻭﺗﻤﺖ ﺍﻟﻮﻻﺩﺓ، ﻭﻟﻤﺎ ﺃﻓﻘﺖُ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﻭﺟﺪﺕُ ﺃﻫﻠﻲ ﻭﺃﻫﻞ ﺯﻭﺟﻲ ﺣﻮﻟﻲ ﺟﺎﻟﺴﻴﻦ ﻳﻀﺤﻜﻮﻥ

ﻓﺴﺄﻟﺘﻬﻢ: "ﻣﺎﺫﺍ ﺃﻧﺠﺒﺖ"؟ ﺭﺩﻭا ﺑﺼﻮﺕٍ ﻭﺍﺣﺪٍ: "ﺑﻨﺖٌ ﻭﺻﺒﻲ"، ﻫﻤﺴﺖُ في نفسي: "ﺗﻮﺃﻡ؟! جبرتَ بخاطري يا رب، ما أكرمك"، ﻭﺑﺪﺃﺕ ﺩﻣﻮﻉ ﺍﻟﻔﺮﺡ ﺗﻐﺴﻞ ﻭﺟﻬﻲ، ﻭﺗﺬﻛﺮﺕُ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺮﻡ الشريف بمكة وهي تتلو الآية الكريمة: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، وتذكرتُ قول ﺍﻟﺤﻖ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ: ﴿ﻭَﺍﺻْﺒِﺮْ ﻟِﺤُﻜْﻢِ ﺭَﺑِّﻚَ ﻓَﺈِﻧَّﻚَ ﺑِﺄَﻋْﻴُﻨِﻨَﺎ﴾.

 

أحبتي في الله .. تقول صاحبة القصة: عندما يُشيع الميت إلى مثواه الأخير يُسأل أهله عما إذا كان عليه دَيْنٌ حتى يسددوه عنه، لكن هناك ديوناً معنويةً من يا تُرى سوف يسددها عنه؟ فمن سوف يسدد ديون من يكسر خاطر أحدٍ في هذه الدنيا؟ لكن الله لطيفٌ بعباده، رؤوفٌ بهم، وهو سبحانه وتعالى الذي يهيئ لهم الخير ويجبر خاطرهم.

 

والجبر كلمةٌ مأخوذةٌ من «الجبار» وهو من أسماء الله الحسني، معناه: "الذِي يَجْبُرُ الفَقرَ بِالغِنَى، والمَرَضَ بِالصِحَّةِ، والخَيبَةَ والفَشَلَ بالتَّوْفِيقِ والأَمَلِ، والخَوفَ والحزنَ بالأَمنِ والاطمِئنَانِ، فَهُوَ جَبَّارٌ مُتصِفٌ بِكَثْرَةِ جَبْرِهِ حَوَائِجَ الخَلَائِقِ".

يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، عن هذه الآية يقول المفسرون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أحب مكة التي وُلد فيها ونشأ أُخرج منها ظلماً، فاحتاج في هذا الموقف الصعب وهذا الفراق الأليم إلى شيءٍ من المواساة والصبر، فأنزل الله تعالى له قرآناً مؤكداً بقسمٍ؛ أن الذي فرض عليك القرآن وأرسلك رسولاً، وأمرك بتبليغ شرعه، سيردك إلى موطنك مكة عزيزاً منتصراً، وهذا ما حصل، والآية بهذا المعنى فيها جبرٌ لخاطر النبي عليه الصلاة والسلام.

وفي موضع آخر يقول تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، فسر العلماء هذه الآية بقولهم إنها رسالةٌ إلى كل مهمومٍ ومغمومٍ، وتسليةٌ لصاحب الحاجة، وفرجٌ لكل من وقع ببلاءٍ وفتنة؛ أن الله يجبر كل قلبٍ لجأ إليه بصدق. ومثلها في ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ . وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، ففيه كما يقول العلماء أجمل تطييبٍ للخاطر، وأرقى صورةٍ للتعامل؛ فكما كنتَ يتيماً يا محمد -عليك أفضل الصلاة وأزكى السلام-، فآواك الله، فلا تقهر اليتيم، ولا تُذله، بل: طيِّب خاطره، وأحسن إليه، وتلطف به.

 

وكان من دعاء النبي صلي الله عليه وسلم بين السجدتين: [اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَارْفَعْنِي].

 

يقول أهل العلم إن (جبر الخواطر) من العبادات الخفية، ربما لزهد الناس بها وغفلتهم عنها، ومع ذلك فأجرها يفوق الكثير من العبادات والطاعات، حتى أن أحد العلماء قال عنها: “ما رأيت عبادةً يتقرب بها العبد إلي ربه مثل جبر خاطر أخيه المسلم”.

و(جبر الخواطر) لا يحتاج إلى كثير جهدٍ ولا كبير طاقةٍ؛ ربما يحتاج البعض لمساعدةٍ ماليةٍ، وربما ينتظر البعض قضاء حاجةٍ، لكنهم جميعاً في حاجةٍ إلى المعاملة الحسنة والبشاشة والكلمة الطيبة والابتسامة؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: [لا تَحقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوف شَيْئًا، وَلَو أنْ تَلقَى أخَاكَ بوجهٍ طليقٍ]، وقال صلى الله عليه وسلم: [إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ]، وقال عليه الصلاة والسلام: [تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ]،

فعلينا أن نجتهد بإدخال الفرح والسرور إلى قلوب إخواننا، ونجبر خواطرهم، ولا نبخل على أنفسنا بأعمال بسيطةٍ لها أجرٌ كبيرٌ بإذن الله.

 

أحبتي .. إياكم وكسر الخواطر؛ فإنها ليست عظاماً تُجبر، بل أرواحٌ تُقهر. يقول أحدهم عن (جبر الخواطر): ما أجمل أن نتقصد الشراء من بائعٍ متجولٍ في حر الشمس يُضطر للسير على قدميه باحثاً عن رزقه مساعدةً له وجبراً لخاطره. وما أروع أن نقبل اعتذار المخطئ بحقنا وخصوصاً عندما نعلم أن خطأه غير مقصودٍ وأن تاريخ صحبتنا معه طيبٌ نقيٌ، فالصفح عنه ومسامحته تُطَيِّبُ نَفسه وتَجبرُ خاطره. وتبادل الهدايا بين الأقارب والأصدقاء والأحباب من أجمل ما يُدخل الفرحة للقلب والهناء للنفس وهي سبيل الحب، وبساط الود، وطريق الألفة، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: [تَهادَوْا تَحابُّوا]. كما لا ننسى صاحب الحاجة والمسكين الذي انكسر قلبه وذلت نفسه وضاق صدره، ما أجمل أن نجعل له من مالنا نصيباً، ولو كان قليلاً، بذلك نجبر كسره ونُطيِّب قلبه ولا نُشعره بالنقص.

اللهم اجبرنا يا جبار، واجعلنا ممن يجبرون بخواطر الناس، واجعل ذلك في موازين حسناتنا، وضاعفه لنا وأنت أكرم الأكرمين.

 

https://bit.ly/3e9q1sF