الجمعة، 12 يونيو 2026

قلب الأُمِّ

 

خاطرة الجمعة /555

الجمعة 12 يونيو 2026م

(قلب الأُمِّ)

 

لأن رقم هذا العدد من خواطر الجمعة مُميزٌ؛ فإن قصة ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏هذه الخاطرة مُميزةٌ هي الأُخرى، جَهِّزوا محارم تمسحون بها دموعكم، وإن كانت قُلوبكم ضعيفةً فأنصحكم بعدم مُتابعة القراءة.

إنها قصة أُمٍ مشت اثني عشر يوماً لتُعيد البصر لابنها، بدأت أحداث هذه القصة في قرية «أُم كدادة» النائية في شمال «دارفور» ب«السودان»، حيث الرمال تمتد كبحرٍ أصفرٍ لا نهاية له، وحيث الشمس تلسع كأنها جمرٌ، عاشت الحاجة «مريم» مع ابنها الوحيد «الطيب». كان «الطيب» في السابعة عشرة من عُمره، شاباً وسيماً، ذا بشرةٍ سمراء مائلةٍ للاحمرار، يملأ القرية ضحكاً وجمالاً. كان عُكاز أُمه في كبرها، وعائلها الوحيد بعد وفاة والده. وفي ليلةٍ مُقمرةٍ، بدأ «الطيب» يشكو من ضبابٍ في عينيه. في البداية ظنّت أُمه أنه مُجرد تعبٍ عابرٍ، لكن بعد أُسبوعٍ، صرخ «الطيب» في الفجر: "أُمي.. ما عُدتُ أراكِ، ما عُدتُ أرى أي شيءٍ". فقد «الطيب» بصره بالكامل، وأصبح يعيش في عتمةٍ تامةٍ. بكت «مريم» سبعة أيامٍ بلا توقفٍ، لكنها في اليوم الثامن، مسحت دموعها بطرف ثوبها، وحملت عصاها، وذهبت إلى حكيم القرية حكت له ما حدث لابنها؛ قال لها الحكيم: "في «الخُرطوم» طبيب عيونٍ مصريٌ اسمه دكتور «مجدي»، سمعتُ أنه يُرجع البصر للناس، لكن «الخُرطوم» بعيدةٌ؛ يحتاج الرجل القوي اثني عشر يوماً ليصل إليها، فما بالك بامرأةٍ كبيرةٍ"، عندها وقفت «مريم»، وكانت في الخامسة والستين، وقالت كلمتها التي صارت مثلاً: "المسافة بيني وبين «الخُرطوم» هي المسافة بين «الطيب» والدُنيا، وأنا سأُعيد له الدُنيا بإذن الله". لم تكن «مريم» تملك مالاً لتستأجر سيارةً، ما كان عندها إلا حِمارٌ هزيلٌ اسمه «صابر»، وقربةُ ماءٍ، و(قلب أُم).

تركت «مريم» ابنها «الطيب» لدى أقارب لها ليعتنوا به، وخرجت قبل الفجر هي وحمارها. لمدة يومين كاملين سارت في رمالٍ ناعمةٍ تغوص فيها أرجل الحمار، مشت ومشت، والسماء فوقها صافيةٌ، والشمس تصب لهيباً من نارٍ. كانت تُغني ل «الطيب» أُغنيةً قديمةً: "يا طير طاير في السما... بلّغ سلامي ل «الطيب».. قُل له أُمك جاية".

في اليوم الثالث: نفد الماء، وتوقف الحمار عن المشي، رفعت يَدَيّها إلى السماء وقالت: "يا فاطر السماوات أنا عطشانةٌ، لكن «الطيب» أكثر عطشاً مني للنور". بعد ساعةٍ، وجدت شجرة سَنطٍ ضخمةً، وفي جِذعها تجويفٌ مليءٌ بماء المطر، شربت وسقت الحمار.

في اليوم الرابع: عبرت منطقةً تُعرف باسم «وادي الموت»، هيكلٌ عظميٌ لجملٍ على الرمال، وآثار ضباعٍ. ربطت الحمار في شجرةٍ، ونامت تحته، مُمسكةً بعصاها. في الليل سمعت عُواءً قريباً، فظلت تهمس: "يا رب؛ إن كنتَ سُبحانك قد كتبتَ الموت لي، فأجِّلُه حتى أُرجع البصر لابني بإذنك".

في اليوم الخامس: تورمت قدمها اليُمنى. خلعت نعلها المُمزق ومشت حافيةً على الرمل الحارق، تصرخ من الألم، والدموع تنزل على خديَّها المُتجعدين.

أما في اليوم السادس: فقد قابلت قافلة تجارٍ من قبيلة «الزغاوة» يسيرون عكس اتجاهها، قادمون من «الخُرطوم» سألها كبيرهم: "إلى أين يا حاجة؟"، قالت: "إلى النور" وأخبرته بقصتها. أعطاها بعض تمراتٍ وقال لها: "أنتِ مجنونةٌ بحُب «الطيب».. لكن مجنون الحُب يصل".

في اليوم السابع: هبَّت عاصفةٌ ترابيةٌ؛ التفَّت بعباءتها، وجلست تحت بطن الحمار. يدخل الرمل في عينيها وفمها وأُذنيها. اختنقت، وسعلت، لكنها ظلت تضغط على صدرها وتقول: "لا يهم.. المُهم عيون «الطيب»".

في اليوم الثامن: عبرت «مريم» نهراً جافاً، مملوءاً بالحجارة الحادة. جُرح قدمها جُرحاً كبيراً. نزفت بشدةٍ. مزقت طرف ثوبها وربطت الجُرح، وأكملت مسيرها.

في اليوم التاسع: سقط الحمار «صابر» من التعب ولم يقم، ظلَّت تُحاول إيقاظه ساعةً، ثم بكت بحُرقةٍ، وقبَّلت جبهته، وقالت: "نم يا «صابر».. أديتَ الأمانة، ولم تُقصِّر"، وتركت جثته وراءها، وأكملت طريقها نحو «الخُرطوم» وحدها.

في اليومين العاشر والحادي عشر: مشت وهي تُهلوس. ترى «الطيب» صغيراً، ترى زوجها المُتوفى يُناديها، لكنها لم تتوقف. رجلاها كأنهما خشبتان تتحركان آلياً بإرادةٍ كأنها قادمةٌ من خارج هذا العالَم!

في اليوم الثاني عشر: وعند الغُروب، رأت أضواء «الخُرطوم» من بعيدٍ. كانت ترى تلك الأضواء لأول مرةٍ في حياتها. جثت على رُكبتيها، وسجدت على الرمال، وقبَّلت التُراب، وظلَّت تبكي كثيراً.

أما في صباح اليوم الثالث عشر، فكانت «مريم» قد حققت المُعجزة ووصلت إلى مدينة «الخُرطوم»، سألت عن المُستشفى التي يعمل بها الطبيب المصري، دلَّها الناس على مُستشفى «النور». تحاملت على نفسها حتى وصلت إليها، دخلتها، وكانت تبدو كشبحٍ؛ ثوبها مُمزقٌ، قدمها غارقةٌ في الدماء اليابسة، وجهها مُغطىً بالغُبار، وعيناها غائرتان. تجمهرت المُمرضات حولها، سألتها إحداهن: "يا حاجة.. من أين أنتِ؟"، أجابت بصوتٍ مُرتعشٍ: "من «دارفور»، أُريد مُقابلة الدكتور المصري.. أريده أن يُرجع البصر لابني «الطيب»". حضر الدكتور «مجدي»، ونظر إلى المرأة فلم يتمالك نفسه؛ قال لها: "يا حاجة.. أين ابنك؟"، قالت بكل براءةٍ: "تركته في القرية"، تعجب الطبيب وسألها: "هل حضرتِ وحدكِ من «دارفور»؟!"، قالت: "نعم يا بُنيّ.. أرجو أن ترجع معي؛ «الطيب» مُنتظر". حكت له عن حالة ابنها، كما حكت له تفاصيل رحلتها من قرية «أُم كدادة» إلى مدينة «الخُرطوم»، لم يتمالك الطبيب نفسه فراح يبكي في غُرفة الكشف، وقال للمُمرضات: "على مدار ثلاثين سنةً، لم أرَ امرأةً تمشي من «دارفور» إلى «الخُرطوم»".

قام أحد الأطباء السودانيين الذين يعملون بالمُستشفى بنشر القصة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي الشهيرة، وكتب: "هذه أُمٌ سودانيةٌ مشت اثني عشر يوماً في الصحراء بلا حذاءٍ، ومعها حمارٌ مات في الطريق، لتصل إلى طبيبٍ تقول له: أُريدك أن تُرجع البصر لابني".

ما حدث بعد النشر كان إعصاراً محلياً وعربياً:

في «السودان»: أرسل وزير الصحة طائرةً مروحيةً لنقل الدكتور «مجدي» وفريقٍ طبيٍ كاملٍ إلى «دارفور».

في «مصر»: تبرعت نقابة الأطباء بعلاج «الطيب» بالكامل، كما أن الدكتور «مجدي» أجرى العملية مجاناً.

في «المملكة العربية السعودية»: عرض أميرٌ سعوديٌ أن يُرسل طائرةً خاصةً لنقل «الطيب» وأُمه إلى أفضل مُستشفى في «الرياض» لمُتابعة العلاج.

في «دولة قطر»: تكفلت مؤسسة «أيادي الخير» ببناء مُستشفى لطب العُيون في «دارفور» باسم «مُستشفى الحاجة مريم».

في «دولة الإمارات»، وفي «دولة الكويت»: انهالت التبرعات لإنشاء طريقٍ يربط القرية بالمدينة.

أجرى الدكتور «مجدي» العملية، وبعد أُسبوعين قام بفك اللفافات عن عينيّ «الطيب». فتح «الطيب» عينيه ببطءٍ. أول ما رأى كان وجه أُمه المُتعب، المُغطى بالتجاعيد، والذي أضاء بالدُموع، سألته بصوتٍ مُرتعشٍ: "أتراني يا حبيبي؟"، فقال «الطيب» وهو يبكي: "أراكِ يا أمي.. أراكِ.. والله أراكِ"، تعانقا طويلاً.. بكى كُل مَن في الغُرفة؛ بكى الدكتور «مجدي»، بكت المُمرضات، وبكى الصحفيون. قالت «مريم» للطبيب: "الآن، أستطيع أن أموت وأنا مُرتاحةٌ"؛ فرَدَّ عليها الدكتور «مجدي» بلهجةٍ مصريةٍ: "لا يا حاجة... إنتِ ماتموتيش... إنتِ هاتعيشي أُسطورة.. وإنتِ اللي هتحكيها للأجيال".

اليوم، في قرية «أم كدادة» بُنيت مُستشفى «الحاجة مريم لطب العُيون»، وكُل من يدخله يقرأ على بابه: "مِن هُنا مشت أُمٌ اثني عشر يوماً لترى عيون ابنها النور".

عاد «الطيب» مُبصراً، والتحق بكلية الطب، وأصبح طبيب عيونٍ. وعندما سُئل في وسائل الإعلام: "لماذا اخترتَ طب العُيون؟"، قال: "لأنها العُيون التي بكت اثني عشر يوماً لأجل عُيوني".

وفي «دارفور»، صارت قصة «مريم» تُروى للأطفال قبل النوم، وتقول الأمهات: "ناموا يا صغار.. ناموا مُطمئنين وأنتم تعرفون أن أُمهاتكم يمشين اثني عشر يوماً لأجلكم".

وفي كل عامٍ، في ذكرى وصولها إلى «الخُرطوم»، تجلس الحاجة «مريم» تحت شجرة "السَنط التي سقتها من ماء المطر في طريقها، وتحكي لحفيدها الصغير -الذي سمّته «صابر» على اسم الحمار الذي مات في الطريق- قصة الرحلة، وتختم دائماً بجملتها الشهيرة: "يا ولدي، المسافة الحقيقية بينك وبين أي حلمٍ هي المسافة بين خوفك وإرادتك، وأنا يوم خفتُ على عُيون «الطيب» صارت الصحراء شارعاً، وصار المُستحيل طريقاً".

 

أحبتي في الله.. يقول ناشر القصة: في زمنٍ أصبحنا نعجز فيه عن المشي إلى المسجد القريب، خرجت من «دارفور» امرأةٌ في الخامسة والستين، حافية القدمين، تمشي اثني عشر يوماً في صحراء الموت، لتُعيد البصر لابنها، ليس لأنها أقوى من غيرها، بل لأن (قلب الأُمِّ) حين يُحب يمشي في الصحراء فيراها جنةً، ويعبر المُستحيل فيراه سهلاً، ويقف بين يديّ الرحمن ويقول: "برحمتك ربي.. إما أن تُعيد له النور.. أو تأخذني إليك".

 

ولقد أوصى القرآن الكريم بالأُم، لفضلها ومكانتها؛ يقول تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾؛ مما يُبَيِّن أن فضل الأُم على الأب له مُوجباته وهو الحمل والرضاع والرعاية.

ومن أمثلة اهتمام القُرآن بالأُم، ما ورد به عن أُم موسى -عليه السلام- يقول تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، كما قال: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يقول المفسرون: فلما كان حالها كذلك رعى الله سُبحانه تلك العاطفة -عاطفة الأُمومة- حق رعايةٍ، وامتنَّ بذلك على موسى -عليه السلام- لعظيم تلك المِنة وأهميتها؛ يقول تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾.

والأحاديث النبوية الشريفة عن الأُم كثيرةٌ؛ منها إنه جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: يا رَسولَ اللهِ، مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسنِ صَحابَتي؟ قال: [أُمُّكَ]، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: [ثُمَّ أُمُّكَ]، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: [ثُمَّ أُمُّكَ]، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: [ثُمَّ أبوكَ].

ومن الإحسان إلى الأُم بعد وفاتها قضاءُ ما كان عليها من دَيْنٍ لله أو للناس؛ فقد سأل أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نذرٍ كان على أُمه، وتُوفيت قبل أن تقضيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [فاقْضِهِ عَنْها]. وجاءت امرأةٌ تسأله عن أُمها التي ماتت وعليها صوم شهر رمضان، فقال عليه الصلاة والسلام: [أرأيتِ لو كان على أُمك دَيْنٌ أكُنتِ قاضيَتَه؟] قالت: نعم. قال: [فدَيْنُ اللهِ أحقُ بالقضاء]. وكذلك سألت امرأةٌ عن أُمها ماتت ولم تحجّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [حُجيّ عنها].

 

وعن (قلب الأُمِّ) قال الشاعر:

أغرى امرؤٌ يوماً غُلاماً جاهلاً

بنقودِه حتى ينالَ به الوَطَرْ

قال: ائتني بفؤادِ أمّكَ يا فتًى

ولكَ الجواهرُ واللآلئُ والدُّرَرْ

فمضى وأغمدَ خِنجراً في صَدْرِها

والقلبُ أخرَجَه وعادَ على الأثَرْ

يا هَوْلَ ما فَعَلَ الغُلامُ كأنّهُ

من دونِ قَلْبٍ أو له قَلْبٌ حَجَرْ

ولِفَرْطِ سُرعَتهِ هَوى فتَدَحْرَجَ الْـ

قَلْبُ المُعَنّى في التُرابِ كما عَثَرْ

ناداه ذاكَ القَلْبُ وهُو مُعَفَّرٌ

وَلَدِي حَبيبي هَلْ أصابكَ مِن ضَرَرْ

قد كانَ هذا الصَوتُ رَغْمَ حُنُوِّهِ

غَضَبَ السَماءِ بِهِ على الوَلَدِ انْهَمَرْ

ورأى فَظيعَ جِنايةٍ لمْ يأتِها

أحدٌ سِواه مُنْذُ تاريخِ البَشَرْ

فارتدَّ نَحْوَ القَلْبِ يَغْسِلْهُ بما

فاضَت بِهِ عَيناه من سَيلِ العِبَرْ

ويَصيحُ مُرْتَعِداً: أيا قَلْبُ انْتَقِمْ

منّي فإنَّ جَريمَتي لا تُغْتَفَرْ

واستلَّ خِنجرَه ليَطْعَنَ قَلبَهُ

طَعْناً سَيَبقى عِبْرةً لمنِ اعتَبَرْ

ناداه (قلبُ الأُمِّ): كُفَّ يَداً ولا

تَذْبَحْ فؤادي مَرّتيْن عَلى الأثَرْ

 

أحبتي.. أختم بما كتبته إحداهن لأُمها، كتبت تقول: تتضاءل الكلمات أمامكِ خجلاً؛ لأنه لا توجد كلمةٌ توفيكِ حقكِ.. أتوسل ذاكرتي كي تجود عليّ؛ لعلها تمدني ولو بكلمةٍ تُعبر عمّا في قلبي تجاهك.. لكن الذاكرة تخذلني وتهرب من ملاحقتي.. أُماه في قلبي أطنانٌ وأطنانٌ من مشاعر الحُب والعرفان والامتنان والشُكر، وحتى هذه الجملة الصماء لم تستطع مع الأسف أن تُعبِّر عما أحمله لكِ في قلبي.. أُماه أكتب لك هذه الكلمات المُتواضعة؛ لأقول لكِ إنني أغرق في بحر جميلك.. هذا الجميل الذي يُخرسني ويعقد لساني.. هذا الجميل الذي لن أستطيع رده في يومٍ من الأيام؛ فمهما فعلتُ، ومهما قلتُ فلن يُساوي شيئاً بجانب عطائك الواسع.. أُماه لن أقول إنكِ حملتِ وربَّيتِ وأرضعتِ وسهرتِ وتعبتِ وتحمَّلتِ من أجلنا الكثير الكثير، وتخليتِ عن رغباتٍ كثيرةٍ لتُحققي لنا رغباتنا.. فما قدَّمتِهِ لنا أكثر من ذلك بكثيرٍ.. لقد علمتينا أهم دروس الحياة.. علمتينا معنى الحياة.. ولم تكتفِ بذلك؛ بل كُنتِ وما زلتِ لنا شمعةً تحترق لتُنير لنا دروب الحياة.

اللهم احفظ الأحياء من أُمهاتنا؛ أَطِل في أعمارهن ومتعهن بالصحة والسعادة. وارحم اللهم من مات منهن واجعل مثواهن الفردوس الأعلى من الجنة، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقاً.

 

https://www.facebook.com/share/1C7ZafgLPt/?mibextid=wwXIfr

ليست هناك تعليقات: