الجمعة، 19 يونيو 2026

المال الحرام

 

خاطرة الجمعة /556

الجمعة 19 يونيو 2026م

(المال الحرام)

 

أرسلت إحداهن رسالةً إلى مُحرر باب بريد القُراء الأُسبوعي بصحيفةٍ مصريةٍ مشهورةٍ، تقول فيها:

عملتُ مُمرضةً عند طبيبٍ طيب القلب مُدة عشرين عاماً، وكان لا يشك في أخلاقي، إلا أنني كنتُ أسرق باستمرارٍ من دُرج مكتبه مبالغ كبيرةً، كان لا يشعر بها، واستطعتُ بهذه الأموال أن أشتري شقةً في أحد الأحياء الشعبية، كما استطعتُ أن أضع في دفتر التوفير مبلغاً آخر. رزقني الله بولدٍ وبنتٍ، ثم تُوفي زوجي، وأتقن ابني فن السباكة؛ فاستأجرتُ له محلاً، واشتُهر في الحي بأنه سباكٌ مُمتازٌ، أما البنت فتخرجت في المدرسة المُتوسطة ولم أرغب في خروجها للعمل لتحسن حالتنا المادية، وزوجتُ ابني وأنفقتُ في مشروع زواجه وإنشاء محله نصف ما ادخرته. وفي يومٍ من الأيام أُصيب ابني ببحةٍ في صوته، وترددنا على الأطباء لنكتشف أنه مُصابٌ بسرطان الحُنجرة، وتعذَّب ابني عاماً كاملاً من عملياتٍ وعلاجٍ بالأشعة، ثُم تُوفي بعد هذا العذاب الشديد، واستولت زوجته على محله وأمواله بعدما أنفقتُ أنا كل ما ادخرته في أثناء رحلة علاجه. أما ابنتي فتزوجت بعد وفاة أخيها بخمسة أعوامٍ، ولأني بقيتُ بعد زواجها في منزلي وحيدةً فقد عملتُ لنوافذ ولباب البيت أسياخاً حديديةً لتأمينه، وأُصبتُ بمرضٍ نفسيٍ يحتاج للعلاج والتردد على الأطباء النفسيين؛ وبسبب هذا المرض تبرأت ابنتي مِني وطردتني من على سُلَم بيتها. أعيش الآن في بيتي وحيدةً، لا أنام طوال الليل من الحُزن والخوف والمرض النفسي، وأنظر حولي فإذا بيتي كالسجن تماماً؛ له بابٌ ونوافذ من الحديد، وليس فيه أثاثٌ؛ فأنا أنام على الأرض. هكذا أضاع (المال الحرام) أولادي وصحتي، وتسبَّب في دخولي سجناً أسستُه أنا بنفسي.

أُرسل لكَ هذه الرسالة ليقرأها قراؤك؛ ولتكون عبرةً لمن يعتبر.

 

أحبتي في الله.. ردَّ الصحفي مُحرر باب بريد القُراء على هذه الرسالة بقوله:

أُوقن تماماً أنكِ نادمةٌ على ما فعلتِ، ولستِ في حاجةٍ مني إلى تفسير لماذا حدث ذلك، ولكن دعيني أُذكِّركِ وأُذكِّر نفسي وأصدقائي بأن المال خادمٌ جيدٌ لكنه سيدٌ فاسدٌ؛ فإذا استعبد إنساناً أهلكه. وإذا آمنّا بأن أحداً مِنّا لن يموت قبل أن يستوفي رزقه الذي يُطارده حتى يُدركه كما يُدركه الموت؛ ما اقترب من مالٍ حرامٍ. وهنا أتذكر تفسيراً لأحد عُلمائنا بأن اللص عندما يسرق يحصل على رزقه، الذي كان سيحصل عليه بالحلال، لكنه تعجَّل وجناه حراماً!

يقول الشاعر:

وَلاَ تَقْرَبِ الأَمْرَ الحَرامَ فإنَّهُ

حَلاوَتُهُ تَفْنَى وَيَبْقَى مَرِيرُها

تلك المرارة هي التي ورثتِها يا سيدتي، بفقدكِ لابنكِ، وعُقوق ابنتكِ التي نبتت في أحضانكِ من (المال الحرام)، ودخولكِ سجنكِ بكامل إرادتكِ؛ فما يُكتسب بطريقٍ غير مشروعةٍ يضيع، ويضيع صاحبه مهما طال به الزمن.

سيدتي.. أدعو الله لكِ بالمغفرة والعفو عنكِ، وأدعوكِ أن تتوجهي إلي الله بتوبتكِ، وتذهبي إلي الطبيب الذي كنتِ تعملين لديه، تطلبي عفوه ومُسامحته، فهو له حقٌ لديكِ، وهو الذي يستطيع أن يتجاوز عنه ويغفر لكِ ما ارتكبتِه.

أما ابنتكِ العاقة فإني أدعوها إلى تأمل ما ألمَّ بكِ، لتفهم أنها ستشرب من نفس الكأس التي تُذيقكِ إياها الآن، وأنها ترتكب معصيةً كُبرى، وواحدةً من الكبائر بعُقوقها وقسوتها عليكِ، فهل تفيق قبل أن تندم في وقتٍ لا يُجدي فيه الندم؟

 

وعن (المال الحرام) هذه قصةٌ أُخرى يرويها واحدٌ من أشهر الدُعاة السوريين المُعاصرين؛ قال في إحدى مُحاضراته: "كان بدويٌّ يعيش في مدينة «جدة»، وعندما توسعت المدينة اقتربت حدودها الجديدة من أرضه؛ فارتفع سعرها، واشتراها منه مكتبٌ عقاريٌ يملكه ثلاثة شُركاء، اشتروها بثمنٍ بخسٍ، أقل كثيراً من السعر الذي تستحقه هذه الأرض، ثم قاموا ببناء عمارةٍ مُكونةٍ من عشرة طوابق على تلك الأرض. بعد الانتهاء من بناء العمارة وقع أول الشُركاء من الطابق العاشر فمات، أما الثاني فدهسته سيارةٌ؛ فانتبه الثالث وبحث عن البدويّ صاحب الأرض الأصلي حتى وجده؛ فأعطاه ثلاثة أمثال ما سبق أن دفعوه له، بما يُعادل الثمن الحقيقي لأرضه". الشاهد من القصة أنَّ هؤلاء الثلاثة قد اشتروا من البدويّ أرضه بالباطل بثمنٍ بخسٍ وهُم يعلمون قيمتها الحقيقة، فطاردتهم لعنة (المال الحرام) فلم يهنئوا بها إلى أن أرجعوا الحق لصاحبه.

 

وهذا أُستاذٌ جامعيٌّ ذو مكانةٍ مرموقةٍ كتب يقول: لقد جربتُ (المال الحرام) مرةً واحدةً في حياتي؛ كان طعمه في البداية يبدو حُلواً، لكن عاقبته كانت مريرةً ومُؤلمةً؛ ففي عام 1985م، كنتُ أُجري تجارب الماجستير، واحتجتُ إلى شراء جهازٍ لاستكمال أبحاثي، استعلمتُ عن سعره، وحصلتُ على عروض أسعارٍ كان أقلها 350 جُنيهاً. اقترضتُ هذا المبلغ كسلفةٍ من الكُلية، وسافرتُ إلى «القاهرة» لشراء الجهاز. عندما قُمتُ بالشراء، وجدتُ الفاتورة مُحررةً بمبلغ 365 جُنيهاً، استفسرتُ من المدير عن السبب؛ إذ أن عرض السعر هو 350 جُنيهاً فقط، فلماذا الزيادة؟ فأجابني المُدير مُبتسماً: "لن تدفع شيئاً من جيبك، فالسعر الحقيقي للجهاز هو 275 جُنيهاً شاملاً الضرائب، والفارق هو لك لتغطية مُواصلاتك ومصاريفك". وعندما لاحظ استغرابي، أضاف: "يا بُني، كُل زملائك يفعلون ذلك، وإلا فكيف ستتحمل تكاليف سفرك؟"، في تلك اللحظة، فرحتُ بهذا الفارق الذي بلغ 90 جُنيهاً -وهو مبلغٌ كان يتجاوز مُرتبي لشهرٍ كاملٍ وقتها- صرفته في الترفيه عن نفسي وتناول وجبةٍ من الكباب، وبينما كنتُ في المطعم أتناول وجبتي بما تبقى من المبلغ، شعرتُ بألمٍ شديدٍ في أسناني؛ فذهبتُ إلى طبيبٍ كانت عيادته مُجاورةً للمطعم؛ فأخبرني أنني بحاجةٍ إلى حشو عصبٍ لثلاثة ضُروس، الأمر الذي سيتطلب ثلاث أو أربع جلساتٍ علاجيةٍ. حين انتهيتُ من الجلسة الأخيرة، قمتُ بحساب تكاليف الكشف والعلاج والأدوية فكانت 90 جُنيهاً بالضبط! في تلك اللحظة وعيتُ الدرس، وحمدتُ الله أنَّ الأمر اقتصر على هذا القدْر، وقررتُ فوراً ردَّ المبلغ إلى الكُلية؛ ولصعوبة ردَّ المبلغ نقداً قمتُ بإصلاح ثلاجتين في المعمل، وشراء أسطوانة غازٍ كُنا نحتاجها، وتوفير محاليل تعقيمٍ ببقية المبلغ، كلفتني كُلها أكثر من 100 جُنيهٍ من مالي الخاص. ومنذ تلك اللحظة -والفضل لله سُبحانه وتعالى- لم تمتد يدي إلى أي مالٍ حرامٍ، أو حتى مشكوكٍ في حُرمته.

 

يُعرَّف (المال الحرام) بأنه كلُّ مالٍ اكتسبه الإنسانُ بطريقةٍ تُخالف أحكام الشريعة الإسلامية، أو كان في أصله مُحرَّماً، أو تم الحصول عليه عن طريق التعدي على حقوق الآخرين أو المصلحة العامة. ويشمل ذلك كل ما أُخذ بغير رضا صاحبه، أو عن طريق الغش، أو التدليس، أو الرشوة، أو الربا، أو السرقة، أو الاختلاس.

 

ولقد اشتمل القُرآن الكريم في أكثر من موقعٍ على التحذير من أكل أموال الناس بالباطل؛ ومن ذلك يقول تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ويقول سُبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾. ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ وتخص هذه الآية أشد صور (المال الحرام) قُبحاً، وهي استغلال ضعف اليتيم، وتتوعد الآية آكل مال اليتيم بوعيدٍ شديدٍ، واصفةً المال الذي يدخل جوفه بأنه وقودٌ للنار في الآخرة.

 

كما أن الأحاديث النبوية الشريفة تنهى عن أكل (المال الحرام)، ومنها؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [كُلُّ المُسلِمِ على المُسلِمِ حَرامٌ؛ دَمُه، ومالُه، وعِرضُه]، ويقول عليه الصلاة والسلام: [إنَّ رِجالًا يَتَخَوَّضونَ في مالِ اللهِ بغيرِ حَقٍّ، فلَهمُ النَّارُ يَومَ القيامةِ] "يَتَخَوَّضونَ" أي يتصرفون في المال العام بغير وجه حقٍ، والحديث يُحذِّر بشكلٍ مُباشرٍ من التلاعب بالمال العام أو الاستيلاء عليه، ويتوعد من يقوم بذلك بالعقاب الشديد. ويقول كذلك: [لا يحِلُّ مالُ امرئٍ مُسلِمٍ إلَّا بطِيبِ نَفْسٍ منه] يؤكد الشُرَّاح على أن هذا الحديث يُمثِّل القاعدة الذهبية في المُعاملات؛ وهي أن طيب النفس والرضا التام هو الشرط الأساسي الذي يجعل المال حلالاً. وكان من أعظم ما بيَّنه صلى الله عليه وسلم أن الإنسان سيُحاسب على ماله لا محالة، من أين اكتسبه وفيما أنفقه؛ بقوله: [لا تَزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القيامةِ، حتَّى يُسأَلَ عن ....] وذكر من ذلك [وعن مالِه؛ من أين اكتسَبَه؟ وفيم أنفَقَه؟].

 

يقول أهل العِلم إن من صُور (المال الحرام) أخذ الرشوة لتسهيل أمرٍ ممنوعٍ، أو إعطاء حقٍ لغير مُستحقٍ، أو إرساء مُناقصةٍ على غير مُكتمل الشُروط، أو إعطاء وظيفةٍ أو عملٍ لغير مُتأهل، وفي هذا من الشر على الأُمة ومن الضرر على الناس ما لا يخفى. ومن صوره أيضاً، الغش والخداع في البيوع والمُعاملات، وإخفاء عيب السلعة، أو التطفيف في الكيل والميزان، والحلف الكاذب لترويج السلعة، وغيرها من طُرق الغش والخداع. ومنها كذلك بيع المُحرمات: كالخُمور والمخدرات والدُخان. ومنها أكل أموال الميراث -خاصةً ميراث النساء-، وأكل أموال اليتامى والقُصَّر، وأكل أموال الزوجات والبنات العاملات بغير حقٍ، ومنع البنات من الزواج أو تأخيره للانتفاع بأموالهن، وهو ظُلمٌ وعضلٌ مع كونه خسةً ودناءةً وقلة مُروءة. ومنها أكل أموال العُمال والخدم في البيوت، وتأخير الرواتب، أو إنقاصها، أو التحايل في تقليلها، أو منعها. وهناك أناسٌ يدفعهم الفقر لمد أيديهم إلى ما لا حق لهم فيه؛ فيتقاضى الرشوة ويُبررها لنفسه تحت اسم هدية، أو مُساعدة، أو إكرامية، أو حُلوان؛ فيأخذ مالَ غيره بالمُحايلة، وبسيف الحياء من المُعطي. والبعض ممن اعتاد أخذ المال من غير حِله يستمرئ هذا السلوك حتى ولو اغتنى بعد فقرٍ. والبعض استهواه حُب المال وجمعُه حتى زلَّت به القدمُ، ومالت به النفسُ الأمَّارة بالسُّوء، فراح يجمع الدُّنيا بكلِّ طريقٍ، ويستكثِر منها بأيِّ سبيلٍ، فليس له همٌ إلا تكديس الأموال وتضخيم الثروات وتكثير الأصفار من أي وجهٍ جاءت، الحلال عندهم ما حَلَّ في أيديهم، ووصل إليهم أياً كانت الوسيلة، والحرام هو ما حُرموا منه ولم يستطيعوا الوصول إليه، حتى صدَق على الكثيرينِ إخبارُ النبي عليه الصلاة والسلام بقولِه: [لَيَأتيَنَّ على النَّاسِ زَمانٌ لا يُبالي المَرءُ بما أخَذَ المالَ: أمِن حَلالٍ أم مِن حَرامٍ]. ونسي كثيرٌ من هؤلاء أن (المال الحرام) خبيث الأصل، ممحوق البركة، وهو وبالٌ على الفرد وعلى الأُمة، حين يكسبه الفرد من ربا أو رشوةٍ أو ظلمٍ أو غشٍ أو أكلٍ لأموال الناس بالباطل؛ فعند ذلك يتنزل سخط الله وتنتشر المُوبقات وتكثر المصائب، ويدعو الناس فلا يُستجاب لهم؛ يقول عليه الصلاة والسلام: [إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طَيِّبًا].. [وذَكرَ الرَّجلَ يُطيلُ السَّفرَ أشعثَ أغبرَ يمدُّ يدَه إلى السَّماءِ يا ربِّ يا ربِّ، ومطعمُه حرامٌ، ومشربُه حرامٌ، وملبسُه حرامٌ، وغُذِّيَ بالحرامِ؛ فأنَّى يُستجابُ لذلِك]. كما أن (المال الحرام) شؤمٌ ووبالٌ على صاحبه، وضررٌ على جامعه وكاسبه؛ إن أنفقه صاحبه في بِرٍ لم يُقبل، وإن بذله في نفعٍ لم يُشكر؛ ورد في الأثر: "ولا يكسِبُ عبدٌ مالًا مِن حرامٍ، فيُنفِقَ منه فيُبارَكَ له فيه، ولا يَتصدَّقُ به فيُقبَلَ منه، ولا يترُكُ خَلفَ ظَهرِه إلَّا كان زادَه إلى النَّارِ".

 

ويُحذِّر العُلماء من أنَّ أكل (المال الحرام) سببٌ في عدم قبول عمل آكله؛ فلا يُقبل منه فرضٌ ولا نفلٌ؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تُقبَلُ صَلاةٌ بغيرِ طُهورٍ، ولا صَدَقةٌ مِن غُلُولٍ]، فمن حجَّ أو اعتمر بمالٍ حرامٍ لا يُقبل منه، ومن تصَدَّق بمالٍ حرامٍ لا يُقبل منه؛ بل هو مأزورٌ غير مأجورٍ؛ ورد في الأثر: "مَن جَمَعَ مالًا حرامًا ثم تَصَدَّقَ بِهِ لم يكنْ لَهُ فيهِ أَجْرٌ، وكانَ إِصْرُهُ عليهِ". والأكل من الحرام كبيرةٌ لا تُغْفَر؛ ورد في الأثر: "إياكَ والذنوبَ التي لا تُغْفَرُ" وذُكِر منها: "الغُلولُ، فمَنْ غَلَّ شيئًا أَتَى بِهِ يومَ القيامةِ".

وآكل الحرام ملعونٌ ومطرودٌ من رحمة الله؛ يقول صلى الله عليه وسلم: [لَعَنَ اللهُ مَنْ سَرَقَ مَنارَ الأرضِ]، وفي روايةٍ: [مَنْ غَيَّرَ مَنارَ الأرضِ]، و[مَنارَ الأرضِ] أي: العلامات التي تُميز الأملاك وتُحددها. ويقول صلى الله عليه وسلم: [لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسرِقُ البَيضةَ فتُقطَعُ يَدُه، ويَسرِقُ الحَبلَ فتُقطَعُ يَدُه]. ويقول أيضاً: [لعَنَ اللهُ الخَمْرَ، ولَعَنَ شارِبَها، وساقيَها، وعاصِرَها، ومُعتَصِرَها، وبائِعَها، ومُبتاعَها، وحامِلَها، والمَحمولةَ إليه، وآكِلَ ثَمَنِها].

وآكل الحرام متوعَّدٌ بالنار؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [لا يدخُلُ الجنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ من سُحْتٍ؛ النَّارُ أَوْلى به]. وآكل الحرام موعودٌ بغضب الله؛ يقول صلى الله عليه وسلم: [مَن حَلَفَ يَمينَ صَبرٍ ليَقتَطِعَ بها مالَ امرِئٍ مُسلِمٍ، لَقيَ اللهَ وهو عليه غَضبانُ]. ويقول عليه الصلاة والسلام: [إنَّ رِجالًا يَتَخَوَّضونَ في مالِ اللهِ بغيرِ حَقٍّ، فلَهمُ النَّارُ يَومَ القيامةِ]؛ فالمال العام حقٌ لجميع المُسلمين، فمن يعمل في الوظائف العامة عليه أمانةٌ عظيمةٌ، وحِملٌ ثقيلٌ، فمَن خان عمله، وقصَّر فيه، وضيَّعه؛ فقد تعرض للوعيد الشديد.

وأكل الحرام سببٌ للخراب والدمار؛ ففي الحديث المُرسل: [اليَمينُ الفاجِرةُ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ]، والْيَمِينُ الفَاجِرَة هِيَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ، يَقْتَطِعُ الرَّجُلُ بِهَا مَالَ غَيْرِهِ، ووصف الديار بأنها بَلاقِع يعني أنها تصير خاليةً من سُكَّانها، كالأرض القفر التي لا شيء بها؛ فالحالف باليمين الكاذبة مصيره الفقر، ويذهب ما في بيته من الرزق.

والمال الحرام سببٌ لمحق البركة؛ فالغش في البيع والشراء سببٌ لذهاب بركة المبيع؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [البَيِّعانِ بالخيارِ ما لَم يَتَفَرَّقا، فإن صَدَقا وبَيَّنا بورِك لهما في بَيعِهما، وإن كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكةُ بَيعِهما].

وأكل الحرام سببٌ للإفلاس يوم القيامة؛

يقول صلى الله عليه وسلم: [أتَدرونَ ما المُفلِسُ؟] قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهَمَ له ولا مَتاعَ، فقال: [إنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتي يَأتي يَومَ القيامةِ بصَلاةٍ، وصيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَك دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعطى هذا مِن حَسَناتِه، وهذا مِن حَسَناتِه، فإن فنيَت حَسَناتُه قَبلَ أن يُقضى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهم فطُرِحَت عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ].

 

ويرى أهل الاختصاص أن من أهم أسباب أكل (المال الحرام) غياب الخوف من الله، وضعف الوازع الديني والأخلاقي، وافتقاد الرقابة الذاتية، والطمع والجشع، والرغبة في التكسب السريع دون تعبٍ، وغياب النُظم الرقابية وضعف المُحاسبة في المُؤسسات، وتَوَهُم البعض بأن المال العام هو مالٌ بلا صاحبٍ، أو أن قلة مُرتباتهم وشدة حاجتهم تُبرر السرقة من ذلك المال.

 

يقول أحد العارفين إن مشقة الطاعة تذهب ويبقى ثوابها، ولذة المعصية تذهب ويبقى عقابها وألمها، ويقول الشاعر عن هذا المعنى:

المالُ ينفدُ حِلُّهُ وحَرامُهُ

يوماً ويَبقى بَعدَ ذا آثامُهُ

ليسَ التَقيُ بمُتقٍ لإلهِهِ

حتى يطيبَ طَعامُهُ وشَرابُه

 

وعن (المال الحرام) يقول الشاعر:

وَلا تَأكُلِ المالَ الحَرامَ فَإِنَّهُ

زُؤامٌ إِذا ما كُنتَ لَستَ بِعائِفِ

فَما في حَرامٍ كَسُبْتَ بَرَكَةٌ

وَلا في حَلالٍ لَو قَنِعْتَ بِتَالِفِ

 

أحبتي.. لا شك في أن كلَّ واحدٍ منا يُدرك أنَّ البركةَ في القليلِ الحلالِ، أعظمُ من الكثيرِ الحرامِ الذي يزولُ ويتركُ وراءه وبالاً؛ لذا يتوجب علينا جميعاً أن نستشعر تقوى الله في كل عملٍ نقوم به. لابد أن يلتزم كلٌ منا بالنزاهة، وأن نُربي أنفسنا وأبناءنا على مخافة الله عزَّ وجلَّ، وعلى عزة النفس، والقناعة بما رزقنا الله، مُتذكرين دائماً أنَّ النجاة في الدُنيا والآخرة لا تكون إلا باليد النظيفة والقلب السليم؛ فلنتقِ الله، ولا يحملنا استبطاء الرزق أن نطلبه بمعصية الله؛ فإن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته. وإن كان أحدنا وقع في إثم أكل (المال الحرام) فعليه أن يقضي ما عليه في الدُنيا قبل فوات الأوان؛ بأن يُعيد لمن وضع يده على أموالهم حقوقهم، ويُعوضهم عما أصابهم من ضررٍ، ويطلب منهم السماح والعفو والصفح.

اللهم اكْفِنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.

 

https://www.facebook.com/share/193CmL4c3L/?mibextid=wwXIfr

 

ليست هناك تعليقات: