خاطرة الجمعة /547
الجمعة 17 إبريل 2026م
(دعوة السَحَر)
هذه قصةٌ حقيقيةٌ حدثت بالفعل في «المملكة العربية السعودية» أختصرها لكم
فيما يلي:
فتاةٌ صالحةٌ تقيةٌ -نحسبها كذلك ولا نُزكي على الله أحداً- قلبها مُعلقٌ
بالآخرة، تقوم الليل، لا تدع ذلك لا شتاءً ولا صيفاً، أُنسها وسعادتها في التهجد
وقيام الليل ومناجاتها لربها وقت السَحَر. تقدم إليها مَن يطلب يدها، قالوا إنه
مُحافظٌ ومُصَلٍ؛ فوافقت عليه بعد الاستخارة والالتجاء إلى ربها. وكان مما اعتاد
عليه أهل مدينتها أن ليلة الفرح تبدأ في الثانية عشرة ليلاً وتنتهي مع أذان الفجر!
لكن تلك الفتاة اشترطت لإقامة حفل زواجها بأن لا تدق الساعة الثانية عشرة إلا وهي
في منزل زوجها، لم تكن تُريد أن تُضيِّع قيام الليل حتى في ليلة زفافها! حاول
أهلها تغيير رأيها؛ فهذه ليلة فرحها التي لا تتكرر، لكنها أصرَّت على ذلك حتى وافق
الأهل على مضضٍ.
مرَّت الأيام، وذات مساءٍ جميلٍ وكان القمر بدراً، دقت الساعة مُعلنةً عن
تمام الساعة التاسعة، بدأت أصوات الزغاريد وضربات الدُفوف ترتفع، زُفَّت العروس
إلى عريسها مع أهازيج الأُنس والفرح. قاربت الساعة من الثانية عشرة، أمسك الزوج
بيد عروسه، ركب السيارة معها تقوده كل مشاعر الفرح، وإحساسٌ بالبهجة يُشعره بأنه
حاز الدُنيا وما فيها. اتجها العروسان إلى منزلهما، دخلت العروس غُرفتها التي
لطالما رسمت لها كُل أحلامها، كُل سعادتها، كُل أُمنياتها. انتقلت نظراتها السريعة
بين أرجاء غُرفتها، رفعت بصرها، فجأةً شدَّ انتباهها شيءٌ ما، تسمَّرت في مكانها
كأن سهماً اخترق قلبها لِما رأته في أحد زوايا غُرفتها؛ سألت نفسها: "هل حقاً
ما أرى؟ ما هذا؟ أين أنا؟ كيف؟ لِمَ؟ أين قولهم عن زوجي؟"، زاغت نظراتها،
تاهت أفكارها، قدماها لم تعودا قادرتين على حِملها، أحقاً ما ترى أم هو سرابٌ؟ ها
هو العود يتربّع في غُرفتها! يا إلهي، إنه الغناء، بل إنها آلةٌ مُوسيقية!
قطع ذلك حبلَ أُمنياتها التي طالما رسمتها في مخيلتها، اغتمَّت لذلك غماً
شديداً، وكان السكون مُخيِّماً على المكان، أمسكت دمعةً كادت أن تفلت من عقالها ثم
قالت لنفسها: "الحمد لله على كل حالٍ، لا يعلم الغيب إلا الله سُبحانه
وتعالى". أخذ عقلها يُحدثها قائلاً: "مهلاً؛ عليك بالصبر والحكمة وحُسن
مُعاملتك لزوجك مهما فعل ومهما كان؛ فما يُدريكِ لعل هدايته تكون على يديك إذا
صبرتِ وكُنتِ له أحسن زوجة؟!".
دقَّت الساعة لتُعلِن بداية الثُلث الأخير من الليل، وقت اشتياق الحبيب
لحبيبه، فأرسل الله سُبحانه وتعالى نُعاساً على الزوج؛ فلم يستطع المُقاومة، غُطَّ
في سُباتٍ عميق. لزمت العروس الهدوء حتى سمعت أنفاس زوجها تنتظم وهذا دليلٌ مُؤكدٌ
على استغراقه في النوم، فقامت بتغطيته بلحافها وهي تدعو له، ثُمَّ انزوت عنه
جانباً؛ فقد اشتد بها الشوق إلى حبيبها، هُرعت لمُصلاها وكأن روحها تُرفرف في
السماء.
يقول الزوج واصفاً ذلك الموقف: "في تلك الليلة أحسستُ برغبةٍ شديدةٍ
في النوم، على الرغم من رغبتي في إكمال السهرة، إلا أن الله تعالى شاء وغلبني
النوم رغماً عني! وسُبحان الله ما سبق أن استغرقتُ في النوم وشعرتُ براحةٍ إلا في
تلك الليلة، استغرقتُ في نومي، ثُمَّ تنبهتُ فجأةً؛ فتحتُ عيناي، لم أجد زوجتي
بجانبي، تلفَّتُ في أرجاء الغُرفة، لم أجدها، نهضتُ أَجُر خُطواتي، فتحتُ باب
الغُرفة، سكونٌ مُطلقٌ وظلامٌ دامسٌ يكسو المكان، مشيتُ على أطراف أصابعي خشية
إيقاظها، فجأةً؛ ها هو وجهها يتلألأ في الظلام، إنها في مُصلاها! عجباً منها؛ لا
تترك القيام حتى في ليلة زفافها! بقيتُ أرمق كل شيءٍ من بعيدٍ، اقتربتُ منها، ها
هي راكعةٌ ساجدةٌ، تُطيل القراءة وتتبعها بركوعٍ ثم سُجودٍ طويلٍ، واقفةً أمام
ربها رافعةً يديها، يا إلهي؛ إنه أجمل منظرٍ رأته عيناي، رفعت من سُجودها ثم
أتبعته بالسلام يُمنةً ويُسرةً. أدركت زوجتي ما يدور في خَلَدي؛ فهتفت في أُذني:
"أحببتُ أن لا يشغلني حبيبي الجديد عن حبيبي الأول"، تقصد ربها ونعم
الحبيب والله، عجبتُ من هذا الكلام الذي لامس قلبي".
يواصل الزوج قائلاً: "على الرغم من كونها ما زالت عروساً، لم تمر على
زواجنا ثلاثة أشهر، لكنها -كعادتها- لا تجد أُنسها إلا بين ثنايا الليل وفي غسق
الدُجى ووقت السَحَر. أما أنا فقد كنتُ خلال هذه الشهور في غاية البُعد عن الله
تعالى؛ أقضي الليالي في سهرات الطرب والغناء وعزف العود. وكانت هي لي أحسن زوجةٍ؛
تعاملٌ لطيفٌ، ونفسٌ رقيقةٌ، ومشاعر دافئةٌ، كانت تتفانى في خدمتي ورسم البسمة على
شفتيَّ وكأنها تقول لي بلسان حالها: "ها أنا أُقدِّم لك ما أستطيعه، فما
قدمتَ أنت لنفسك؟!"، لم تتفوّه بكلمةٍ واحدةٍ، أسرتني بحلاوة كلماتها، وجمال
أخلاقها، وتعاملها الطيب، وحُسن عشرتها. في إحدى الليالي؛ عُدتُ في ساعةٍ مُتأخرةٍ
من سهرةٍ عابثةٍ، دخلتُ إلى غُرفتنا لم أجد زوجتي، أغلقتُ الباب بهدوءٍ وخرجتُ
أتحسس طريقي في الظلام مُتحاشياً التعثر. ما هذا؟ كأني أسمع همساً، صوتاً يطرق
مسامعي، أضأتُ المصباح الخافت وتابعتُ بخطواتٍ هادئةٍ، فجأةً؛ صوتٌ جميلٌ يتلو
القُرآن الكريم لم أسمع مثله في حياتي! هزتني تلاوتها للقُرآن، يبدو أن هذا الصوت
جاء من الغُرفة المُجاورة، استدرتُ وتوجه نظري إلى مكانٍ خالٍ مُظلمٍ، وكأن نوراً
ينبعث منه ليرتفع إلى السماء! تسمّرت نظراتي، إنهما يداها مرفوعتان للسماء،
تسلَّلتُ ببُطءٍ، اقتربتُ كثيراً، سمعتُ دُعاءها، يا إلهي؛ لقد خصَّتني بدعائها
قبل أن تدعو لنفسها! رفعت حاجتي قبل حاجتها! لقد كانت تدعو لي بالهداية؛ تبسمتُ،
بكيتُ، اختلطت مشاعري، لمحتُ في عينيها بريقاً، دققتُ النظر إليها، فإذا هي
الدُموع تنساح على وجنتيها كحبات لؤلؤٍ انفلتت من عقدها، بشهقاتٍ مُتقطعةٍ تطلب من
الله تعالى أن يهديني، وتدعو لي بصوتٍ عالٍ وقد أخذها الحزن كل مأخذٍ، كانت تُكرر
دُعاءها لربها، ثم تعود لبُكائها من جديدٍ، نشيجها قطَّع نياط قلبي، خفقات قلبي
تنبض بشدةٍ، ارتعشت يداي، تسمَّرت قدماي، خنقتني العَبرة، رُحماك يا الله رُحماك
رُحماك، أين أنا طوال هذه الشهور عن هذه الزوجة الحنون المعطاء الصابرة؟".
يقول الزوج: "في تلك اللحظة لم أملك إلا دمعاتٍ حارةً سقطت من عينيّ،
أحنيتُ رأسي بين رُكبتيّ، أجمع دمعاتي المُلتهبة وكأنها غسلت جميع خطاياي، كأنها
أخرجت كل ما في قلبي من فسادٍ ورياءٍ، ترقرقت عينايّ بالدُموع بعد أن كانت تشكو
الجفاف والإعراض، ربّاه لقد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت! لحظاتٌ يسيرةٌ، ودقائق
معدودةٌ وإذ بالمُؤذن من بيت الله يُنادي: حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، انسللتُ
–بعد ترددٍ- وصورتها الجميلة لا تزال تُضيء لي الطريق، ذهبتُ إلى مسجد الحي وصليتُ
الفجر كما لم أصلِ في حياتي من قبل! أخذت ظُلمات الليل في الانحسار، وظهرت تباشير
الصباح، أشرقت الشمس شيئاً فشيئاً، وأشرقت معها روحٌ ونفسٌ جديدةٌ. كان ذلك الموقف
بداية الهداية".
عاد الزوج إلى رُشده وصوابه، واستغفر الله عزَّ وجلَّ، ورجع إليه تائباً
مُنيباً بفضل الله، ثم بفضل هذه الزوجة الصالحة التي دعته إلى التوبة والصلاح
بفعلها لا بقولها، حتى امتلكت قلبه وأخذت بلُبِّه بجميل خُلُقها ولُطف تعاملها،
عندها ندم وشعر بالتقصير تجاه خالقه أولاً ثم تجاه زوجته التي لم تحرمه من عطفها
وحنانها لحظةً واحدةً. رجع الزوج رجوعاً صادقاً إلى الله تعالى وأقبل على طلب
العِلم وحضور الدروس والمُحاضرات وقراءة القُرآن، وبعد سنواتٍ قليلةٍ -وبتشجيعٍ من
هذه الزوجة المُباركة- أصبح واحداً من أكبر الدُعاة في مدينته.
أحبتي في الله.. يقول العُلماء إن لله سُبحانه أن يختار ما يشاء من خَلْقه؛
أشخاصاً، وأوقاتاً، وأماكن، وأحوالاً، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ
وَيَخْتَارُ﴾، وذلك الاختيار الرباني اصطفاءٌ بعِلمٍ وحكمةٍ؛ وذاك ما يجعل المؤمن
يحرص على ما يختاره الله ويصطفيه، ويهتمّ له أيما اهتمامٍ، ومما اختاره الله من
الأوقات اليومية وخصَّه بمزايا انفرد بها عمَّا سواه وقتُ السَّحَرِ حين يبقى ثُلث
الليل الآخر؛ إذ جعله الله جلَّ وعلا وقت نزوله كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدُنيا،
نزولاً يليق به سُبحانه وتعالى، باسطاً توبتَه للمُذنبين، وعارضاً مغفرتَه
للمُستغفرين، وفاتحاً خزائنَه للسائلين؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
[يَنزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى كُلَّ لَيلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا حينَ
يَبقى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدعوني، فأستَجيبَ له؟ مَن يَسألُني
فأُعطيَه؟ مَن يَستَغفِرُني فأغفِرَ له؟]. في السَّحر أقرب ما يكون الرب من عباده؛
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة: [أقربُ ما يكونُ الربُّ من العبدِ
في جوفِ الليلِ الآخرِ فإِنِ استطعْتَ أن تكونَ ممن يذكرُ اللهَ في تلْكَ الساعَةِ
فكُنْ]. ومن ثمار ذلك القُرب أنْ كانت (دعوة السَحَر) مسموعةً مُجابةً، سُئِل
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أي الدُعاء أسمع؟ قال: [جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ،
وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ]. وقال عليه الصلاة والسلام لصحابيٍ سأله:
أيُّ اللَّيلِ أسمَعُ؟ قالَ: [جوفُ اللَّيلِ الآخرُ؛ فَصَلِّ ما شِئتَ فإنَّ
الصَّلاةَ مَشْهودةٌ مَكتوبةٌ حتَّى تُصلِّيَ الصُّبحَ]. إن وقت السَحَر، يحمل
قيمةً رُوحيةً عظيمةً في قلب كل مُسلمٍ عرف أثر القُرب من الله، وأدرك سرّ
المُناجاة في الخفاء. إن (دعوة السَحَر) تحمل خصوصيةً لا تتكرر، حيث يكون العبد في
أصفى حالاته، والجو ساكنٌ، والقُلوب أقرب ما تكون إلى الخُشوع. و(دعوة السَحَر)
لها قدْرٌ عند أهل الإيمان، ولذةٌ فاقت لذة النوم على وثير الفِراش، لذةٌ جعلت
المُتقين يتركون مراقدهم لمُناجاة ربهم؛ يقول الله تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: "كُلَّ اللَّيلِ أوتَرَ
رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وانتَهى وِترُه إلى السَّحَرِ".
وعن (دعوة السَحَر) يقول الشاعر:
وَقُلْ: يَنْزِلُ الْجَبَّارُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ
بِلَا كَيْفٍ جَلَّ الْوَاحِدُ الْمُتَمَدَّحُ
إِلَى طَبَقِ الدُّنْيَا يَمُنُّ بِفَضْلِهِ
فَتُفْرَجُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُفْتَحُ
يَقُولُ: أَلَا مُسْتَغْفِرٌ يَلْقَى غَافِرًا
وَمُسْتَمْنِحٌ خَيْرًا وَرِزْقًا فَيُمْنَحُ
ويقول آخر:
وَاذْكُرْ وقُوفَكَ في المَعَادِ وَأَنْتَ في
كَرْب الحِسَابِ وَأَنْتَ عَبْدًا مُفْْرَدًا
سَوَّفْتَ حَتَّى ضَاعَ عُمْرُكَ بَاطِلًا
وَأَطَعْتَ شَيْطَانَ الغِوَايَةِ وَالعِدَا
فَانْهَضْ وَتُبْ مِمَّا جَنَيْتَ وَقُمْ إلى
بَابِ الكَرِيْمِ وَلُذْ بِهِ مَتَفَرِّدًا
وَادْعُوهُ في الأَسْحَارِ دَعْوَةَ مُذْنِبٍ
وَاعْزِمْ وَتُبْ وَاحْذَرْ تَكُنْ مُتَرَددًا
وَاضْرَعْ وَقُلْ يَا رَبِّ جِئْتُكَ أَرْتجي
عَفْوًا وَمَغْفِرَةً بِهَا كَيْ أَسْعَدَا
فَلَعَلَّ رَحْمَتَهُ تعُم فإِنَّهَا
تَسَعُ العِبَادَ وَمَنْ بَغَى وَمَن اعْتَدى
أحبتي.. قيل إن (دعوة السَحَر) غنيمةٌ ربانيةٌ؛ لا ينبغي الزُهد فيها؛ فهي
أرجى موطنٍ تُقضى فيه حاجات الدُنيا والآخرة؛ قال بعض العارفين: "ليس بفقيهٍ
من كان له إلى الله حاجةٌ، فنام عنها في الأسحار".
إن استجابة المولى عزَّ وجلَّ لدُعاء المؤمنين أقرب ما يكون وقت السَحَر؛
فلنغتنم هذا الوقت؛ حيث الناس نيامٌ يغطُّون في سُباتٍ عميقٍ ونومٍ ثقيلٍ، نقف نحن
أمام الله، نتذلَّل له، نتضرَّع إليه، ندعوه (دعوة السَحَر) ونسأله الرحمة
والغُفران، والقُبول وحُسن المآل، فهو غفَّار الذُنوب، ستَّار العُيوب، جابر
العثرات، لا يَرُدُ سائله خائباً.
اللهم حَبِّب إلى نفوسنا قيام الليل، ويسِّر لنا التعود على صلاة التهجد،
واستجب اللهم لدُعائنا وقت السَحَر. واكتبنا اللهم من عبادك الصالحين.
https://bit.ly/3QbmiSl
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق