الجمعة، 24 أبريل 2026

اليُسر مع العُسر

 

خاطرة الجمعة /548

الجمعة 24 إبريل 2026م

(اليُسر مع العُسر)

 

كتبت تحكي قصتها فقالت: أنا سيدةٌ في الثامنة والثلاثين من العُمر، نشأتُ في أُسرةٍ ميسورة الحال، وعشتُ في كنفها حياةً هادئةً إلى أن تخرجتُ في الجامعة، وعقب التخرج التحقتُ بعملٍ مُمتازٍ يُدِّر عليّ دخلاً كبيراً، وأحببتُ عملي كثيراً وأعطيته كُل اهتمامي، وتقدمتُ فيه سريعاً حتى تخطيتُ كثيرين من زملائي. وكنتُ خلال مرحلة الدراسة الجامعية قد ارتديتُ الحجاب بإرادتي واختياري، وبدأ الخُطَّاب يتقدمون لي، لكنني لم أجد في أحدهم ما يدفعني للارتباط به، ثم جرفني العمل والانشغال به عن كُل شيءٍ آخر حتى بلغتُ سن الرابعة والثلاثين وبدأتُ أُعاني النظرات المُتسائلة عن سبب عدم زواجي حتى هذه السن. وتقدَّم لي شابٌ من معارفنا يكبرني بعامين، وكان قد أقام عقب تخرجه عدة مشروعاتٍ صغيرةٍ باءت كُلها بالفشل، ولم يُحقق أي نجاحٍ ماديٍ، وكان بالنسبة لي محدود الدخل، لكني تجاوزتُ عن هذه النُقطة ورضيتُ به وقررتُ أنني بدخلي الخاص سوف أُعوض كُل ما يعجز هو بإمكاناته المحدودة عنه، وستكون لنا حياةٌ ميسورةٌ بإذن الله؛ فقررتُ المُوافقة على خِطبته، وقد ساعدني على اتخاذ هذا القرار أنني كنتُ قد بدأتُ أُحبه، وأنه قد أيقظ مارد الحُب النائم في أعماقي والذي شُغلتُ عنه طيلة السنوات الماضية بطُموحي في العمل، كما أنه كان من هؤلاء البشر الذين يُجيدون حُلو الكلام، وقد روى بكلامه العذب ظمأ حياتي. وبدأنا نُعِد لعقد القران، وطلب مني خطيبي صورةً من بطاقتي الشخصية ليستعين بها في ترتيب إجراءات عقد القران، ولم أفهم في ذلك الوقت مدى حاجته لهذه الصورة لكنني أعطيتها له.

في اليوم التالي فوجئتُ بوالدته تتصل بي هاتفياً وتطلب مني بلهجةٍ مُقتضبةٍ مُقابلتها على الفور، وتوجستُ خيفةً من لهجتها المُتجهمة، وأسرعتُ إلى مُقابلتها؛ فإذا بها تُخرج لي صورة بطاقتي الشخصية وتسألني هل تاريخ ميلادي المُدون بها صحيح؟ فأجبتها بالإيجاب وأنا أزداد توجساً وقلقاً، ففوجئتُ بها تقول لي: "إذن فإن عُمرك يقترب الآن من الأربعين"، ابتلعتُ ريقي بصعوبةٍ ثُم قلتُ لها بصوتٍ خفيضٍ إن عُمري 34 عاماً؛ فقالت إن الأمر لا يختلف كثيراً لأن الفتاة بعد سن الثلاثين تقل خصوبتها كثيراً، وهي تُريد أن ترى أحفاداً لها من ابنها، لا أن تراه وهو يطوف بزوجته على الأطباء جرياً وراء الأمل المُستحيل في الإنجاب منها، ولم أجد ما أقوله لها لكني شعرتُ بُغصةٍ شديدةٍ في حَلْقي، وانتهت المُقابلة وعدتُ إلى بيتي مُكتئبةً. ومُنذ تلك اللحظة لم تهدأ والدة خطيبي حتى تم فسخ الخِطبة بيني وبينه؛ وأصابني ذلك بصدمةٍ شديدةٍ لأنني كنتُ قد أحببتُه وتعلقتُ بأمل السعادة معه، لكنه لم ينقطع عني بالرغم من فسخ الخِطبة، وراح يعدني بأنه سيبذل كل جُهده لإقناع والدته بالمُوافقة على زواجنا، واستمر يتصل بي لمدة عامٍ كاملٍ دون أي جديدٍ، ووجدتُ أنني في حاجةٍ إلى وقفةٍ مع النفس ومُراجعة الموقف كله، وانتهيتُ من ذلك إلى قرار ألا أمتهن نفسي أكثر من ذلك وأن أقطع هذه العلاقة نهائياً، وفعلتُ ذلك ورفضتُ الرد على اتصالات خطيبي السابق.

مرَّت ستة أشهرٍ عصيبةٍ من حياتي، ثم أُتيحت لي فرصة السفر لأداء العُمرة؛ فسافرتُ لكي أغسل أحزاني في بيت الله الحرام. أديتُ مناسك العُمرة، ولُذتُ بالبيت العتيق وبكيتُ طويلاً ودعوتُ الله أن يُهيئ لي من أمري رشداً. وفي أحد الأيام كنتُ أُصلي في الحرم وانتهيتُ من صلاتي وجلستُ أتأمل الحياة في سكونٍ، فوجدتُ سيدةً إلى جواري تقرأ في مُصحفها بصوتٍ جميلٍ، وسمعتها تُردد الآية الكريمة: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ فوجدتُ دموعي تسيل رغماً عني بغزارةٍ؛ فالتفتت هذه السيدة إليّ وجذبتني إليها، وراحت تربت على ظهري بحنانٍ وهي تقرأ لي سُورة الضُحى إلى أن بلغت الآية الكريمة: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾؛ فخُيّل إليّ أنني أسمعها لأول مرةٍ في حياتي، مع أني قد ردَّدتها مِراراً من قبل في صلاتي. هدأت نفسي، وسألتني السيدة الطيبة عن سبب بُكائي فرويتُ لها كُل شيءٍ بلا حرجٍ، فقالت إن الله قد يجعل مع كُل عُسرين يُسراً، وإنني الآن في العُسر الذي سوف يليه يُسرٌ بإذن الله، وإن ما حدث لي كان فضلاً من الله لأن في كُل بليةٍ نعمةٌ خفيةٌ كما يقول العارفون، شكرتها بشدةٍ على كلماتها الطيبة ودعوتُ لها بالستر في الدنيا وفي الآخرة، وغادرتُ الحرم عائدةً إلى فُندقي وأنا أحسن حالاً.

انتهت فترة العُمرة وجاء موعد الرحيل؛ فركبتُ الطائرة عائدةً إلى «القاهرة» فجاءت جلستي إلى جوار شابٍ هادئ الملامح وسمح الوجه، وتبادلنا كلمات التعارف التقليدية، فوجدتني أستريح إليه، وتَواصل الحديث بيننا طوال الرحلة إلى أن وصلنا إلى «القاهرة» وانصرف كُلٌ منا إلى حال سبيله، وأنهيتُ إجراءاتي في المطار، وخرجتُ فوجدتُ زوج أقرب صديقاتي إليّ في صالة الانتظار فهنأني بسلامة العودة، وسألته عما جاء به إلى المطار فأجابني بأنه في انتظار صديقٍ عائدٍ على نفس الطائرة التي جئتُ بها، ولم تمضِ لحظاتٌ إلا وجاء هذا الصديق فإذا به هو نفسه جاري في مقاعد الطائرة؛ فتبادلنا التحية، ثم غادرتُ المكان بصحبة والدي. وما أن وصلتُ إلى البيت وبدَّلتُ ملابسي واسترحتُ بعض الوقت حتى وجدتُ زوج صديقتي يتصل بي ويقول لي إن صديقه مُعجبٌ بي بشدةٍ ويرغب في أن يراني في بيت صديقتي في نفس الليلة؛ لأن خير البِر عاجله، ثم أسهب بعد ذلك في مدح صديقه والإشادة بفضائله، وقال لي عنه إنه رجل أعمالٍ شابٍ من أُسرةٍ معروفةٍ، وعلى خُلُقٍ ودِينٍ، ولا يتمنى لي مَن هو أفضل منه لكي يُرشحه للارتباط بي.

خفق قلبي لهذه المُفاجأة غير المُتوقعة، واستشرتُ أبي فيما قاله زوج صديقتي فشجعني على زيارة صديقتي لعلَّ الله جاعلٌ لي فرجاً. زرتُ صديقتي وزوجها والتقيتُ بجاري في الطائرة واستكملنا التعارف وتبادلنا الإعجاب، ولم تمضِ أيامٌ أُخرى حتى كان قد تقدَّم لخطبتي، ولم يمضِ شهرٌ ونصف الشهر بعد هذا اللقاء حتى كُنا قد تزوجنا وقلبي يخفق بالأمل في السعادة، وحديث السيدة الفاضلة في الحرم عن اليُسر بعد العُسر يتردد في أعماقي.

بدأتُ حياتي الزوجية مُتفائلةً وسعيدةً، ووجدتُ في زوجي كل ما تمنيتُ لنفسي في الرجل الذي أسكن إليه من حُبٍ وحنانٍ وكرمٍ وبِرٍ بأهله وأهلي، إنه (اليُسر مع العُسر).

غير أن الشهور مضت ولم تظهر عليّ أيٌ من علامات الحَمل، وشعرتُ بالقلق خاصةً أنني كنتُ قد تجاوزتُ السادسة والثلاثين؛ فطلبتُ من زوجي أن أُجري بعض التحاليل والفحوص خوفاً من ألا أستطيع الإنجاب، فضمني إلى صدره وقال لي بحنانٍ غامرٍ إنه لا يهمه مِن الدُنيا سواي، وإنه ليس مُهتماً بالإنجاب لأنه لا يتحمل صخب الأطفال وعناءهم، لكنني أصررتُ على مطلبي، وذهبنا إلى طبيبٍ كبيرٍ لأمراض النساء؛ فطلب مني إجراء بعض التحاليل، وجاء موعد تسلم نتيجة أول تحليلٍ منها ففوجئتُ به يقول لي: "لا داعي لإجراء بقية التحاليل، مبروك يا مدام، أنتِ حامل!"، فلا تسأل عن فرحتي وفرحة زوجي بهذا النبأ السعيد، وغادرتُ عيادة الطبيب وأنا أشد على يده شاكرةً له بحرارةٍ. وفي ذلك الوقت كان زوجي يستعد للسفر لأداء فريضة الحج، فطلبتُ منه أن يصطحبني معه لأداء الفريضة وأداء واجب الشُكر لمن أنعم عليّ بهذه النِعم الجليلة، ورفض زوجي ذلك بشدةٍ وكذلك طبيبي المُعالج؛ لأنني في شهور الحَمل الأولى، لكني أصررتُ على مطلبي وقلتُ لهما: "إنَّ مَنْ خَلَقَ هذا الجنين في أحشائي على غير توقعٍ قادرٌ على أن يحفظه من كُل سوءٍ"، واستجاب زوجي لرغبتي بعد استشارة الطبيب واتخاذ بعض الاحتياطات الضرورية، وسافرنا للحج وعدتُ وأنا أفضل مما كنتُ قبل السفر. ومضت بقية شهور الحَمل في سلامٍ، وإن كنتُ قد عانيتُ مُعاناةً زائدةً بسبب كِبَر سني، وحرصتُ خلال الحَمل على ألا أعرف نوع الجنين لأن كُل ما يأتيني به ربي خيرٌ وفضلٌ منه، وكُلما شكوتُ لطبيبي من إحساسي بكِبَر حجم بطني عن المُعتاد فَسَّره لي بأنه يرجع إلى تأخري في الحمل إلى سن السادسة والثلاثين. ثم جاءت اللحظة المُنتظرة، وتمت الولادة، وبعد أن أفقتُ دخل عليّ الطبيب وسألني باسماً عن نوع المولود الذي تمنيتُ لنفسي؛ فأجبته بأنني تمنيتُ من الله مولوداً فقط ولا يهمني نوعه، ففوجئتُ به يقول لي: "إذن ما رأيك في أن يكون لديك الحسن والحُسين وفاطمة؟!"، لم أفهم شيئاً وسألته عما يقصد بذلك؛ فإذا به يقول لي -وهو يُطالبني بالهدوء والتحكم في أعصابي- إن الله سُبحانه وتعالى قد مَنَّ عليّ بثلاثة أطفالٍ، وكأن الله سُبحانه وتعالى قد أراد لي أن أُنجب خلفة العُمر كُلها دفعةً واحدةً رحمةً منه بي لكِبَر سني، واستطرد طبيبي يقول لي إنه كان يعلم مُنذ فترةٍ بأنني حاملٌ في توأمٍ لكنه لم يشأ أن يُبلغني بذلك لكيلا تتوتر أعصابي خلال شهور الحَمل ويزداد خوفي. ولم أسمع بقية كلامه فلقد انفجرتُ في حالةٍ هستيريةٍ من الضحك والبُكاء وترديد عبارات الحمد والشُكر لله، وتذكرتُ سيدة الحرم الشريف والآية الكريمة: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، وهتفتُ إن الحمد لله الذي أرضاني وأسبغ عليّ أكثر مما حلمتُ به من نِعمه. أما زوجي الذي كان يزعم لي أنه لا يتحمل صخب الأطفال وعناءهم لكي يُهوِّن عليّ همي؛ فقد كاد يفقد رُشده حين رأى أطفاله الثلاثة، وراح يُردد كلمات الحمد والشُكر لذي الجلال والإكرام حتى خشيتُ عليه من شدة الانفعال، وأصبح من هذه اللحظة لا يطيق أن يغيب نظره عنهم، إنه بالفعل، وبفضل الله وحده (اليُسر مع العُسر).

 

أحبتي في الله.. كتبت هذه المرأة في ختام ما نشرته: "أكتب هذا من أحد الشواطئ، حيث نقضي إجازةً سعيدةً أنا وزوجي وأطفالي، وأُوجه رسالتي هذه إلى كُل فتاةٍ تأخر بها سن الزواج، أو سيدةٍ تأخر عنها الإنجاب، وأطالبهن بألا يقنطن من رحمة الله، وألا يقطعن الرجاء في الخالق العظيم، وألا يمللن سؤاله والدُعاء إليه أن يُحقق لهُن آمالهن في الحياة”.

 

وعن (اليُسر مع العُسر) يقول الله سُبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ويقول تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وعن هذه الآية قال المفسرون إنّ العُسر لا يأتي إلّا ومعه اليُسر، وإنّه لن يغلب عُسرٌ يُسرين؛ وهذا لأنّ كلمة العُسر وردت في الآيتين مُعرّفةً بأل التعريف فيكون هذا العُسر واحداً وليس مُتعدداً، أمّا اليُسر فقد ورد بصيغة التنكير، وهذا يقتضي اختلاف هذا اليُسر في كُلّ مرةٍ. وتعريف العُسر بأل التعريف يُفيد الاستغراق والعموم؛ دلالةً على أنّه مهما كان هذا العُسر شديداً وصعباً فإنّ اليُسر ملازمٌ له. إنّ وجه تنكير كلمة اليُسر ليس المُغايرة، وإنّما تعظيم هذا اليُسر الذي سيأتي من الله تعالى بعد العُسر بزمنٍ قليلٍ، والتكرار يُفيد التوكيد وتعظيم الرجاء وحُسن الظن بالله، كما يُفيد المُغايرة؛ فيكون هذا أبعث للأمل والصبر في النفس. وقد أفاد قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرَاً﴾ بيان مدى مُصاحبة اليُسر للعُسر واقترانه به، وفي ذلك بشارةٌ عظيمةٌ في مُصاحبة اليُسر للعُسر، وأن الفرج يأتي مع الكرب.

 

وعن (اليُسر مع العُسر) يقول أهل العِلم إن الشدائد التي قد تبدو للنفس مُؤلمةً، هي في حقيقتها رحمةٌ ورفعةٌ في الدرجات، فرُب بلاءٍ ظنه العبد شرّاً، فإذا فيه الخير كله، قال صلى الله عليه وسلم: [ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه]. وقال صلى الله عليه وسلم: [ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسِهِ وولدِهِ ومالِهِ حتَّى يَلقى اللَّهَ وما عليْهِ خطيئةٌ]. والبلاء ـ مع ما فيه من أجرٍ وثوابٍ عظيمٍ ـ يُعيد القلب والعبد إلى ربه خاشعاً مُنكسراً، يعترف بفقره وضعفه وحاجته، فيتطهّر قلبه من التعلّق بالمخلوقين، ويتوجّه صادقاً إلى رب العالمين، فتتجلّى فيه معاني التوحيد وصدق الإيمان؛ فالشدائد، رغم مرارتها، هي جسرٌ يعبر به العبد إلى رضوان الله، بصبره على البلاء، ورضاه بالقضاء، وإكثاره من الدعاء، ومُسارعته إلى التوبة والرجوع إلى الله؛ فما أرحم الله بعباده، وما أعظم كرمه وفضله عليهم، يبتليهم ليُطهّرهم ويُقرِّبهم إليه، ويجعل في البلاء لُطفاً خفياً قد لا يُدرَك بالعقول.

وعن هذا المعنى -وفي حديثٍ مُرسلٍ- قال النبي صلى الله عليه وسلم: [لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ].

 

وعندما سُئل أحد العارفين: أيهما أفضل للمؤمن: أن يُبتلى أم أن يُمكَّن أي أن يُحقق له الله كل ما يرجوه لنفسه؟ فقال: وهل يكون تمكينٌ إلا بعد ابتلاء؟

 

وعن (اليُسر مع العُسر) يقول الشاعر:

وَكَمْ لِلَّهِ مِنْ لُطْفٍ خَفِيِّ

يَدِقُّ خَفَاهُ عَنْ فَهْمِ الذَّكِيِّ

وكمْ يُسَرٍ أَتَى مِنْ بَعْدِ عُسْرٍ

وَفَرَجِ لَوْعَةِ الْقَلْبِ الشَّدِيِّ

وَكَمْ هَمٍّ تَسَاءَلَ بِهِ صَبَاحًا

فَتَعَقُبَهُ الْمَسَرَّةُ بِالْعَشِيِّ

إِذَا ضَاقَتْ بِكَ الْأَسْبَابُ يَوْمًا

فَثِقْ بِالْوَاحِدِ الْأَحَدِ الْعَلِيِّ

أحبتي.. كلٌ منا يمر بلحظات الضيق والشدة والابتلاء في حياته، فلنصبر على البلاء، ونكُون راضين بقضاء الله؛ فإن الفرج قريبٌ لا محالة، وإن (اليُسر مع العُسر). إذا حلَّت بنا المصائب والشدائد، وعصفت بنا الصعاب والمُلمات، فلا نيأس؛ فإن الصبر والتقوى من مفاتيح الفرج، وسيُفرِّج الله همومنا، ويُبدِّل ضيقنا، ويجعل لنا من كُل ضيقٍ مخرجاً؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾؛ فلنثِق بالله، ونرفع أيادينا إليه وندعوه فيستجيب لنا برحمته؛ فهو سُبحانه يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، ويقول تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فلنكُن من الراضين بقضاء الله، والصابرين، ولنُكثِر من الدُعاء لله، فإنه لا يُخيِّب مَنْ رجاه، ولا يرد مَنْ لجأ إليه ودعاه.

اللهم إنْ كتبتَ علينا العُسر فاجعله مما نستطيع تحمله، واجعلنا وقت ذاك من الصابرين، واكتب لنا مع كُل عُسرٍ يُسراً سريعاً قريباً، واجعلنا وقت ذاك من الشاكرين.

 

https://bit.ly/4d49yWo

ليست هناك تعليقات: