الجمعة، 13 مارس 2026

خيرٌ من ألف شهر

 

خاطرة الجمعة /542

الجمعة 13 مارس 2026م

(خيرٌ من ألف شهر)

 

كتب يقول: كان شهر رمضان يمرُّ ثقيلاً على جسدي المُتعب، فبينما يتقرب الناس إلى الله بالصيام، كنتُ أنا أُصارع الفشل الذي استوطن كليتي وأستعد لعملية نقل كلية لي. ورغم مُعارضة جميع العاملين بالمُستشفى ركبتُ عنادي قبل أن أركب سيارتي، وأصررتُ أن أرى ذلك الشاب الذي وافق على بيع قطعةٍ من جسده لي. كنتُ أُريد أن ألمس وجه المُنقذ الذي سأشتري منه حياتي بثمنٍ بخسٍ مهما بلغت آلافه.

أخذتُ اسم المُتبرع وعنوان سكنه من إدارة المُستشفى، وبدأتُ مشوار البحث عن سكنه بعد صلاة العصر؛ توغلتُ في أعماق قاع المدينة، حيث تزداد الأزقة ضيقاً، كأنها تختنق من وطأة الفقر، لأصل إلى حيث يسكن، أوقفتُ سيارتي على رأس زقاقٍ تقف على ناصيته بائعة مشروباتٍ رمضانيةٍ، نزلتُ من السيارة لأسأل عن ذلك الشاب، خطر لي أن أسأل عنه تلك المرأة بائعة المشروبات لعلها تعرفه، كانت امرأةٌ سمراء، يبدو في عينيها انكسارٌ عجيبٌ، حين سألتها عن اسم الشاب المُتبرع، ارتجفت وقالت بمرارةٍ: "إنه زوجي! أهذا أنت الرجل الذي جاء ليأخذ منه كليته؟"، قلتُ لها: "نعم، لا أريد سوى مُقابلته والتعرف عليه وشكره لشهامته"، اشتريتُ منها كل ما كانت تعرضه للبيع؛ لأكفيها مؤونة السعي في ذلك اليوم الرمضاني، وضعتُ ما اشتريته في السيارة، وعُدتُ إليها وقلتُ لها: "خذيني إلى زوجك"؛ قادتني إلى زُقاقٍ آخر قديمٍ تملؤه رائحة الرطوبة، وهناك كانت الصدمة!

لم يكن المُتبرع شاباً كما تصورتُ بل كان رجلاً مشلولاً استقبلني وهو يستند على عُكازين! جلستُ معه في فِناء منزله المُتواضع، ونظرتُ إلى عظام ترقوته البارزة من جلبابه المُهلهل، سألتُه بذهولٍ: "لماذا يا أخي تبيع كليتك وأنت في هذه الحالة؟"، رفع بصره إلى السماء وقال بدموعٍ محبوسةٍ: "يا سيدي، كنتُ أعمل حارساً في مصنعٍ تم بيعه؛ فقرر المالك الجديد أنني عالةٌ فاستغنى عني، طرقتُ أبواب الرزق كلها فلم يُفتح لي إلا باب جسدي، أبيع جُزءاً منه لأُطعم أطفالي في هذه الأيام المُباركة، ويعلم الله أنني ما أردتُ بيع أمانته إلا اضطراراً". حانت لحظة أذان المغرب، فجلسنا نُفطر معاً، شعرتُ حينها أن طعامه البسيط فيه بركةٌ لم أذقها في أفخر المطاعم، صلينا المغرب ثم شربنا الشاي، ثم ذهبنا معاً لصلاة التراويح في مُصلّى الحي الصغير، كانت الصفوف مُتراصةً بالمُصلى، والقلوب خاشعةٌ، والمصلون يرفعون أكف الضراعة بافتقارٍ حقيقيٍ إلى الله. صدح الإمام بصوته الرخيم يُذكرنا بأننا في العشر الأواخر من شهر رمضان الفضيل، وأن علينا تحري ليلة القَدْر التي هي (خيرٌ من ألف شهر)، وذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: [أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ يدْخِلُهُ على مسلمٍ، أوْ يكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً]. في تلك اللحظة، شعرتُ بنورٍ يغسل قلبي، وكأن غشاوةً سقطت عن عيني؛ أدركتُ أن الشفاء ليس في كليةٍ أنتزعها من جسدٍ مُنهكٍ، بل في سرورٍ أُنزله على قلبٍ مكسورٍ. عُدنا إلى بيت المُتبرع، فأخرجتُ دفتر الشيكات وحررتُ له شيكاً بثلاثين ألف جُنيه، وأعطيته إياه، وقلتُ له بقلبٍ يملأه اليقين: "يا صاحبي، كليتك لك.. وهذا المال لك ولأهلك صدقةً لوجه الله. لعلها ليلة القَدْر، ولعل الله يتقبل مني هذا السرور الذي أدخلته عليك"، ارتمى الرجل على قدمي يبكي، وتعالت صرخات زوجته بالدُعاء لي بالشفاء والستر. خرجتُ من عندهم وأنا أشعر بخفةٍ عجيبةٍ، وكأن الجبال التي كانت على صدري قد تلاشت. خرجتُ وأنا أبتسم لكل من أُقابله، شاعراً بأن رضا الله يُحيط بي من كل جانبٍ. في اليوم التالي ذهبتُ إلى المستشفى وأبلغتُ الطبيب بما بدر مني مع المُتبرع، وقمتُ بإجراء الفُحوصات الروتينية؛ عاد الطبيب ووجهه يُشع بِشراً وسُروراً، وقال وهو يُسبِّح الله: "يا سيدي، لا أجد تفسيراً طبياً لما حدث! نتائجك تؤكد أن كليتك سليمةٌ تماماً، وكأنها لم تمرض قط! وهذا معناه أنك لستَ في حاجةٍ للبحث عن مُتبرعٍ آخر؛ لأنك لستَ في حاجةٍ أصلاً لإجراء عملية زرع كلية!". سجدتُ لله شُكراً، وأيقنتُ حينها أن السبب في ذلك هو أنني قد اشتريتُ بمالي سُرور مُسلمٍ، عوضاً عن شراء كليته، فكان الجزاء من جنس العمل؛ شفاءٌ مُعجزٌ في ليلةٍ هي حقاً (خيرٌ من ألف شهر).

 

أحبتي في الله.. يقول العُلماء إن رمضان شهر التنافس في الخيرات والتزود من الطاعات، وفيه تُعظَّم الأجور وتُرفع الدرجات، والصدقة من أهم العبادات التي ينبغي على المُسلم أن يكون له منها نصيبٌ في هذا الشهر، وهي في رمضان أفضل منها في غيره؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام [أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجوَدُ ما يَكونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ]، وإكثار النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة في هذا الشهر دليلٌ واضحٌ على أنها فيه أفضل منها في غيره. والصدقة في رمضان ليست مُجرد مُساعدةٍ للمُحتاجين بل وسيلةٌ لتزكية النفس وتطهير المال؛ يقول تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾. وللصدقة ثوابٌ عظيمٌ ومنافع للعباد في دُنياهم وأُخراهم؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [صَدَقةُ السِّرِّ تُطفِئُ غضبَ الرَّبِّ]، ويقول عليه الصلاة والسلام: [الصَّدَقةُ تطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النَّارَ]، ويقول كذلك: [قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: يا ابْنَ آدَمَ أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ]، ويقول أيضاً: [ما نقصَ مالُ عبدٍ من صدقةٍ]. ويتميز أجر الصدقة في رمضان بأنه مُضاعفٌ مُقارنةً بالأوقات الأُخرى؛ لأن الشهر الكريم يُعدّ فرصةً عظيمةً للتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة؛ وقد جاء في الحديث الشريف: [قالَ اللَّهُ: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به"].

وجاء أيضاً [كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَجْتَهِدُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ، ما لا يَجْتَهِدُ في غيرِهِ]، ومن ذلك أنه كان يعتكف فيها ويتحرى خلالها ليلة القَدْر التي هي (خيرٌ من ألف شهر)، و[كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيَا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أهْلَهُ]، "شَدَّ مِئْزَرَهُ" كنايةٌ عن الاستعداد للعبادة والاجتهاد فيها زيادةً عن المُعتاد، وقيل هو كنايةٌ عن اعتزال النساء وترك الجماع. و"أَحْيَا لَيْلَهُ" أي استغرقه بالسهر في صلاة القيام والتهجد وغيرها. وكان إيقاظه صلى الله عليه وسلم لأهله في العشر الأواخر من رمضان أبرز منه في سائر السنة، ويدل ذلك على اهتمامه بطاعة ربه، واغتنامه الأزمنة الفاضلة.

ومن فضائل هذه العشر ومزاياها أن فيها ليلة القَدْر التي هي (خيرٌ من ألف شهر)، والتي يقول الله تعالى عنها: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ . فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ يقول المفسرون إن الله عزَّ وجلَّ أنزل القُرآن الكريم في ليلة القَدْر التي وصفها رب العالمين بأنها مُباركةٌ؛ يقول سُبحانه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أي تُقدَّر في تلك الليلة مقادير الخلائق على مدى العام، وكل ما أراده الله تعالى في تلك السنة. ومعنى ﴿القَدْر﴾ التعظيم، أي أنها ليلةٌ ذات قَدْرٍ؛ لهذه الخصائص التي اُختصت بها، أو أن الذي يُحييها يصير ذا قَدْرٍ. وقيل: القَدْر التضييق، ومعنى التضييق فيها: إخفاؤها عن العِلم بتعيينها، وقيل لأن الأرض تضيق بالملائكة لكثرتهم في تلك الليلة. وسُميت بذلك لعِظم قَدْرها وجلالة مكانتها عند الله ولكثرة مغفرة الذُنوب وستر العُيوب فيها؛ فهي ليلة المغفرة؛ قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: [مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ].

 

أحبتي.. يقول سُبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فينبغي على المُسلم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن فيه الأُسوة الحسنة، في الجِدّ والاجتهاد في العبادة، والكرم في الإنفاق، ومُساعدة المُحتاجين. كما أن علينا ألا نُضيِّع ساعات هذه الأيام والليالي من شهر رمضان المبارك، وأن نُضاعف من النوافل وأعمال الخير وإخراج الصدقات، في العشر الأواخر من الشهر الفضيل، عسى أن توافق أعمالنا ليلة القَدْر التي هي (خيرٌ من ألف شهر) فنكون من الفائزين المُفلحين. إن المرء لا يدري لعله لا يُدرك هذه الأوقات الطيبة مرةً أخرى.

اللهم بلِّغنا ليلة القَدْر واجعلنا فيها من المقبولين، واشملنا برحمتك ومغفرتك وأعتقنا من النار، واجعلنا اللهم ممن رضيتَ عنهم واستجبتَ دعاءهم وكتبتَ لهم الجنة.

https://bit.ly/40wbuA5

ليست هناك تعليقات: