الجمعة، 6 مارس 2026

لذة الإيمان

 

خاطرة الجمعة /541

الجمعة 6 مارس 2026م

(لذة الإيمان)

 

ومن قصص رمضان كتب أحد الشيوخ الأفاضل يقول:

قبل مُدةٍ سألتُ أحد طُلابي: "كم مرَّ بِكَ مُنذ بكيتَ بين يديّ الله؟"، فكان جوابه بعد تذكُّر: "قُرابة سنةٍ؛ وبالضبط: من رمضان الماضي!"، لم يتحسّر، لم يندم، لم يتأوّه، والأمور طبيعيةٌ!

هذه بلا شك عقوبةٌ شديدةٌ أن يُحرَم مثل هذا الشخص (لذة الإيمان)، وما ذاك إلا لأن الران غطّى على قلبه لكثرة الذُنوب، فأصبح ينشط إلى السيئات ويتكاسل عن الطاعات، ولو أدّاها يوماً فلا يجد لها طعماً، ولا يرى لها أثراً؛ وبينما الله سُبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنهى عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنكَرِ﴾ نجد مثل هذا الشخص يُصلي لكنه يسب، يغتاب، يلعن، يكذب، بل وقد يرتكب الكبائر رغم أنه يُصلّي! ورُبما يتمنى البُكاء بين يديّ الله خالياً ليفوز بحديث السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: [ورجلٌ ذَكرَ اللَّهَ خاليًا ففاضت عيناهُ]، وحديث: [عَينانِ لا تمَسَّهما النَّارُ: عينٌ بكت من خشيةِ اللهِ، وعينٌ باتت تحرسُ في سبيل اللهِ] لكنه يرى صعوبةً بالغةً في ذلك، والسبب هو الحرمان الإلهي؛ بسبب معاصيه وذُنوبه، خاصةً ما ستر منها عن أعين الخلق وبارز بها الملك الحق عزَّ وجلَّ.

قال أحد التابعين: "لقد حُرمتُ قيام الليل ستة أشهرٍ لذنبٍ أذنبته!"، هذا ذنبٌ واحدٌ من أحد الصالحين، فما نقول نحن؟ وكم سنواتٍ نتخبّط في ظُلمات ذُنوبنا وما أفقنا بعد؟ ولم نفطن بعد إلى سبب نومنا الطويل، بل غيبوبتنا الشديدة عن الله والدار الآخرة! بل وللأسف لعلنا لم نتحسّر يوماً على تفريطنا، وبُعدنا عن جنب الله، وعن تلك الطاعات العظيمة؛ فتمر الطاعة تلو الطاعة ولا حسرة ولا ندم! فقيام الليل، والتهجد، وإحياء ليلة القدر، تمر دون وعيٍ وتفكيرٍ وعِظةٍ!

 

أحبتي في الله.. إنه افتقاد (لذة الإيمان) التي وَرَدَ عن معناها في الأثر أن رجلاً من بني إسرائيل قال: "يا رب، كم أعصيك وأنت لا تُعاقبني؟"، فأوحى الله إلى نبي زمانهم أن قُل له: "كم من عُقوبةٍ لي عليك وأنت لا تشعر؛ إن جمود عينيك وقساوة قلبك استدراجٌ مني وعُقوبةٌ لو عقلتَ".

 

يقول العُلماء إن (لذة الإيمان) الحقيقية هي في عبادة الرحمن، والسعي لنيل رضاه، وأن تكون الحياة كُلها له سُبحانه؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ؛ ويقول كذلك: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾؛ فما أعظم أن يكون العبد الضعيف مُرتبطاً بالله القوي! وأن يكون العبد العاجز مُرتبطاً بالله الذي لا مُنتهى لكماله! وأن يخضع العبد الفقير للرب الغني القاهر!

إنَّ أية لذةٍ يجدها العبد في غير طاعة الله وعبادته، هي لذةٌ تنقلب آلاماً وعذاباً في الدُنيا قبل الآخرة؛ إذ أن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته، ولم يجعل الله معصيته سبباً إلى خيرٍ قط، واللذَّة في غير طاعة الله أجلبُ شيءٍ للهموم والغموم عاجلاً وآجلاً؛ ففي لذة ذِكر الله والإقبال عليه والصلاة بالقلب والبدن من المنفعة الشريفة العظيمة غِنىً وعوضٌ للإنسان عن تلك اللذَّة الناقصة القاصرة، المانعة لما هو أكمل منها؛ فكما يُقال: "إن لذةَ المعصية تذهب ويبقى عقابُها، وإنَّ مشقة الطاعة تذهب ويبقى ثوابُها".

 

يقول أحد العارفين: كثيرٌ من الناس يظن أن الحرمان يكون في نقص الأموال، وفي عدم امتلاك السيارات والشُقق الفاخرة، وغير ذلك من المُتع الدُنيوية، ولكن الأمر ليس كذلك؛ فالمحروم من حُرم لذة مُناجاة ربه عزَّ وجلَّ في جوف الليل، المحروم من حُرم الصلاة على وقتها في المسجد، المحروم من حُرم الاستيقاظ في البرد القارص ليُصلي الفجر، المحروم من حُرم بر الوالدين وطاعتهما، المحروم من حُرم لذة البُكاء من خشية الله، المحروم من حُرم تلاوة القرآن وتدبره، المحروم من حُرم قيام الليل بالصلاة والبُكاء بين يديّ ربه. قد يُذنب العبد ولا يشعر أن الله عاقبه، ولا يُحس أن نعم الله عليه تغيرت، يغيب عنه أن فقدان (لذة الإيمان) ومُناجاة ربه وحلاوة الخشوع له عُقوبةٌ وحرمانٌ، وأن الزُهد في الازدياد من الطاعات عُقوبةٌ وحرمانٌ، وأن إغلاق باب القبول عُقوبةٌ وحرمانٌ، وأن قحط العين وعدم بكائها عُقوبةٌ وحرمانٌ، وأن قسوة القلب وعدم تأثره عند سماع الموعظة عُقوبةٌ وحرمانٌ. إن المحرومين كُثرٌ ولكن لا يشعرون!

ويقول آخر: عندما تذوق (لذة الإيمان) تكون أشواقك وأفراحك بالله، عندما يفرح الناس بالأموال والمناصب، عندما يفرحون بالقصور والدور، تفرح أنت بسجدةٍ خاشعةٍ في ليلةٍ ساكنةٍ، وتفرح بدمعةٍ ساخنةٍ في وقت سحرٍ تُناجي فيها ربك، وتسكب دمعك، وتتذلل بين يديّ خالقك.. سُبحان الله! ما هذا الشوق الذي يستولي على القلب عندما يذوق (لذة الإيمان) وحلاوة العبادة؟! عندما تذوق طعم العبادة ترى الله في كل شيءٍ؛ في السراء والضراء، ترى في السراء فضله، وترى في الضراء حكمته.. إنها نعمةٌ لا تُضاهيها نعمةٌ، ولا توازيها مِنّةٌ؛ عندما ينشغل الناس بجمع الأموال والثروات، وينشغل العبد المؤمن بجمع الأعمال الصالحات والحسنات يلتمس أجراً هُنا، ويلتمس حسنةً هناك.

وصدق من قال: مَن رُزق (لذة الإيمان) فهو المرحوم، ومن فقدها فهو المحروم. بالإيمان القوي تتحدى الشدائد مهما عظمت، وتنتصر على الخُطوب مهما كبرت، وتتفوق على الأعداء مهما كثرت!! والذي يملك الإيمان تجده يملك الدنيا ولا تملكه، تحيط به النعمة ولا تبطره، تحاصره النوازل ولا تقهره، يخرج من ضيقه وشدائده أكثر إيماناً وأعظم صُموداً وأوسع صدراً، كالذهب الأصيل إذا وُضع في النار فإنه يخرج منها أعظم بريقاً وأكثر لمعاناً!

 

قال سلف الأمة عندما تذَوَّقوا (لذة الإيمان): "واللهِ إنّا لفي لذةٍ لو علمها المُلوك وأبناء المُلوك لجالدونا عليها بالسيوف". وقالوا: "إن في الدُنيا جنةً من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"؛ إنها جنة الأُنس بالله، جنة التلذذ بعبادته، فهل دخلتَ هذه الجنة؟ هل وجدتَ هذه اللذة؟ هل أحسستَ يوماً بأن سجدةً واحدةً بين يديّ الله خيرٌ من الدُنيا وما فيها؟ هل أحسستَ يوماً إحساساً صادقاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليك من نفسك ومن أهلك ومن كل شيءٍ حولك؟! إذا كنتَ قد دخلتَ هذه الجنة فيا سعدك!

ومتى شعرتَ أنك لا تجد تلك الجنة في قلبك فلتُراجع نفسك لتعرف أسباب ذلك، إن لم تدخل تلك الجنة فابحث عنها وبادِر قبل أن تُغادر، إذا لم تجد للعمل والعبادة لذةً وحلاوةً في قلبك وانشراحاً، فاتَّهِمْهُ؛ فإن الله سُبحانه وتعالى يُثيب العبد على عمله في الدنيا، بحلاوةٍ يجدها في قلبه، وقُوة انشراحٍ وقُرَّة عينٍ، فحيث لم يجد ذلك فعليه أن يُجاهد نفسه في التوبة من الذُنوب، ويُكثر من الاستغفار، سائلاً الله عزَّ وجلَّ الإعانة والتوفيق؛ يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، وعليه بإقامة الفرائض ظاهراً وباطناً، ولزوم الصراط المُستقيم مُستعيناً بالله، مُتبرئاً من الحول والقوة إلا به، وإن من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن يُنزل بهم الشدة والضُر، ما يُلجئهم إلى توحيده، فيدعونه مُخلصين له الدِين، ويرجونه ولا يرجون أحداً سواه، وتتعلق قُلوبهم به لا بغيره؛ فيحصل لهم من التوكل عليه، والإنابة إليه، و(لذة الإيمان) وذَوْق طعمه، ما هو أعظم نعمةً عليهم من حصول اليُسر وزوال العُسر في المعيشة؛ يقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

 

و(لذة الإيمان) لها أسبابٌ تحصل بها؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: أنْ يَكونَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا سِوَاهُمَا، وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ، وأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ كما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ]. ويقول عليه الصلاة والسلام: [ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ باللَّهِ رَبًّا، وبالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسولًا].

ومن أسباب تحصيل (لذة الإيمان) والوصول إليها؛ محبة الله ورسوله وتقديم حُبهما على حُب الدُنيا، الإخلاص في العبادة وإتمامها دون رياءٍ أو تظاهر، الرضا بقضاء الله، الصبر على الابتلاءات، الإكثار من النوافل، البُعد عن المعاصي، قراءة القرآن، التوبة والاستغفار باستمرار، الزيادة في أعمال الخير، والإكثار من ذِكر الله.

 

أحبتي.. كتب أحد الصالحين واعظاً: ما أحرانا وما أحوجنا -خاصةً في هذه الأيام والليالي الفاضلة في شهر رمضان المُبارك- إلى تفقُّد قُلوبنا، والبحث عن (لذة الإيمان) فيها، ولنُسائل أنفسنا: لِمَ يخشع غيرنا، ولا نخشع؟ لِمَ يجد غيرنا لذَّةً في صلاته وصومه ونُسكه، ولا نجد مثلها؟ لِمَ لا تُشرق وجوهنا بأنوار البِشر والطاعة؟ لِمَ لا نُحسُّ السكينة والراحة في أنفسنا؟ هل نحن مُعاقبون بمثل تلك العُقوبة الخفيَّة؛ بالحرمان من لذَّة المُناجاة وحلاوة الطاعة؟ فمتى نفيق؟ ألا تستحثنا عجَلة هذه الأيام الفاضلة وسُرعة انقضائها مُقارنةً بغيرها؟ إنَّ المَخرج من هذا كله هو الذِّكر والاستغفار والتوبة، والدُعاء في مواطنه، والإلحاح به، وصِدق اللجوء إلى الله، ومُحاسبة النَّفس، ومحو السيئات بإتباعها الحسنات، وصدقةُ السرِّ، ومسحُ رأس اليتيم، وفضائل العبادات، والتذلُّل بين يديه سُبحانه، وتذكُّر ما سلف من تقصيرنا والندم والتحسر عليه، والخوف من مآله، ولومُ النَّفس، وتجنُّب تزكيتها، وحُسن الظن به عزَّ وجلَّ، ومُصاحبة الأخيار؛ فهُم القوم لا يَشقى بهم جليسهم، والمرء مع مَن أحبَّ.

اللهم اجعلنا من المرحومين، ولا تجعلنا من المحرومين، اللهم اجعلنا ممن يُقيم حُدودك، ولا تجعلنا ممن يُضيّعها، وارزقنا (لذة الإيمان) ولا تحرمنا منها؛ إنك سُبحانك وليّ ذلك والقادر عليه.

 

https://bit.ly/3OQBzY0

 

ليست هناك تعليقات: