الجمعة، 2 يناير 2026

دُعاء المُضطر

 خاطرة الجمعة /532

الجمعة 2 يناير 2026م

(دُعاء المُضطر)

 

في ممر إحدى المُستشفيات الحكومية المُزدحمة، جلس الرجل مُطأطأ الرأس، يفرك يديه بتوترٍ شديدٍ، بجانبه حقيبةٌ بلاستيكيةٌ فيها أوراقٌ طبيةٌ وأشعةٌ، وابنه الصغير يجلس إلى جواره بصمتٍ، يُراقب ملامح وجه والده المُنكسرة. كانت زوجة الرجل في الداخل تحتاج إلى دُعامةٍ قلبيةٍ عاجلةٍ، وتكلفة المُستلزمات التي لا يُغطيها التأمين تتجاوز قُدرة الرجل المادية بكثيرٍ؛ فقام وأجرى مُكالمةً هاتفيةً بعيداً عن ابنه، لكن صوته كان مسموعاً بوضوحٍ وسط هدوء الممر: "يا أخي واللهِ لولا الضرورة ما طلبتك.. المبلغ كبيرٌ وأنا سأكتب لك وصل أمانةٍ.. زوجتي تموت.. فهمتُ.. فهمتُ.. جزاك الله خيراً، عذرك معك". أغلق الهاتف والدموع محبوسةٌ في عينيه. كانت هذه المكالمة هي الخامسة، والرد واحدٌ: "الظُروف صعبةٌ". عاد الرجل وجلس بجوار ابنه، ووضع رأسه بين كفيه وتمتم بكلماتٍ خرجت من قاع قلبه بصدقٍ، لقد كانت (دُعاء المُضطر)؛ قال: "يا رب.. أُغلِقَت كل الأبواب، وما عاد لي وجهٌ أطلب من أحدٍ.. دبِّرها من عندك يا رب.. أنا عاجزٌ وأنت القدير".

كان ابنه يسمع ويرى، لم يفهم تفاصيل المال المطلوب، لكنه فهم أن والده طلب من الناس مالاً فخذلوه، ثم طلب من الله وهو يبكي. قام الابن بهدوءٍ، وقال لأبيه: "أبي، سأذهب لأشرب الماء"، أومأ الأب برأسه بالموافقة دون أن ينظر إليه، ذهب الابن إلى آخر الممر حيث توجد ماكينة القهوة والمشروبات، ووقف هناك حائراً، لم يكن يُريد الماء، أخرج من جيبه مبلغاً بسيطاً عبارة عن عملاتٍ ورقيةٍ قليلة القيمة وبعض العملات المعدنية، كان يجمعها منذ شهور. وقف في زاوية الممر، ورفع يده الصغيرة بالنقود نحو سقف المُستشفى، وقال ببراءة طفلٍ ويقين رجلٍ: "يا رب.. اتصل أبي بأصحابه يطلب مالاً لعلاج أُمي ولم يُعطه أحد.. أنا معي هذه النقود، خُذها كلها واشفِ أُمي، ولا تكسر خاطر أبي.. إنه يُحبك ويُصلي لك دائماً".

كان يقف بالقُرب من الماكينة رجلٌ خمسينيٌ، يرتدي بدلةً بسيطةً، بيده كوب قهوةٍ، ينتظر خروج نتائج تحاليل زوجته من الغُرفة المُجاورة، لفت انتباهه منظر الطفل وهو يرفع المال إلى السقف ويُتمتم؛ فاقترب منه ببطءٍ وانحنى لمُستواه وسأله بهدوءٍ: "ماذا تفعل يا حبيبي؟"، خاف الطفل قليلاً ثم قال: "أنا أتفق مع الله.. أبي ليس معه مالٌ لعلاج أُمي، وأنا معي.. أُريد أن أُعطي ما معي من مالٍ لله ليُساعدنا"، تسمَّر الرجل في مكانه، هزته كلمات الطفل، لم تكن مُجرد كلماتٍ، كانت رسالةً مُوجهةً إلى قلبه مُباشرةً. سأل الرجل الطفل: "وأين والدك؟"، أشار الطفل بيده: "هذا هو، هناك.. هو الذي يضع يديه على وجهه". طلب الرجل من الطفل أن ينتظره دقيقةً، وذهب تجاه مكتب الحسابات وسأل الموظف بصوتٍ خافتٍ عن حالة المريضة التي يجلس زوجها هناك. عرف قيمة المبلغ المطلوب، وعرف أن العملية مُتوقفةٌ على الدفع الفوري؛ فأخرج بطاقته البنكية دون ترددٍ، وسدَّد المبلغ كاملاً، وطلب من الموظف طلباً واحداً صارماً:

"لا تذكر اسمي أبداً.. قُل له فاعل خيرٍ وانتهى الأمر، وهذه الفاتورة أعطها له ليصرف الدواء"، ثم عاد إلى الطفل الذي كان لا يزال واقفاً ينتظر استلام الله للمال! جثا الرجل على ركبتيه أمام الطفل، والدموع تلمع في عينيه، وقال له مُبتسماً: "يا بُني.. الله قد قبل عرضك، وقبل دعوتك فوراً وسخَّرني لك.. اِحتفظ بمالك لتشتري هديةً لأُمك عندما تخرج بالسلامة.. اتفقنا؟"، عاد الابن يركض لأبيه، لا تسعه الفرحة: "أبي.. أبي.. الله وافق! الله دفع المال!"، لم يفهم الأب شيئاً حتى نادى عليه موظف الحسابات وسلَّمه إيصال السداد وتصريح دخول غُرفة العمليات، ذُهل الأب وسأل: "مَن دفع؟ متى؟ وكيف؟"، قال الموظف: "فاعل خيرٍ.. ادعُ له"، التفت الأب حوله يبحث عن هذا الشخص، فلم يجد إلا وجوه الغُرباء، نظر لابنه، وتذكر دُعاءه الصادق (دُعاء المُضطر)؛ فاحتضن ابنه وبكى، ليس بُكاء الحُزن، بل بُكاء من استشعر معية الله؛ إذ أدرك حينها أن اتصالاً واحداً برب السماء بقلبٍ صادقٍ أسرع وأوثق من ألف اتصالٍ بعباده في الأرض.

 

أحبتي في الله.. لنتأمل القصة؛ الله سُبحانه وتعالى لا يُنزِّل مالاً من السماء، وإنما يُسخِّر عباده لعباده. الرجل الذي دفع المال كان موجوداً في نفس المكان والزمان لسببٍ، وكان السبب هو (دُعاء المُضطر) الذي دعاه الأب، كما كان السبب في دُعاء الطفل ببراءةٍ وإخلاصٍ ويقينٍ، واليقين لا يحتاج لغةً فُصحى؛ فدعوة الطفل كانت بكلماتٍ بسيطةٍ، لكنها خرجت من قلبٍ موقنٍ بأن الله موجودٌ يسمع ويرى.

 

وهذه قصةٌ أُخرى قال راويها: سألني صديقي الصدوق يوماً: "ماذا تفعل إن فقدتَ قواك؛ فلا تستطيع القيام من مكانك، ولا تقدر على الحركة، وأردتَ أن تعود إلى بيتك، وبينك وبينه مسافة 700 كيلومتر؟"، قُلتُ على الفور: "ُأفوض أمري إلى الله، إن الله على كل شيءٍ قدير"، قال: "أحسنتَ، هذا هو ما فعلتُه بالفعل"، قلتُ له: "فصِّل لي القول"، قال: كنتُ منذ قُرابة ثلاثة عقودٍ تقريباً في رحلةٍ ضمن مُعسكرات الشباب الصيفية التي تُنظمها وزارة الشباب لطلاب الجامعة بمدينة «العريش»، وفور وصولي أُصبتُ بنزلةٍ معويةٍ، وإسهالٍ مُستمرٍ، فقدتُ على إثره قواي، وأصبحتُ غير قادرٍ على الحركة، ولما ساءت حالتي وخشيتُ على نفسي، طلبتُ من المسؤولين إرجاعي إلى بلدي، فقال لي مدير المعسكر مُستغرباً: "كيف ذلك وحالتك كما ترى، وبينك وبين بيتك 700 كيلومتر، تركب خلالها العديد من وسائل المواصلات؟ ومن ذا الذي يذهب معك؟". عندها رفعتُ وجهي إلى السماء، ودعوتُ (دُعاء المُضطر) فقلتُ: "ربِ إنك قلتَ وقولك الحق: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ فأدعوك يا إلهي أن تُشفيني، وأن أرجع لبيتي سالماً". ما هي إلا دقائق إلا ويأتي من يقول لي: "يا أُستاذ، جهِّز نفسك، يوجد فوجٌ عائدٌ إلى «القاهرة» بعد الظُهر"، فقلتُ في نفسي: "الحمد لله، دبَّر لي السفر نصف المسافة على الأقل دون تعبٍ". ركبتُ مع طلاب جامعة «القاهرة»، وكان من تسهيل ربي أنَّ من بينهم طلاباً من فرع الجامعة في «بني سويف» وستقوم حافلةٌ أُخرى بإيصالهم إلى مدينتهم، فطلبتُ من السائق أن أنزل في «بني سويف» بدلاً من «القاهرة»، وقلتُ في نفسي: "الحمد لله.. لقد أصبح الأمر سهلاً؛ باقي 250 كيلومتر"، وكان السائق خلوقاً؛ فرحَّب بالأمر. وفي لحظة نزولي من الحافلة في مدينة «بني سويف»، إذا بالسائق يقول للطلاب: "لقد طلبت مني الشركة الذهاب إلى مدينة «الأقصر»"، فضحكتُ باكياً من فَرَجِ الله وقلتُ للسائق: "أُريد أن أنزل في الطريق"، فرَّحب الرجل مشكوراً، ونزلت من الحافلة بيني وبين بيتي خطواتٌ ودقائق معدودةٌ، وأردتُ أن أُعطي السائق بعض الجُنيهات فقال لي: "لقد سخَّرني الله لك لأصل بك إلى هذا المكان، وما كان من المُخطط أصلاً أن يكون هذا خط سيري، وتُريدني أن آخذ منك مالاً؟". وما إن وصلتُ إلى البيت، ورأيتُ أُمي -رحمها الله- تحسنت حالتي النفسية، وبدأتُ في التحسن والتعافي؛ فسبحان من ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾.

 

يقول المفسرون أن قوله تعالى: ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ يعني أنه يُجيب المكروب الذي مسَّه الضُر إذا دعاه، ويكشف السوء عنه وعن غيره؛ فمن يُجيب المُضطر الذي أقلقته الكُروب وتعسَّر عليه المطلوب واضُطر للخلاص غير الله وحده؟ ومن يكشف البلاء والشر والنقمة إلا الله وحده؟

يرفع الإنسانُ الذي نزلت به شدةٌ من الشدائد أكف الضراعة إلى الله -تبارك وتعالى- ويدعوه (دُعاء المُضطر) لكي يكشف الضُر عنه؛ فالله وحده هو الذي يُجيب دعوة الداعي المكروب الذي نزلت به المصائب والرزايا والسوء والبلاء. إنه الله وحده الذي يُجيب دعاء من التجأ إليه، وهو وحده -سُبحانه- الذي يكشف السوء عن عباده، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته.

 

ويقول سُبحانه: ﴿إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أي: إذا أصابكم بلاءٌ أو مرضٌ أو فقرٌ فإليه وحده ترفعون أصواتكم بالاستغاثة وتتَضَرَّعون بالدُعاء؛ ليكشف عنكم ما أصابكم، ولا تدعون غيره.

ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ أي: إذا مسَّهم الضُر في البحر فخافوا من الهلاك لتراكم الأمواج ضلَّ عنهم ما كانوا يدعون من دون الله في حال الرخاء من الأحياء والأموات، وكأنهم لم يكونوا يدعونهم في وقتٍ من الأوقات لعلمهم أنهم ضُعفاء عاجزون عن كشف الضُر عنهم؛ فصرخوا بدعوة فاطر الأرض والسماوات الذي تستغيث به في شدائدها جميع المخلوقات، وأخلصوا له الدُعاء والتضرع في هذه الحال.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في (دُعاء المُضطر): [اللَّهُمَّ رحمتَك أرجو فلا تَكِلْني إلى نفسي طَرْفةَ عَينٍ، وأصلِحْ لي شأني كُلَّه، لا إلهَ إلَّا أنت].

 

وقال الشاعر:

وَإني لأدْعو اللهَ وَالأمْرُ ضَيّقٌ

عَلَيَّ فَما يَنْفَكُ أَنْ يَتَفَرَّجا

وَرُبَّ فَتَىً ضاقَتْ عَلَيهِ وُجوهُهُ

أَصابَ لَهُ في دَعْوَةِ اللهِ مَخْرَجًا

 

أحبتي.. أحياناً يُغلق الله في وجوهنا أبواب البَشَر، ليردنا إليه، ليسمع أصواتنا ودعاءنا، وليكون الفرج منه وحده، فلا تكون لغيره علينا مِنّةٌ، وكما قال أحد الصالحين: "لو علم العبد كيف يُدبر الله له أموره، لعلم يقيناً أن الله أرحم به من أُمه وأبيه، ولذاب قلبه محبةً لله".

أحبتي.. الدُعاء كنزٌ عظيمٌ ينبغي علينا ألا نُفرِّط فيه في جميع أحوالنا، ويزداد احتياجنا له في أوقات الشدة؛ فيكون دعاؤنا (دُعاء المُضطر) هو حبل النجاة الذي علينا أن نتمسك به؛ فندعو الله سُبحانه وتعالى وحده، بغير وساطةٍ من أحدٍ، حياً كان أو ميتاً، مهما كانت صفته، فهو أولاً وأخيراً بشرٌ من خلق الله، والطلب منه فيه شُبهة الشِرك بالله عزَّ وجلَّ.

اللهم نسألك أن تُلهمنا الرُشد في أقوالنا وأفعالنا، وأن تستجيب لنا ولدعواتنا؛ وأنت سُبحانك القائل في كتابك الكريم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.

https://bit.ly/3L71oBD

الجمعة، 26 ديسمبر 2025

من أعمال الخير

 

خاطرة الجمعة /531

الجمعة 26 ديسمبر 2025م

(من أعمال الخير)

 

عم «أحمد» تاجر السعادة والكرامة، يُحكى عنه أنه صاحب مخبزٍ صغيرٍ في حيٍ شعبيٍ عريقٍ، قضى فيه ثلاثين عاماً حتى صار خبيراً، ليس فقط في جودة الرغيف، بل وفي قراءة وجوه البشر. يقول عم «أحمد»: "أنا لا أبيع الخبز فحسب، بل أقرأ الحكاية في العيون".

كان يُلاحظ رجلاً مُسِّناً، يبدو عليه الوقار -رغم ثيابه القديمة المُهندمة- يأتي يومياً في تمام الثانية ظُهراً، يقف بعيداً عن الزحام، يرمق الخُبز بنظراتٍ حزينةٍ، ويتحسس جيبه كأنه يعد قُروشاً قليلةً، ثم ينصرف بصمتٍ دون أن يشتري شيئاً، كان وجهه يحكي صراعاً مريراً بين عزة النفس وقرصات الجوع. في يومٍ ما، قرَّر عم «أحمد» أن يضع خُطةً لحفظ كرامة هذا الرجل؛ وحين حضر الرجل ووقف وقفته المعتادة، ناداه عم «أحمد» بصوتٍ جهوريٍ مُبهجٍ:

"مُبارك يا سيدي! أنت الزبون رقم مائة لهذا اليوم!" ارتبك الرجل ونظر خلفه مُتسائلاً: "أنا؟!"، فأجابه عم «أحمد» بسرعةٍ: "نعم، وقواعد المخبز تمنح الزبون رقم مائة ربطتين من الخُبز وكيساً من الفطائر المُحَّلاة مجاناً، سواءً اشترى أم لم يشترِ، تفضل يا حاج ولا تقف في الطابور!". تسلَّم الرجل ربطتي الخُبز وكيس الفطائر ببدنٍ يرتجف، ويدٍ ترتعش، وابتسامةٍ امتزجت بدموعٍ خفيةٍ في عينيه.

منذ ذلك الحين، اعتمد عم «أحمد» فكرة المُسابقات الوهمية كمنهجٍ؛ تارةً بمناسبة ذكرى افتتاح المخبز، وتارةً بدعوى أن العجين قد زاد عن حاجته؛ فبدأ يجذب الأرامل، والعُمال باليومية، والطلاب المُغتربين.

ذات يومٍ، شاهدته أستاذةٌ جامعيةٌ وهو يمنح إحدى هذه الهدايا الوهمية لطالبٍ مُحتاجٍ، ففهمت قصده، ووضعت مبلغاً من المال على الطاولة قائلةً بابتسامةٍ: "يا عم «أحمد»، أُريد المُشاركة في مُسابقة الزبون رقم مائة، اجعل هذا المال عندك لكل من يحتاج ولا يملك ثمن خُبزه". ومن هنا وُلدت فكرة الرغيف المُعلَّق. وضع عم «أحمد» سُبورةً صغيرةً كتب عليها: "يوجد اليوم خمسون رغيفاً مدفوع الثمن لمن يحتاجها، اطلب أمانتك ولا تخجل". انتشرت العدوى الجميلة؛ صار الزبائن يتركون مبالغ إضافيةً للسُبورة، حتى الأطفال والعُمال صاروا يُساهمون بما يفيض عن حاجتهم. تحوَّل المخبز من مكانٍ لبيع الدقيق والماء إلى مصرفٍ للكرامة. أما ذلك الرجل المُسن -الذي اتضح لاحقاً أنه كان مُوجهاً للغة العربية- فقد صار يأتي ليأخذ نصيبه من السُبورة وهو مرفوع الرأس، مُدركاً أنها ليست صدقةً من شخصٍ، بل هديةٌ من مُجتمعٍ مُتكافلٍ يشعر به، وقبل وفاته بشهرٍ، أهدى إلى عم «أحمد» كتاباً نادراً جداً، وكتب عليه بخط يده المُرتعشة: "إلى عم «أحمد».. الذي يخبز الحُب قبل الخُبز، شكراً لأنك لم تتركني أنام جائعاً، والأهم.. أنك لم تتركني أنام مكسوراً". رحل الرجل، وكبر عم «أحمد»، وسلَّم المخبز لأبنائه مع وصيةٍ لا تقبل الجدل: "باب هذا المخبز لا يُغلق في وجه جائعٍ، والسُبورة أهم من خزينة المال".

 

أحبتي في الله.. كثيرةٌ هي قصص الخير؛ فيما يلي بعضٌ منها؛ نشرها أصحابها على مواقع التواصل الاجتماعي، وجميعها (من أعمال الخير) أعرضها عليكم كما هي، بعد إعادة صياغتها بلغةٍ عربيةٍ فُصحى بدلاً من العامية المصرية:

القصة الأولى- "إرث أبي من الخير":

عاش والدي حياته ساعياً في قضاء حوائج الناس؛ لم يكن يتأخر عن قريبٍ أو غريبٍ، بل كان يتبنى مُشكلات الآخرين وكأنها تخص عائلته. هذا الغرس الطيب جنينا ثماره أنا وإخوتي لاحقاً. كان يُبادر بكل شيءٍ؛ من مُساعدة عابر طريقٍ، إلى إيصال المُحتاج بسيارته، وصولاً إلى الإصلاح بين المُتخاصمين. كان بيتنا مفتوحاً دائماً بالترحاب، لا يدخله أحدٌ إلا وينال نصيبه من الغداء أو العشاء. وإذا سُئل أبي المعونة، كان يُعطي بسخاءٍ حتى يكفي السائل، وكان مُحباً للإطعام وناصحاً بالخير. رحل وترك خلفه سيرةً عطرةً (من أعمال الخير) ومحبةً في قلوب الجميع، فاللهم أكرِم نُزله كما أكرمنا.

القصة الثانية- "مأوى المُهجَّرين":

خلال حرب يونيو 1967م، قرَّر والدي تحويل ڤيلتنا في مدينة «طنطا» إلى سكنٍ للمُهجَّرين من أهل «بورسعيد» الباسلة؛ جهَّز الطابق السُفلي بعشر غُرفٍ لاستقبال الرجال والشباب، بينما تقاسمت النساء والأطفال الغُرف معنا في الطوابق العُلوية. كُنا نُقدم لهم الوجبات اليومية كأنهم أفرادٌ من أُسرتنا تماماً. استمر هذا الوضع شهراً، حتى استطاع والدي توفير مساكن مُستأجرةٍ لكل أسرةٍ، وأوجد فرص عملٍ للشباب والرجال، وظل يمدهم بالمُؤن حتى استقلوا مادياً. واليوم، نرى أثر ذلك في حياتنا؛ حيث يجعل الله لنا من كل ضيقٍ مخرجاً.

القصة الثالثة- "أُمي وصناعة المعروف":

كانت أُمي -رحمها الله- تحرص في قريتنا على توزيع الحليب يومياً على العائلات المُحتاجة، وتُضيف إليه أحياناً الأُرز والسُكر، رغم ضيق حالنا. كانت أُمي تجبر الخواطر بصمتٍ؛ تهدي الحمام الذي تقوم بتربيته للعرائس، وتُرسلني بالبيض والفاكهة لعروسٍ يتيمةٍ سراً حتى لا تشعر بالحرج أمام أهل زوجها. ماتت أُمي منذ سنواتٍ، لكن سيرتها الطيبة (من أعمال الخير) لا تزال تفتح لنا الأبواب.

القصة الرابعة- "بَركة الصدقة":

في أحد أيام رمضان، لم يكن معي سوى ثلاثين جُنيهاً. طرقت بابي سيدةٌ مُحتاجةٌ، فترددتُ لحظةً ثم توكلتُ على الله وأعطيتها عشرين جنيهاً، وقررتُ أن أكتفي بوجبةٍ بسيطةٍ لأطفالي. لم تمر ساعاتٌ حتى هاتفتني صديقةٌ مُقربةٌ، وأحضرت لي ثلاث وجباتٍ فاخرةٍ، ولم تكتفِ بذلك، بل وأعطتني مائتي جنيه كهديةٍ لابنتي. وقفتُ عاجزةً عن الكلام من شدة التأثر بفضل الله، ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أخشى الإنفاق أبداً مهما كان ما أملكه ضئيلاً.

القصة الخامسة- "درس الترام":

حين كنتُ طالبةً جامعيةً، أعطيتُ زميلةً لي كل ما أملك من مالٍ ظناً مني أن معي مالٌ غيره في حقيبتي. وحين ركبتُ الترام اكتشفتُ خُلو محفظتي، فغلبني الخجل أمام المُحصل، فإذا بسيدةٍ بسيطةٍ تمد يدها وتدفع لي الأجرة. سألتها: "كيف أرد لكِ المبلغ؟" فقالت: "لا يهم". كان درساً بليغاً في حياتي؛ ومنذ ذلك الحين، أُعاهد نفسي على مُساعدة أي شخصٍ أراه في مأزقٍ، وفاءً لتلك السيدة الطيبة.

القصة السادسة- "زوجي معطاء":

تعلمتُ من زوجي دروساً عظيمةً (من أعمال الخير)؛ كان يصطحبنا إلى الصيدليات أو المتاجر ليُسدد ديون أشخاصٍ لا نعرفهم، ويقول: "هذه أجمل صدقةٍ؛ أن تُفاجئ مكروباً بانقضاء دينه دون أن يعرفك". كما أنه لا يتوانى عن مُساعدة أهله حتى في أوقات ضيقه الشخصي. لذا، يملؤني اليقين بأن الله سيجبر خاطره ويُسعد قلبه دائماً، لأنه لم يخذل أحداً قط.

القصة السابعة- "الصدقة الخفية":

كانت والدتي -رحمها الله- رائدةً في أعمال الخير والإطعام. وبعد رحيلها، اكتشفنا الكثير من أفعالها الخفية؛ فقد كانت تتكفل بعلاج مرضى، وتُساعد في تجهيز الفتيات اليتيمات للزواج. إن الشعور بالفخر الذي يغمرنا عند سماع هذه القصص يُهوِّن علينا فقدها، ونحن نلمس بركة صنيعها في كل تفاصيل حياتنا الآن.

القصة الثامنة- "القطة والشفاء":

مرَّت ابنتي بوعكةٍ صحيةٍ شديدةٍ عجز الأطباء عن تشخيصها لخمسة أيام. وبينما كنتُ أُغادر إحدى العيادات بقلبٍ مكسورٍ، شاهدتُ قطةً ينهشها الجوع، فتركتُ ابنتي لحظةً لأُطعم القطة، حينها انتقدني البعض لترك ابنتي المريضة، فقلتُ: "لعلها هي المُنجية"، لم تمر لحظةٌ إلا وتلقيتُ اتصالاً هاتفياً من صديقةٍ تُرشدني إلى طبيبٍ جَرّاحٍ، وحين ذهبتُ إليه ورأى ابنتي قرَّر إجراء جراحةٍ عاجلةٍ أنقذت حياتها. سألني الطبيب: "ماذا فعلتِ من خيرٍ ليُكتب لابنتك عمرٌ جديد؟" فقلتُ: "أطعمتُ قطة!".

القصة التاسعة- "الصدقة والديون":

تراكمت عليّ الديون وشعرتُ بالعجز، فتوقفتُ عن إخراج الصدقات ظناً مني أنني أولى بالمال. لكن الضيق زاد والخناق اشتد، حتى أدركتُ أنني أخطأتُ الطريق. عدتُ للإنفاق في سبيل الله بنية الفرج. وبشكلٍ لا يُصدق، بدأت الأمور تتيسر، وانقضت الديون تباعاً، وحلت السكينة في قلبي. لقد تعلمتُ أن من يبخل، فإنما يبخل على نفسه.

القصة العاشرة- "الإحسان الفوري":

كنتُ أُناقش ابنتي في المتجر حول عدل الله وكيف يجزي العبد على نيته. وبينما نحن في طابورٍ طويلٍ، رأيتُ مُسِّناً وزوجته يبدو عليهما التعب والإرهاق، فآثرتهما بمكاني وتراجعتُ للخلف. في تلك اللحظة، فُتح صندوق مُحاسبةٍ جديدٍ بشكلٍ مُفاجئٍ، وقام الموظف بسحب عربتي أنا وتوجيهي للمُحاسبة قبل الجميع! نظرت إليّ ابنتي بدهشةٍ، فقلتُ لها: "هذا هو التطبيق العملي لما كنا نتحدث عنه؛ عامِل الناس بالرحمة، وسيُقابل الله إحسانك بإحسانٍ فوري".

 

إن هذه القصص (من أعمال الخير)، وغيرها كثيرٌ، تكشف لنا أن فعل الخير ليس مُجرد سلوكٍ إنسانيٍ عابرٍ، بل هو جوهر العبادة وسبيلٌ لنيل رضا الله وتوفيقه. لقد جسَّدت هذه المواقف معاني التكافل، والإيثار، واليقين، وإخفاء الصدقة.

 

والصدقة (من أعمال الخير) التي تُضاعِف الرزق وتفك الكرب، ولا تُنقص المال بل تزيده بركةً، وتفتح أبواب الرزق المُغلقة؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. وقال النبي ﷺ: [ما نَقَصَتْ صَدَقةٌ مِن مالٍ].

والصدقة الخفية، صدقة السر، هي من الصدقات التي تُطفئ غضب الرب وتُظلل صاحبها يوم القيامة؛ فقد ذكر النبي ﷺ من السبعة الذين يُظلهم الله في ظِله يوم لا ظِل إلا ظِله: [ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ].

أما الإيثار وتقديم حاجة الغير فهو أعلى مراتب الجود، حيث يُقدِّم الإنسان غيره على نفسه رغم حاجته؛ يقول تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.

وجبر الخواطر وإكرام عزيز النفس من حُسن إسلام الشخص؛ فقد حثنا ديننا الحنيف على مراعاة مشاعر الفقير، وحرَّم جرح كرامته، وأمَر بالكلمة الطيبة التي تسبق العطاء؛ يقول تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾. وكان النبي ﷺ يستعيذ بالله من [قهر الرجال].

وصنائع المعروف تقي مصارع السوء؛ فالخير الذي تفعله اليوم، قد يكون هو الحصن الذي يحميك غداً من مُصيبةٍ أو مرض؛ قال ﷺ: [صنائعُ المعروفِ تَقِي مَصارعَ السُّوءِ، والصدقةُ خَفِيًّا تُطفئُ غضبَ الرَّبِّ].

والعمل الصالح لا ينقطع بموت الإنسان إذا ترك أثراً أو أبناء يدعون له؛ قال ﷺ: [إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ ينتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له].

وقال رسول الله ﷺ: [مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ].

 

هذه قصصٌ حقيقيةٌ (من أعمال الخير) لأشخاصٍ عاشوا بيننا، أيقنوا أن المعروف لا يضيع، وأن الله يجزي المُحسنين من جنس عملهم، فكانت حياتهم شهادةً على أن الدُنيا لا تزال بخير.

 

أحبتي.. هذه القصص هي تطبيقٌ عمليٌ لقول الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ فمن أحسن للعباد، أحسن الله إليه في أهله وماله ونفسه؛ فكل معروفٍ تصنعه اليوم هو بذرةٌ ستجني ثمارها أمناً وطمأنينةً وفرجاً في وقتٍ لا يعلمه إلا الله. والخير عدوى مُباركةٌ؛ فما أن تبدأ في عمل خيرٍ إلا وتجد -بإذن الله- من يُساهم معك. وليس الخير مُجرد بذلٍ للمال، بل هو نبضٌ إنسانيٌ يمتد من قلبٍ ليُداوي قلباً آخر؛ فلا يحتاج المرء أن يكون ثرياً ليستر غيره، يكفي فقط أن يكون إنساناً.

اللهم يسِّر لنا عمل الخير، وحبِّبه إلينا، وقنا شُح أنفسنا، وابعدنا عن البُخل، وابعد البُخل عنّا، وأنعم علينا بخُلُق الكرم والجود والإيثار.

 

https://bit.ly/3KLuHtq

الجمعة، 19 ديسمبر 2025

أهل القرآن

 خاطرة الجمعة /530

الجمعة 19 ديسمبر 2025م

(أهل القرآن)

 

نشرت قصتها مع حفظ كتاب الله الكريم؛ فقالت: بدأت رحلتي مع حفظ القرآن الكريم قبل أربع سنواتٍ، وأنا ابنة السابعة عشرة، حين كنتُ في المرحلة الثانوية، بعد أن حفظتُ "جُزء عَمَّ" وأنا صغيرةٌ في المسجد، ثم انتقلنا في السكن إلى مكانٍ آخر، وكان هذا عائقاً لي فانقطعتُ عنه. عدتُ إلى القرآن لتعود البهجة إلى أيامي، والتحقتُ بمسجدٍ حفظتُ فيه الزهراوين "سورة البقرة وسورة آل عمران" اللتين تُحاجان عن صاحبهما، لم يكن الحفظ سهلاً في بدايته لقلة فهمي؛ فكنتُ أستعين بالتفسير لشرح ما لا أفهمه. وقد تخللت هذه السنوات الأربع فترات انقطاعٍ اكتفيتُ فيها بالمراجعة، وكنتُ أحياناً أتركها، ظننتُ خلالها أن القرآن سيُعطلني عن دراستي فخاب ظني ولاحظتُ بعد فترةٍ أن أيام إخفاقي كانت هي الأيام التي كنتُ فيها بعيدةً عن القرآن، أما الأيام التي نجحتُ فيها فهي التي كنتُ فيها ملازمةً للقرآن كظلي الذي لا يُفارقني، كنجاحي في الثانوية العامة بتقديرٍ مرتفعٍ ودخولي كلية الطب. وقد كانت سنتي الأولى في الجامعة عسيرةً بكل ما تحمله الكلمة من معنىً؛ كظروف الإسكان الجامعي، والابتعاد عن البيت، وصعوبة الدراسة، وتغيراتٍ كثيرةٍ أخرى؛ مما جعل حفظي مُتذبذباً، فالتحقتُ في عُطلة الصيف بمركزٍ لتحفيظ القرآن، حيث عوضتُ ما لم أحفظه خلال فترة الدراسة.

‏أما في سنتي الثانية بالجامعة فلم يكن ختمي لكتاب الله مُدرجاً ضمن أهدافي السنوية، فلم أكن أحفظ وقتها إلا نصف القرآن وبقي لي الكثير، كنتُ أنهض صباحاً لأحفظ نصف ربعٍ بعد صلاة الفجر ثم أنطلق إلى الجامعة. لا أدري كيف توالت رسائل الله لي؛ فكنتُ كلما أردتُ التوقف عن الحفظ جاءتني إحداها؛ كرفيقةٍ تروي لي حكايتها مع ختم القرآن فيزيد شوقي، أو قصاصةٍ كُتب عليها "ما زاحم القرآنُ شيئاً إلا باركه" فتُشعل همتي، أو كلمةٍ مُحفزةٍ من والدتي -التي لا تدري كم أحفظ- كيوم قالت لي: "حين تختمين كلام الله حفظاً تكتمل فرحتي بكِ". ضاعفتُ مقدار الحفظ في شهر رمضان، وفي الأوقات التي قَلَّت خلالها الواجبات والمُحاضرات الجامعية، وما إن انتهى عامي الدراسي إلا وكنتُ قد أتممتُ حفظ عشرين حِزباً، فضلاً من الله ونعمة، فعدتُ إلى مدينتي والتحقتُ مُباشرةً بمركز تحفيظ القرآن حتى أتممتُ حفظه، وأكرمني الله بختمه، وأسأله أن يتقبله مني، وأطمع أن أكون من (أهل القرآن) الذين هُم أهل الله وخاصته. أحسستُ بشعورٍ تستحي أمام وصفه الحروف والكلمات، وأنا أتلو آخر آياتٍ حفظتها، فضلاً عن السرور الغامر في عيون أُمي وأبي، ودموع إخوتي وصديقاتي وكل من حضر وشاركني الفرحة.

 

أحبتي في الله.. وعن رحلتها مع حفظ كتاب الله تحكي إحداهن عن عائشة التي حفظت القرآن كاملاً، تقول الراوية: كانت عائشة فتاةً عاديةً تعيش في قريةٍ صغيرةٍ. مُنذ طفولتها، كانت تحلم بحفظ القرآن الكريم، لكنها كانت تواجه صعوباتٍ كبيرةٍ في الحفظ، خاصةً مع مسؤولياتها الدراسية والمنزلية. كلما حاولت الحفظ، كانت تشعر بالإحباط وتعتقد أنها غير قادرةٍ على إتمام هذا الهدف العظيم. ذات يومٍ، كانت جالسةً في المسجد بعد صلاة الفجر، تستمع إلى درسٍ عن فضائل القرآن الكريم، قال الشيخ: "مَن جعل القرآنَ أولويته، جعله الله نوراً في قلبه، وسبباً لبركةٍ في حياته"، شعرت عائشة أن هذه الكلمات موجهةٌ إليها شخصياً. قررت أن تبدأ من جديدٍ، لكن هذه المرة بخطةٍ مُختلفةٍ؛ خصصت وقتاً ثابتاً كل يومٍ بعد صلاة الفجر للحفظ، حتى لو كان لمدة عشر دقائق فقط. بدأت بسورةٍ صغيرةٍ، ثم زادت تدريجياً. كانت تستعين بالتفسير لفهم معاني الآيات، مما زاد حُبها للقرآن. واجهت تحدياتٍ كثيرةٍ، مثل: نسيان ما حفظت، أو ضيق الوقت، لكنها كانت تُردد دائماً: "كلما ازداد الجهد، ازداد الأجر". واصلت الحفظ بخطىً ثابتةٍ، وبمرور السنوات، أتمت حفظ القرآن الكريم بالكامل. عندما سألتها صديقاتها عن سر نجاحها، قالت:

"لم يكن السر في ذكائي، بل في استمراريتي. جعلتُ القرآن رفيقي، فكان بركتي في الدنيا ونوري في الآخرة". بعد أن أكملت عائشة حفظ القرآن الكريم، شعرت بتغييرٍ جذريٍ في حياتها؛ أصبح لديها شعورٌ بالسكينة والرضا الداخلي الذي لم تعرفه من قبل.

 

يقول تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾، ويقول العُلماء إن فضل حفظ القرآن الكريم كبيرٌ؛ فهو كلام ربّ العالمين المُعجز الذي جعله الله تعالى هدايةً للبشر، فأي شيءٍ أعظم من أن يكون كلام ربك محفوظاً في صدرك متلوّاً بلسانك، مُطبَقاً في أفعالك. وفي حفظه تحقيقٌ لموعود الله تعالى بحفظ القرآن الكريم؛ فأي شرفٍ أعلى من أن يجعلك الله سبباً في تحقيق موعوده وبقاء كتابه؟

يقول تعالى: ﴿بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ﴾ فبيّن سبحانه أن حفظ القرآن الكريم من علامات العُلماء. ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ أي سهلناه للحفظ وأعّنا عليه من أراد حفظه.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

[مَثَلُ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ وهو حافِظٌ له، مع السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَةِ، ...]، وقال صلى الله عليه وسلم: [تَعاهَدُوا هذا القُرْآنَ، فَوالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَهو أشَدُّ تَفَلُّتاً مِنَ الإبِلِ في عُقُلِها]، وقال أيضاً: [... اسْتَذْكِرُوا القُرْآنَ؛ فإنَّه أشَدُّ تَفَصِّيًا مِن صُدُورِ الرِّجالِ مِنَ النَّعَم]، كما قال: [مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ضَوْءُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا ...]، وقال كذلك: [يَجيءُ القرآنُ يومَ القيامةِ فيَقولُ: يا ربِّ حلِّهِ، فَيلبسُ تاجَ الكَرامةِ، ثمَّ يقولُ: يا رَبِّ زِدهُ، فيلبسُ حلَّةَ الكرامةِ، ثمَّ يقولُ: يا ربِّ ارضَ عنهُ، فيقالُ لَهُ: اقرأْ وارْقَ، وتزادُ بِكُلِّ آيةٍ حسنةً]. وقال عليه الصلاة والسلام عن حافظ القرآن: [..وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا، فَيَقُولَانِ: بِمَ كُسِينَا هَذِهِ؟ فَيُقَالُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ].

 

يقول العارفون إن من الأسباب التي تُسهم في الحفظ وتصل بالحافظ إلى أن يكون من (أهل القرآن):

الإيمان الكامل بالقُدرة على ختم القرآن الكريم، وضع خطةٍ زمنيةٍ ذات أهدافٍ مُحددةٍ مع التدرج في الحفظ، اختيار الزمان الملائم لحفظ كتاب الله والوقت النموذجي لحفظ القرآن هو الفجر، واختيار المكان الأمثل للحفظ، والعمل على اختيار الزملاء والأصدقاء الصالحين والالتزام بصُحبة الصالحين.

ويقولون عن فضائل حفظ القرآن الكريم: حفظ القرآن سُنةٌ مؤكدةٌ فالنبي صلى الله عليه وسلم قد حفظ القرآن الكريم وكان يُراجعه مع جبريل عليه السلام في كل سنةٍ، حفظ القرآن يُنجي صاحبه من النار ففي الحديث: [لو أنَّ القرآنَ جُعِلَ في إِهَابٍ ثم أُلْقِيَ في النَّارِ ما احْتَرَقَ]، يرفع صاحبه في الجنة درجاتٍ ففي الحديث: [يقالُ لصاحِبِ القرآنِ اقرَأ وارقَ ورتِّل كما كُنتَ ترتِّلُ في الدُّنيا فإنَّ منزلتَكَ عندَ آخرِ آيةٍ تقرؤُها]، جعل إكرام حامله من إجلال الله تعالى ففي الحديث: [إنَّ من إجلالِ اللَّهِ إِكْرامَ ذي الشَّيبةِ المسلِمِ، وحاملِ القرآنِ غيرِ الغالي فيهِ والجافي عنهُ، ...]، حفظة القرآن هُم أهل الله وخاصته ففي الحديث: [إنَّ للَّهِ أَهْلينَ منَ النَّاسِ] قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، من هُم؟ قالَ: [هُم أَهْلُ القرآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وخاصَّتُهُ]. حفظ القرآن سببٌ للرفعة في الدنيا والآخرة ففي الحديث: [إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بهذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ به آخَرِينَ]، تقديم الحافظ لإمامة الصلاة على غيره ففي الحديث: [يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ]، والغبطة الحقيقية تكون في حفظ القرآن ففي الحديث: [لا حَسَدَ إلَّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القُرْآنَ، فَهو يَتْلُوهُ آناءَ اللَّيْلِ، وآناءَ النَّهارِ، ...]، أن حفظ القرآن وتعلمه خيرٌ من الدنيا وما فيها ففي الحديث: [أَفلا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إلى المَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِن كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، خَيْرٌ له مِن نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ له مِن ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ له مِن أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإبِلِ].

 

وعن حفظة كتاب الله قال الشاعر:

أكرِم بقومٍ أَكْرَمُوا القُرآنا

وَهَبُوا له الأرْواحَ والأبْدانا

قومٍ قَد اختارَ الإلهُ قُلوبَهُم

لِتَصِيرَ مِنْ غَرْسِ الهُدَى بُسْتَانا

زُرِعَتْ حُروفُ النورِ بينَ شِفَاهِهِمْ

فَتَضَوَّعَتْ مِسْكًا يَفِيضُ بَيَانا

رفعوا كِتَابَ اللَّهِ فَوقَ رُؤوسِهِمْ

ليكون نوراً في الظَلامِ فَكانا

سُبحانَ مَنْ وَهَبَ الْأُجُورَ لأَهْلِهَا

وهَدَى القُلوبَ وعَلَّمَ الإنسانا

وقال آخر:

طوبى لِمَن حَفِظَ الكِتابَ بِصَدْرِه

فَبَدا وَضيئاً كالنُجومِ تَألُقا

اللهُ أكبر! يا لها مِن نِعمةٍ

لمّا يُقالُ "اقرأ" فرتَّلَ وارتَقا

وتَمثَّل القرآنَ في أخلاقِه

وفِعالِه فيه الفؤادُ تَعَلَقا

وتَلاهُ في جُنحِ الدُجى مُتدبِّراً

والدَمعُ مِن بينِ الجُفونِ تَرَقرَقا

وقال ثالثٌ:

يَكْفيكَ مِن أُنسِ الحَياةِ وَطيبِها

أنْ تَحْمِلَ القُرآنَ في جَنبيكَ

تَحيا بهِ مُتدَبِّراً ومُرَتِّلاً

وَلِسانُ حالِكَ: "رَبنا لبيكَ"

 

أحبتي..

اللهم يسِّر لنا حفظ كتابك الكريم، واكتب لنا أن نكون من أهلك وخاصتك، (أهل القرآن)، واجعلنا ممن يحرصون على حفظ أبنائهم له، وأنت سُبحانك على كل شيءٍ قدير.

https://bit.ly/4p9mWvj

الجمعة، 12 ديسمبر 2025

الإخلاص لله

 

خاطرة الجمعة /529

الجمعة 12 ديسمبر 2025م

(الإخلاص لله)

 

قصةٌ حقيقيةٌ عجيبةٌ وغريبةٌ حدثت مؤخرًا في «الولايات المتحدة الأمريكية»؛ سيدةٌ صينيةٌ مُسلمةٌ تركت زوجها لأنه ترك الإسلام، وأخذ معه ابنها وابنتها ليعيشا معه في «الولايات المتحدة الأمريكية»، واضطرت المرأة للرجوع إلى «الصين» إخلاصاً لدينها، وفضَّلت الثبات على الإسلام، حتى وإن كان الثمن فراق الزوج والأبناء إلى الأبد.

مرَّت سنواتٌ طويلةٌ على هذا الأمر، ثُم فوجئت هذه السيدة بابنتها تتصل بها وتطلب منها أن تزورهم في «أوكلاهوما» ب «الولايات المتحدة». استجابت الأُم لطلب ابنتها، ووافقت على زيارة أُسرتها هناك. وبمجرد وصول الأُم الى المطار ولقائها بابنتها، طلبت دليل الهواتف، وبحثت في الدليل عن أقرب مسجدٍ أو مركزٍ إسلاميٍ لمنطقة سكن ابنتها، وكتبت رقم هاتف المسجد على ورقةٍ سلمتها لابنتها وقالت لها: "إن حدث لي شيءٌ فاتصلي بهؤلاء"، سألتها البنت: "من هؤلاء؟"، قالت لها: "إنهم إخواني".

لا تعرف هذه المرأة الصينية المسجد، ولا تعرف مَنْ يُديره، ولا تعرف الأعراق والجنسيات التي ترتاده، لكنها تعلم -علم اليقين- أن كل مَنْ في المسجد سيعتبرونها أختاً لهم في أي وقتٍ ما دامت مُسلمةً؛ لأن هذا هو الإسلام.

‏لم تهتم الفتاة كثيراً بما قالته الأُم، لكن بعد ثلاثة أيامٍ ماتت أُمها، وتذكرت الفتاة ما قالته لها؛ فاتصلت بالمسجد. كان المُسلمون في هذه المنطقة يملكون مقبرةً إسلاميةً، وكانوا يُحاربون للحصول على ترخيصٍ لدفن المُسلمين فيها منذ خمس سنواتٍ، العجيب أنهم حصلوا للتو على الترخيص والموافقة الرسمية على استخدام المقبرة، وبمجرد حصول إدارة المسجد على ترخيص المقبرة وصلهم اتصالٌ من فتاةٍ تُخبرهم بوفاة أُمها المُسلمة، وهي كانت أخبرتها قبل وفاتها بالاتصال بهم إن حدث لها شئٌ؛ فطلب إمام المسجد مقابلة الفتاة وأخبرها أن أول قبرٍ في المقبرة سيكون لأُمها. كان اليوم يوم جُمعةٍ، وكان المسجد مُمتلئاً عن آخره، وكان عدد المصلين كبيراً بشكلٍ غير مُعتادٍ، صلوا جميعاً على المرأة الصينية المُتوفاة بعد انتهاء صلاة الجُمعة؛ ولأنها المرة الأولى التي يستخدمون فيها المقبرة فقد خرج المشيعون بأعدادٍ كبيرةٍ، وبدا الأمر لأفراد عائلتها وكأنها كانت شخصيةً عامةً يعرفها كل الناس. فوجئت عائلة المرأة المُتوفاة بأعداد المُصلين عليها ومن شكل الجنازة، وقدر الهيبة التي تم التعامل بها مع وفاة والدتهم من أشخاصٍ لا أحد منهم كان يعرفها، وتساءلوا: "مَنْ كل هؤلاء الذين يسيرون في الجنازة؟"، قيل لهم: "إننا إخوانها في الدين"، فأخذوا يبكون. بعد الدفن جاءوا للإمام بورقةٍ كانت أُمهم تكتب فيها دعاءها المُفضل باللغة العربية، وأصرَّ ابنها وابنتها وزوجها السابق على أن يعرفوا ماذا كانت تكتب، فقرأ لهم الإمام الدعاء المكتوب في الورقة: "يا الله اهدِ أبنائي، يا الله اهدِ أباهم". تأثر زوجها السابق بهذا الدعاء، وقال لإمام المسجد: "احجز لي القبر الذي بجوارها"، قال له: "هذا له ثمنٌ، ثمنه أن تقول لا إله إلا الله، مُحمدٌ رسول الله"؛ فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن مُحمداً رسول الله". ولم تمر تلك الليلة حتى نطق ابنها، ونطقت ابنتها الشهادتين ودخلا في الإسلام. نسأل الله أن يغفر لها ويرحمها.

 

أحبتي في الله.. إنه (الإخلاص لله) في أروع صوره، امرأةٌ كانت مُخيرةً بين البقاء مع ابنها وابنتها وزوجها الذي ارتد عن الإسلام، وبين أن تُخلص دينها لله حتى ولو كان الثمن مُفارقة الزوج والعودة إلى وطنها لتعيش وحيدةً محرومةً من أبنائها. هداها الله؛ ففضلَّت أن تُضحي بنفسها وبمشاعر الأُمومة المتأججة في صدرها عن أن تتخلي عن دينها. إنها صورةٌ من أعلى صور (الإخلاص لله).

 

قصةٌ أُخرى، لصورةٍ مُختلفةٌ من صور (الإخلاص لله) إنها قصة "صاحب النقب، قصة مُجاهدٍ مجهولٍ ضحى بنفسه لفتح قلعةٍ مُستعصيةٍ على جيش «مسلمة بن عبد الملك» حيث وبعد طول حصارٍ، حفر نقباً {أي نفقاً} تحت جدار القلعة وتسلل من خلاله إلى داخلها وفتح بابها لجيش الفاتحين. وحين استتب الأمر داخل القلعة، نادى القائد «مسلمة بن عبد الملك» للبحث عن ذلك المُقاتل الشُجاع صاحب النقب لشكره وتكريمه، لم يجده رغم إلحاحه في طلبه. بعد أيامٍ جاء ذلك المُجاهد مُتخفياً لمقابلة القائد، ولكن بشروطٍ ثلاثة هي: ألا يسأله عن اسمه، وألا يطلب منه كشف وجهه، وألا يُقدِّم له أية مكافأة، وافق القائد على تلك الشروط وتمت المُقابلة، والتقى القائد مع هذا المُجاهد المُتخفي الذي ما لبث أن اختفى بعد المُقابلة، فاسترجع القائد «مسلمة بن عبد الملك» قول الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، وأصبح يدعو الله في صلاته: "اللهم احشرني مع صاحب النقب".

 

يقول تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، وقال عزَّ وجلَّ لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾. وقد شرَط الله تعالى لتوبَةِ التائبين تحقيق الإخلاص في أعمالهم؛ يقول سُبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

ولأهمية (الإخلاص لله) كانت سورة الإخلاص تعدل ثُلث القرآن؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم عنها: [قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ]، قيل إن هذه السورة كان لها هذا الفضل لأن القرآن أحكامٌ، ووعدٌ ووعيدٌ، وأسماءٌ وصفاتٌ، وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات. وقيل إنها ثُلث القرآن باعتبار معاني القرآن؛ لأن القرآن أحكامٌ، وأخبارٌ، وتوحيدٌ، وقد اشتملت هي على التوحيد؛ فكانت ثُلثاً بهذا الاعتبار.

 

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: [إنَّ اللَّهَ لا يقبلُ منَ العملِ إلَّا ما كانَ لَهُ خالصًا، وابتُغيَ بِهِ وجهُهُ]. وقال صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: [...أسْعَدُ النَّاسِ بشَفَاعَتي يَومَ القِيَامَةِ، مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِن قَلْبِهِ، أوْ نَفْسِهِ]. كما كان يقول في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ حين يُسلِّمُ: [لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له المُلكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ، لا إلهَ إلَّا اللهُ، ولا نعبُدُ إلَّا إياهُ، له النِّعمةُ وله الفضلُ، وله الثَّناءُ الحسَنُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ مُخلِصينَ له الدِّينَ ولو كرِهَ الكافرونَ].

 

وبالإخلاص تُنفَّس الكروب؛ والدليل على ذلك حديث الثلاثة الذين حبستهم صخرةٌ وهم يحتمون بجبلٍ، ففرَّج الله همَّهم وأزاح الصخرة حتى خرجوا، بعد أن كان كلٌ منهم يُظهر (الإخلاص لله)؛ فيقول: [اللهمَ إنْ كُنتَ تعلمُ أنِّي فعلتُ ذلك رجاءَ رحمتِك، وخشيةَ عذابِك فافرُجْ عنا].

 

يقول أهل العلم إن الإخلاص هو لُب العبادة وروحها، وهو أساس قبول الأعمال أو ردِّها؛ فهو الذي يؤدي إلى الفوز أو الخُسران، وهو الطريق إلى الجنة أو إلى النار، فإن الإخلال به يؤدي إلى النار وتحقيقه يؤدي إلى الجنة. والإخلاص أن يكون العمل لله، لا نصيب لغير الله فيه. وهو إفراد الحق سُبحانه بالقصد في الطاعة. وهو تصفية العمل من كل شائبة.

 

قال أحد العارفين عن الإخلاص في معرض تفسيره للآية الكريمة ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: "إن أحسن العمل أخلصه وأصوبه؛ فإنه إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل حتى يكون خالصاً، والخالص إذا كان لله، والصواب إذا كان على السُّنَّة". وقال غيره: "الله يُحب من عباده الإخلاص؛ ففيه طرح الرياء كله؛ لأن الرياء شركٌ أو ضربٌ من الشرك". وقال آخر: "لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار". وقال ثالثٌ: "المخلِص لله قد علَّق قلبه بأكمل ما تعلقت به القلوب من رضوان ربه وطلب ثوابه، وعمل على هذا المقصد؛ فهانت عليه المشقات، وسهلت عليه النفقات، وسمحت نفسه بأداء الحقوق كاملةً موفورةً، وعَلِمَ أنه قد تَعوَّض عما فقده بأجزل الثواب، وخير الغنائم". وقال غيرهم: "المخلِصون هُم خُلاصة الخلق وصفوتهم، وهل يوجد أكمل ممن خلصت إرادتهم ومقاصدهم لله وحده؛ طلباً لرضاه وثوابه؟". وهذا واحدٌ من المخلِصين يقول مُحدِّثاً نفسه: "يا نفسُ، أخلصي تتخلصي".

 

وعلى عكس (الإخلاص لله) تكون المُراءاة، وعلامة المُرائي -كما يقولون- هي أنه إذا عمِل العمل أمام الناس زاد فيه، وحسَّنه، وإذا عمله خالياً لم يُحسنه، بل أساء فيه، والعياذ بالله.

 

أحبتي.. يقول الشاعر:

إذا لَمْ يَكُنْ لِلهِ فِعْلُكَ خالِصاً

فَكُلُّ بِناءٍ قَدْ بَنَيَتَ خَرابُ

إن العبد المؤمن إذا كان عمله على الصواب والإخلاص، وإن كان قليلاً؛ فالله عزَّ وجلَّ يُباركه ويُنَمِّيه، وأما إن كان يشوبه -والعياذ بالله- الرياء أو العُجب أو الكِبْر؛ فإنه يصير وبالاً على فاعله، وإن كان كثيراً.

اللهم ارزُقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا، واجعلها خالصةً لك، صواباً على سُنة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم.

https://bit.ly/4q2UjRh

الجمعة، 5 ديسمبر 2025

خُلُق الإيثار

 خاطرة الجمعة /528

الجمعة 5 ديسمبر 2025م

(خُلُق الإيثار)

 

كتبت إحدى الأخوات الفُضليات عن موقفٍ حدث معها وقت أن كانت تؤدي شعائر العُمرة، كتبت تقول: أوقفتني إحدى الأخوات في صحن مسجد رسول الله قبل صلاة المغرب، لتسألني بالإنجليزية: "من أين أستطيع أن أشتري عباءةً مثل هذه؟ هل هي من هنا؟" تقصد «المدينة»، قلتُ لها: "هي من «مصر»، وددتُ لو أُحضر لكِ مثلها، من أين أنتِ؟"، قالت لي: "أنا أعيش في «أمريكا»، وأنا هنا مع زوجي في زيارة عملٍ، نحن أطباء، جئنا من «مكة» إلى «المدينة» نقضي فيها يومين ثم نذهب إلى «الأردن» بعد فجر الغد، هل تعتقدين أن أجد مثل هذه العباءة في «الأردن»؟"، قلتُ لها: "ادعِ الله أن يرزقك مثلها بل وأفضل منها"، سألتني: "هل ستذهبين إلى الحج هذا العام؟"، أجبتها: "نعم، إن شاء الله"، قالت: "ادعِ لي بأن يرزقني الله الحج العام المقبل"، قلتُ لها: "إن شاء الله"، ثم سألتها: "هل دعوتِ بذلك في «الروضة الشريفة»؟"، قالت لي: "لم أستطع زيارة «الروضة الشريفة»؛ لم يُسمح لي بحجز موعدٍ عن طريق تطبيق «نُسُك»؛ قد يكون لأنّنا في زيارة عملٍ، لا أعلم، ولكن دعوتُ الله كثيراً أن يرزقني دخولها". قلتُ في نفسي: "سُبحان الله مُجيب الدعوات"، ثم قلتُ لها: "لديّ موعدٌ اليوم الساعة الحادية عشرة مساءً، أي قُبيل سفرك بساعاتٍ إن شاء الله، والحمد لله هذه المرة الثالثة لي لزيارة «الروضة الشريفة» خلال يومين، فماذا لو جئتِ بالموعد ودخلتِ مكاني؟"، قالت لي: "هل هذا يجعلني أكذب على الأمن؟ بمعنى أني أنتحل شخصيتك؟ أنا لا أُحب الكذب"، قلتُ لها: "لا، ليس كذباً، الصدق يُنجي، هكذا علّمنا رسول الله ﷺ ونحن في مسجده، سأشرح لرجال الأمن الموقف، وإن شاء الله يوافقون على أن تدخلي بدلاً عني، هُم لن يسمحوا بدخولنا سوياً بالتصريح نفسه، لكن ما يهمهم هو دخول شخصٍ واحدٍ بالتصريح؛ اتفقنا؟"، قالت لي: "آخذ الموافقة من زوجي أولاً، وسأحدثك هاتفياً إن وافق إن شاء الله"، وتبادلنا أرقام هواتفنا.

حدثتني الساعة الحادية عشرة إلا رُبع وقالت بفرحٍ: "وافق زوجي، هل أنتِ متأكدةٌ من قرارك أن تتنازلي لي عن موعدك بالدخول إلى «الروضة الشريفة»؟" قلتُ لها: "يقول تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾". وبالفعل وصلنا إلى باب الدخول، وشرحتُ لرجال الأمن الموقف؛ فنظر إلى تصريح الدخول ووافق، ودخلت هي، حضنتني قبل الدخول، مُمتنةً لله أولاً أن استجاب دعاءها، ثم شاكرةً لي بكل عبارات الامتنان. وما إن هممتُ بالرحيل حتى ناداني فردٌ من الأمن وقال: "ادخلي أنتِ أيضاً؛ أنتِ أحسنتِ للمرأة، ألسنا أولى بأن نكون من المُحسنين؟ ادخلي يا حجية؛ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟"، دخلتُ، وكانت قد سبقتني، لكنها شاهدتني أدخل بعدها فانتظرتني لندخل معاً، وطلبت مني أن أشرح لها ما حدث وكيف دخلتُ، شرحتُ لها ما كان من فرد الأمن -جازاه الله خيراً- فبكت بكاءً شديداً، ودعت كثيراً بلسانٍ أعجميٍ، لم أفهم دُعاءها، لكني كنتُ موقنةً بالإجابة، لي ولها، ولِمَ لا؟ ألم يقل سُبحانه وتعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾؟ علينا الدُعاء، وعليه الإجابة.

 

أحبتي في الله.. من حُسن خُلُق صاحبة هذا الموقف أنها لم تتكلم عن أن ما قامت به نحو تلك المُسلمة الأجنبية هو (خُلُق الإيثار)، ربما تحرجت لئلا يكون في ذلك تزكية نفسٍ منهيٌ عنها؛ فختمت عرضها للموقف بالتأكيد على استجابة الله سُبحانه وتعالى للدُعاء، وهو ما يظهر جلياً بالفعل، وبوضوحٍ، في الموقف المذكور.

 

يقول أهل العلم إن (خُلُق الإيثار) خُلُقٌ جليلٌ في الإسلام، أشاد به القرآن الكريم في مواضع مُتعددةٍ، وهو خصلةٌ نبيلةٌ تحلى بها المُسلمون الأوائل من الصحابة الكرام؛ إذ لم يصلوا إلى درجات الرِفعة والمكانة والعزة إلا حين تخلصوا من الأنانية وحُب الذات وحُب الدنيا، وامتثلوا تعاليم القرآن الكريم التي تدعو إلى السماحة والعفو والصفح والأخوة الإيمانية الحقيقية و(خُلُق الإيثار)، فكانوا من المُفلحين؛ يقول تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، يقول المفسرون إن هذه الآية تصف الأنصار الذين كانوا يُعطون المُهاجرين أموالهم إيثاراً لهم بها على أنفسهم ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: ولو كان بهم حاجةٌ وفاقةٌ فإنهم يُقدِّمون حاجة المُهاجرين على حاجة أنفسهم. وعن سبب نزول هذه الآية أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا]، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً؛ فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: [ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أَوْ عَجِبَ، مِنْ فعالِكُمَا] فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

 

يقول العلماء إن (خُلُق الإيثار) من علامات محبَّة الخير للآخرين، وفيه تطهيرٌ للنفس من الأنانية والكراهية والشحناء؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ]، فمَنْ لليتيم إذا فشت الأنانية وحُب الذات في المُجتمع؟! ومَنْ للأرملة المسكينة؟! ومَنْ للفقير الجائع؟! مَن لهؤلاء إذا أصبح الكُل يقول: "نفسي نفسي"، ولا يهمه إلا مصالحه ومآربه؟

 

و(خُلُق الإيثار) هو مرتبةٌ من مراتب البذل والعطاء؛ فهل هناك فروقٌ بين: السخاء والجُود والإيثار؟

ذكر العلماء فروقاً بين كلٍّ مِنها؛ فمع أنَّها كلَّها أفعال بذلٍ وعطاءٍ، إلا أنها مراتب ثلاثٌ: مرتبة السخاء: وهو أن لا يُنقِص البذلُ المُعطي ولا يصعب عليه. ومرتبة الجُود: وهو أن يُعطي الأكثر ويُبقي لنفسه شيئاً، أو يُبقي مثل ما أعطى. ثم مرتبة الإيثار: وهو أن يؤثر غيره بالشَّيء مع حاجته إليه، وهي أعلى مراتب البذل والعطاء.

 

يقول الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾، بمعنى لن تنالوا وتُدركوا البرَّ، الذي هو اسمٌ جامعٌ للخيرات، وهو الطَّريق الموصل إلى الجنَّة، حتى تُنفقوا ممَّا تُحبُّون، من أطيب أموالكم وأزكاها؛ فإن النفقة من الطيب المحبوب للنفوس من أكبر الأدلة على سماحة النفس، واتصافها بمكارم الأخلاق، ورحمتها ورقتها، ومن أدلِّ الدلائل على محبة الله، وتقديم محبته على محبة الأموال، التي جُبلت النّفوس على قوة التعلق بها؛ فمن آثر محبة الله على محبة نفسه، فقد بلغ الذُروة العُليا من الكمال، وكذلك من أنفق الطيبات، وأحسن إلى عباد الله، أحسن الله إليه ووفقه. ولا يكون الإيثار بإنفاق المال أو الإطعام فقط، وإنما يتعدى ذلك إلى تقديم الغير على النفس في كل ما يملك من جهدٍ أو وقتٍ، وغير ذلك مما يحتاجه لنفسه؛ فيتنازل عنه ويُعطيه لغيره إيثاراً وتفضيلاً.

 

ومن ثمرات (خُلُق الإيثار) ما روته لنا أُم المؤمنين عائشة؛ قالت رضي الله عنها: جاءتني مسكينةٌ تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمراتٍ؛ فأعطت كل واحدةٍ منهما تمرةً، ورفعت إلى فيها "أي: إلى فمها" تمرةً لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة -التي كانت تُريد أن تأكلها- بينهما؛ فأعجبني شأنها، فذكرتُ الذي صنعت لرسول الله ﷺ فقال: [إنَّ اللَّهَ قدْ أَوْجَبَ لَهَا بهَا الجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بهَا مِنَ النَّارِ].

 

ومعلومٌ أن لا صلاح للنفس إلا بإيثار رضا ربها ومولاها على غيره، ولقد أحسن من قال:

فَلَيتَكَ تَحلو وَالحَياةُ مَريرَةٌ

وَلَيتَكَ تَرضى وَالأَنامُ غِضابُ

وَلَيتَ الَّذي بَيني وَبَينَكَ عامِرٌ

وَبَيني وَبَينَ العالَمينَ خَرابُ

إِذا نِلتُ مِنكَ الوُدَّ فَالكُلُّ هَيِّنٌ

وَكُلُّ الَّذي فَوقَ التُرابِ تُرابِ

فَيا لَيتَ شُربي مِن وِدادِكَ صافِياً

وَشُربِيَ مِن ماءِ الفُراتِ سَرابُ

 

أحبتي.. إذا كُنتم ممن يسهل عليهم العطاء ولا يؤلمهم البذل فأنتم من أهل السخاء، وإن كُنتم ممن يُعطون الأكثر ويُبقون لأنفسهم شيئاً فأنتم من أهل الجُود، أما إن كُنتم ممن يُعطون الآخرين مع حاجتكم إلى ما أعطيتم لكنكم قدمتم غيركم على أنفسكم فقد وصلتم إلى مرتبة الإيثار، وهي أعلى المراتب، لا تنشأ إلا عن قوة الإيمان، ومحبة مرضاة الله، والصبر على المشقة، رغبةً في الأجر والثواب.

ولو لم يكن من فوائد الإيثار إلا أنه وقايةٌ لنا من الشُّحِّ لكفى، أليس ذلك سبباً لنكون من المُفلحين؛ يقول تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؟

نسأل الله العظيم أن يقينا شُح أنفسنا، وأن يجعلنا من عباده الصالحين المُفلحين الذين يؤثرون غيرهم على أنفسهم.

 

https://bit.ly/4oxr2Np

الجمعة، 28 نوفمبر 2025

البِر لا يبلى

 

خاطرة الجمعة /527

الجمعة 28 نوفمبر 2025م

(البِر لا يبلى)

 

قال راوي القصة: في عام 2002م، كنتُ طالباً في كلية الهندسة بجامعة «الإسكندرية». كانت حالتي المادية بسيطةً جداً؛ فوالدي موظفٌ بسيطٌ ووالدتي ربة منزل. في أحد الأيام، قرَّر بعض زملائي الميسورون أن يمزحوا معي مزاحاً ثقيلاً؛ حيث دعوني للخروج معهم إلى أحد المقاهي الفاخرة، كان عددهم عشرة، وبعد أن طلب كل واحدٍ منهم مشروبه، أخذوا يتسللون واحداً تلو الآخر بحججٍ واهيةٍ، تاركين المكان، حتى وجدتُ نفسي وحيداً، ولم يكن معي هاتفٌ محمولْ لأتصل بأحدٍ، عندما هممتُ بالمغادرة، سألتُ المُحاسب عن قيمة الفاتورة، فأخبرني أنها 250 جنيهاً، بينما لم يكن في جيبي سوى 35 جنيهاً فقط! شعرتُ بصدمةٍ وإحراجٍ شديدين، وطلبتُ التحدث مع صاحب المكان، جاءني رجلٌ وقورٌ في الخمسينيات من عُمره، فشرحتُ له ما حدث، وعرضتُ عليه أن أترك بطاقتي الشخصية وبطاقتي الجامعية كضمانٍ لحين إحضار المبلغ في الغد، لكنه ابتسم وقال لي بلطفٍ: "عيبٌ يا بني، احتفظ ببطاقتك، وأحضِر المبلغ غداً أو بعد غدٍ، أو في أي وقتٍ يتيسر لك، وإن لم تستطع السداد فأنت في حِلٍّ منه"، دمعت عيناي من نُبل أخلاقه، وشكرته وانصرفت، وفي اليوم التالي، أحضرتُ له المبلغ الذي كنتُ أدخره، وأصررتُ عليه أن يأخذه.

مرَّت الأيام، وتخرجتُ في الكلية، وسافرتُ إلى «ألمانيا» حيث حصلتُ على الماجستير والدكتوراه، وأكرمني الله بوظيفةٍ مرموقةٍ ورزقٍ وفيرٍ. بعد عشر سنواتٍ، عدتُ إلى «مصر» في إجازةٍ، وقادني الوفاء للذهاب إلى ذلك المقهى لزيارة الرجل الطيب، لكنني فوجئتُ بأن المقهى مُغلقٌ! سألتُ عن عنوان صاحب المقهى وذهبتُ إلى منزله، وهناك استقبلني ولم يعرفني في البداية، فذكرته بنفسي وبالموقف القديم فتذكرني، سألته عن سبب إغلاق المقهى، فأخبرني بحزنٍ أن الديون والضرائب تراكمت عليه، ولم يعد قادراً على دفع رواتب العمال، سألته: "كم تحتاج لتُعيد فتح المقهى وتُسدد ديونك؟"، بعد إلحاحٍ مني، أخبرني أنه يحتاج إلى 120 ألف جنيه، طلبتُ منه أن ينتظرني في اليوم التالي، وعندما حضرتُ رحَّب بي، قدمتُ له مبلغاً أكبر مما كان يحتاجه؛ ذُهل الرجل وبكى بشدةٍ، وقال: "لماذا تفعل هذا يا بُني؟" قلتُ له مازحاً: "لأني أرغب في أن آتي لشُرب القهوة في محلك بعد أُسبوعٍ!"، أراد الرجل أن يكتب لي إيصال أمانةٍ بالمبلغ ليُسدده حين يرزقه الله، فابتسمتُ وقلتُ له: "أتذكر ماذا قلتَ لي قبل سنواتٍ؟ قلتَ لي سدِّد حين يتيسر معك، وإن لم تأتِ فأنت مُسامح.. وأنا اليوم أقول لك: لا أُريد ورقاً، وإن لم تستطع السداد فأنت في حِلٍّ من هذا المال"، احتضنني الرجل وهو يبكي، وأيقنتُ حينها أن الله لا ينسى أصحاب القلوب الرحيمة؛ فسُبحان من ساقني إليه في هذا التوقيت، وسُبحان من دبَّر الأسباب لأرُد الإحسان بالإحسان، وكما تدين تُدان.

 

أحبتي في الله.. حقاً وصدقاً (البِر لا يبلى)، يدور الزمن دورته، ليُثبت لنا أن عمل الخير لا يضيع؛ فهو يعود لفاعله مهما بعدت الأيام وتوالت الشهور والأعوام؛ فهذه قصةٌ أُخرى من الواقع تؤكد على أن هذه الحقيقة سُنةٌ إلهيةٌ تتكرر، وإن تعددت أشكالها واختلفت صورها؛ ففي إحدى العائلات كان هناك رجلٌ كبيرٌ أرمل، ماتت زوجته وتركت له خمس بناتٍ، يعيشون معاً في بيتٍ يملكه الأب. تقدَّم أربعة رجالٍ لخطبة أربعٍ منهن في توقيتٍ مُتقاربٍ؛ فقرر الأب أن يُزوج الكبيرة ثم التي تليها ثم التي تليها، ثم التي تليها، حسب ترتيبهن في السن. لكن البنت الكبيرة كانت حنونةً وطيبةً فرفضت الزواج لأنها أرادت أن تهتم بوالدها وتخدمه، فتزوجت أخواتها الأربع الأصغر منها وظلت هي في خدمة أبيها كما أرادت، ظلت ترعى أباها إلى أن مات ورحل عن الدنيا، بعد وفاته فتحوا وصيةً كان قد تركها؛ فوجدوه قد كتب فيها: "لا تُقسِّموا البيت ولا تبيعوه حتى تتزوج أختكم الكبيرة التي ضحت بسعادتها من أجل سعادتكن". لكن الأخوات الأربع رفضن الوصية، وأردن أن يبعن البيت لتأخذ كل واحدةٍ منهن نصيبها، دون مُراعاة أين ستذهب أختهن الكبيرة التي ليس لها مأوى سوى هذا البيت. تمّ بيع البيت لتاجرٍ ثريٍ، وتقسيم مبلغ البيع على الورثة، ومن بينهم البنات الخمس؛ فعادت كلٌ منهن إلى بيت زوجها وهي في غاية السعادة، لم تُفكرن في مصير أختهن الكبيرة!

لما وجدت الأخت الكبيرة نفسها في هذا الموقف اتصلت بالتاجر الذي اشترى البيت، وحكت له عن وصيّة والدها، وأنها ليس لها إلا هذا البيت يأويها، وطلبت منه أن يصبر عليها بضعة أشهرٍ تمكث في بيت أبيها حتى تجد لها مكاناً مُناسباً تعيش فيه؛ فتفهَّم الرجل حالتها، ووافق على طلبها.

مضت عدة شهورٍ ثم تلقَّت الأخت الكبيرة اتصالاً من الرجل الذي اشترى البيت، فخافت أن يطردها منه، ولم تكن قد وجدت لنفسها مأوىً بعد، حدَّد الرجل معها موعداً، وأتاها للبيت فقالت له: "اعذرني؛ أنا لم أجد مكاناً بعد"! ففوجئت به يقول: "لا عليك، أنا لم أحضر من أجل ذلك، لكني أتيتُ لأُسلِّمكِ ورقةً من المحكمة؛ لقد وهبتُ هذا البيت لكِ مهراً! إن شئتِ قبلتِ أن أكون لك زوجاً، وإن شئتِ رجعتُ من حيث أتيتُ، وفي كلتا الحالتين البيت هو لكِ، وهذه هي ورقة الهبة باسمك موثقةٌ من المحكمة!"، بكت الأخت الكبيرة، وعلمت أن الله لا يُضيِّع عمل المُحسنين، فوافقت على الزواج من ذلك التاجر الطيب، وكسبت زوجاً كريماً، وأصبح بيت أبيها بيتها بعد أن باعته أخواتها ولم تُفكرن في مصيرها، لكن الله عوَّضها خيراً.

علق ناشر القصة عليها بقوله: "مهما فعلتَ من خيرٍ فلن يُضيِّع الله أجرك، فكيف إن كان الخير هو البر بالوالدين؟! لا تنسوا أن (البِر لا يبلى) والذَّنب لا يُنسَى، والدَّيَّان لا يَموت، فَكُن كما شئتَ فَكَما تدينُ تُدان.

 

وهذا أحد الرجال كتب يقول: إنه قبل خمسين عاماً حجَّ مع والده بصحبة قافلةٍ من الجِمال، وعندما تجاوزوا منطقة «عفيف» رغب الأب في أن يقضي حاجته؛ فأنزله الابن من البعير، ومضى الأب إلى قضاء حاجته وقال لابنه: "انطلق مع القافلة وسوف ألحق بكم"، مضى الابن، وبعد بُرهةٍ من الزمن التفت فوجد أن القافلة بعدت عن والده؛ فعاد على قدميه مُسرعاً وحمل والده على كتفه ثم انطلق يجري به، يقول الابن: "بينما أنا أحمل والدي على كتفي أحسستُ برطوبةٍ تنزل على وجهي، وتبين لي أنها دموع والدي، فقلتُ له: واللهِ إنك أخفُّ على كتفي من الريشة؛ فقال أبي: ليس لهذا السبب أبكي، إنما أبكي لأني تذكرتُ أني في هذا المكان كنتُ قد حملتُ والدي"!

 

صدق من قال (البِر لا يبلى)، يقول أهل العِلم إن هذه العبارة جزءٌ من حديثٍ ضعيفٍ، لكن معناه صحيحٌ؛ فالبِر قد فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: [البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ]، و"البِر" يكون بمعنى الصلة، وبمعنى اللُطف وحُسن الصُحبة والعشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع حُسن الخُلُق. ومعنى "يبلى" يزول نفعه، مِن بَلِيَ الثوب أي صار قديماً وتقطع. ومعنى (البِر لا يبلى) أي أن ما يُقدِّمه الإنسان من أنواع البِر وحُسن الخلق يعود لصاحبه، ولو بعد حينٍ، ويبقى أثره، ويجده العبد في صحيفة أعماله فيجازيه الله على إحسانه.

 

وكما يعود عمل الخير لأهله، فإن عمل السوء -كذلك- يعود لأهله، يقول الشاعر:

المَرْءُ يُعْرَفُ فِي الأَنَامِ بِفِعْلِهِ

وَخَصَائِلُ المَرْءِ الكَرِيمِ كَأَصْلِهِ

اِصْبِر عَلَى حُلْوِ الزَّمَانِ وَمُرِّهِ

وَاعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ

لا تَسْتَغِيبَ فَتُسْتَغابُ، وَرُبّمَا

مَنْ قَالَ شَيْئًا، قِيْلَ فِيْهِ بِمِثْلِهِ

وَتَجَنَّبِ الفَحْشَاءَ لا تَنْطِقْ بِهَا

مَا دُمْتَ فِي جِدِّ الكَلامِ وَهَزْلِهِ

وَإِذَا الصَّدِيْقُ أَسَى عَلَيْكَ بِجَهْلِهِ

فَاصْفَحْ لأَجْلِ الوُدِّ لَيْسَ لأَجْلِهِ

كَمْ عَالِمٍ مُتَفَضِّلٍ، قَدْ سَبّهُ

مَنْ لا يُسَاوِي غُرْزَةً فِي نَعْلِهِ!

البَحْرُ تَعْلُو فَوْقَهُ جِيَفُ الفَلا

وَالدُّرُّ مَطْمُوْرٌ بِأَسْفَلِ رَمْلِهِ

وَاعْجَبْ لِعُصْفُوْرٍ يُزَاحِمُ بَاشِقًا

إلاّ لِطَيْشَتِهِ وَخِفّةِ عَقْلِهِ!

إِيّاكَ تَجْنِي سُكَّرًا مِنْ حَنْظَلٍ

فَالشَّيْءُ يَرْجِعُ بِالمَذَاقِ لأَصْلِهِ

فِي الجَوِّ مَكْتُوبٌٌ عَلَىَ صُحُفِ الهَوَى

مَنْ يَعْمَلِ المَعْرُوفَ يُجْزَ بِمِثْلِهِ

 

أحبتي.. إنَّ فِعل الحسنات والإحسان إلى الغير يعود على صاحبه بالخيرات في الدنيا والآخرة، كما أنه مِنْ أسباب دوام الثناء الجميل؛ يقول الشاعر:

قَدْ ماتَ قَوْمٌ وَما ماتَتْ فَضائِلُهُم

وَعاشَ قَوْمٌ وَهُمْ في النّاسِ أَمْواتُ

علينا إذن أن نُبادر إلى كل عمل خيرٍ مُمكنٍ، مع أهلنا وجيراننا وزملائنا، ومع من هُم أغرابٌ عنا، فسيعود عمل الخير علينا، عاجلاً أو آجلاً في الحياة الدُنيا، كما سيُكتب لنا في موازين حسناتنا في الآخرة. وعلينا أن نُعامِل كل إنسانٍ كما نُحب أن نُعامَل؛ فلا نظلم، ولا نكذب، ولا نغتاب؛ فالزمن سيدور ونذوق مُر ما فعلنا.

اللهم ألهمنا رشدنا، واهدنا إلى ما تُحبه وترضاه.

 

https://bit.ly/488xdCR