الجمعة، 23 يناير 2026

ميلاد جديد

 

خاطرة الجمعة /535

الجمعة 23 يناير 2026م

(ميلاد جديد)

 

قصةٌ عجيبةٌ لتوبة شابٍ صديقٍ لي، حدثت في الواقع، طلبتُ منه أن يحكيها لي بالتفصيل؛ فقال:

كما تعلم، أنا شابٌ في مُقتبل العُمر.. عُمري يقترب من الواحد والعشرين عاماً، وقصة توبتي غريبةٌ جداً.. وهذه هي، أرجو أن تُعيد نشرها عسى أن يجعل الله بها النفع للأُمة، وأتمنى من الله رب العالمين أن أكون من قوافل التائبين المقبولة توبتهم بإذنه تعالى، وأدعوه عزَّ وجلَّ أن يُثَّبتني على دينه.

أنت تعلم أن كثيراً ما كان يتحدث الناس عني على أني عبقريٌ ومُبدعٌ في أفكاري، وكُنتُ أستغل هذه الشُهرة في المزيد من المعاصي ولا أهتم إلا بإشباع شهواتي. ورغم أني مُسلمٌ، إلا أنني لم أكن أعلم عن الإسلام إلا قليلاً، وكم قامت أُختي بنصحي، لكني كُنتُ دائماً أتهرب منها، كانت كلماتها لا تنال مني إلا السُخرية. الغريب في قصة توبتي -كما سأرويها لك- أن أسباب المعصية هي نفسها أسباب التوبة! كُنتُ مُدمناً لجميع الشهوات، ولم أترك ذنباً إلا فعلته.. كُنتُ حقاً ظالماً لنفسي، هذا أقل تعبيرٍ عن حالتي، بل هو أدق وأفضل وأشمل تعبيرٍ؛ لأن الله سُبحانه وتعالى قد ذكره حين وصف العُصاة. كُنتُ مُدمناً لغُرف الدردشة مع البنات على شبكة الإنترنت، وكان ذلك يشغل كثيراً من وقتي، وكُنتُ أنا وأي بنتٍ أُدردش معها نتحدث بمّا حرَّم الله، وكُنتُ أجد مُتعةً غريبةً في ذلك! لا أدري لماذا؟

تعرفتُ ذات يومٍ على فتاةٍ من «الولايات المتحدة الأمريكية»، كانت في العشرين من عُمرها، مُتزوجةً وأُماً لولدٍ جميل.. تعرفتُ عليها صدفةً.. وكُنتُ أتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقةٍ، سألتني: "ما اسمك؟"، قُلتُ لها: "اسمي «مُحمد»"، ما كدتُ أنطق كلمة «مُحمد» إلا ووجدتها تكاد تطير من الفرح؛ إذ قالت لي: "إذن أنت مُسلمٌ! هل حقاً أنت مُسلمٌ؟ لا أصدق! أُريد أن أعرف الكثير عن الإسلام، أرجوك لا تتركني كما تركني غيرك، أرجوك لدي آلاف الأسئلة التي أود أن أسألها، أرجوك"... قُلتُ في نفسي: "يا لها من تعيسة الحظ؛ تطلب معلوماتٍ عن الإسلام من أبعد شخصٍ عنه! ربنا يستر!". لكني شعرتُ أنها حقاً أول مرةٍ في حياتي أعيش فيها لحظةً أهتم فيها بأمر ديني! أول مرةٍ أعيش فيها لهدفٍ غير عبثي وإشباع شهواتي.. شعرتُ بإحساسٍ غريبٍ.. أغلقتُ كل دردشاتي الأُخرى مع مَن أتحدث معهن من الفتيات الساقطات.. تعجبتُ؛ لأول مرةٍ في حياتي أترك شهوتي لأجل شيءٍ... حتى الآن لا أعلم ما هو هذا الشيء ... لا أعلم منه إلا اسمه "الإسلام"! قُلتُ لعلها تسألني وأُجيب، مع يأسي التام من قُدرتي على الإجابة.. وبالفعل سألتني: "ما الإسلام؟"، قُلتُ لها: "من فضلك ثانية واحدة"، دخلتُ بسرعةٍ على مواقع إسلامية.. وظللتُ أبحث عن كل سؤالٍ تسأله، ونجحتُ في الإجابة عن مُعظم الأسئلة.. سألتني: "من هي «عائشة»؟"، قُلتُ لها: "«عائشة»؟!"، كُنتُ لا أعلم عنها شيئاً! أخذتُ أبحث عنها في المواقع الإسلامية، وبينما أنا أبحث كُنتُ أشعر بحماسٍ ورغبةٍ غريبةٍ في مُساعدتها.. قُلتُ لها: "أُختي انتظريني أياماً، سأُرسل لك كتاباً يُعلمك ما الإسلام"، لا تتصور مدى سعادتي من كلمة "أُختي".. أول مرةٍ في حياتي أُنادي فتاةً بكلمة "أُختي".. الله! لأول مرةٍ أشعر بالطهارة.. حتى ذرفت عينايّ بالدُموع.. لم أنم ليلتي.. ظللتُ أسأل أُختي الحقيقية بعض الأسئلة التي سألتني إياها أُختي الأمريكية؛ مثل: هل الحجاب فريضة؟ هل تعدد الزوجات واجب؟ هل وهل وهل.. ذهبتُ إلى مكتبةٍ مُتخصصةٍ لشراء بعض الكُتب المكتوبة باللغة الإنجليزية عن الإسلام، لكني فوجئتُ بأني لا أملك ما يكفي من المال.. سألتُ نفسي: "ماذا أفعل؟".. كُنتُ أشعر أن الموت يُسابقني، ويجب أن أكون أسرع منه لها قبل أن تموت وتدخل النار.. لأول مرةٍ أُحدِّث نفسي بهذه اللهجة.. تعجبتُ.. ذهبتُ إلى أحد أصدقاء السوء -وكان غنياً جداً- واقترضتُ منه مبلغاً من المال، كُنتُ أنوي ألا أرده له، لكن بعد التزامي رددته لعلمي بأهمية رد الدَيْن، والحمد لله.. اشتريتُ لها كتابين قرأتهما قبلها.. شعرتُ بأن هذا الدين عظيمٌ.. واشتريتُ لها زياً إسلامياً جميلاً، مثل الزي الذي ترتديه أُختي؛ لعلمي بصعوبة الحصول على الأزياء الإسلامية هناك، واشتريتُ لها مصاحف قُرآنٍ مُسجلةً بالصوت لبعض مشاهير القُراء.. وأرسلتُ كل هذا بالبريد السريع الدولي ليصل إليها في أقصر وقتٍ مُمكن.. وبالفعل وصل إليها.. وقرأت الكتابين، وقالت لي: "هذا ما كُنتُ أُريد.. ماذا أفعل لكي أدخل في الإسلام؟"، حينها لا تتصور ما حدث لي؛ بكيتُ كثيراً.. وانسابت دموعي؛ فسألتني: "لماذا تبكي؟"، فقد كانت تسمعني وكُنتُ أتحدث معها بالمايك.. قُلتُ لها: "لأن ميلادي مع ميلادك".. لم تفهم ما أقصده من أن ما حدث هو (ميلاد جديد) لي، لكني أخبرتها أن تُردد الشهادتين وتذهب لتغتسل.. كُنتُ قد سألتُ عن هذا انتظاراً لهذه اللحظة.. لا تتصور وهي تُردد بعدي "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن مُحمداً رسول الله" وكأني أُرددها معها لأول مرةٍ؛ فلا أتذكر أني قد قُلتها قبل ذلك! سألتني: "ما معناها؟"، فأخبرتها أنه لا يوجد إلهٌ غير الله في الكون، وأن مُحمداً رسول الله، وظللتُ أتوسع في شرح معناها، لكن العجيب أني لم أكن أدري عن هذه الكلمات؛ كانت غائبةً عني أو بالأحرى؛ كُنتُ أنا غائباً عنها.. أيقنتُ أن هذه الكلمات لها معانٍ عظيمة، ثم قالت: "مُحمد، قُل لا إله إلا الله، وضحكت" قُلتها وأنا أبكي من سعادتي، أبكي بُكاءً مريراً.. ثم قلتُ لها: "قولي يا أُختي، مُحمدٌ رسول الله"، فقالتها ثم ضحكت بسعادةٍ، وقالت: "مُحمد، الآن وجدتُ حياتي.. لقد كُنتُ مُحطمةً وقلبي كسيرٌ، حاولتُ الانتحار خمس مراتٍ، وكان زوجي يُنقذني.. ولكني الآن أشعر بسعادةٍ غامرةٍ، وأشعر أني وجدتُ نفسي ووجدتُ سعادتي، أشعر بأن ما حدث معي هو (ميلاد جديد)"، قُلتُ لها: "إذن أنتِ وُلدتِ هذه الليلة"، قالت: "حقاً نعم"، قُلتُ لها: "وأنا كذلك!"، وحكيتُ لها قصتي، وكيف كُنتُ مُسلماً بالاسم فقط، وأشعر الآن بأني وُلدتُ من جديد"، قالت: "فهمتُ الآن ميلادي مع ميلادك"، ثم قالت: "إذن ردد يا أخي وقُل: لا إله إلا الله"، قُلتُ لها: "نعم، لا إله إلا الله، رب العالمين"، وضحكتُ وشعرتُ بأني أسلمتُ من جديد. قامت واغتسلت واتفقنا أن نتقابل بعد نصف ساعةٍ، أما أنا فقد سمعتُ المؤذن يؤذن لصلاة الفجر؛ فقمتُ وتوضأتُ -كُنتُ لا زلتُ أذكر كيفية الوضوء من أيام المدرسة- وتوجهتُ إلى المسجد، وصليتُ مع الجماعة، ذرفت عينايّ الكثير من الدموع، وشعرتُ بلذةٍ غريبةٍ، كانت ألذ بكثيرٍ من تلك اللذة التي كُنتُ أتذوقها في الحرام؛ لذة الإيمان، حقاً إن للإيمان لذةً غريبةً. عدتُ بعد انتهاء الصلاة، وتواصلتُ مع أُختي الأمريكية، وأخبرتني من هي السيدة «عائشة» -رضي الله عنها- وظللتُ أتعلم منها الكثير عن الإسلام! تخيل أني أتعلم الدين ممن كُنتُ سبباً في إسلامها، وهي عُمرها في الإسلام دقائق معدودةٌ! شيءٌ غريبٌ جعلني أبكي مُتأثراً. أخبرتني أنها غيَّرت اسمها إلى «عائشة»، وبعد يومين فوجئتُ بها تُخبرني باعتناق زوجها الإسلام، وأنهم سموا ابنهم «أحمد».. بكيتُ بُكاءً حاراً.. وحمدتُ الله كثيراً.. فما حدث لم يكن لي فضلٌ فيه وإنما هو توفيق من الله.. لا أستطيع أن أُصدق أنني كُنتُ سبباً في إسلام ثلاثة أنفسٍ يشهدون لي يوم القيامة، وتكون أعمالهم في ميزان حسناتي... ولم أكن قبل ذلك على شيءٍ من الإسلام.. إنه (ميلاد جديد) ظللتُ بعده أتعلم الكثير عن ديني، ووجدتُ في مكتبة أُختي الحقيقية الكثير من الكُتب والمراجع؛ أخذتُ أقرأ وأقرأ وأتعلم، ووجدتُ أحوالي تنصلح؛ شعرتُ بلذة الصلاة ولذة العبادة، وتركتُ كل شهواتي وكل أصدقائي الفاسقين، ورُحتُ كل حينٍ أُردد: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن مُحمداً رسول الله" وأبكي وأبكي.. وفرِحت أُمي بذلك وقالت: "حقاً كل شيءٍ وله أوان"، قُلتُ لها: "صدقتِ يا أُمي". وتحولتُ من البحث عن فاسقةٍ أو لعوبٍ لأتحدث معها أو أُقابلها، إلى البحث عن كل من يُريد الإسلام، ويُريد أن يعرف عنه شيئاً.. تخيل، فوجئتُ بالكثير يُريدون معرفة معلوماتٍ عن الإسلام.. وكُلما عرفتُ أحداً منهم أرسلتُ له نفس الكتابين ونسخةً من القُرآن الكريم؛ حتى أسلم على يديّ ثلاثة أشخاصٍ آخرين: اثنان من «الولايات المتحدة الأمريكية»، وفتىً من «بريطانيا».. وفرحتُ بذلك كثيراً.. وكانت «عائشة» أم «أحمد» تُساعدني في الحديث معهم؛ حتى أنها أقنعت أُختها بالإسلام.. والحمد لله رب العالمين.. وأخيراً، لا أستطيع أن أُخبرك عن مدى سعادتي بالإسلام، أنا أسلمتُ مع هؤلاء حقاً، وعلمتُ أن الدعوة فرض عينٍ في ظل هذا الانفتاح وكون العالم كله صار قريةً صغيرةً؛ فيجب على المُسلمين العمل لتعريف الأجانب بالإسلام والدعوة له، وهو الذي طالما ظلموه وافتروا عليه، وهو أغنى الأغنياء عنهم وعنّا، ونحن أفقر الفقراء إليه.. تحولت دفة حياتي تماماً؛ أصبح كل همي الدعوة إلى الله.. والعمل له.. وأرجو من الله رب العالمين أن يرحمني، وأن يُيسر لي شأني كله، ويُثبتني.. هل تعلم يا أخي إن الدعوة إلى الله رزقٌ يسوقه الله إلى العبد.. أشعر بأني مرزوقٌ في الدعوة رزقاً غريباً، أشعر أن رزقي واسعٌ في هذا الأمر.. اللهم وَسِّع أرزاقنا.. وأرجو أن تحكي قصتي هذه لمن يُتابعونك عسى الله أن يرزقهم النفع والفائدة.. وأعتذر عن الإطالة، بالرغم من أن ما قلته لك لا يحمل معشار ما تحمل خواطري من مشاعر.. لكن الكلمات تعجز عن وصف ما أنا فيه من السعادة..

 

أحبتي في الله.. إنه توفيق الله لهذا الشاب، الذي تحَوَّل من شابٍ ضائعٍ ميت الروح والقلب، إلى داعيةٍ للإسلام أسلم على يديه عددٌ من الأشخاص.

سبَّب الله سُبحانه وتعالى الأسباب؛ كأنه (ميلاد جديد) أظهر المعدن الأصيل لهذا الشاب الذي كان بعيداً عن الدين بُعداً كبيراً، وكأن توفيق الله كان بمثابة المطر الذي نزل على أرضٍ جرداء لكنها قابلةٌ للنماء والاخضرار فخرج الزرع زاهراً زاهياً، وكان الحصاد مُذهلاً وغير مُتوقعٍ؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: [مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ به مِنَ الهُدَى والعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا، فَكانَ مِنْها نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الماءَ، فأنْبَتَتِ الكَلَأَ والعُشْبَ الكَثِيرَ، ...]؛ بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإسلام مثل المطر الذي نـزل على أرضٍ، والأراضي ليست سواء، فذكر صلى الله عليه وسلم أنواعها؛ ومنها أرضٌ خصبةٌ عندما نـزل الماء عليها شربته وقبلته؛ فأنبتت الكلأ والعُشب الكثير، فهذا مثل الإنسان الذي امتلأ قلبه بالإيمان، وخشعت به جوارحه؛ فأثمر العمل والدعوة والصدق والإخلاص.

 

يقول تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ بيَّن الله سُبحانه أن هذا الواجب هو على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابتداءً، وعلى أتباعه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ويقول سُبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وهذا تأكيدٌ على أن الدعوة إلى الله هي من أحسن الأقوال. ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ويقول تبارك شأنه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، وقال أيضاً: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وهذا يوضح أن قيام كل فردٍ بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر بحسب قُدرته فرض عينٍ، وأن دعوة غير المُسلمين إلى الإسلام، ودعوة المُسلمين الضالين إلى الرجوع إلى دِينهم، واجبٌ على كل مُسلمٍ قادرٍ، رضي بالله ربّاً، وبالإسلام دِيناً، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيّاً ورسولاً.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: [لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بكَ رَجُلًا واحِدًا، خَيْرٌ لكَ مِن أنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ]، ويقول عليه الصلاة والسلام: [إنَّ اللَّهَ وملائِكتَهُ وأَهلَ السَّماواتِ والأرضِ حتَّى النَّملةَ في جُحرِها وحتَّى الحوتَ ليصلُّونَ على معلِّمِ النَّاسِ الخيرَ]؛ ويقول كذلك: [والَّذي نَفسي بيدِهِ لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولتَنهوُنَّ عنِ المنكرِ أو ليوشِكَنَّ اللَّهُ أن يبعثَ عليكُم عقابًا منهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ]، كما يقول صلى الله عليه وسلم: [مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلكَ أضْعَفُ الإيمانِ]، ويقول أيضاً: [بَلِّغُوا عَنِّي ولو آيَةً]؛ فكل مؤمنٍ مُخاطَبٌ بهذا الخطاب النبوي الذي يُشرفنا أن نكون حاملين له، وأن نكون مُنتمين إليه.

 

ويقول أهل العلم إن السعي في هداية الناس من أعظم العبادات وأفضل القُرب، وقد رغَّب الشارع فيه كثيراً، ولا يُتصور أبداً أن يكون أحدٌ من أهل الإسلام ينتمي إلى هذا الدين العظيم ولا يكون داعيةً له، فكل مُسلمٍ في الحقيقة يقتضي إيمانه أن يكون من الدُعاة إلى الله؛ لأن تعليمه لكل من حوله وتواصيه معهم بالخير والبِر، هو من قبيل الدعوة إلى الله جلَّ وعلا.

وليس من شروط الدعوة أن يكون الإنسان عالماً بكل شيءٍ، وإنما يدعو كل أحدٍ بما يقدر عليه وما يعلمه؛ فينبغي إذن على كل مُسلمٍ أن يدعو إلى الله تعالى حسب وسعه وعِلمه، فلا يُشترط فيمن يدعو إلى الله أن يكون عالماً أو حامل شهادةٍ، ولكنه إذا عَلِم آيةً، أو مسألةً من مسائل الدين علَّمها لمن لا يعلمها. وليس من شروط من يدعو للإسلام ويأمر بالمعروف وينهى عن المُنكر، أن يكون مُنزهاً عن المعاصي، ولو كان هذا شرطاً للدعوة إلى الله ما وجدنا داعياً؛ فنحن جميعاً بشرٌ، ولسنا ملائكةً، المُهم أن نُخلص في الدعوة إلى الله، وأن نعمل بكل صدقٍ على أن نتحلى بأعلى مستوىً مُمكن من الأخلاق لنكون قُدوةً لغيرنا ومثالاً يُحتذى به.

 

أحبتي.. ما أحوج كل واحدٍ منا إلى (ميلاد جديد)؛ فإن كان على طريق الهُدى؛ فيكون ذلك بتحسين أداء العبادات والقيام بالفُروض على وجهها الأكمل، والاستزادة من النوافل، والإكثار من الأعمال الصالحة، كما يكون بالأخذ بيد العُصاة والمُقصرين من الأهل والجيران والأصدقاء والزملاء، وغيرهم، ليكون في ذلك (ميلاد جديد) لهم. أما معنى الميلاد لمن قصَّر منا في علاقته مع الله سُبحانه وتعالى؛ فهو أن يقطع صلته بأسباب البُعد عن طريق الصواب؛ فيبتعد عن أصدقاء السوء، ويبحث عن الرفقة الصالحة، ويُكثر من الدُعاء لله سُبحانه وتعالى أن يُساعده ويُثبِّته، ليبدأ صفحةً جديدةً تكون بمثابة (ميلاد جديد) له، عسى أن يُنقذ نفسه من النار وبئس المصير، وليعلم أن طاعة الله لها لذةٌ ولها طعمٌ لا يعرفه إلا من جرَّبه، ولا يتلذذ به إلا من عايشه؛ في لحظةٍ تدمع عيناه فيها حُباً لله وشوقاً إليه، في ركعةٍ يقومها في الليل يُناجي ربه، في ذِكرٍ يُرطب به لسانه، في سكينةٍ تغشى حياته، في اطمئنانٍ يملأ قلبه، في إحساسٍ بالراحة والأمان لم يكن يشعر به من قبل.

اللهم اهدنا واهدِ بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى. اللهم اكتب لنا القبول، واجعلنا من عبادك الصالحين، ومن الأتقياء المُصلحين.

 

https://bit.ly/4beLCPH

الجمعة، 16 يناير 2026

عُد إلى الله

 

خاطرة الجمعة /534

الجمعة 16 يناير 2026م

(عُد إلى الله)

 

كتب يقول: لقد تغير صاحبي.. نعم تغير؛ ضحكاته الوقورة التي تُصافح أذنيك كنسماتٍ نديةٍ، كانت من قبل ضحكاتٍ ماجنةً مُستهترةً تصك الآذان وتؤذي المشاعر.. نظراته الخجولة التي تنم عن طُهرٍ وصفاءٍ، كانت من قبل جريئةً وقحةً.. كلماته الهادئة الرقيقة، كانت من قبل تخرج من فمه دون حسابٍ يُبعثرها هُنا وهُناك، تُصيب هذا وتجرح هذا ولا يعبأ ولا يهتم.. وجهه الذي تُزينه الآن لحيةٌ وقورةٌ وتُحيط به هالةٌ من نور ٍ، كانت ملامحه من قبل تُعبر عن عدم المبالاة.. نظرتُ إليه وأطلتُ النظر؛ ففهم ما يدور في خلدي فقال: "لعلك تُريد أن تسألني: ماذا غيَّرك؟"، قلتُ: "نعم هو ذاك؛ فصورتك التي أذكرها مُنذ لقيتك آخر مرةٍ من سنواتٍ تختلف"، فتنهد قائلاً: "سُبحان الله مُغير الاحوال"، قلتُ: "لابد أن وراء ذلك قصةً"، قال: "نعم قصةٌ كلما تذكرتها ازددتُ إيماناً ويقيناً، قصةٌ تفوق الخيال ولكنها وقعت"، التفت إليّ وقال: "كنتُ أقود سيارتي مُتجهاً إلى «القاهرة».. وعند أحد الجسور المُوصلة إلى إحدى القُرى فوجئتُ ببقرةٍ تجري ويجري وراءها صبيٌ صغيرٌ.. ارتبكتُ.. واختلت عجلة القيادة في يديّ، ولم أشعر إلا وأنا في أعماق الماء بترعة «الإبراهيمية»، ورفعتُ رأسي إلى أعلى عسى أن أجد مُتنفساً.. لكن الماء كان يغمر السيارة، مددتُ يدي لأفتح الباب فلم ينفتح.. هنا تأكدتُ أني لا محالة هالك. وفي لحظاتٍ، لعلها ثوانٍ، مرَّت أمام ذهني صورٌ سريعةٌ مُتلاحقةٌ هي صور حياتي الحافلة بكل أنواع العبث والمُجون.. تمثَّل لي الماضي شبحاً مُخيفاً، وأحاطت بي الظُلمات كثيفةً، وأحسستُ بأني أهوي إلى أغوارٍ سحيقةٍ ومُظلمةٍ؛ فانتابني فزعٌ شديدٌ فصرختُ في صوتٍ مكتومٍ: "يا رب".. ودُرتُ حول نفسي ماداً ذراعيّ أطلب النجاة، لا من الموت الذي أصبح مُحققاً، بل من خطاياي التي حاصرتني وضيَّقت عليّ الخناق.. أحسستُ بقلبي يخفق بشدةٍ فانتفضتُ.. وبدأتُ أزيح من حولي تلك الأشباح المُخيفة وأستغفر ربي قبل أن ألقاه، وأحسستُ أن كل ما حولي يضغط عليّ كأنما استحالت المياه إلى جُدرانٍ من حديدٍ، فقلتُ إنها النهاية لا محالة؛ فنطقتُ بالشهادتين وبدأتُ أستعد للموت.. حرَّكتُ يدي فإذا بها تنفذ في فراغٍ يمتد الى خارج السيارة.. تذكرتُ في الحال أن زجاج السيارة الأمامي مكسورٌ.. وأن الله سُبحانه وتعالى شاء أن ينكسر في حادثٍ قبل ثلاثة أيام! قفزتُ دون تفكيرٍ، ودفعتُ بنفسي من خلال هذا الفراغ.. فإذا الأضواء تغمرني، وإذا بي خارج السيارة.. ونظرتُ فإذا جمعٌ من الناس يقفون على الشاطئ، كانوا يتصايحون بكلماتٍ لم أتبينها، ولمّا رأوني خارج السيارة نزل اثنان منهم وصعدا بي إلى الشاطئ؛ فوقفتُ ذاهلاً عمّا حولي، غير مُصدقٍ أني نجوتُ من الموت، وأني الآن بين الأحياء! كنتُ أنظر إلى السيارة وهي غارقةٌ في الماء وأتخيل حياتي الماضية سجينةً فيها.. أتخيلها تختنق وتموت.. لقد ماتت فعلاً، وهي راقدةٌ في نعشها أمامي، تخلصتُ من حياتي الماضية وخرجتُ مولوداً جديداً لا يمت إلى الماضي بصلةٍ، وأحسستُ برغبةٍ شديدةٍ في الجري والهروب بعيداً عن هذا المكان الذي دُفِنَت فيه ذُنوبي وخطاياي.. ومضيتُ إلى البيت إنساناً آخر غير الذي خرج قبل ساعاتٍ.. دخلتُ البيت، وكان أول ما وقع عليه بصري صورٌ مُعلقةٌ على الحائط لبعض المُمثلات ولنساءٍ عارياتٍ، اندفعتُ إلى تلك الصُور ومزقتها، ثم ارتميتُ على سريري أبكي.. ولأول مرةٍ أُحس بالندم على ما فرطتُ في جنب الله.. فأخذت الدموع تنساب بغزارةٍ من عينيّ، وأخذ جسمي يهتز، وفيما أنا كذلك إذا بصوت المُؤذن يُجلجل في الفضاء، كأنه يقول لي: (عُد إلى الله)، وكأني أسمع الأذان لأول مرةٍ؛ فانتفضتُ واقفاً وتوضأتُ وذهبتُ إلى المسجد وصليتُ.. وبعد الصلاة أعلنتُ -بيني وبين نفسي- توبتي، ودعوتُ الله أن يغفر لي، ومُنذ ذلك الحين وأنا كما ترى". قلتُ له: "هنيئا لك أخي، وحمداً لله على السلامة، لقد أراد الله بك خيراً، والله يتولاك ويرعاك، ويُثبِّت على الحق خُطاك".

 

أحبتي في الله.. مَن أراد الله به خيراً، سبَّب له من الأسباب ما يُعينه على التوبة، ووفقه إلى طريق الصواب؛ ومِن هؤلاء صاحب هذه القصة، هو شابٌ يافعٌ كان يعيش مثل بعض أقرانه؛ لا يأبه بأوامر الله ولا نواهيه، وذات ليلةٍ أراد الله به خيراً، فرأى في المنام مشهداً أيقظه من غفلته، وأعاده إلى رُشده، يُحدثنا عن قصته فيقول: في ليلةٍ من الليالي ذهبتُ إلى فراشي كعادتي لأنام، فشعرتُ بقلقٍ يُساورني؛ فاستعذتُ بالله من الشيطان الرجيم ونمتُ، فرأيتُ فيما يرى النائم، أن شيئاً غريباً وضخماً قد وقع من السماء على الأرض.. لم أتبين ذلك الشيء، ولا أستطيع وصفه، فهو مثل كُتلة نارٍ عظيمةٍ، رأيتها تهوي نحوي فأيقنتُ بالهلاك.. أصبحتُ أتخبط وأجري أبحث عن أي مخلوقٍ يُنقذني من هذه المُصيبة... سمعتُ أناساً حولي يقولون إن هذه بداية يوم القيامة، وإن الساعة قد وقعت، وهذه أولى علاماتها.. فزِعتُ، وتذكرتُ جميع ما قدمتُ من أعمالٍ، الصالح منها والطالح، وندمتُ أشد الندم.. عضضتُ أصابعي بأسناني ندامةً وحسرةً على ما فرطتُ في جنب الله.. قلتُ وقد تملكني الخوف: "ماذا أفعل الآن؟ وكيف أنجو؟"... فسمعتُ مُنادياً يقول: "اليوم لا ينفع الندم.. سوف تُجازَى بما عملتَ.. أين كنتَ في أوقات الصلوات؟ أين كنتَ عندما أتتك أوامر الله؟ لِمَ لمْ تمتثل الأوامر وتجتنب النواهي؟ كنتَ غافلاً عن ربك.. قضيتَ أوقاتك في اللعب واللهو، وجئتَ الآن تبكي.. سوف ترى عذابك الآن". زادت حسرتي لما سمعتُ المُنادي يتوعدني بالعذاب.. بكيتُ وبكيتُ ولكن بلا فائدة.. وفي هذه اللحظة العصيبة استيقظتُ من نومي.. تحسستُ نفسي فإذا أنا على فراشي.. لم أُصدق أني كنتُ أحلم حتى تأكدتُ من نفسي.. تنفستُ الصُعداء، لكن الخوف كان ما يزال يتملكني؛ ففكرتُ وقُلتُ في نفسي: "إن هذا إنذارٌ لي من الله سُبحانه وتعالى.. ويوم الحشر لابدّ منه، إذن لماذا أعصي الله؟ لِمَ لا أنتهي عما حرَّم الله؟".. أسئلةٌ كثيرةٌ جالت في خاطري ولم أجد سوى إجابةٍ واحدةٍ: (عُد إلى الله) حتى تنجو في ذلك اليوم العظيم.. أصبح الصباح، وصليتُ الفجر، فوجدتُ حلاوةً في نفسي.. وفي ضُحى ذلك اليوم نزلتُ لأركب سيارتي.. نظرتُ بداخلها فإذا هي مليئةٌ بأشرطة الغناء والمُوسيقى.. تخلصتُ منها، واكتفيتُ ببعض الأشرطة الإسلامية النافعة. بقيتُ على هذه الحال، في كل يومٍ أتقدم خُطوةً إلى طريق الهداية التي أسأل الله أن يُثبِّتني وإياكم عليها.

 

ما أكثر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدعو إلى التوبة والرجوع إلى الله؛ ومن ذلك: يقول الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبََادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، ويقول أيضاً: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾، ويقول كذلك: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، كما يقول: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، وهو القائل: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، ويقول: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ويقول أيضاً: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ويقول كذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾.

 

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [قالَ اللَّهُ تبارَكَ وتعالى يا ابنَ آدمَ إنَّكَ ما دعوتَني ورجوتَني غفَرتُ لَكَ على ما كانَ فيكَ ولا أبالي، يا ابنَ آدمَ لو بلغت ذنوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لَكَ، ولا أُبالي، يا ابنَ آدمَ إنَّكَ لو أتيتَني بقرابِ الأرضِ خطايا ثمَّ لقيتَني لا تشرِكُ بي شيئًا لأتيتُكَ بقرابِها مغفرةً]،

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: [اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِهَا]. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِن أَحَدِكُمْ كانَ علَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ منه وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فأيِسَ منها، فأتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قدْ أَيِسَ مِن رَاحِلَتِهِ، فَبيْنَا هو كَذلكَ إِذَا هو بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فأخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قالَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ]، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إلى اللهِ، فإنِّي أَتُوبُ في اليَومِ إلَيْهِ مِئَةَ مَرَّةٍ]، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ].

 

ويقول أهل العِلم إن الناس جميعاً مُعرَّضون أن تَزِلَّ أقدامُهم للوقوع في المعصية، لكن المُسلم مُرهَف الحِسِّ، رقيق القلب، حاضر الفؤاد، إذا ألمَّت به مُخالفةٌ، وزلَّت القَدمُ به في معصيةٍ، فإن الذنب يقضُّ مضجعه ويؤرِّقه، ويُنغِّص عليه حياته، ولا يزال كذلك، حتى يَغسِل بماء التوبة والاستغفار رِجسَ الذنب. ليس العيب في الوقوع في الخطأ؛ فكل ابن آدم يُخطئ، وإنما تكمن المُصيبة في الإصرار على الخطأ والتمادي في الباطل، مع أن أبواب الرحمة مُفتّحةٌ تدعونا لسُرعة العودة إلى الله، وكأنها تُنادي كلاً منا (عُد إلى الله). إن الاعتراف بالذنب هو بداية طريق التوبة والعودة إلى الله؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [إنَّ العَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ بذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللَّهُ عليه]. وإذا كان ربنا عزَّ وجلَّ يدعونا إلى سعة رحمته، ويُقابل ضعفنا بإحسانه، فما الذي يُبطئ بنا عن إصلاح أنفسنا؟ وما الذي يحول بيننا وبين العودة السريعة والرجوع إلى الله والتوبة النصوح؟ ما أجدر المُذنبين أن يَعودوا إلى الله مُستغفرين تائبين؛ فما أشد حاجتنا إلى أن نتخفَّف من الذنوب، فإنها تُثقِل الكاهل، وتُنقِض الظهرَ، وإن التخفُّف يكون بالتوبة النصوح، وإن التخلص من أعباء الذنوب يَحصُل بالاستغفار.

 

 أحبتي.. يقول اللَّهُ تعالى في الحديث القُدسي: {أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً}، فهيا نُهرول جميعاً إلى الله، طالبين رحمته وغُفرانه، مُخلصين في توبتنا وعودتنا إليه؛ إن النفوس الكبار لا تأنف أن تنصاع للحق، ولا ترضى أن تبقى على الخطأ، ولا تمنعها مكانتها من أن تعود إلى الله. واليوم ما أكثر المُغترين بهذه الدُنيا الفانية، والغافلين عن ذلك اليوم الرهيب ﴿یَوۡمَ یَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِیهِ . وَأُمِّهِۦ وَأَبِیهِ . وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِیهِ﴾، ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، فهلّا أصخينا السمع إلى الصوت الذي يأتينا من داخلنا ويقول لكلٍ منا: (عُد إلى الله)؟ هلّا من عودةٍ إلى الله قبل الموت؟ ليس العيب أن نُخطئ، ولكن العيب أن نستمر في الخطأ ونُصر على السير في طريق الضلال؛ يقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. إن طريق العودة إلى الله تعالى سهلٌ مُيسرٌ؛ فلنُبادر إلى توبةٍ نصوحٍ، وعودةٍ إلى الله، فتنصلح أحوالنا، ونشعر بطُمأنينة القلب وانشراح الصدر. والحذر الحذر من التسويف؛ فكما يُقال: "إذا ركبتَ القطار الخطأ حاول أن تنزل في أول محطةٍ؛ لأنه كلما زادت المسافة زادت تكلفة العودة". إن الطريق للعودة إلى الله مُمهَّد، والتخلُّص من الأوزار يكون بالاستغفار والدُعاء إلى الله أن يقبل توبتنا. وما أجمل أن يكون استغفارنا ودعاؤنا في الثُلث الأخير من الليل، حين تتنزل رحمات الله، حين تكون الخلائق قد أخلدت إلى النوم، وهدأت الدنيا، وغارت النجوم، وتفتَّحت أبوابُ السماء لدعوات الداعين، ولاستغفار المُذنبين، ولاستغاثات المنكوبين، ولتضرُّعات الذين ظلموا أنفسَهم من الناس أجمعين، ندعو الله بإخلاصٍ ونحن مُتيقنون من الإجابة؛ يقول تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، ندعوه مهما كبرت ذُنوبنا وزادت خطايانا وأسرفنا على أنفسنا؛ يقول سُبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم إنا نعوذ بك من الضلالة بعد الهُدى، ونعوذ بك أن نُفتن في ديننا، وأن نُرد على أعقابنا بعد إذ هديتنا، والحمد لله رب العالمين.

https://bit.ly/4qIdNeZ

الجمعة، 9 يناير 2026

مزرعة الآخرة

 

خاطرة الجمعة /533

الجمعة 9 يناير 2026م

(مزرعة الآخرة)

 

تحت عنوان: "من أنتم بحق الله؟!" كتب أحد الأحبة: من بين الدمار والحرب والفقر.. من بين الجُوع والبرد الشديد والمطر.. من بين البؤس والحُزن.. من «قطاع غزة» تُطل علينا فتاةٌ فلسطينيةٌ تفوقت بفهمها وعِلمها على كثيرٍ ممن هُم أكبر منها سناً.. «ندى» عُمرها ١٤ عاماً، يسألها مُراسل إحدى القنوات الفضائية: "كيف كان عام 2025م معك؟"، تُجيب «ندى»: "رغم كل شيءٍ، رغم الفقد والجُوع والبؤس والحرمان، فإن عام 2025م كان أفضل عامٍ في حياتي"، يتعجب المُراسل ويقول: "ماذا تقولين؟!"، فترد بثقةٍ: "نعم؛ في ذلك العام حفظتُ القرآن الكريم كاملاً، وسردتُه في جلسةٍ واحدةٍ في خيمةٍ مُتهالكةٍ تذروها الرياح، وينزل عليها المطر، كنتُ أرتجف من البرد لكن كانت نفسي مُطمئنةً، كنتُ قبل ذلك أحفظ سبعة أجزاءٍ فقط، وكنتُ مُنكسرة النفس أمام صديقاتي اللواتي يحفظن القرآن الكريم كاملاً، أما اليوم فأنا مثلهم"، وتُضيف: "نحن أهل «غزة» أعمارنا قليلةٌ، وننظر دائماً إلى السماء لكي تفتح أبوابها وننطلق إلى الجنة زُمراً.. نحن خُلقنا للجنة، ولم نُخلق لهذه الدُنيا الفانية.. هُم لهم القُصور والملذات والأموال والذهب ومتاع الدنيا الزائل.. إنهم يبحثون عن الحياة الدُنيا، لكنهم كم يعيشون ستين سبعين ثمانين سنة؟ ثم يموتون.. نحن نبحث عن الحياة الأبدية التي وعدنا بها الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد"..

 

علق ناشر القصة بقوله: يا الله.. هل نحن بشرٌ وأنتم بشر؟ اليوم علمتُ لماذا اختار الله «غزة» الصابرة الصامدة.. أُسرةٌ تعيش في خيمةٍ مُتهالكةٍ لا تقي من البرد ويقول أفرادها: "الحمد لله".. إنهم أهل الحمد.. أهل النُفوس المُطمئنة.. هُم الصابرون العابدون، لا يضرهم من خذلهم.. ولا يهمهم ما حصل ويحصل.. لسان حالهم يقول: "نحن نثق بالله.. وكفى".

 

أحبتي في الله.. رغم صِغر سنها فهمت «ندى» حقيقة الدُنيا الفانية الزائلة، وأنها مُجرد معبرٍ للحياة الباقية، وأنها (مزرعة الآخرة).

وعن هذا المعنى تدور أحداث القصة الرمزية التالية:

مُنذ زمنٍ طويلٍ كانت هناك مدينةٌ يحكمها مَلِكٌ، وكان أهل هذه المدينة يختارون الملِك بحيث يحكم فيهم لمدة سنةٍ واحدةٍ فقط، وبعد ذلك يُرْسَل إلى جزيرةٍ بعيدةٍ حيث يُكمل فيها بقية عُمره، ويختار الناس مَلِكاً آخر غيره! وكانوا يُلبسون الملِك الذي تنتهي فترة حُكمه أفخر الثياب، ويودعونه ثم يضعونه في سفينةٍ حيث تنقله إلى تلك الجزيرة البعيدة، وكانت تلك اللحظة هي من أكثر لحظات الحُزن والألم بالنسبة لكل ملِكٍ. في إحدى المرات وقع الاختيار على شابٍ من شباب المدينة ليكون ملِكاً؛ فكان أول شيءٍ فعله أن قام بزيارة الجزيرة التي يُرسلون إليها جميع المُلوك السابقين، رأى الشاب الجزيرة وقد غطتها الغابات الكثيفة، وسمع أصوات الحيوانات المُفترسة، ثم وجد جثث المُلوك السابقين وقد أتت عليها الحيوانات المُتوحشة. عاد الملِك الشاب إلى مملكته، وأرسل على الفور عدداً كبيراً من العُمال، وأمرهم بإزالة الأشجار الكثيفة، وقتل الحيوانات المُفترسة، وكان يزور الجزيرة كل شهرٍ يُتابع العمل بنفسه؛ فبعد شهرٍ واحدٍ تم اصطياد جميع الحيوانات المُفترسة، وأُزيلت أغلب الأشجار الكثيفة. وبعد مُرور الشهر الثاني كانت الجزيرة قد أصبحت نظيفةً تماماً، ثم أمر الملِك العُمال بزرع الحدائق في جميع أنحاء الجزيرة، وقام بتربية بعض الحيوانات والطيور المُفيدة.. ومع بداية الشهر الثالث أمر العُمال ببناء بيتٍ كبيرٍ ومرسى للسفن. وبمرور الوقت تحولت الجزيرة إلى مكانٍ جميلٍ. وكان الملِك مع ذلك يلبس الملابس البسيطة، ويُنفق القليل على حياته في المدينة، وكان يُكَرِّس مُعظم أمواله التي وُهِبَت له في إعمار تلك الجزيرة. اكتملت السنة أخيراً، وجاء دور الملِك لينتقل إلى الجزيرة؛ فألبسه الناس الثياب الفاخرة، وأرسلوه إلى الجزيرة ليقضي فيها بقية عُمره، قائلين له وداعاً أيها الملِك! لكنه -على غير عادة المُلوك السابقين- كان يضحك ويبتسم؛ فسأله الناس عن سر سعادته بعكس من سبقه من المُلوك، فقال: "كانوا يشغلون مُعظم أوقاتهم بالتمتع بالملذات قبل انقضاء فترة حُكمهم، أما أنا فقد كنتُ مشغولاً بالتفكير في المُستقبل، وخططتُ لذلك، وأصلحتُ الجزيرة وعمَّرتُها حتى أصبحت جنةً صغيرةً يُمكن أن أعيش فيها بقية حياتي في سلامٍ وسعادةٍ".

 

هي الدُنيا إذن، (مزرعة الآخرة)، مَن يتغافل عن حقيقتها، وينغمس في ملذاتها، وينسى آخرته ولا يستعد لها، يكون من الخاسرين.

 

عن حقيقة الدُنيا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿...قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، ويقول أيضاً: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالْآخِرَةُ خَيْر وَأَبْقَى﴾، ويقول كذلك: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ يقول المُفسرون: مَن كان سعيه ليحصل على شيءٍ من الدُنيا، وليس له إلى الآخرة هِمَّةٌ، حَرَمه الله الآخرة والدُنيا، إن شاء أعطاه منها، وإن لم يشأ لم يحصل له لا هذه ولا هذه.

 

وعن حقيقة الدُنيا، والحث على الحرث والزرع فيها ليكون الحصاد في الآخرة؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [يقولُ العَبْدُ: مالِي، مالِي، إنَّما له مِن مالِهِ ثَلاثٌ: ما أكَلَ فأفْنَى، أوْ لَبِسَ فأبْلَى، أوْ أعْطَى فاقْتَنَى، وما سِوَى ذلكَ فَهو ذاهِبٌ، وتارِكُهُ لِلنَّاسِ]. ويقول عليه الصلاة والسلام: [ما لِي وللدُنيا، ما أنا في الدُنيا إلا كراكِبٍ استَظَلَّ تحتَ شجرةٍ، ثم راح وتَرَكَها]. وقال أيضاً: [كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ]، ويقول كذلك: [الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ، وجَنَّةُ الكافِرِ]، كما يقول: [واللَّهِ ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلَّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكُمْ إصْبَعَهُ هذِه في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بمَ تَرْجِعُ؟]، وقال صلى الله عليه وسلم: [لو كانتِ الدُّنيا تعدلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربةَ ماءٍ]. وقال عليه الصلاة والسلام: [ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ].

 

إن هذه الحياة الدُنيا هي (مزرعة الآخرة) طبيعتها أنها لا تستقرُّ على حال، وإنما هي سريعة الفناء والزوال؛ فيجب على الإنسان أن يعتبر، وألا ينغمس في شهواتها، بل يأخذ منها لآخرته؛ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

 

يقول أهل العِلم إن الإنسان المؤمن لا يغفل عن هدفه الأقصى؛ فهو دائماً يتذكَّر أن أمامه حياةً خالدةً ينعم فيها المُتقون، ويشقى فيها الكافرون، والمؤمن الحق يعلم أن الدُنيا (مزرعة الآخرة) هي دار ممرٍ والآخرة هي دار المقر، الدُنيا مركب عبورٍ لا منزل حُبورٍ وسُرور، الدُنيا دار فناءٍ وليست دار بقاءٍ؛ فلابد أن نستغل وجودنا في هذه الدار، نزرع فيها؛ لنجني ونحصد نعيماً دائماً ومُتعاً لا تنفد في جنة الخُلد.

 

قال الشاعر:

كُلُ شَيءٍ مَصيرُهُ لِلْزَوالْ

غَيْرُ رَبي وَصالِحُ الأعْمالْ

 

أحبتي.. إنها الدُنيا؛ فيها التَقي الذي حياته بين الطاعة والعمل ليوم الساعة، وفيها الشقي الذي حياته بين الغفلة والتفريط والإضاعة. فلنكن جميعاً ممن يلتزم بالعبادات ويُكثر من الطاعات، ولا يكون اهتمامه بعمارة الدُنيا طاغياً على ما يجب عليه أن يُقدمه لنفسه في الحياة الآخرة، ليكون من المُفلحين ويكون من الفائزين.

دعونا نُلزم أنفسنا بالمُحافظة على العبادات؛ من صلاةٍ وزكاةٍ وصومٍ على أكمل وجهٍ، والإكثار من النوافل، ودوام ذِكر الله تعالى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المُنكر، والمُسارعة إلى أداء ما استطعنا من أعمال الخير، والبُعد عن مُفسدات الأعمال؛ لئلا يخيب سعينا فلا نحصل على أجر العاملين؛ فنُفَوِّت على أنفسنا التمتع بنعيم الآخرة.

اللهم اجعلنا نتواصى فيما بيننا بنصيحة قوم «قارون» حين قالوا له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.

وليكن دعاؤنا مِن هَدْي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فنقول: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لنا دِينِنا الذي هو عِصْمَةُ أَمْرِنا، وَأَصْلِحْ لنا دُنْيَانا الَّتي فِيهَا معاشُنا، وَأَصْلِحْ لنا آخِرَتنا الَّتي فِيهَا معادُنا، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لنا في كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لنا مِن كُلِّ شَرٍّ.

 

https://bit.ly/3Lxcf7U

الجمعة، 2 يناير 2026

دُعاء المُضطر

 خاطرة الجمعة /532

الجمعة 2 يناير 2026م

(دُعاء المُضطر)

 

في ممر إحدى المُستشفيات الحكومية المُزدحمة، جلس الرجل مُطأطأ الرأس، يفرك يديه بتوترٍ شديدٍ، بجانبه حقيبةٌ بلاستيكيةٌ فيها أوراقٌ طبيةٌ وأشعةٌ، وابنه الصغير يجلس إلى جواره بصمتٍ، يُراقب ملامح وجه والده المُنكسرة. كانت زوجة الرجل في الداخل تحتاج إلى دُعامةٍ قلبيةٍ عاجلةٍ، وتكلفة المُستلزمات التي لا يُغطيها التأمين تتجاوز قُدرة الرجل المادية بكثيرٍ؛ فقام وأجرى مُكالمةً هاتفيةً بعيداً عن ابنه، لكن صوته كان مسموعاً بوضوحٍ وسط هدوء الممر: "يا أخي واللهِ لولا الضرورة ما طلبتك.. المبلغ كبيرٌ وأنا سأكتب لك وصل أمانةٍ.. زوجتي تموت.. فهمتُ.. فهمتُ.. جزاك الله خيراً، عذرك معك". أغلق الهاتف والدموع محبوسةٌ في عينيه. كانت هذه المكالمة هي الخامسة، والرد واحدٌ: "الظُروف صعبةٌ". عاد الرجل وجلس بجوار ابنه، ووضع رأسه بين كفيه وتمتم بكلماتٍ خرجت من قاع قلبه بصدقٍ، لقد كانت (دُعاء المُضطر)؛ قال: "يا رب.. أُغلِقَت كل الأبواب، وما عاد لي وجهٌ أطلب من أحدٍ.. دبِّرها من عندك يا رب.. أنا عاجزٌ وأنت القدير".

كان ابنه يسمع ويرى، لم يفهم تفاصيل المال المطلوب، لكنه فهم أن والده طلب من الناس مالاً فخذلوه، ثم طلب من الله وهو يبكي. قام الابن بهدوءٍ، وقال لأبيه: "أبي، سأذهب لأشرب الماء"، أومأ الأب برأسه بالموافقة دون أن ينظر إليه، ذهب الابن إلى آخر الممر حيث توجد ماكينة القهوة والمشروبات، ووقف هناك حائراً، لم يكن يُريد الماء، أخرج من جيبه مبلغاً بسيطاً عبارة عن عملاتٍ ورقيةٍ قليلة القيمة وبعض العملات المعدنية، كان يجمعها منذ شهور. وقف في زاوية الممر، ورفع يده الصغيرة بالنقود نحو سقف المُستشفى، وقال ببراءة طفلٍ ويقين رجلٍ: "يا رب.. اتصل أبي بأصحابه يطلب مالاً لعلاج أُمي ولم يُعطه أحد.. أنا معي هذه النقود، خُذها كلها واشفِ أُمي، ولا تكسر خاطر أبي.. إنه يُحبك ويُصلي لك دائماً".

كان يقف بالقُرب من الماكينة رجلٌ خمسينيٌ، يرتدي بدلةً بسيطةً، بيده كوب قهوةٍ، ينتظر خروج نتائج تحاليل زوجته من الغُرفة المُجاورة، لفت انتباهه منظر الطفل وهو يرفع المال إلى السقف ويُتمتم؛ فاقترب منه ببطءٍ وانحنى لمُستواه وسأله بهدوءٍ: "ماذا تفعل يا حبيبي؟"، خاف الطفل قليلاً ثم قال: "أنا أتفق مع الله.. أبي ليس معه مالٌ لعلاج أُمي، وأنا معي.. أُريد أن أُعطي ما معي من مالٍ لله ليُساعدنا"، تسمَّر الرجل في مكانه، هزته كلمات الطفل، لم تكن مُجرد كلماتٍ، كانت رسالةً مُوجهةً إلى قلبه مُباشرةً. سأل الرجل الطفل: "وأين والدك؟"، أشار الطفل بيده: "هذا هو، هناك.. هو الذي يضع يديه على وجهه". طلب الرجل من الطفل أن ينتظره دقيقةً، وذهب تجاه مكتب الحسابات وسأل الموظف بصوتٍ خافتٍ عن حالة المريضة التي يجلس زوجها هناك. عرف قيمة المبلغ المطلوب، وعرف أن العملية مُتوقفةٌ على الدفع الفوري؛ فأخرج بطاقته البنكية دون ترددٍ، وسدَّد المبلغ كاملاً، وطلب من الموظف طلباً واحداً صارماً:

"لا تذكر اسمي أبداً.. قُل له فاعل خيرٍ وانتهى الأمر، وهذه الفاتورة أعطها له ليصرف الدواء"، ثم عاد إلى الطفل الذي كان لا يزال واقفاً ينتظر استلام الله للمال! جثا الرجل على ركبتيه أمام الطفل، والدموع تلمع في عينيه، وقال له مُبتسماً: "يا بُني.. الله قد قبل عرضك، وقبل دعوتك فوراً وسخَّرني لك.. اِحتفظ بمالك لتشتري هديةً لأُمك عندما تخرج بالسلامة.. اتفقنا؟"، عاد الابن يركض لأبيه، لا تسعه الفرحة: "أبي.. أبي.. الله وافق! الله دفع المال!"، لم يفهم الأب شيئاً حتى نادى عليه موظف الحسابات وسلَّمه إيصال السداد وتصريح دخول غُرفة العمليات، ذُهل الأب وسأل: "مَن دفع؟ متى؟ وكيف؟"، قال الموظف: "فاعل خيرٍ.. ادعُ له"، التفت الأب حوله يبحث عن هذا الشخص، فلم يجد إلا وجوه الغُرباء، نظر لابنه، وتذكر دُعاءه الصادق (دُعاء المُضطر)؛ فاحتضن ابنه وبكى، ليس بُكاء الحُزن، بل بُكاء من استشعر معية الله؛ إذ أدرك حينها أن اتصالاً واحداً برب السماء بقلبٍ صادقٍ أسرع وأوثق من ألف اتصالٍ بعباده في الأرض.

 

أحبتي في الله.. لنتأمل القصة؛ الله سُبحانه وتعالى لا يُنزِّل مالاً من السماء، وإنما يُسخِّر عباده لعباده. الرجل الذي دفع المال كان موجوداً في نفس المكان والزمان لسببٍ، وكان السبب هو (دُعاء المُضطر) الذي دعاه الأب، كما كان السبب في دُعاء الطفل ببراءةٍ وإخلاصٍ ويقينٍ، واليقين لا يحتاج لغةً فُصحى؛ فدعوة الطفل كانت بكلماتٍ بسيطةٍ، لكنها خرجت من قلبٍ موقنٍ بأن الله موجودٌ يسمع ويرى.

 

وهذه قصةٌ أُخرى قال راويها: سألني صديقي الصدوق يوماً: "ماذا تفعل إن فقدتَ قواك؛ فلا تستطيع القيام من مكانك، ولا تقدر على الحركة، وأردتَ أن تعود إلى بيتك، وبينك وبينه مسافة 700 كيلومتر؟"، قُلتُ على الفور: "ُأفوض أمري إلى الله، إن الله على كل شيءٍ قدير"، قال: "أحسنتَ، هذا هو ما فعلتُه بالفعل"، قلتُ له: "فصِّل لي القول"، قال: كنتُ منذ قُرابة ثلاثة عقودٍ تقريباً في رحلةٍ ضمن مُعسكرات الشباب الصيفية التي تُنظمها وزارة الشباب لطلاب الجامعة بمدينة «العريش»، وفور وصولي أُصبتُ بنزلةٍ معويةٍ، وإسهالٍ مُستمرٍ، فقدتُ على إثره قواي، وأصبحتُ غير قادرٍ على الحركة، ولما ساءت حالتي وخشيتُ على نفسي، طلبتُ من المسؤولين إرجاعي إلى بلدي، فقال لي مدير المعسكر مُستغرباً: "كيف ذلك وحالتك كما ترى، وبينك وبين بيتك 700 كيلومتر، تركب خلالها العديد من وسائل المواصلات؟ ومن ذا الذي يذهب معك؟". عندها رفعتُ وجهي إلى السماء، ودعوتُ (دُعاء المُضطر) فقلتُ: "ربِ إنك قلتَ وقولك الحق: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ فأدعوك يا إلهي أن تُشفيني، وأن أرجع لبيتي سالماً". ما هي إلا دقائق إلا ويأتي من يقول لي: "يا أُستاذ، جهِّز نفسك، يوجد فوجٌ عائدٌ إلى «القاهرة» بعد الظُهر"، فقلتُ في نفسي: "الحمد لله، دبَّر لي السفر نصف المسافة على الأقل دون تعبٍ". ركبتُ مع طلاب جامعة «القاهرة»، وكان من تسهيل ربي أنَّ من بينهم طلاباً من فرع الجامعة في «بني سويف» وستقوم حافلةٌ أُخرى بإيصالهم إلى مدينتهم، فطلبتُ من السائق أن أنزل في «بني سويف» بدلاً من «القاهرة»، وقلتُ في نفسي: "الحمد لله.. لقد أصبح الأمر سهلاً؛ باقي 250 كيلومتر"، وكان السائق خلوقاً؛ فرحَّب بالأمر. وفي لحظة نزولي من الحافلة في مدينة «بني سويف»، إذا بالسائق يقول للطلاب: "لقد طلبت مني الشركة الذهاب إلى مدينة «الأقصر»"، فضحكتُ باكياً من فَرَجِ الله وقلتُ للسائق: "أُريد أن أنزل في الطريق"، فرَّحب الرجل مشكوراً، ونزلت من الحافلة بيني وبين بيتي خطواتٌ ودقائق معدودةٌ، وأردتُ أن أُعطي السائق بعض الجُنيهات فقال لي: "لقد سخَّرني الله لك لأصل بك إلى هذا المكان، وما كان من المُخطط أصلاً أن يكون هذا خط سيري، وتُريدني أن آخذ منك مالاً؟". وما إن وصلتُ إلى البيت، ورأيتُ أُمي -رحمها الله- تحسنت حالتي النفسية، وبدأتُ في التحسن والتعافي؛ فسبحان من ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾.

 

يقول المفسرون أن قوله تعالى: ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ يعني أنه يُجيب المكروب الذي مسَّه الضُر إذا دعاه، ويكشف السوء عنه وعن غيره؛ فمن يُجيب المُضطر الذي أقلقته الكُروب وتعسَّر عليه المطلوب واضُطر للخلاص غير الله وحده؟ ومن يكشف البلاء والشر والنقمة إلا الله وحده؟

يرفع الإنسانُ الذي نزلت به شدةٌ من الشدائد أكف الضراعة إلى الله -تبارك وتعالى- ويدعوه (دُعاء المُضطر) لكي يكشف الضُر عنه؛ فالله وحده هو الذي يُجيب دعوة الداعي المكروب الذي نزلت به المصائب والرزايا والسوء والبلاء. إنه الله وحده الذي يُجيب دعاء من التجأ إليه، وهو وحده -سُبحانه- الذي يكشف السوء عن عباده، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته.

 

ويقول سُبحانه: ﴿إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أي: إذا أصابكم بلاءٌ أو مرضٌ أو فقرٌ فإليه وحده ترفعون أصواتكم بالاستغاثة وتتَضَرَّعون بالدُعاء؛ ليكشف عنكم ما أصابكم، ولا تدعون غيره.

ويقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ أي: إذا مسَّهم الضُر في البحر فخافوا من الهلاك لتراكم الأمواج ضلَّ عنهم ما كانوا يدعون من دون الله في حال الرخاء من الأحياء والأموات، وكأنهم لم يكونوا يدعونهم في وقتٍ من الأوقات لعلمهم أنهم ضُعفاء عاجزون عن كشف الضُر عنهم؛ فصرخوا بدعوة فاطر الأرض والسماوات الذي تستغيث به في شدائدها جميع المخلوقات، وأخلصوا له الدُعاء والتضرع في هذه الحال.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في (دُعاء المُضطر): [اللَّهُمَّ رحمتَك أرجو فلا تَكِلْني إلى نفسي طَرْفةَ عَينٍ، وأصلِحْ لي شأني كُلَّه، لا إلهَ إلَّا أنت].

 

وقال الشاعر:

وَإني لأدْعو اللهَ وَالأمْرُ ضَيّقٌ

عَلَيَّ فَما يَنْفَكُ أَنْ يَتَفَرَّجا

وَرُبَّ فَتَىً ضاقَتْ عَلَيهِ وُجوهُهُ

أَصابَ لَهُ في دَعْوَةِ اللهِ مَخْرَجًا

 

أحبتي.. أحياناً يُغلق الله في وجوهنا أبواب البَشَر، ليردنا إليه، ليسمع أصواتنا ودعاءنا، وليكون الفرج منه وحده، فلا تكون لغيره علينا مِنّةٌ، وكما قال أحد الصالحين: "لو علم العبد كيف يُدبر الله له أموره، لعلم يقيناً أن الله أرحم به من أُمه وأبيه، ولذاب قلبه محبةً لله".

أحبتي.. الدُعاء كنزٌ عظيمٌ ينبغي علينا ألا نُفرِّط فيه في جميع أحوالنا، ويزداد احتياجنا له في أوقات الشدة؛ فيكون دعاؤنا (دُعاء المُضطر) هو حبل النجاة الذي علينا أن نتمسك به؛ فندعو الله سُبحانه وتعالى وحده، بغير وساطةٍ من أحدٍ، حياً كان أو ميتاً، مهما كانت صفته، فهو أولاً وأخيراً بشرٌ من خلق الله، والطلب منه فيه شُبهة الشِرك بالله عزَّ وجلَّ.

اللهم نسألك أن تُلهمنا الرُشد في أقوالنا وأفعالنا، وأن تستجيب لنا ولدعواتنا؛ وأنت سُبحانك القائل في كتابك الكريم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.

https://bit.ly/3L71oBD

الجمعة، 26 ديسمبر 2025

من أعمال الخير

 

خاطرة الجمعة /531

الجمعة 26 ديسمبر 2025م

(من أعمال الخير)

 

عم «أحمد» تاجر السعادة والكرامة، يُحكى عنه أنه صاحب مخبزٍ صغيرٍ في حيٍ شعبيٍ عريقٍ، قضى فيه ثلاثين عاماً حتى صار خبيراً، ليس فقط في جودة الرغيف، بل وفي قراءة وجوه البشر. يقول عم «أحمد»: "أنا لا أبيع الخبز فحسب، بل أقرأ الحكاية في العيون".

كان يُلاحظ رجلاً مُسِّناً، يبدو عليه الوقار -رغم ثيابه القديمة المُهندمة- يأتي يومياً في تمام الثانية ظُهراً، يقف بعيداً عن الزحام، يرمق الخُبز بنظراتٍ حزينةٍ، ويتحسس جيبه كأنه يعد قُروشاً قليلةً، ثم ينصرف بصمتٍ دون أن يشتري شيئاً، كان وجهه يحكي صراعاً مريراً بين عزة النفس وقرصات الجوع. في يومٍ ما، قرَّر عم «أحمد» أن يضع خُطةً لحفظ كرامة هذا الرجل؛ وحين حضر الرجل ووقف وقفته المعتادة، ناداه عم «أحمد» بصوتٍ جهوريٍ مُبهجٍ:

"مُبارك يا سيدي! أنت الزبون رقم مائة لهذا اليوم!" ارتبك الرجل ونظر خلفه مُتسائلاً: "أنا؟!"، فأجابه عم «أحمد» بسرعةٍ: "نعم، وقواعد المخبز تمنح الزبون رقم مائة ربطتين من الخُبز وكيساً من الفطائر المُحَّلاة مجاناً، سواءً اشترى أم لم يشترِ، تفضل يا حاج ولا تقف في الطابور!". تسلَّم الرجل ربطتي الخُبز وكيس الفطائر ببدنٍ يرتجف، ويدٍ ترتعش، وابتسامةٍ امتزجت بدموعٍ خفيةٍ في عينيه.

منذ ذلك الحين، اعتمد عم «أحمد» فكرة المُسابقات الوهمية كمنهجٍ؛ تارةً بمناسبة ذكرى افتتاح المخبز، وتارةً بدعوى أن العجين قد زاد عن حاجته؛ فبدأ يجذب الأرامل، والعُمال باليومية، والطلاب المُغتربين.

ذات يومٍ، شاهدته أستاذةٌ جامعيةٌ وهو يمنح إحدى هذه الهدايا الوهمية لطالبٍ مُحتاجٍ، ففهمت قصده، ووضعت مبلغاً من المال على الطاولة قائلةً بابتسامةٍ: "يا عم «أحمد»، أُريد المُشاركة في مُسابقة الزبون رقم مائة، اجعل هذا المال عندك لكل من يحتاج ولا يملك ثمن خُبزه". ومن هنا وُلدت فكرة الرغيف المُعلَّق. وضع عم «أحمد» سُبورةً صغيرةً كتب عليها: "يوجد اليوم خمسون رغيفاً مدفوع الثمن لمن يحتاجها، اطلب أمانتك ولا تخجل". انتشرت العدوى الجميلة؛ صار الزبائن يتركون مبالغ إضافيةً للسُبورة، حتى الأطفال والعُمال صاروا يُساهمون بما يفيض عن حاجتهم. تحوَّل المخبز من مكانٍ لبيع الدقيق والماء إلى مصرفٍ للكرامة. أما ذلك الرجل المُسن -الذي اتضح لاحقاً أنه كان مُوجهاً للغة العربية- فقد صار يأتي ليأخذ نصيبه من السُبورة وهو مرفوع الرأس، مُدركاً أنها ليست صدقةً من شخصٍ، بل هديةٌ من مُجتمعٍ مُتكافلٍ يشعر به، وقبل وفاته بشهرٍ، أهدى إلى عم «أحمد» كتاباً نادراً جداً، وكتب عليه بخط يده المُرتعشة: "إلى عم «أحمد».. الذي يخبز الحُب قبل الخُبز، شكراً لأنك لم تتركني أنام جائعاً، والأهم.. أنك لم تتركني أنام مكسوراً". رحل الرجل، وكبر عم «أحمد»، وسلَّم المخبز لأبنائه مع وصيةٍ لا تقبل الجدل: "باب هذا المخبز لا يُغلق في وجه جائعٍ، والسُبورة أهم من خزينة المال".

 

أحبتي في الله.. كثيرةٌ هي قصص الخير؛ فيما يلي بعضٌ منها؛ نشرها أصحابها على مواقع التواصل الاجتماعي، وجميعها (من أعمال الخير) أعرضها عليكم كما هي، بعد إعادة صياغتها بلغةٍ عربيةٍ فُصحى بدلاً من العامية المصرية:

القصة الأولى- "إرث أبي من الخير":

عاش والدي حياته ساعياً في قضاء حوائج الناس؛ لم يكن يتأخر عن قريبٍ أو غريبٍ، بل كان يتبنى مُشكلات الآخرين وكأنها تخص عائلته. هذا الغرس الطيب جنينا ثماره أنا وإخوتي لاحقاً. كان يُبادر بكل شيءٍ؛ من مُساعدة عابر طريقٍ، إلى إيصال المُحتاج بسيارته، وصولاً إلى الإصلاح بين المُتخاصمين. كان بيتنا مفتوحاً دائماً بالترحاب، لا يدخله أحدٌ إلا وينال نصيبه من الغداء أو العشاء. وإذا سُئل أبي المعونة، كان يُعطي بسخاءٍ حتى يكفي السائل، وكان مُحباً للإطعام وناصحاً بالخير. رحل وترك خلفه سيرةً عطرةً (من أعمال الخير) ومحبةً في قلوب الجميع، فاللهم أكرِم نُزله كما أكرمنا.

القصة الثانية- "مأوى المُهجَّرين":

خلال حرب يونيو 1967م، قرَّر والدي تحويل ڤيلتنا في مدينة «طنطا» إلى سكنٍ للمُهجَّرين من أهل «بورسعيد» الباسلة؛ جهَّز الطابق السُفلي بعشر غُرفٍ لاستقبال الرجال والشباب، بينما تقاسمت النساء والأطفال الغُرف معنا في الطوابق العُلوية. كُنا نُقدم لهم الوجبات اليومية كأنهم أفرادٌ من أُسرتنا تماماً. استمر هذا الوضع شهراً، حتى استطاع والدي توفير مساكن مُستأجرةٍ لكل أسرةٍ، وأوجد فرص عملٍ للشباب والرجال، وظل يمدهم بالمُؤن حتى استقلوا مادياً. واليوم، نرى أثر ذلك في حياتنا؛ حيث يجعل الله لنا من كل ضيقٍ مخرجاً.

القصة الثالثة- "أُمي وصناعة المعروف":

كانت أُمي -رحمها الله- تحرص في قريتنا على توزيع الحليب يومياً على العائلات المُحتاجة، وتُضيف إليه أحياناً الأُرز والسُكر، رغم ضيق حالنا. كانت أُمي تجبر الخواطر بصمتٍ؛ تهدي الحمام الذي تقوم بتربيته للعرائس، وتُرسلني بالبيض والفاكهة لعروسٍ يتيمةٍ سراً حتى لا تشعر بالحرج أمام أهل زوجها. ماتت أُمي منذ سنواتٍ، لكن سيرتها الطيبة (من أعمال الخير) لا تزال تفتح لنا الأبواب.

القصة الرابعة- "بَركة الصدقة":

في أحد أيام رمضان، لم يكن معي سوى ثلاثين جُنيهاً. طرقت بابي سيدةٌ مُحتاجةٌ، فترددتُ لحظةً ثم توكلتُ على الله وأعطيتها عشرين جنيهاً، وقررتُ أن أكتفي بوجبةٍ بسيطةٍ لأطفالي. لم تمر ساعاتٌ حتى هاتفتني صديقةٌ مُقربةٌ، وأحضرت لي ثلاث وجباتٍ فاخرةٍ، ولم تكتفِ بذلك، بل وأعطتني مائتي جنيه كهديةٍ لابنتي. وقفتُ عاجزةً عن الكلام من شدة التأثر بفضل الله، ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أخشى الإنفاق أبداً مهما كان ما أملكه ضئيلاً.

القصة الخامسة- "درس الترام":

حين كنتُ طالبةً جامعيةً، أعطيتُ زميلةً لي كل ما أملك من مالٍ ظناً مني أن معي مالٌ غيره في حقيبتي. وحين ركبتُ الترام اكتشفتُ خُلو محفظتي، فغلبني الخجل أمام المُحصل، فإذا بسيدةٍ بسيطةٍ تمد يدها وتدفع لي الأجرة. سألتها: "كيف أرد لكِ المبلغ؟" فقالت: "لا يهم". كان درساً بليغاً في حياتي؛ ومنذ ذلك الحين، أُعاهد نفسي على مُساعدة أي شخصٍ أراه في مأزقٍ، وفاءً لتلك السيدة الطيبة.

القصة السادسة- "زوجي معطاء":

تعلمتُ من زوجي دروساً عظيمةً (من أعمال الخير)؛ كان يصطحبنا إلى الصيدليات أو المتاجر ليُسدد ديون أشخاصٍ لا نعرفهم، ويقول: "هذه أجمل صدقةٍ؛ أن تُفاجئ مكروباً بانقضاء دينه دون أن يعرفك". كما أنه لا يتوانى عن مُساعدة أهله حتى في أوقات ضيقه الشخصي. لذا، يملؤني اليقين بأن الله سيجبر خاطره ويُسعد قلبه دائماً، لأنه لم يخذل أحداً قط.

القصة السابعة- "الصدقة الخفية":

كانت والدتي -رحمها الله- رائدةً في أعمال الخير والإطعام. وبعد رحيلها، اكتشفنا الكثير من أفعالها الخفية؛ فقد كانت تتكفل بعلاج مرضى، وتُساعد في تجهيز الفتيات اليتيمات للزواج. إن الشعور بالفخر الذي يغمرنا عند سماع هذه القصص يُهوِّن علينا فقدها، ونحن نلمس بركة صنيعها في كل تفاصيل حياتنا الآن.

القصة الثامنة- "القطة والشفاء":

مرَّت ابنتي بوعكةٍ صحيةٍ شديدةٍ عجز الأطباء عن تشخيصها لخمسة أيام. وبينما كنتُ أُغادر إحدى العيادات بقلبٍ مكسورٍ، شاهدتُ قطةً ينهشها الجوع، فتركتُ ابنتي لحظةً لأُطعم القطة، حينها انتقدني البعض لترك ابنتي المريضة، فقلتُ: "لعلها هي المُنجية"، لم تمر لحظةٌ إلا وتلقيتُ اتصالاً هاتفياً من صديقةٍ تُرشدني إلى طبيبٍ جَرّاحٍ، وحين ذهبتُ إليه ورأى ابنتي قرَّر إجراء جراحةٍ عاجلةٍ أنقذت حياتها. سألني الطبيب: "ماذا فعلتِ من خيرٍ ليُكتب لابنتك عمرٌ جديد؟" فقلتُ: "أطعمتُ قطة!".

القصة التاسعة- "الصدقة والديون":

تراكمت عليّ الديون وشعرتُ بالعجز، فتوقفتُ عن إخراج الصدقات ظناً مني أنني أولى بالمال. لكن الضيق زاد والخناق اشتد، حتى أدركتُ أنني أخطأتُ الطريق. عدتُ للإنفاق في سبيل الله بنية الفرج. وبشكلٍ لا يُصدق، بدأت الأمور تتيسر، وانقضت الديون تباعاً، وحلت السكينة في قلبي. لقد تعلمتُ أن من يبخل، فإنما يبخل على نفسه.

القصة العاشرة- "الإحسان الفوري":

كنتُ أُناقش ابنتي في المتجر حول عدل الله وكيف يجزي العبد على نيته. وبينما نحن في طابورٍ طويلٍ، رأيتُ مُسِّناً وزوجته يبدو عليهما التعب والإرهاق، فآثرتهما بمكاني وتراجعتُ للخلف. في تلك اللحظة، فُتح صندوق مُحاسبةٍ جديدٍ بشكلٍ مُفاجئٍ، وقام الموظف بسحب عربتي أنا وتوجيهي للمُحاسبة قبل الجميع! نظرت إليّ ابنتي بدهشةٍ، فقلتُ لها: "هذا هو التطبيق العملي لما كنا نتحدث عنه؛ عامِل الناس بالرحمة، وسيُقابل الله إحسانك بإحسانٍ فوري".

 

إن هذه القصص (من أعمال الخير)، وغيرها كثيرٌ، تكشف لنا أن فعل الخير ليس مُجرد سلوكٍ إنسانيٍ عابرٍ، بل هو جوهر العبادة وسبيلٌ لنيل رضا الله وتوفيقه. لقد جسَّدت هذه المواقف معاني التكافل، والإيثار، واليقين، وإخفاء الصدقة.

 

والصدقة (من أعمال الخير) التي تُضاعِف الرزق وتفك الكرب، ولا تُنقص المال بل تزيده بركةً، وتفتح أبواب الرزق المُغلقة؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. وقال النبي ﷺ: [ما نَقَصَتْ صَدَقةٌ مِن مالٍ].

والصدقة الخفية، صدقة السر، هي من الصدقات التي تُطفئ غضب الرب وتُظلل صاحبها يوم القيامة؛ فقد ذكر النبي ﷺ من السبعة الذين يُظلهم الله في ظِله يوم لا ظِل إلا ظِله: [ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ].

أما الإيثار وتقديم حاجة الغير فهو أعلى مراتب الجود، حيث يُقدِّم الإنسان غيره على نفسه رغم حاجته؛ يقول تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.

وجبر الخواطر وإكرام عزيز النفس من حُسن إسلام الشخص؛ فقد حثنا ديننا الحنيف على مراعاة مشاعر الفقير، وحرَّم جرح كرامته، وأمَر بالكلمة الطيبة التي تسبق العطاء؛ يقول تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾. وكان النبي ﷺ يستعيذ بالله من [قهر الرجال].

وصنائع المعروف تقي مصارع السوء؛ فالخير الذي تفعله اليوم، قد يكون هو الحصن الذي يحميك غداً من مُصيبةٍ أو مرض؛ قال ﷺ: [صنائعُ المعروفِ تَقِي مَصارعَ السُّوءِ، والصدقةُ خَفِيًّا تُطفئُ غضبَ الرَّبِّ].

والعمل الصالح لا ينقطع بموت الإنسان إذا ترك أثراً أو أبناء يدعون له؛ قال ﷺ: [إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ ينتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له].

وقال رسول الله ﷺ: [مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ].

 

هذه قصصٌ حقيقيةٌ (من أعمال الخير) لأشخاصٍ عاشوا بيننا، أيقنوا أن المعروف لا يضيع، وأن الله يجزي المُحسنين من جنس عملهم، فكانت حياتهم شهادةً على أن الدُنيا لا تزال بخير.

 

أحبتي.. هذه القصص هي تطبيقٌ عمليٌ لقول الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ فمن أحسن للعباد، أحسن الله إليه في أهله وماله ونفسه؛ فكل معروفٍ تصنعه اليوم هو بذرةٌ ستجني ثمارها أمناً وطمأنينةً وفرجاً في وقتٍ لا يعلمه إلا الله. والخير عدوى مُباركةٌ؛ فما أن تبدأ في عمل خيرٍ إلا وتجد -بإذن الله- من يُساهم معك. وليس الخير مُجرد بذلٍ للمال، بل هو نبضٌ إنسانيٌ يمتد من قلبٍ ليُداوي قلباً آخر؛ فلا يحتاج المرء أن يكون ثرياً ليستر غيره، يكفي فقط أن يكون إنساناً.

اللهم يسِّر لنا عمل الخير، وحبِّبه إلينا، وقنا شُح أنفسنا، وابعدنا عن البُخل، وابعد البُخل عنّا، وأنعم علينا بخُلُق الكرم والجود والإيثار.

 

https://bit.ly/3KLuHtq

الجمعة، 19 ديسمبر 2025

أهل القرآن

 خاطرة الجمعة /530

الجمعة 19 ديسمبر 2025م

(أهل القرآن)

 

نشرت قصتها مع حفظ كتاب الله الكريم؛ فقالت: بدأت رحلتي مع حفظ القرآن الكريم قبل أربع سنواتٍ، وأنا ابنة السابعة عشرة، حين كنتُ في المرحلة الثانوية، بعد أن حفظتُ "جُزء عَمَّ" وأنا صغيرةٌ في المسجد، ثم انتقلنا في السكن إلى مكانٍ آخر، وكان هذا عائقاً لي فانقطعتُ عنه. عدتُ إلى القرآن لتعود البهجة إلى أيامي، والتحقتُ بمسجدٍ حفظتُ فيه الزهراوين "سورة البقرة وسورة آل عمران" اللتين تُحاجان عن صاحبهما، لم يكن الحفظ سهلاً في بدايته لقلة فهمي؛ فكنتُ أستعين بالتفسير لشرح ما لا أفهمه. وقد تخللت هذه السنوات الأربع فترات انقطاعٍ اكتفيتُ فيها بالمراجعة، وكنتُ أحياناً أتركها، ظننتُ خلالها أن القرآن سيُعطلني عن دراستي فخاب ظني ولاحظتُ بعد فترةٍ أن أيام إخفاقي كانت هي الأيام التي كنتُ فيها بعيدةً عن القرآن، أما الأيام التي نجحتُ فيها فهي التي كنتُ فيها ملازمةً للقرآن كظلي الذي لا يُفارقني، كنجاحي في الثانوية العامة بتقديرٍ مرتفعٍ ودخولي كلية الطب. وقد كانت سنتي الأولى في الجامعة عسيرةً بكل ما تحمله الكلمة من معنىً؛ كظروف الإسكان الجامعي، والابتعاد عن البيت، وصعوبة الدراسة، وتغيراتٍ كثيرةٍ أخرى؛ مما جعل حفظي مُتذبذباً، فالتحقتُ في عُطلة الصيف بمركزٍ لتحفيظ القرآن، حيث عوضتُ ما لم أحفظه خلال فترة الدراسة.

‏أما في سنتي الثانية بالجامعة فلم يكن ختمي لكتاب الله مُدرجاً ضمن أهدافي السنوية، فلم أكن أحفظ وقتها إلا نصف القرآن وبقي لي الكثير، كنتُ أنهض صباحاً لأحفظ نصف ربعٍ بعد صلاة الفجر ثم أنطلق إلى الجامعة. لا أدري كيف توالت رسائل الله لي؛ فكنتُ كلما أردتُ التوقف عن الحفظ جاءتني إحداها؛ كرفيقةٍ تروي لي حكايتها مع ختم القرآن فيزيد شوقي، أو قصاصةٍ كُتب عليها "ما زاحم القرآنُ شيئاً إلا باركه" فتُشعل همتي، أو كلمةٍ مُحفزةٍ من والدتي -التي لا تدري كم أحفظ- كيوم قالت لي: "حين تختمين كلام الله حفظاً تكتمل فرحتي بكِ". ضاعفتُ مقدار الحفظ في شهر رمضان، وفي الأوقات التي قَلَّت خلالها الواجبات والمُحاضرات الجامعية، وما إن انتهى عامي الدراسي إلا وكنتُ قد أتممتُ حفظ عشرين حِزباً، فضلاً من الله ونعمة، فعدتُ إلى مدينتي والتحقتُ مُباشرةً بمركز تحفيظ القرآن حتى أتممتُ حفظه، وأكرمني الله بختمه، وأسأله أن يتقبله مني، وأطمع أن أكون من (أهل القرآن) الذين هُم أهل الله وخاصته. أحسستُ بشعورٍ تستحي أمام وصفه الحروف والكلمات، وأنا أتلو آخر آياتٍ حفظتها، فضلاً عن السرور الغامر في عيون أُمي وأبي، ودموع إخوتي وصديقاتي وكل من حضر وشاركني الفرحة.

 

أحبتي في الله.. وعن رحلتها مع حفظ كتاب الله تحكي إحداهن عن عائشة التي حفظت القرآن كاملاً، تقول الراوية: كانت عائشة فتاةً عاديةً تعيش في قريةٍ صغيرةٍ. مُنذ طفولتها، كانت تحلم بحفظ القرآن الكريم، لكنها كانت تواجه صعوباتٍ كبيرةٍ في الحفظ، خاصةً مع مسؤولياتها الدراسية والمنزلية. كلما حاولت الحفظ، كانت تشعر بالإحباط وتعتقد أنها غير قادرةٍ على إتمام هذا الهدف العظيم. ذات يومٍ، كانت جالسةً في المسجد بعد صلاة الفجر، تستمع إلى درسٍ عن فضائل القرآن الكريم، قال الشيخ: "مَن جعل القرآنَ أولويته، جعله الله نوراً في قلبه، وسبباً لبركةٍ في حياته"، شعرت عائشة أن هذه الكلمات موجهةٌ إليها شخصياً. قررت أن تبدأ من جديدٍ، لكن هذه المرة بخطةٍ مُختلفةٍ؛ خصصت وقتاً ثابتاً كل يومٍ بعد صلاة الفجر للحفظ، حتى لو كان لمدة عشر دقائق فقط. بدأت بسورةٍ صغيرةٍ، ثم زادت تدريجياً. كانت تستعين بالتفسير لفهم معاني الآيات، مما زاد حُبها للقرآن. واجهت تحدياتٍ كثيرةٍ، مثل: نسيان ما حفظت، أو ضيق الوقت، لكنها كانت تُردد دائماً: "كلما ازداد الجهد، ازداد الأجر". واصلت الحفظ بخطىً ثابتةٍ، وبمرور السنوات، أتمت حفظ القرآن الكريم بالكامل. عندما سألتها صديقاتها عن سر نجاحها، قالت:

"لم يكن السر في ذكائي، بل في استمراريتي. جعلتُ القرآن رفيقي، فكان بركتي في الدنيا ونوري في الآخرة". بعد أن أكملت عائشة حفظ القرآن الكريم، شعرت بتغييرٍ جذريٍ في حياتها؛ أصبح لديها شعورٌ بالسكينة والرضا الداخلي الذي لم تعرفه من قبل.

 

يقول تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾، ويقول العُلماء إن فضل حفظ القرآن الكريم كبيرٌ؛ فهو كلام ربّ العالمين المُعجز الذي جعله الله تعالى هدايةً للبشر، فأي شيءٍ أعظم من أن يكون كلام ربك محفوظاً في صدرك متلوّاً بلسانك، مُطبَقاً في أفعالك. وفي حفظه تحقيقٌ لموعود الله تعالى بحفظ القرآن الكريم؛ فأي شرفٍ أعلى من أن يجعلك الله سبباً في تحقيق موعوده وبقاء كتابه؟

يقول تعالى: ﴿بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ﴾ فبيّن سبحانه أن حفظ القرآن الكريم من علامات العُلماء. ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ أي سهلناه للحفظ وأعّنا عليه من أراد حفظه.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

[مَثَلُ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ وهو حافِظٌ له، مع السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَةِ، ...]، وقال صلى الله عليه وسلم: [تَعاهَدُوا هذا القُرْآنَ، فَوالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَهو أشَدُّ تَفَلُّتاً مِنَ الإبِلِ في عُقُلِها]، وقال أيضاً: [... اسْتَذْكِرُوا القُرْآنَ؛ فإنَّه أشَدُّ تَفَصِّيًا مِن صُدُورِ الرِّجالِ مِنَ النَّعَم]، كما قال: [مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ضَوْءُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا ...]، وقال كذلك: [يَجيءُ القرآنُ يومَ القيامةِ فيَقولُ: يا ربِّ حلِّهِ، فَيلبسُ تاجَ الكَرامةِ، ثمَّ يقولُ: يا رَبِّ زِدهُ، فيلبسُ حلَّةَ الكرامةِ، ثمَّ يقولُ: يا ربِّ ارضَ عنهُ، فيقالُ لَهُ: اقرأْ وارْقَ، وتزادُ بِكُلِّ آيةٍ حسنةً]. وقال عليه الصلاة والسلام عن حافظ القرآن: [..وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا، فَيَقُولَانِ: بِمَ كُسِينَا هَذِهِ؟ فَيُقَالُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ].

 

يقول العارفون إن من الأسباب التي تُسهم في الحفظ وتصل بالحافظ إلى أن يكون من (أهل القرآن):

الإيمان الكامل بالقُدرة على ختم القرآن الكريم، وضع خطةٍ زمنيةٍ ذات أهدافٍ مُحددةٍ مع التدرج في الحفظ، اختيار الزمان الملائم لحفظ كتاب الله والوقت النموذجي لحفظ القرآن هو الفجر، واختيار المكان الأمثل للحفظ، والعمل على اختيار الزملاء والأصدقاء الصالحين والالتزام بصُحبة الصالحين.

ويقولون عن فضائل حفظ القرآن الكريم: حفظ القرآن سُنةٌ مؤكدةٌ فالنبي صلى الله عليه وسلم قد حفظ القرآن الكريم وكان يُراجعه مع جبريل عليه السلام في كل سنةٍ، حفظ القرآن يُنجي صاحبه من النار ففي الحديث: [لو أنَّ القرآنَ جُعِلَ في إِهَابٍ ثم أُلْقِيَ في النَّارِ ما احْتَرَقَ]، يرفع صاحبه في الجنة درجاتٍ ففي الحديث: [يقالُ لصاحِبِ القرآنِ اقرَأ وارقَ ورتِّل كما كُنتَ ترتِّلُ في الدُّنيا فإنَّ منزلتَكَ عندَ آخرِ آيةٍ تقرؤُها]، جعل إكرام حامله من إجلال الله تعالى ففي الحديث: [إنَّ من إجلالِ اللَّهِ إِكْرامَ ذي الشَّيبةِ المسلِمِ، وحاملِ القرآنِ غيرِ الغالي فيهِ والجافي عنهُ، ...]، حفظة القرآن هُم أهل الله وخاصته ففي الحديث: [إنَّ للَّهِ أَهْلينَ منَ النَّاسِ] قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، من هُم؟ قالَ: [هُم أَهْلُ القرآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وخاصَّتُهُ]. حفظ القرآن سببٌ للرفعة في الدنيا والآخرة ففي الحديث: [إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بهذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ به آخَرِينَ]، تقديم الحافظ لإمامة الصلاة على غيره ففي الحديث: [يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ]، والغبطة الحقيقية تكون في حفظ القرآن ففي الحديث: [لا حَسَدَ إلَّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القُرْآنَ، فَهو يَتْلُوهُ آناءَ اللَّيْلِ، وآناءَ النَّهارِ، ...]، أن حفظ القرآن وتعلمه خيرٌ من الدنيا وما فيها ففي الحديث: [أَفلا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إلى المَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِن كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، خَيْرٌ له مِن نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ له مِن ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ له مِن أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإبِلِ].

 

وعن حفظة كتاب الله قال الشاعر:

أكرِم بقومٍ أَكْرَمُوا القُرآنا

وَهَبُوا له الأرْواحَ والأبْدانا

قومٍ قَد اختارَ الإلهُ قُلوبَهُم

لِتَصِيرَ مِنْ غَرْسِ الهُدَى بُسْتَانا

زُرِعَتْ حُروفُ النورِ بينَ شِفَاهِهِمْ

فَتَضَوَّعَتْ مِسْكًا يَفِيضُ بَيَانا

رفعوا كِتَابَ اللَّهِ فَوقَ رُؤوسِهِمْ

ليكون نوراً في الظَلامِ فَكانا

سُبحانَ مَنْ وَهَبَ الْأُجُورَ لأَهْلِهَا

وهَدَى القُلوبَ وعَلَّمَ الإنسانا

وقال آخر:

طوبى لِمَن حَفِظَ الكِتابَ بِصَدْرِه

فَبَدا وَضيئاً كالنُجومِ تَألُقا

اللهُ أكبر! يا لها مِن نِعمةٍ

لمّا يُقالُ "اقرأ" فرتَّلَ وارتَقا

وتَمثَّل القرآنَ في أخلاقِه

وفِعالِه فيه الفؤادُ تَعَلَقا

وتَلاهُ في جُنحِ الدُجى مُتدبِّراً

والدَمعُ مِن بينِ الجُفونِ تَرَقرَقا

وقال ثالثٌ:

يَكْفيكَ مِن أُنسِ الحَياةِ وَطيبِها

أنْ تَحْمِلَ القُرآنَ في جَنبيكَ

تَحيا بهِ مُتدَبِّراً ومُرَتِّلاً

وَلِسانُ حالِكَ: "رَبنا لبيكَ"

 

أحبتي..

اللهم يسِّر لنا حفظ كتابك الكريم، واكتب لنا أن نكون من أهلك وخاصتك، (أهل القرآن)، واجعلنا ممن يحرصون على حفظ أبنائهم له، وأنت سُبحانك على كل شيءٍ قدير.

https://bit.ly/4p9mWvj