خاطرة الجمعة /534
الجمعة 16 يناير 2026م
(عُد إلى الله)
كتب يقول: لقد تغير صاحبي.. نعم تغير؛ ضحكاته الوقورة التي تُصافح أذنيك
كنسماتٍ نديةٍ، كانت من قبل ضحكاتٍ ماجنةً مُستهترةً تصك الآذان وتؤذي المشاعر..
نظراته الخجولة التي تنم عن طُهرٍ وصفاءٍ، كانت من قبل جريئةً وقحةً.. كلماته
الهادئة الرقيقة، كانت من قبل تخرج من فمه دون حسابٍ يُبعثرها هُنا وهُناك، تُصيب
هذا وتجرح هذا ولا يعبأ ولا يهتم.. وجهه الذي تُزينه الآن لحيةٌ وقورةٌ وتُحيط به
هالةٌ من نور ٍ، كانت ملامحه من قبل تُعبر عن عدم المبالاة.. نظرتُ إليه وأطلتُ
النظر؛ ففهم ما يدور في خلدي فقال: "لعلك تُريد أن تسألني: ماذا
غيَّرك؟"، قلتُ: "نعم هو ذاك؛ فصورتك التي أذكرها مُنذ لقيتك آخر مرةٍ
من سنواتٍ تختلف"، فتنهد قائلاً: "سُبحان الله مُغير الاحوال"،
قلتُ: "لابد أن وراء ذلك قصةً"، قال: "نعم قصةٌ كلما تذكرتها
ازددتُ إيماناً ويقيناً، قصةٌ تفوق الخيال ولكنها وقعت"، التفت إليّ وقال:
"كنتُ أقود سيارتي مُتجهاً إلى «القاهرة».. وعند أحد الجسور المُوصلة إلى
إحدى القُرى فوجئتُ ببقرةٍ تجري ويجري وراءها صبيٌ صغيرٌ.. ارتبكتُ.. واختلت عجلة
القيادة في يديّ، ولم أشعر إلا وأنا في أعماق الماء بترعة «الإبراهيمية»، ورفعتُ
رأسي إلى أعلى عسى أن أجد مُتنفساً.. لكن الماء كان يغمر السيارة، مددتُ يدي لأفتح
الباب فلم ينفتح.. هنا تأكدتُ أني لا محالة هالك. وفي لحظاتٍ، لعلها ثوانٍ، مرَّت
أمام ذهني صورٌ سريعةٌ مُتلاحقةٌ هي صور حياتي الحافلة بكل أنواع العبث والمُجون..
تمثَّل لي الماضي شبحاً مُخيفاً، وأحاطت بي الظُلمات كثيفةً، وأحسستُ بأني أهوي
إلى أغوارٍ سحيقةٍ ومُظلمةٍ؛ فانتابني فزعٌ شديدٌ فصرختُ في صوتٍ مكتومٍ: "يا
رب".. ودُرتُ حول نفسي ماداً ذراعيّ أطلب النجاة، لا من الموت الذي أصبح
مُحققاً، بل من خطاياي التي حاصرتني وضيَّقت عليّ الخناق.. أحسستُ بقلبي يخفق
بشدةٍ فانتفضتُ.. وبدأتُ أزيح من حولي تلك الأشباح المُخيفة وأستغفر ربي قبل أن
ألقاه، وأحسستُ أن كل ما حولي يضغط عليّ كأنما استحالت المياه إلى جُدرانٍ من
حديدٍ، فقلتُ إنها النهاية لا محالة؛ فنطقتُ بالشهادتين وبدأتُ أستعد للموت.. حرَّكتُ
يدي فإذا بها تنفذ في فراغٍ يمتد الى خارج السيارة.. تذكرتُ في الحال أن زجاج
السيارة الأمامي مكسورٌ.. وأن الله سُبحانه وتعالى شاء أن ينكسر في حادثٍ قبل
ثلاثة أيام! قفزتُ دون تفكيرٍ، ودفعتُ بنفسي من خلال هذا الفراغ.. فإذا الأضواء
تغمرني، وإذا بي خارج السيارة.. ونظرتُ فإذا جمعٌ من الناس يقفون على الشاطئ،
كانوا يتصايحون بكلماتٍ لم أتبينها، ولمّا رأوني خارج السيارة نزل اثنان منهم
وصعدا بي إلى الشاطئ؛ فوقفتُ ذاهلاً عمّا حولي، غير مُصدقٍ أني نجوتُ من الموت،
وأني الآن بين الأحياء! كنتُ أنظر إلى السيارة وهي غارقةٌ في الماء وأتخيل حياتي
الماضية سجينةً فيها.. أتخيلها تختنق وتموت.. لقد ماتت فعلاً، وهي راقدةٌ في نعشها
أمامي، تخلصتُ من حياتي الماضية وخرجتُ مولوداً جديداً لا يمت إلى الماضي بصلةٍ،
وأحسستُ برغبةٍ شديدةٍ في الجري والهروب بعيداً عن هذا المكان الذي دُفِنَت فيه
ذُنوبي وخطاياي.. ومضيتُ إلى البيت إنساناً آخر غير الذي خرج قبل ساعاتٍ.. دخلتُ
البيت، وكان أول ما وقع عليه بصري صورٌ مُعلقةٌ على الحائط لبعض المُمثلات ولنساءٍ
عارياتٍ، اندفعتُ إلى تلك الصُور ومزقتها، ثم ارتميتُ على سريري أبكي.. ولأول مرةٍ
أُحس بالندم على ما فرطتُ في جنب الله.. فأخذت الدموع تنساب بغزارةٍ من عينيّ،
وأخذ جسمي يهتز، وفيما أنا كذلك إذا بصوت المُؤذن يُجلجل في الفضاء، كأنه يقول لي:
(عُد إلى الله)، وكأني أسمع الأذان لأول مرةٍ؛ فانتفضتُ واقفاً وتوضأتُ وذهبتُ إلى
المسجد وصليتُ.. وبعد الصلاة أعلنتُ -بيني وبين نفسي- توبتي، ودعوتُ الله أن يغفر
لي، ومُنذ ذلك الحين وأنا كما ترى". قلتُ له: "هنيئا لك أخي، وحمداً لله
على السلامة، لقد أراد الله بك خيراً، والله يتولاك ويرعاك، ويُثبِّت على الحق
خُطاك".
أحبتي في الله.. مَن أراد الله به خيراً، سبَّب له من الأسباب ما يُعينه
على التوبة، ووفقه إلى طريق الصواب؛ ومِن هؤلاء صاحب هذه القصة، هو شابٌ يافعٌ كان
يعيش مثل بعض أقرانه؛ لا يأبه بأوامر الله ولا نواهيه، وذات ليلةٍ أراد الله به
خيراً، فرأى في المنام مشهداً أيقظه من غفلته، وأعاده إلى رُشده، يُحدثنا عن قصته
فيقول: في ليلةٍ من الليالي ذهبتُ إلى فراشي كعادتي لأنام، فشعرتُ بقلقٍ يُساورني؛
فاستعذتُ بالله من الشيطان الرجيم ونمتُ، فرأيتُ فيما يرى النائم، أن شيئاً غريباً
وضخماً قد وقع من السماء على الأرض.. لم أتبين ذلك الشيء، ولا أستطيع وصفه، فهو
مثل كُتلة نارٍ عظيمةٍ، رأيتها تهوي نحوي فأيقنتُ بالهلاك.. أصبحتُ أتخبط وأجري
أبحث عن أي مخلوقٍ يُنقذني من هذه المُصيبة... سمعتُ أناساً حولي يقولون إن هذه
بداية يوم القيامة، وإن الساعة قد وقعت، وهذه أولى علاماتها.. فزِعتُ، وتذكرتُ
جميع ما قدمتُ من أعمالٍ، الصالح منها والطالح، وندمتُ أشد الندم.. عضضتُ أصابعي
بأسناني ندامةً وحسرةً على ما فرطتُ في جنب الله.. قلتُ وقد تملكني الخوف:
"ماذا أفعل الآن؟ وكيف أنجو؟"... فسمعتُ مُنادياً يقول: "اليوم لا
ينفع الندم.. سوف تُجازَى بما عملتَ.. أين كنتَ في أوقات الصلوات؟ أين كنتَ عندما
أتتك أوامر الله؟ لِمَ لمْ تمتثل الأوامر وتجتنب النواهي؟ كنتَ غافلاً عن ربك..
قضيتَ أوقاتك في اللعب واللهو، وجئتَ الآن تبكي.. سوف ترى عذابك الآن". زادت
حسرتي لما سمعتُ المُنادي يتوعدني بالعذاب.. بكيتُ وبكيتُ ولكن بلا فائدة.. وفي
هذه اللحظة العصيبة استيقظتُ من نومي.. تحسستُ نفسي فإذا أنا على فراشي.. لم أُصدق
أني كنتُ أحلم حتى تأكدتُ من نفسي.. تنفستُ الصُعداء، لكن الخوف كان ما يزال
يتملكني؛ ففكرتُ وقُلتُ في نفسي: "إن هذا إنذارٌ لي من الله سُبحانه وتعالى..
ويوم الحشر لابدّ منه، إذن لماذا أعصي الله؟ لِمَ لا أنتهي عما حرَّم
الله؟".. أسئلةٌ كثيرةٌ جالت في خاطري ولم أجد سوى إجابةٍ واحدةٍ: (عُد إلى
الله) حتى تنجو في ذلك اليوم العظيم.. أصبح الصباح، وصليتُ الفجر، فوجدتُ حلاوةً
في نفسي.. وفي ضُحى ذلك اليوم نزلتُ لأركب سيارتي.. نظرتُ بداخلها فإذا هي مليئةٌ
بأشرطة الغناء والمُوسيقى.. تخلصتُ منها، واكتفيتُ ببعض الأشرطة الإسلامية
النافعة. بقيتُ على هذه الحال، في كل يومٍ أتقدم خُطوةً إلى طريق الهداية التي
أسأل الله أن يُثبِّتني وإياكم عليها.
ما أكثر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدعو إلى التوبة والرجوع
إلى الله؛ ومن ذلك: يقول الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ
الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ويقول سُبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي
يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبََادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾، ويقول عزَّ
وجلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾،
ويقول أيضاً: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾، ويقول
كذلك: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، كما
يقول: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ
بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، وهو القائل: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، ويقول: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى
اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ويقول أيضاً:
﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ويقول كذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي
يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا
تَفْعَلُونَ﴾.
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [قالَ اللَّهُ تبارَكَ وتعالى يا ابنَ
آدمَ إنَّكَ ما دعوتَني ورجوتَني غفَرتُ لَكَ على ما كانَ فيكَ ولا أبالي، يا ابنَ
آدمَ لو بلغت ذنوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لَكَ، ولا أُبالي،
يا ابنَ آدمَ إنَّكَ لو أتيتَني بقرابِ الأرضِ خطايا ثمَّ لقيتَني لا تشرِكُ بي
شيئًا لأتيتُكَ بقرابِها مغفرةً]،
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: [اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ
باللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ
لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِهَا]. ويقول
رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ
حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِن أَحَدِكُمْ كانَ علَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فلاةٍ،
فَانْفَلَتَتْ منه وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فأيِسَ منها، فأتَى
شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قدْ أَيِسَ مِن رَاحِلَتِهِ، فَبيْنَا هو
كَذلكَ إِذَا هو بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فأخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قالَ مِن
شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِن
شِدَّةِ الفَرَحِ]، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ
تُوبُوا إلى اللهِ، فإنِّي أَتُوبُ في اليَومِ إلَيْهِ مِئَةَ مَرَّةٍ]، ويقول
رسول الله صلى الله عليه وسلم: [كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ
التَّوَّابونَ].
ويقول أهل العِلم إن الناس جميعاً مُعرَّضون أن تَزِلَّ أقدامُهم للوقوع في
المعصية، لكن المُسلم مُرهَف الحِسِّ، رقيق القلب، حاضر الفؤاد، إذا ألمَّت به
مُخالفةٌ، وزلَّت القَدمُ به في معصيةٍ، فإن الذنب يقضُّ مضجعه ويؤرِّقه، ويُنغِّص
عليه حياته، ولا يزال كذلك، حتى يَغسِل بماء التوبة والاستغفار رِجسَ الذنب. ليس
العيب في الوقوع في الخطأ؛ فكل ابن آدم يُخطئ، وإنما تكمن المُصيبة في الإصرار على
الخطأ والتمادي في الباطل، مع أن أبواب الرحمة مُفتّحةٌ تدعونا لسُرعة العودة إلى
الله، وكأنها تُنادي كلاً منا (عُد إلى الله). إن الاعتراف بالذنب هو بداية طريق
التوبة والعودة إلى الله؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [إنَّ العَبْدَ إذَا
اعْتَرَفَ بذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللَّهُ عليه]. وإذا كان ربنا عزَّ وجلَّ
يدعونا إلى سعة رحمته، ويُقابل ضعفنا بإحسانه، فما الذي يُبطئ بنا عن إصلاح
أنفسنا؟ وما الذي يحول بيننا وبين العودة السريعة والرجوع إلى الله والتوبة
النصوح؟ ما أجدر المُذنبين أن يَعودوا إلى الله مُستغفرين تائبين؛ فما أشد حاجتنا
إلى أن نتخفَّف من الذنوب، فإنها تُثقِل الكاهل، وتُنقِض الظهرَ، وإن التخفُّف
يكون بالتوبة النصوح، وإن التخلص من أعباء الذنوب يَحصُل بالاستغفار.
أحبتي.. يقول اللَّهُ تعالى في
الحديث القُدسي: {أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ
ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ
ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ
إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ
أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً}، فهيا نُهرول جميعاً إلى الله، طالبين رحمته
وغُفرانه، مُخلصين في توبتنا وعودتنا إليه؛ إن النفوس الكبار لا تأنف أن تنصاع
للحق، ولا ترضى أن تبقى على الخطأ، ولا تمنعها مكانتها من أن تعود إلى الله.
واليوم ما أكثر المُغترين بهذه الدُنيا الفانية، والغافلين عن ذلك اليوم الرهيب ﴿یَوۡمَ
یَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِیهِ . وَأُمِّهِۦ وَأَبِیهِ . وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِیهِ﴾،
﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ
سَلِيمٍ﴾، فهلّا أصخينا السمع إلى الصوت الذي يأتينا من داخلنا ويقول لكلٍ منا:
(عُد إلى الله)؟ هلّا من عودةٍ إلى الله قبل الموت؟ ليس العيب أن نُخطئ، ولكن
العيب أن نستمر في الخطأ ونُصر على السير في طريق الضلال؛ يقول عزَّ وجلَّ:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا
اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. إن طريق العودة إلى
الله تعالى سهلٌ مُيسرٌ؛ فلنُبادر إلى توبةٍ نصوحٍ، وعودةٍ إلى الله، فتنصلح
أحوالنا، ونشعر بطُمأنينة القلب وانشراح الصدر. والحذر الحذر من التسويف؛ فكما
يُقال: "إذا ركبتَ القطار الخطأ حاول أن تنزل في أول محطةٍ؛ لأنه كلما زادت
المسافة زادت تكلفة العودة". إن الطريق للعودة إلى الله مُمهَّد، والتخلُّص
من الأوزار يكون بالاستغفار والدُعاء إلى الله أن يقبل توبتنا. وما أجمل أن يكون
استغفارنا ودعاؤنا في الثُلث الأخير من الليل، حين تتنزل رحمات الله، حين تكون
الخلائق قد أخلدت إلى النوم، وهدأت الدنيا، وغارت النجوم، وتفتَّحت أبوابُ السماء
لدعوات الداعين، ولاستغفار المُذنبين، ولاستغاثات المنكوبين، ولتضرُّعات الذين
ظلموا أنفسَهم من الناس أجمعين، ندعو الله بإخلاصٍ ونحن مُتيقنون من الإجابة؛ يقول
تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، ندعوه مهما
كبرت ذُنوبنا وزادت خطايانا وأسرفنا على أنفسنا؛ يقول سُبحانه: ﴿قُلْ يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ﴾.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا
اجتنابه. اللهم إنا نعوذ بك من الضلالة بعد الهُدى، ونعوذ بك أن نُفتن في ديننا،
وأن نُرد على أعقابنا بعد إذ هديتنا، والحمد لله رب العالمين.
https://bit.ly/4qIdNeZ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق